الخطبة : 0038 - أنت على ثغرة من ثغر الإسلام 4 - الأفعال خير من الكلام . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0038 - أنت على ثغرة من ثغر الإسلام 4 - الأفعال خير من الكلام .


1975-06-06

الخطبة الأولى :

الحمد لله نحمده ، و نستعين به و نسترشده و نعوذ به من شرور أنفسنا و سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، و من يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً ، و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك لك ، إقراراً بربوبيته و إرغاماً لمن جحد به و كفر ، و أشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق و البشر ، ما اتصلت عين بنظر أو سمعت أذن بخبر ، اللهم صلي وسلم و بارك على سيدنا محمد و على آله و أصحابه و ذريته و من تبعه ذي إحسان إلى يوم الدين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

الأفعال خير من الكلام

لغة الفعل أبلغ من لغة القول
أيها الإخوة المؤمنون ؛ لا زلنا عند حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم :

(( أنت على ثغرة من ثغر الإسلام فلا يؤتين من قبلك ))

أخوتي المؤمنين ؛ كلما هممت أن أترك هذا الحديث الشريف إلى غيره شعرت أن الخطب التي خصصتها له لم تستنفذ معانيه التي انطوى عليها ، فقد يفهم من هذا الحديث أيضاً ، أن على المؤمن أن يكون فعَّالاً لا فوالاً ، فلغة العمل أبلغ من لغة القول ، وإنما يوزن الرجال بأعمالهم لا بأقوالهم قال تعالى :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾

[الآية:2-3 سورة الصف]

يا أخي ؛ عوَّد نفسك أن تنفذ ما تراه صواباً ، لا أن ترى تقصيرك ، فتقول لا حول ولا قوة إلا بالله ( الله يهدينا ، الله يتوب علينا ، نحنا مقصرين ، مو طالع بأيدينا شي .. تيار وجارف )
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

((الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجَزْ وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا وَلَكِنْ قُلْ قَدَرُ اللَّهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ))

[أخرجه مسلم]

أتقن عملك
وقد جاء في الحديث الشريف :

(( تعلموا ما شئتم ، فوالله لن تؤجروا حتى تعملوا بما علمتم ، وكل علم وبال على صاحبه، مالم يعمل به ، وكل الناس هلكى إلا العالمون والعالمون هلكى إلا العاملون ، والعاملون هلكى إلا المخلصون والمخلصون خطر عظيم ))

وقال عليه الصلاة والسلام :

(( لأن أمشي مع أخ في حاجة أحب إلي من أن أعتكف في مسجدي شهراً ))

فعلو الهمة من الإيمان ... ولكن العمل فليكن أداؤك له كاملاً ، وإن تصدقت بشيء فاجعله من خير مالك .
قال تعالى :

﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾

[الآية:92 سورة آل عمران]

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآَخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾

[الآية:267 سورة البقرة]

أحب الأعمال عند الله تعالى العمل المتقن

إن قدمت هدية فاجعلها مرضية عند من تهديها له
يا أخي وإن قدمت معروفاً فاجعله خالصاً من كل نقص ، ومن كل من أذى ، وإن قدمت مساعدة فاجتهد أن تكون تامة ، وإن قدمت هدية فاجعلها مرضية عند من تهديها إليه .
والآن عملك الذي ترتزق منه فليكن متقناً ..
قال عليه الصلاة والسلام :

(( إن الله يحب من العبد إذا عمل عملاً أن يتقنه ))

هكذا قال عليه الصلاة والسلام وقد قال الأمام علي كرم الله وجهه :
قيمة كل امرئ ما يحسنه ، وإذا صنعت شيئاً فاحكم صنعه ، تربح وتنجح ، وتكسب سمعة حسنة ، وإذا فتحت دكاناً ، فقدم للناس موادَّ جيدة بأسعار معتدلة ، وبالغ في إكرامهم ، والتلطف معهم ، وتحمَّل مشاحناتهم ومحاك كتهم ، ولا تنس في النهاية أنك أنت الرابح ، وإذا عملت سائقاً لسيارة عامة ، فاعتن بها ، ونظفها وكن متسامحاً بالسعر والمسافة ، ولا تنس المثل الذي يقول ( المركب يلي ما في شي لله بيغرق (
إن كانت مهنتك راقية فكن متواضعا
اجعل نصب عينيك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أفضل المعروف إغاثة الملهوف ، وإن كنت من أصحاب المهن الراقية فكن متواضعاً متسامحاً مخلصاً ، وإن كنت تاجراً فكن قنوعاً صدوقاً .
فانظر إلى الأكحال وهي حجارة لانت فصار مقرها في الأعين
أيها الإخوة ؛ هذه الحقائق ـ الإتقان ـ الصدق ـ القناعة ـ الخدمة ـ أصبحت من وسائل النجاح في كل ميدان ، وتدرس الآن في الجامعات ولا سيما في كليات الإدارة ، والعلاقات العامة ، لأنها من أسس اجتذاب الناس ، وقد تمسك بها الأجانب أيما تمسك ، فتراهم يتقنون صناعاتهم ، ويصدقون في مواصفاتها ، وفي مواعيد تسليمها ، ويتحملون جزءاً من صيانتها ، كل ذلك من أجل أن تمنحهم ثقتك ، فتستمر في تعاملك معهم ، حتى يزداد ربحهم .
أيها الإخوة ؛ إن هذه الأخلاق هي أخلاق الإسلام ، ولكنها عندهم ليست منه في شيء ، إنهم يتمسكون بها حباً في الربح الجزيل ، لا بالخلق الكريم لذلك تراهم في مجالات أخرى قساةً متوحشين ، مستعدين أن يدمروا شعباً من أجل الحفاظ على مصالحهم ، أما المؤمنون فإن هم تمسكوا بهذه الأخلاق أي حينما يتقنون أعمالهم ويصدقون في مواصفاتها ، ومواعيد تسليمها ويتعدونها بالصيانة بعد بيعها ، ويتسامحون بعلاقاتهم ، ويغيثون لهفة اللهفان فإنهم لا يطمعون بالربح الوفير بقدر ما يطمحون إلى التقرب من ربهم عن طريق خدمة عباده ، وهم لا يطيعون هواهم ، بل يطيعون ربهم وعلامة ذلك أنك تراهم في مجالات أخرى ، غير عملهم رحماء بمن يعرفون ومن لا يعرفون ... روى الطبراني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : أخلاق الغرب بقدر ربحهم وفي مجالات أخرى هم قساة

