الخطبة : 0488 - الكبر - الكبر بطرُ الحق وغمص الناس - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0488 - الكبر - الكبر بطرُ الحق وغمص الناس


1994-07-15

الخطبة الأولى:
 الحمد لله ثم الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكلي إلا على الله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إقراراً بربوبيته ، وإرغاماً لمن جحد به وكفر ، وأشهد أن سيدنا محمداً صَلَّى اللَه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رسول الله سيد الخلق والبشر ، ما اتصلت عين بنظر ، أو سمعت أذنٌ بخبر ، اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد ، وعلى آله وأصحابه وذريته ومن والاه ، ومن تبعه إلى يوم الدين ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

الكِبر :

 أيها الأخوة الكرام ؛ لازلنا في موضوع الكبائر ، بل لازلنا في موضوع الكبائر والتي يظنها الناس صغائر ، وليست هي بصغائر ، إنما هي كبائر ، أو هي من أكبر الكبائر ، في هذه الخطبة موضوع اليوم كبيرة الكبر والفخر والخيلاء والتيه ، الآيات التي تبين أن الكبر من أكبر الكبائر كثيرة جداً من هذه الآيات قوله تعالى :

﴿وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ ﴾

[ سورة غافر : 27]

 أيها الأخوة ؛ لسنا في صدد شرح الآيات شرحاً تفصيلياً ، ولكن إشارات خاطفة ، من لوازم المتكبر في هذه الآية أنه لا يؤمن بيوم الحساب ، وهناك من لا يؤمن بلسانه وهؤلاء قلة قليلة ، وهناك من لا يؤمن بعمله ، إذا فحصت عمله لا تجد فيه انطلاقاً من حساب ، أو عقاب ، أو مسؤولية ، أو تبعة .

﴿وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ ﴾

[ سورة غافر : 27]

 والله سبحانه وتعالى في آيات كثيرة أيضاً يؤكد :

﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ ﴾

[ سورة النحل : 23]

 من أراد أن يحبه الله عز وجل فليتواضع ، ومن أراد من يبغضه الله عز وجل فليتكبر ، لا يحب المستكبرين لأنهم باستكبارهم استغنوا عن الله ، وباستغنائهم عن الله شقوا في الدنيا والآخرة ، لا يحبهم لأنهم سببوا لأنفسهم الشقاء ، لأن الله عز وجل يقول في الحديث القدسي :

(( يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا .... ))

[ مسلم عن أبي ذر]

 آية ثالثة :

﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ ﴾

[ سورة البقرة : 34]

 في الآية الأولى قرن الله الكفر بعدم الإيمان باليوم الآخر ، وفي هذه الآية قرن الله الكبر بالكفر ، بل ربما كان الكبر سبب الكفر .
 آية رابعة :

﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ﴾

[ سورة الأعراف : 40 ]

 باب السماء مغلق عليهم ، باب الاتصال بالله ممنوع عليهم ، لأن الله سبحانه وتعالى لا يقبل إلا من كان عبداً له ، والعبودية حقيقة ، والكبر وهم وضلال .

 

الكبر باطل و المتكبر واهم :

 أيها الأخوة الكرام ؛

﴿وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ ﴾

[ سورة الأعراف : 40 ]

 تتمة الآية ، وقد فسرها بعض المفسرين أن هذا الذي يرى نفسه عظيماً لا سبيل له إلى دخول الجنة ، إلا أن يعود إلى عبوديته ، ويعترف بضعفه ، لأن هذه حقيقة ، والإنسان في أعلى درجات رقيه ، يكون في أعلى درجات عبوديته لله عز وجل ، ثم إن الله سبحانه وتعالى يقول :

﴿فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ ﴾

[ سورة يونس : 75]

 قرن الله الكبر باقتراف الجريمة ، وما من جريمة أكبر من أن تجهل الحقيقة العظمى ، وأن تكون مجرماً بحق نفسك ، ثم إن الله سبحانه وتعالى يبين أن الكبر باطل ، وأن المتكبر واهم ، وأن المتكبر بعيد عن الواقع ، وبعيد عن الحقيقة ، وبعيد عن حجمه الحقيقي .

﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ﴾

[ سورة فصلت : 15]

 هذا ليس وصفاً احترازياً ، بل هو وصفي ، ليس قيداً احترازياً كما يقول علماء الأصول ولكنه قيد وصفي ، من شأن المتكبر أنه يستكبر بغير حق ، ثم إن قلب المتكبر مطبوع عليه، محجوب عن الحقيقة .

﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ ﴾

[ سورة غافر : 35]

 قلبه مطبوع عليه ، محجوب عن الحقيقة ، محجوب عن نور الله عز وجل ، أما مصير المتكبر فهو إلى النار ، أليس في جهنم مثوى للمتكبرين ؟ ثم إن هذا المتكبر أيها الأخوة لن يصل إلى ما يريد ، لن يصل إلى ما يبتغي .

﴿إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيه﴾

[ سورة غافر : 56 ]

 الله يحول بينهم وبين ما يطمحون إليه ثم أن الله سبحانه وتعالى ينهى عن أدق مظهر من مظاهر الكبر .

﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾

[ سورة لقمان : 18 ]

 لا تمل خدك كبراً .

﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ﴾

[ سورة لقمان : 18 ]

 هذه بعض الآيات لم تشرح ، ولكن أشير من خلالها لبعض العلاقات بين الكبر ، وبين ما يلازمه من عدم إيمانٍ باليوم الآخر ، أو ما يلازمه من كفر ، أو من أن أبواب السماء مغلقة أمام المتكبر ، أو ما يلازم الكبر عادةً من إجرام ، أو أن الكبر كبر بالباطل ، وليس بالحق ، وأن الله سبحانه وتعالى يطبع على قلب كل متكبر ، وأن مصيره إلى النار ، وأن أهدافه ليست محققة ، بل إن الله سبحانه وتعالى ينهى عن أدق مظهر من مظاهر الكبر .

ما ورد في السنة الصحيحة عن الكبر :

 أيها الأخوة الكرام ؛ هذه بعض الآيات التي تبين أن الكبر كبيرة ، بل هو من أكبر الكبائر ، فماذا في السنة الصحيحة عن الكبر ؟
 أيها الأخوة الكرام ؛ روى الإمام مسلم في صحيحه ، أن رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال :

((لا يدخل الجنة أحد في قلبه مثقال ذرة من كبر ))

[‏مسلم عن ابن مسعود رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ‏]

 قد يقول قائل : وأعماله الصالحة ماذا نفعل بها ؟ أيها الأخوة ؛ حسبكم هذا المثل، لو أن ألف كيلو غرام من الحليب أصابهم عشرة غرام من النفط ، فسدت ، الكبر يفسد العمل كما يفسد الخل العسل ، لأن الكبر يتناقض مع العبودية ، لا يدخل الجنة أحد في قلبه مثقال ذرة من كبر ، وفي حديث صحيح رواه الإمام مسلم يقول عليه الصلاة والسلام :

((العظمة إزاري ، والكبرياء ردائي ، فمن نازعني فيهما ألقيته في النار ))

[ مسلم عن أبي هريرة]

 الله سبحانه وتعالى إذا بيّن عظمته ، فهذا كمال فيه ، أما الإنسان إذا ادعى عظمةً ليست فيه فهذا كذب وافتراء ، لذلك صفة الكبرياء في الله عز وجل ، من أجل أن نتعرف إليه ، من أجل أن نقبل عليه ، من أجل أن نسعد بقربه ، لابد من أن يبين الله عظمته ، وجلاله، وغناه ، وقدرته ، فالكبرياء في الله كمال ، لكن الكبرياء في إنسان ضعيف فقير جاهل ، هو كذب وبهتان لذلك :

((العظمة إزاري ، والكبرياء ردائي ، فمن نازعني فيهما ألقيته في النار ))

