الخطبة : 0171 - استمرار العبادة إلى ما بعد رمضان. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0171 - استمرار العبادة إلى ما بعد رمضان.


1987-05-22

الخطبة الأولى :

 الحمد لله ، ثم الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكلي إلا على الله ، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقرارًا بربوبيته ، وإرغامًا لمن جحد به وكفر ، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر ، ما اتصلت عين بنظر ، أو سمعت أذن بخبر .
 اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد ،وعلى آله وأصحابه، وعلى ذريته ، ومن ولاه ، ومن تبعه إلى يوم الدين ، اللهم ارحمنا فإنك بنا راحم ، ولا تعذبنا فإنك علينا قادر ، والطف بنا فيما جرت به المقادير ، إنك على كل شيء قدير . اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

مقدمة :

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ يقول الله سبحانه وتعالى في الحديث القدسي :
 إن هذا الدين قد ارتضيته لنفسي ، ولا يصلحه إلا السخاء ، وحسن الخلق ، فأكرموه بهما ما صحبتموه .
 يا موسى إنك لن تتقرب إلي بشيء أحب إلي من الرضى بقضائي ، ولن تعمل عملا أحفظ عليك من النظر في أمورك .
 يا موسى لا تتضرع إلى أهل الدنيا ، فأسخط عليك ، ولا تجد بدينك لدنيا ، فأغلق عليك أبواب رحمتي .
 يا موسى من رجا غيري لم يعرفني ، ومن لم يعرفني لم يعبدني ، ومن لم يعبدني ، فقد استوجب سخطي ، ومن خاف غيري ، حلت به نقمتي .
 يا موسى خف ثلاثة ، خفني ، وخف نفسك ، وخف من لا يخافني .
 يا موسى تفرغ لعبادتي ، أملأ صدرك غنى ، وأسد فقرك ، وإلا تفعل ، أملأ يديك شغلا ، ولن أسد فقرك .
 يا موسى ، لو رأيت يسير ما بقي من أجلك ، لزهدت في طول ما ترجو من أملك .
 أيها الإخوة المؤمنون ؛ معان دقيقة جداًّ :
 من رجا غيري ، لم يعرفني ، ومن لم يعرفني ، لم يعبدني ، ومن لم يعبدني ، فقد استوجب سخطي ، ومن خاف غيري ، حلت به نقمتي .
 خفني ، وخف نفسك ، وخف من لا يخافني .
 تفرغ لعبادتي ، أملأ صدرك غنى ، وأسد فقرك ، وإلا تفعل ، أملأ يديك شغلا ، ولن أسد فقرك .
 أيها الإخوة المؤمنون ؛ رأس الدين معرفة الله عز وجل ، إذا عرفته ، عبدته ، وإذا عبدته ، أقبلت عليه ، وإذا أقبلت عليه سعدت بقربه ، الإمام الغزالي رضي الله عنه وجه رسالة إلى أحد تلاميذه ، قال فيها : النصيحة سهلة ولكن الصعب ، قبولها ، لأنها في فم من لم يتعودها مرة المذاق ، وإن من ينهل العلم ولا يعمل به ، يكن حجة عليه ، كما قال عليه الصلاة والسلام :

(( أشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه علمه ))

[رواه الطبراني في الصغير ]

 يا ولدي ، لا تكن من الأعمال مفلسا ، ولا من الاجتهاد في الطاعة خاليا ، لو قرأت العلم مئة سنة ، وجمعت ألف كتاب ، لا تكن مستعدا لرحمة الله تعالى إلا بالعمل ، رحمة الله تعالى ، لا تتنزل على القوالين ، على من يكثرون القول ، على من يعرضون على الناس عضلاتهم ، رحمة الله تعالى ، لا تتنزل إلا على المستقيمين ، الذين يعملون الصالحات ، على المتواضعين لله ، على الذين لا يأخذهم الكبر ، لا يأخذهم الكبر ، ولا تضل بهم الأهواء ، ولا تنشعب بهم الأمزجة ، رحمة الله تعالى تتنزل على من إذا قال فعل ، قال تعالى :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ ﴾