(( لا يقبل إيمان بلا عمل ، ولا عمل بلا إيمان ، ولو أن رجلاً عمل عملاً في صخرة لا باب لها ، ولا كوِّة لخرج عمله إلى الناس ، كائناً ما كان ، واعمل بفرائض الله تكن أتقى الناس ، واكلفوا من الأعمال ما تطيقون ، فإن الله لا يمل حتى تملوا ، والمؤمن مجتهداً فيما يطيق متلهفاً على مالا يطيق ، وإذا قصر العبد في العمل ابتلاه الله بالهم فطوبى لمن عمل بعلم ))

وهذه كلها أحاديث وردت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .
روى الترمذي وأحمد عن أَبي كَبْشَةَ الأَنَّمَارِيُّ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

((ثَلاثَةٌ أُقْسِمُ عَلَيْهِنَّ وَأُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا فَاحْفَظُوهُ قَالَ مَا نَقَصَ مَالُ عَبْدٍ مِنْ صَدَقَةٍ وَلا ظُلِمَ عَبْدٌ مَظْلَمَةً فَصَبَرَ عَلَيْهَا إِلا زَادَهُ اللَّهُ عِزًّا وَلا فَتَحَ عَبْدٌ بَابَ مَسْأَلَةٍ إِلا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ بَابَ فَقْرٍ أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا وَأُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا فَاحْفَظُوهُ قَالَ إِنَّمَا الدُّنْيَا لأَرْبَعَةِ نَفَرٍ عَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالًا وَعِلْمًا فَهُوَ يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ وَيَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ وَيَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا فَهَذَا بِأَفْضَلِ الْمَنَازِلِ وَعَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ عِلْمًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ مَالاً فَهُوَ صَادِقُ النِّيَّةِ يَقُولُ لَوْ أَنَّ لِي مَالًا لَعَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلَانٍ فَهُوَ بِنِيَّتِهِ فَأَجْرُهُمَا سَوَاءٌ وَعَبْدٍ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالا وَلَمْ يَرْزُقْهُ عِلْمًا فَهُوَ يَخْبِطُ فِي مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ لا يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ وَلا يَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ وَلا يَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا فَهَذَا بِأَخْبَثِ الْمَنَازِلِ وَعَبْدٍ لَمْ يَرْزُقْهُ اللَّهُ مَالا ولا عِلْمًا فَهُوَ يَقُولُ لَوْ أَنَّ لِي مَالاً لَعَمِلْتُ فِيهِ بِعَمَلِ فُلانٍ فَهُوَ بِنِيَّتِهِ فَوِزْرُهُمَا سَوَاءٌ))

[أخرجه الترمذي وأحمد]

أيها الإخوة المؤمنون ؛ بما أن المؤمن على ثغرة من ثغر الإسلام ، فقد وصف عليه الصلاة والسلام ، بعض أخلاقه ، فقال :
إن من أخلاق المؤمن قوةً في دين ، وحزماً في لين ، وإيماناً في يقين ، وحرصاً في علم ، وقصداً في غنى ، وتجملاً في فاقة ، وتحرجاً عن طمع ، وكسباً في حلال ، وبراً في استقامة ، ونشاطاً في هدى ، ونهياً عن شهوة ، ورحمة للمجهود ، وإن المؤمن من عباد الله ، لا يحيف على من يبغض ، ولا يأثم فيمن يحب ، ولا يضيع ما استودع ، ولا يحسد ، ولا يطعن ، ولا يلعن ، ويعترف بالحق ، وإن لم يشهد عليه ، ولا يتنابز بالألقاب ، في الصلاة متخشعاً إلى الزكاة مسرعاً ، في الزلازل وقوراً ، في الرخاء شكوراً ، قانعاً بالذي له ، لا يدعي ما ليس له ، ولا يجمح في الغيظ ، ولا يغلبه الشح عن معروف يريده ، يخالط الناس كي يعلم ويناطقهم كي يفهم .
لا تنس يا أخي أنه :

﴿ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ ﴾

[سورة الصف الآية:3]

فأنت على ثغرة من ثغر الإسلام فلا يؤتين من قبلك ، قال تعالى :

 

﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾

[سورة النور الآية:64]

﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾

[سورة الجاثية ]

أو كما قال .
أيها الأخوة الكرام ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وصلوا ما بينكم وبين ربكم تسعدوا ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، وسيتخطى غيرنا إلينا ، فلنتخذ حذرنا ، الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني .

والحمد لله رب العالمين
***

الخطبة الثانية :
الحمد لله رب العالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله صاحب الخلق العظيم .

الدعاء :

اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يقضى عليك ، اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اللهم صن وجوهنا باليسار ولا تبذلها بالإقتار ، فنسأل شر خلقك ، ونبتلى بحمد من أعطى ، وذم من منع ، وأنت من فوقهم ولي العطاء ، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء .
اللهم اهدنا لصالح الأعمال لا يهدي لصالحها إلا أنت ، واصرف عنا شر الأعمال لا يصرفها عنا إلا أنت .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018