[البخاري عن أبي هريرة]

 وروى الإمام الطبراني على شرط مسلم :

(( ما من رجل يختال في مشيته ويتعاظم في نفسه إلا لقي الله وهو عليه غضبان ))

[الطبراني على شرط مسلم عن ابن عمر]

 حتى في المشية ، حتى طريقة تناول الطعام ، حتى في طريقة الجلوس ، حتى في طريقة قيادة المركبة ، هناك جلسة فيها كبر ، هناك حركة فيها كبر ، هناك جلوس فيه كبر، ما من رجل يختال في مشيته ، ويتعاظم في نفسه إلا لقي الله وهو عليه غضبان ، وروى ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما :

((أول ثلاثة يدخلون النار أمير مسلط ))

[ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما عن أبي هريرة]

 أي ظالم .

(( وذو ثروة من مال لا يؤدي حق الله ، وفقير فخور ))

[ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما عن أبي هريرة]

 يفتخر بلا شيء ، وروى الإمام البخاري في صحيحه : أن رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول :

((ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ، ولا يزكيهم ، ولهم عذاب أليم ؛ المسبل))

[البخاري عن أبي هريرة]

 أي المسبل إزاره كبراً ، أو الذي يرتدي ثياباً غالية ، ويتبختر فيها ، أو يتحدث للناس عن سعرها ، ومن أين اشتراها ، وكيف اقتناها ، وكيف اختار ألوانها ، بدافع الكبر ، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب ، المسبل والمنان ، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب ، ويروي الإمام البخاري ومسلم معاً حديثاً عن رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أنه قال :

((ألا أخبركم بأهل النار كل عتل جواظ مستكبر ))

[متفق عليه عن حارثة بن وهب]

 العتل ؛ الغليظ الجافي ، والجواظ ؛ الجموح المنوع ، والمستكبر ؛ معروف لديكم ما المستكبر ، هذه صفة أهل النار .

 

الفرق بين التواضع و عزة الإيمان و الكبر :

 أيها الأخوة ؛ هذه الآيات وتلك الأحاديث المتعلقة بالكبر ، لكن الموضوع أعقد من ذلك ، الموضوع متداخل الكبر مع التواضع مع العزة ، هذه الموضوعات متداخلة ، وكثيراً ما تختلط على المؤمن ، فيتكبر ويظن أن هذا عزة الإيمان ، أو يستخزي ويخنع ويظن أن هذا من التواضع ، فرق كبير بين التواضع وبين عزة الإيمان وبين الكبر .
 أيها الأخوة الكرام ؛ الكبرياء على العباد صفة رب العباد ، الذي خلق فسوى ، والذي قدر فهدى ، والذي إذا ظهر قهر ، وإذا تجلى طاشت لأنوار جلاله ألباب البشر ، الكبرياء على العباد صفة رب العباد ، بالحق ، من أجل أن نعرفه من أجل أن نقبل عليه ، من أجل أن نسعد به ، لو طرق فقير باب غني وقال هذا الغني للفقير تواضعاً أنا ليس عندي شيء ، ماذا يفعل هذا الفقير ينصرف عنه ، إذا كان غنياً كريماً يقول له اطلب أنا أعطيك ، أنا مليء فالتكبر مرةً ثانية كمال في الله عز وجل ، من أجل أن نسعد به ، لكنه نقص في الإنسان لأنه كذب وافتراء .

﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾

[ سورة الجاثية : 36 ـ 37 ]

 له وحده ، له الاختصاص ،

﴿ وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾

 أما ذلة العباد لربهم فهي بالحق لا بالباطل ، فهو الخالق العظيم ، والرب الرحيم ، والمسير الحكيم ، بديع السموات والأرض ، ذو الفضل العظيم ، رب العزة ، ذو الجلال والإكرام، إليه يرجع الأمر كله .

﴿حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا ﴾

[ سورة يونس : 24 ]

مصائر العباد رهن مشيئة الله وطوع إرادته :

 لنا وقفة مع هذه الآية في الخطبة الثانية .