[سورة التوبة الآية : 38]

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ ﴾

[ سورة الصف الآيات : 2-3]

﴿ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا ﴾

[سورة الأنفال : 72]

﴿ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾

[ سورة البقرة الآية : 25 ]

 وردت أكثر من مئتي مرة ، آمنوا وعملوا الصالحات ، إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا ، ومن أحسن ممن دعا إلى الله وعمل صالحا ، يا ولدي ، كما يقول الإمام الغزالي ، لطالب من طلاب العلم ، لو قرأت العلم مئة سنة ، وجمعت ألف كتاب ، لا تكن مستعدا لرحمة الله تعالى إلا بالعمل .

﴿ وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى ﴾

[ سورة النجم الآية : 39 ]

﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً ﴾

[سورة الكهف الآية : 110 ]

 يا ولدي ما لم تعمل ، لن تجد الأجر ، وفيما ينسب إلى الإمام علي كرم الله وجهه : من ظن أنه من دون الجهد يصل ، فهو ممتن ، _ واقع في الأماني يعني _ والمنى بضائع الحمقى ، الحمقى بضائعهم الأمنيات ، الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها ، وتمنى على الله الأماني ، قال تعالى :

﴿ لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ ﴾

[سورة النساء الآية : 123]

 من ظن أنه من دون الجهد يصل ، فهو ممتن ، والمنى بضائع الحمقى ، وطلب الجنة بلا عمل ، ذنب من الذنوب ، وفي الأثر : ما أقل حياء من يطمع في جنتي بغير عمل ، والعلم بلا عمل جنون ، والعمل بلا علم لا يكون ، العلم بلا عمل جنون ، والعمل بلا علم لا يكون .

 

استمرار العبادة إلى ما بعد رمضان :