﴿حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ ﴾

[ سورة يونس : 24 ]

 وهذا في آخر الزمان .

﴿وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا ﴾

[ سورة يونس : 24 ]

 مسيطرون ، غزوا الفضاء ، قهروا الطبيعة ، استغلوا خيراتها ، عبروا عن أن الإنسان هو إله الأرض ، هكذا يعتقد الغربيون ، هو صانع قدره ، الإيمان بالله لا يليق بالمجتمعات الصناعية ، بل هو أحرى بالمجتمعات الزراعية ، هذه مقولة أهل الغرب .

﴿حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾

[ سورة يونس : 24 ]

 له الخلق والأمر ، الأمر له وليس لهم .
 أيها الأخوة الكرام ؛ مصائر العباد رهن مشيئته ، وطوع إرادته ، والعباد لا يكونون في أزكى أحوالهم إلا حينما تعنو جباههم لربهم ، خاضعين له ، منيبين إليه ، عندئذٍ يعرفون حجمهم ، ووضعهم ، وضعفهم ، فيلزمون حدهم ، ولا يتجاوزونه .
 أيها الأخوة الكرام ؛ المتكبر مبطل ، متطاول ، يزعم لنفسه ما ليس لها ، والكبر جملة من الخصال الخسيسة ، في طليعتها جحد الحق ، وجهل الواقع ، وسوء العشرة ، وتجاوز القدر ، وتحقير الفضل ، جملة خصائص مرذولة ، جملة خصائص مسترذلة .
 أيها الأخوة الكرام ؛ هذا عن الكبر ، لكن هناك ذلاً ، واستخذاء ، وخنوعاً ، ليس من التواضع في شيء ، إذا توهم متوهم أن هذا تواضع فقد وقع في خطأ كبير .

 

ذلّ الشرك و الضعف ليس تواضعاً :

 أيها الأخوة ؛ أسباب الخنوع ، أسباب النفاق ، أسباب الاستخذاء ، أسباب التطامن ، قد يجهل الإنسان حقائق التوحيد ، أو يعتقد اعتقاداً فاسداً موهوماً أساسه الشرك فيذل نفسه ، ويقبل الدنية في دينه ودنياه ، لواحد من أمرين إما لخوف من أن يصاب برزقه ، أو أن يصاب بأجله ، مع أن الله جلّ جلاله قطع سلطان البشر عن الآجال والأرزاق ، كلمة الحق لا تقرب أجلاً ولا تقطع رزقاً ، هذا هو الإيمان ، فليس لأحد إليهما من سبيل ، وبيّن الله جل جلاله في كتابه العزيز أن البشر لو اجتمعوا بأسرهم أذل من أن يمنعوا شيئاً أعطاه الله ، وأقل من أن يعطوا شيئاً منعه الله ، والآية الكريمة :

﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا ﴾

[ سورة فاطر : 2]

 على الإطلاق .

﴿وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ ﴾

[ سورة فاطر : 2]

 وقال تعالى :

﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾

[ سورة يونس : 107]

 هذا الذل ليس تواضعاً ، إنه ذل الشرك ، ذل الشرك حينما تتوهم أن إنساناً ما بيده رزقك ، أو بيده حياتك ، فهذا شرك ، ومن لوازم هذا الشرك الذل ، والضعف ، هذا الذل ، ذل الشرك ، والخوف ليس من التواضع في شيء .
 سبب آخر : قد يقصر الإنسان في أداء واجبه فيستحق اللوم ، والتأنيب ، والزجر، فيسكت ، ويتواضع ، ليس هذا هو التواضع ، قد يسيء معاملة الناس ، فيأتيه عقاب فيقبل هذا العقاب ، ليس هذا هو التواضع .
 أيها الأخوة الكرام ؛ هذا الذل ذل الشرك ، وذل التقصير ، وذل الإهمال ، وذل الإساءة ليس من التواضع في شيء ، أبداً ، هي نتائج طبيعية لذنوب كبيرة ، ما أتقنت عملك ، فجاءك تقريع من جهة قوية عليك أن تسكت وألا تعد هذا تواضعاً ، إن خفت من إنسانٍ وتذللت له وبعت دينك من أجله ، ليس هذا تواضعاً ، إنه ذل الشرك.
 أيها الأخوة الكرام ؛ إن ذلة العبد لعبد مثله باطلة لا ريب ، فقد حرم الإسلام على المسلم أن يهون ، أو أن يستذل ، أو أن يستضعف .

﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة آل عمران : 139]

 وقد روي عن النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال :

((من أعطى الذلة من نفسه طائعاً غير مكره فليس منا ))

[ الطبراني عن أبي ذر]

 برئت منه ذمة النبي ، وعن أنس بن مالك أن رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:

((مَنْ أَصْبَحَ حَزِينًا عَلَى الدُّنْيَا أَصْبَحَ سَاخِطًا عَلَى رَبِّهِ ، وَمَنْ أَصْبَحَ يَشْكُو مُصِيبَةً نَزَلَتْ بِهِ ، فَإِنَّمَا يَشْكُو اللهُ عَزَّ وَجَلَّ ، وَمَنْ تَضَعْضَعَ لِغَنِيٍّ لِيَنَالَ مِمَّا فِي يَدَيْهِ أَسْخَطَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِ))

[الطبراني عن أنس بن مالك]

 وفي رواية : " من جلس إلى غني فتضعضع له - تذلل ، تمسكن ، شكا الفقر - ذهب ثلثا دينه ".

 

التداخل بين التواضع والذل وبين العزة والكبرياء :

 أيها الأخوة الكرام ؛ قلت لكم قبل قليل : هناك تداخل بين التواضع والذل ، وبين العزة والكبرياء ، هناك فروق دقيقة بينهما ، يستنبط من هذه النصوص أنه لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه ، قال عليه الصلاة والسلام :

((ابتغوا الحوائج بعزة الأنفس فإن الأمور تجري بالمقادير ))

[ورد في الأثر ]

 احتج إلى الرجل تكن أسيره ، واستغن عنه تكن نظيره ، وأحسن إليه تكن أميره ، وشرف المؤمن قيامه بالليل وعزه استغناؤه عن الناس .
 أيها الأخوة الكرام ؛ بينت قبل قليل الفرق بين التواضع والذل ، الذل : أسبابه الشرك ، أسبابه التقصير في أداء الواجبات ، أسبابه الإساءة إلى الناس ، الشرك ، أو التقصير، أو الإساءة ، يستلزمون التقريع ، والضغط ، والتخويف ، فإذا استخذى المؤمن ، أو استخذى الرجل فقد وقع في ذل خطيئته ، لا في فضيلة التواضع ، لكن اعتزاز المسلم بنفسه ، ودينه ، وربه ، هو عزة الإيمان ، وعزة الإيمان غير كبرياء الطغيان ، إنها أنفة المؤمن أن يصغر لجهة، أو أن يتضعضع في مكان ، أو أن يكون ذنباً لإنسان ، إن العزة ترفع عن مغريات الأرض ، ومزاعم الناس ، وأباطيل الحياة ، انخفاض المؤمن لخدمة المسلمين ، والتبسط معهم ، واحترام الحق الذي يجمعه بهم ، إنها إتيان البيوت من أبوابها ، وطلب العظمة من أصدق سبلها ، من كان يريد العزة ، وطلب العزة فطرة أيها الأخوة ، كما أنك محتاج إلى الطعام والشراب من أجل أن يبق جسمك حياً ، وكما أنك محتاج إلى النسل من أجل أن يبقى النوع مستمراً كل إنسان محتاج إلى أن يؤكد نفسه ، إما أن يؤكدها بقناة نظيفة سنها الله عز وجل ، أن تطيع الله فيرفعك.

﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ﴾

[ سورة الشرح : 1-4]

 وكل مؤمن له من هذه الآية نصيب ، على قدر إيمانه ، وعلى قدر عمله ، وعلى قدر إخلاصه .

﴿ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ﴾

 فمطلب النفس أن تؤكد ذاتها ، وأن يشعر الناس بأهميتها، هذا مطلب فطري ، إما أن يؤدى عن طريق إيقاع الأذى بالناس ، وهذا سبيل الشيطان، وإما أن يؤدى عن طريق طاعة الواحد الديان ، وهذا مما يرفع الإنسان في نظر الناس جميعاً.
 أيها الأخوة الكرام ؛ من كان يريد العزة فالله العزة جميعاً ، اجعل لربك كل عزك يستقر ويثبت ، فإذا اعتززت بمن يموت فإن عزك ميت .

 

أسباب العزة :

 ولكن للعزة أسباباً ، إليك هذه الأسباب ، العزة حق يقابله واجب ، ولا يسوغ لامرئ أن يطالب بماله حتى يؤدي ما عليه ، إذا كلفت بعمل فأديته على أصح وجوهه عندئذٍ لا سبيل لأحد عليك ، ولا يستطيع من فوقك ، ولا من دونك أن يتعرض إليك بلفظٍ جارح ، أو محرج ، وتستطيع أن تحتفظ بعزة نفسك أمام كل الناس ، على اختلاف مراتبهم ، حينما تسد الثغرات التي ينفذ إليك منها اللوم والتقريع ، إن ألد أعدائك حينئذٍ تهيبك ، طالبوني بالدليل ، قال تعالى :

﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ ﴾

[ سورة يونس : 26 ]

 الذين أحسنوا في أعمالهم ، في حرفهم ، في علاقاتهم ، في ذممهم .

﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا ﴾

 والمطلق على إطلاقه ، وإذا حذف المفعول به أطلق الفعل ، هذه قاعدة في اللغة .

﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾

  ما هذه الزيادة ؟ بعضهم قال : الجنة ، الحسنة في الدنيا ، والجنة في الآخرة ، وبعضهم قال : الحسنة في الدنيا ، والذكر الطيب .

﴿ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ ﴾

 إذاً العزة أساسها الاستقامة ، العزة أساسها الصدق ، الأمانة ، العزة أساسها الاستقامة على منهج الله عز وجل دون لف أو دوران ، وقد قال عليه الصلاة والسلام :

((إياك وما يعتذر منه ))

[ الطبراني عن عبد الله بن عمر ]

 وهذا الحديث يكفي ، أي عمل تضطر أن تقول : لا تؤاخذوني ابتعد عنه تبقى عزيزاً .

 

التواضع رؤية صحيحة لعظمة خالق الأكوان وشعور واقعي بضعف الإنسان :

 أيها الأخوة الكرام ؛ أما التواضع فالتواضع هو تواضع العزيز لا تواضع الذليل ، تواضع القوي لا تواضع الضعيف ، تواضع المنتصر لا تواضع المهزوم ، تواضع الشريف لا تواضع الخسيس ، تواضع المؤمن بأن الأمر كله بيد الله لا تواضع المشرك ، الذي استحوذ الخوف على قلبه ، تواضع المؤدي لواجبه لا تواضع المقصر فيه ، تواضع المتقن لعمله لا تواضع المهمل له ، تواضع المحسن لا تواضع المسيء ، يدعم هذا التوجه في معنى التواضع أن التواضع لغةً مصدر قياسي ، لفعل تواضع ، الذي على وزن تفاعل ، حيث يفيد هذا الوزن إظهار ما ليس في الواقع ، فالمتواضع ليس وضيعاً كما أن المتمارض ليس مريضاً ، والمتكبر ليس كبيراً ، والمتعاظم ليس عظيماً ، التواضع في حقيقته رؤية صحيحة لعظمة خالق الأكوان ، وشعور واقعي بضعف الإنسان ، وسلوك أصيل أساسه الانضباط والإحسان ، التواضع مظهر لعبودية الإنسان تجاه خالقه ، ونتيجة لرؤية افتقاره لفضله ، التواضع ليس سلوكاً ذكياً أساسه مصلحة راجحة ، ولا ضعفاً نفسياً أساسه توهم باطل ، أو رؤية ضبابية ، أو تقصير ، أو إهمال، أو إساءة ، إنه فضيلة الفضائل ، وهو بين دناءة الذل ، وغطرسة الكبر ، ليس كل مصل يصلي كما ورد في الحديث القدسي :