 هذه المقدمة أيها الإخوة الأكارم ؛ أردت منها أن أصل إلى حقيقة ، نحن في أمس الحاجة إليها بعد رمضان ، هذا الذي عبد الله في رمضان :
 في رمضان غض بصره .
 في رمضان صلى الفجر حاضرا في جماعة .
 في رمضان تصدق .
 في رمضان قرأ القرآن .
 في رمضان تحرج عن أن يسمع ما لا يرضي الله .
 في رمضان تحرج عن أن يذهب إلى حفلة لا ترضي الله ، فيها اختلاط ، فيها منكرات ، فيها غيبة ، فيها نميمة .
 في رمضان تحرج عن أن يتابع شيئا يفسد عليه عقيدته .
 فما باله في غير رمضان .
 هذا الذي يعود إلى ما كان ، فكأنه ما صام رمضان .
 رمضان من أجل أن تتوب ، وتستمر بك التوبة .
 رمضان ، تركت المباح من أجل الله ، فلأن تترك غير المباح من باب أولى .
 في رمضان تركت الطعام والشراب ، وهما شيئان مباحان ، في سبيل الله ، فلأن تترك ما حرم الله من باب أولى .
 استح من الله حق الحياء ، ما حق الحياء يا رسول الله ؟ أن تحفظ الرأس ، وما وعى ، والبطن وما حوى ، وأن تذكر الموت واِلبلى ، فإذا فعلت ذلك ، فقد استحييت من الله حق الحياء .
 لذلك أتمنى على كل من صام رمضان أن يتابع طريقه إلى الله ، أن يتابع استقامته ، أن يتابع غض بصره ، أن يتابع إنفاق ماله ، أن يتابع قراءة القرآن ، أن يتابع حضور مجالس العلم ، أن يتابع التفقه في الدين ، إن هذا العلم دين ، فانظروا عمن تأخذون دينكم ، أن يتابع الأمر بالمعروف ، أن يتابع النهي عن المنكر ، أن يقيم حدود الله في بيته ، أن يطبق شرع الله على زوجته ، أن يطبق شرع الله على بناته ، أن يطبق شرع الله في كسبه للمال ، وفي إنفاقه للمال ، وفي بيعه وشرائه ، وفي علاقاته كلها ، إذا فعل ذلك ، قطف الثمار من رمضان ، كان رمضان دورة تدريبية ، نقلت الرجل من المعصية إلى الطاعة ، من الضلال إلى الهدى ، من وحل المادة إلى درجات التقلب في رحمة السماوات والأرض ، في رحمة رب العالمين ، من الشهوة إلى العقل ، من المصلحة إلى المبدأ ، من مدافعة التدني إلى متابعة الترقي .
 لو أن كل من صام رمضان حافظ على صلاة الفجر ، ما الذي يحدث ؟
 لاحظ يا أخي ، في يومك الذي ذكرت الله في أوله ، وتفكرت في آلائه ، لا حظ كيف أنك سعيد ومطمئن النفس .
 لاحظ في اليوم الذي ذكرت الله في صباحه ، كيف أنك تحس ، وأنت تنظر إلى الأشياء ، أنك تنظر إليها من زاوية جديدة .
 لاحظ كيف أن الهدى الإلهي يسدد خطاك ، فأنت في يومك الذي ذكرت الله فيه تتفوه بكلمات صائبة ، وتقف مواقف حكيمة ، وتتخذ قرارات صحيحة .
 لاحظ كيف تصبح في هذا اليوم الذي ذكرت الله في مطلعه ، أنك ذو مناعة ضد الشيطان ، ذو مناعة ضد إغراءاته ، ومنزلقاته ، وأن إغراءات الشيطان أضعف من أن تجذبك ، وتغريك .
 لاحظ يا أخي ، في ذلك اليوم الذي ذكرت الله في أوله ، كيف أنك لا ترهب الناس ، وكيف أن خشية الله تطغى على خشية الناس ، وأن إحساسك بقوتك المعنوية ، تجعلك تقف مواقف أكثر صلابة ، ووضوحا وحزما .
 لاحظ يا أخي ، كيف أنك تترفع عن سفاسف الأمور ، وعن مشاحنات الناس ، وعن أسباب الخصام .
 لاحظ بأنك في هذا اليوم أقوى من أن يستفزك سفيه .
 لاحظ أنك في هذا اليوم ، أن حب الدنيا ، والتعلق بها ، والسعي إلى جمع حطامها ، تخف حدته .
 لاحظ يا أخي ، أنك في اليوم الذي تذكر الله فيه صباحا ، أقل حرصا على الدنيا ، وأقل فرحا بما حصلته فيها ، وأقل حزنا لما فاتك منها ، وأنك في هذا اليوم أكثر تمسكا بحدود الشرع ، وأقل تفلتا من قواعده .
 لاحظ يا أخي ، في اليوم الذي ذكرت الله في أوله أنك أكثر توفيقا في أعمالك ، ومساعيك ، وحوائجك ، وصدق النبي عليه الصلاة والسلام :

(( من أصبح وهمه الدنيا شتت الله عليه أمره وفرق عليه ضيعته وجعل فقره بين عينيه ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له، ومن أصبح وهمه الآخرة جمع الله له همه وحفظ عليه ضيعته، وجعل غناء في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة ))

[رواه الترمذي]

 لاحظ يا أخي أنك في اليوم الذي ذكرت الله في أوله ، كيف تشعر أن لك رسالة في الحياة ، تتجاوز السعي إلى مصالحك ، وحاجاتك ورزقك ، تحس أن عليك أن تهدي الناس إلى طريق الإيمان ، إلى طريق السعادة والرضوان ، في هذا اليوم ، الذي ذكرت الله في أوله ، تحس أن كل كلمة ، تتفوه بها يجب أن تكون في مرضاة الله ، وأن كل خطوة تخطوها ، يجب أن تكون تقربا إلى الله ، وأنك بتصرفاتك ، ومواقفك ، وأقوالك ، لا تمثل شخصك ، إنما تمثل دينك الحنيف ، فتخاف أن يتهم الإسلام من خلال تصرفاتك ، ومواقفك ، وتذكر قول النبي عليه الصلاة والسلام :