(( إنما أتقبل الصلاة ممن تواضع لعظمتي ، وكف شهواته عن محارمي ، ولم يصر على معصية ، وأطعم الجائع ، وكسا العريان ، ورحم المصاب ، وآوى الغريب ، كل ذلك لي ، وعزتي وجلالي إن نور وجهه لأضوأ عندي من نور الشمس ، على أن أجعل الجهالة له حلماً ، والظلمة نورا ، يدعوني فألبيه ، ويسألني فأعطيه ويقسم عليَ فأبره ، أكلؤه بقربي ، وأستحفظه ملائكتي ، مثله عندي كمثل الفردوس لا يمس ثمرها ، ولا يتغير حالها ))

[الديلمي عن حارثة بن وهب ]

 اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، والحمد لله رب العالمين .

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

الكبر بطرُ الحق وغمص الناس :

 أيها الأخوة الكرام ؛ حديث جامع مانع للنبي عليه الصلاة والسلام يلخص الخطبة بأكملها قال عليه الصلاة والسلام :

((الكبر بطرُ الحق وغمص الناس))

[ مسلم وأبو داود والترمذي عن عبد الله بن مسعود ]

 أي رد الحق ، وغمص الناس ؛ عدم إنصافهم ، فكل إنسان يأبى حكماً شرعياً ، يأبى نصاً قرآنياً ، لا يعبأ بحكم قرآني ، أو حكم من السنة النبوية ، لا يبالي بهما ، لا يتقيد ، هذا متكبر ، وكل إنسان يبني مجده على أنقاض الآخرين متكبر ، عدم إنصاف الناس من الكبر، ورد الحق من الكبر ، قال عليه الصلاة والسلام :

((الكبر بطرُ الحق وغمص الناس))

[ مسلم وأبو داود والترمذي عن عبد الله بن مسعود ]

 أي احتقارهم ، وبطر الحق رده وجحده ، لذلك :

﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾

[ سورة الأحزاب : 36 ]

 هذا حكم شرعي وانتهى الأمر ، أنت تفكر بالسفر أو عدم السفر ، بالزواج من هذه أو تلك ، بشراء هذا البيت أو هذا ، أما كمؤمن حقيقي فلك اختيار في حكم شرعي .

﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾

[ سورة الأحزاب : 36 ]

 هذه واحدة .
 فيا أيها الأخوة الكرام ؛ النبي عليه الصلاة والسلام أوتي جوامع الكلم ، الكبر بطرُ الحق وغمص الناس ، ولو لم تذنبوا لخفت عليكم ما هو أكبر ، ما الذي أكبر من الذنب ؟ العجب ، لأن الذنب حجاب ، لكن الذنب حجاب يمكن أن تتوب منه ، فيزول الحجاب ، لكن الكبر حجاب قد لا تتوب منه ، لذلك هو أكبر من الذنب ولو لم تذنبوا لخفت عليكم ما هو أكبر، ما الذي هو أكبر ؟ العجب العجبَ .

 

الإعجاز العلمي في الآية التالية :

 فيا أيها الأخوة الكرام ؛ محور الخطبة اليوم الكبر من أكبر الكبائر ، والآيات والأحاديث والذي ورد في السنة المطهرة يؤكد هذه الحقيقة .
 أيها الأخوة ؛ آية قرآنية ذكرتها في مطلع الخطبة وهي قوله تعالى :

﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ ﴾

[ سورة يونس : 24 ]

 وهذا مشاهد ، ما من مكان إلا والتزيينات هي في المحل الأول ، البيوت ، المحلات، الطرقات .

﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾

[ سورة يونس : 24 ]

 هذه الآية تؤكد أو تبين ما هم عليه الناس في آخر الزمان ، وقبل قيام الساعة ، الدنيا سوف تتزين ، وتتجمل قبل يوم القيامة ، حتى تصبح هذه الزينة ، وهذا التجميل غاية كل إنسان ، لا يسعى إلا إلى التزين ، وما بعد الموت خارج من حسابه كله ، وسوف يعم الشرك حتى يظن أهل الأرض أنهم قادرون عليها ، ، أي أكبر مظهر من مظاهر اقتراب الساعة شرك مستحكم بالنفوس ، وتعلق مخيف بالدنيا ، شرك ، ودنيا ، الدنيا عبر عنها الله عز وجل :

﴿ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ ﴾

  والشرك ،

﴿ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا ﴾

  أمر الساعة ، والله عز وجل قال في آية أخرى :

﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ ﴾

[ سورة النحل : 77 ]

 أين موطن الشاهد في الآية ؟ الآية فيها إشارة إلى سبق علمي أتى به القرآن الكريم ، أو ما يسمى بالإعجاز العلمي ، أو ما يسمى بدلائل نبوة عليه الصلاة والسلام .

﴿ أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً ﴾

  ما دامت الساعة كلمح البصر ، فإما أن تأتي ليلاً في ثانية واحدة ، فإما أن تأتي ليلاً ، وإما أن تأتي نهاراً ، فلماذا يقول الله عز وجل ليلاً أو نهاراً وهو الذي يعلم ؟ لو أن الله عز وجل قال : أتاها أمرنا ليلاً ، لكان هذا القرآن من صنع محمد عليه الصلاة والسلام ، لكن لأن الله يعلم أن الأرض كرة ، وأن الكرة فيها ليل ونهار دائماً، نحن الآن في النهار ، والطرف الثاني عندهم ليل ، فمادامت الساعة كلمح البصر فإذا أتت الأرض تأتي على قوم نهاراً وعلى قوم ليلاً .

﴿ أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً ﴾

 ليلاً على هؤلاء ، ونهاراً على هؤلاء .

﴿فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾

  إذاً الإعجاز العلمي في هذه الآية في كلمة أو .

﴿ أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً ﴾

  ليلاً على أناس ، ونهاراً على أناس ، وما كان أحد يعلم يوم نزل القرآن أن الأرض كرة ، إنما كانت في نظر من يسكنها منبسطة ، وكأنها سطح مستمر .
 أيها الأخوة الكرام ؛ كما أشار إلى هذه الحقيقة الإمام علي كرم الله وجهه حيث قال : " في القرآن آيات لما تفسر بعد " كلما تقدم العلم اكتشفت ، في القرآن إشارات ما كان أحد يفطن إليها حينما نزلت .

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شرّ ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك ، إنه لا يذل من واليت ، ولا يعز من عاديت ، تباركت ربنا وتعاليت ، ولك الحمد على ما قضيت ، نستغفرك ونتوب إليك ، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك . اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين . اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، ودنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر ، مولانا رب العالمين . اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك . اللهم لا تؤمنا مكرك ، ولا تهتك عنا سترك ، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين . اللهم استر عوراتنا ، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين . اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك ، ومن الفقر إلا إليك ، ومن الذل إلا لك ، نعوذ بك من عضال الداء ، ومن شماتة الأعداء ، ومن السلب بعد العطاء . اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب ، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب . اللهم صن وجوهنا باليسار ، ولا تبذلها بالإقتار ، فنسأل شرّ خلقك ، ونبتلى بحمد من أعطى ، وذم من منع ، وأنت من فوقهم ولي العطاء ، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء . اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين . اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018