(( أنت على ثغرة من ثغر الإسلام فلا يؤتين من قبلك ))

 وعندها تصبح داعية إلى الله ، وإلى دينه ، عن طريق القدوة الحسنة ، وقد تتجاوز هذا المستوى ، من الدعوة إلى الله ، فتجد في نفسك الرغبة أن تقدم للناس نصحا خالصا ، فتأمر بالمعروف ، وتنهى عن المنكر ، وقد ترى أن الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، لا يجديان ، إلا إذا توددت إلى الناس ، وقدمت لهم خدمات حقيقية ، تلين بها قلوبهم ، وتفتح آذانهم ، وهكذا .
 أيها الأخ الكريم ؛ إذا صليت الصبح حاضرا ، وذكرت الله في أول ذلك اليوم ، وتلوت شيئا من كتاب الله ، لاحظ أنك تصبح نموذجا غير النموذج الغربي ، المادي الذي لا يسعى إلا لمصلحته ، ولكسبه ، ولا يقيم للأشياء قيمة ، إلا بمدى نفعها إليه ، وتدخل في نموذج المؤمن الرباني الذي يسعى إلى خير الناس ، وإلى إسعادهم ، وإلى إخراجهم من الظلمات إلى النور، ويقيم الأشياء بمدى علاقتها بهدفه النبيل .
 لاحظ يا أخي ، في اليوم الذي تذكر الله في أوله ، كيف تعامل الناس ، فإن كنت موظفا ، تبش في وجوه المراجعين ، تهتم بهم ، تغيث لهفتهم ، تعين ضعيفهم ، لا ترجئ مصالحهم ، لا تعقد معاملاتهم ، لا تجعل الناس يقفون على بابك زرافات ووحدانا ، وإذا كنت تاجرا نفذت قول النبي عليه الصلاة والسلام :

(( إن أطيب الكسب كسب التجار، الذين إذا حدثوا لم يكذبوا، وإذا وعدوا لم يخلفوا، وإذا ائتمنوا لم يخونوا، وإذا اشتروا لم يذموا، وإذا باعوا لم يمدحوا، وإذا كان عليهم لم يمطلوا ، وإذا كان لهم لم يعسروا ))

[أخرجه الأصبهاني]

 ترحم الناس ، فيرحمك الله ، تبيع السلع بسعر معتدل معقول ، يطيقه الفقير ، عندئذ يحفظك الله عز وجل ، من كل مكروه ، ومن كل ورطة ، ومن كل منزلق ، ومن كل مصيبة ، قد لا تعرف نتائجها .
 أيها الأخ الكريم ؛ قال الله تعالى في بعض الأحاديث القدسية :

(( عبدي لا تعجز عن ركعتين قبل الشمس ، أكفك النهار كله ))

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ إذا ذكرت الله في أول ذلك اليوم ، تتلذذ بخدمة خلق الله ، لأن الخلق كلهم عيال الله ، وأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله ، إذا ذكرت الله في ذلك اليوم تجعل العمل الصالح جل همك ، تسعى إليه لترضي ربك سبحانه وتعالى .
 أيها الإخوة المؤمنون ؛ تعود غلى بيتك ، حيث السكينة ، والدعة ، والوفاق ، والمحبة ، والمودة ، تعود إلى بيتك ، فإذا كل من حولك مطواع لك ، يجلك ، ويقدرك ، من هاب الله ، هابه كل شيء ، الله سبحانه وتعالى يقول : من شغله ذكري عن مسألتي ، أعطيته فوق ما أعطي السائلين .
 أيها الإخوة المؤمنون ؛ لا أريد أن أطيل عليكم فنحن في العيد ، لكن الذي ارجوه ، وأنتظره ، وأتمناه عليكم ، أن تجعلوا مما بعد رمضان ، كما كنتم في رمضان ، أفطرتم عن الطعام والشراب فقط ، دون أن تفطروا عن بقية الأوامر التي نهى الله عنها .
 أيها الإخوة المؤمنون ؛ قبل أن تُحاسبوا ، وزنوا أعمالكم ، قبل أن توزن لكم ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، وسيتخطى غيرنا إلينا ، فلنتخذ حذرنا ، الكيس من دان نفسه ، وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها ، وتمنى على الله الأماني .

والحمد لله رب العالمين
***

الخطبة الثانية :

 الحمد لله رب العالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صل ، وسلم ، وبارك على سيدنا محمد ، وعلى آله ،وأصحابه الطاهرين الطيبين .

يوم القيامة :

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ ورد في بعض الآثار ، أنه يؤتى بأناس يوم القيامة ، فيؤمر بهم إلى النار ، ويقول الله لهم ، دخلتم النار لأنكم كنتم في الدنيا ، إذا رآكم الناس ، رأوكم خاشعين ، وإذا خلوتم بأنفسكم ، بارزتموني بالعظائم ، أحببتم الناس ، ولم تحبوني ، وخفتم الناس ، ولم تخافوني ، وأجللتم الناس ، ولم تجلوني ، فليس لكم هاهنا ثواب ، ولكم عندي عظيم العذاب ، هذا الذي يخشى الناس ، ولا يخشى الله ، يرهب الناس ، ولا يرهب الله ، يعمل للناس ، ولا يعمل لله ، يعلق آماله على الناس ، ولا يعلقها على الواحد الديان .
 أيها الإخوة المؤمنون ؛ حكي أن سيدنا عليا كرم الله وجهه ، دخل مقابر المدينة ، ونادى يا أهل القبور ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، تخبرونا بأخباركم ، أم نخبركم بأخبارنا ؟ ماذا تريدون ؟ تخبرونا بأخباركم ، أم نخبركم بأخبارنا ؟ قال فوقع في قلبه أن أخبرنا بما كان بعدنا ، ما الذي حصل ؟ فقال علي كرم الله وجهه ، أما أزواجكم فقد تزوجوا ، وأما أموالكم فقد قسمت ، وأما أولادكم فقد حشروا مع اليتامى ، وأما البناء الذي شيدتم ، فقد سكنه أعداؤكم ، فهذه أخبار ما عندنا ، فما أخبار ما عندكم ؟ فوقع في خاطره أن قد تمزقت الأكفان ، وانتشرت الشعور ، وتقطعت الجلود ، وسالت المناخير ، بالقيح والصديد ، فما قدمناه وجدناه ، وما تركناه خسرناه .
 يعني لم نجد إلا ما قدمناه من العمل الصالح ، فما قدمناه وجدناه ، وما تركناه خسرناه .

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك اللهم لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شرما قضيت ، فإنك تقضي ، ولا يقضى عليك ، اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، وأكرمنا ، ولا تهنا ، وآثرنا ، ولا تؤثر علينا ، وكن لنا ، ولا تكن علينا ، لأنك أولى بنا ، اللهم اغفر ذنوبنا ، واستر عيوبنا ، واقبل توبتنا ، وفك أسرنا ، وأحسن خلاصنا ، وبلغنا مما يرضيك آمالنا ، واختم بالصالحات أعمالنا ، اللهم يا أكرم الأكرمين ، نعوذ بك من الفقر إلا إليك ، ومن الخوف إلا منك ، ومن الذل إلا لك ، نعوذ بك من عضال الداء ، ومن شماتة الأعداء ، ومن السلب بعد العطاء ، اللهم بفضلك ورحمتك ، أعل كلمة الحق ، والدين ، وانصر الإسلام ، وأعز المسلمين ، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنه على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018