الخطبة : 0487 - وحدة المسلمين - يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0487 - وحدة المسلمين - يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب.


1994-07-08

الخطبة الأولى:
 الحمد لله ثم الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكلي إلا على الله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إقراراً بربوبيته ، وإرغاماً لمن جحد به وكفر ، وأشهد أن سيدنا محمداً صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رسول الله سيد الخلق والبشر ، ما اتصلت عين بنظر ، أو سمعت أذنٌ بخبر ، اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد ، وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريته ومن والاه ، ومن تبعه إلى يوم الدين ، اللهم ارحمنا فإنك بنا راحم ، ولا تعذبنا فإنك علينا قادر ، والطف بنا فيما جرت به المقادير ، إنك على كل شيءٍ قدير ، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

الكبائر و الصغائر :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ في الخطبة السابقة تحدثت عن موضوع الصغائر ، والكبائر وبينت أن الكبيرة هي المعصية التي أوعد الله عليها حداً في الدنيا أو عذاباً في الآخرة ، أو سماها الله في القرآن كبيرة أو عظيمة .
 وقد بينت أيضاً أنه لا صغيرة مع الإصرار ، ولا كبيرة مع الاستغفار ، وأن الشيء الذي يعظم الذنب أن تستصغره ، أو أن تصر عليه ، أو أن تداوم عليه ، أو أن تذكره مفتخراً ، فهذا مما يعظم الذنوب ، أما إذا استعظمته فإنه يصغر عند الله ، أما إذا ندمت عليه ، بادرت إلى التوبة منه فهذا مضمون قول النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( لا صغيرة مع الإصرار ، ولا كبيرة مع الاستغفار ))

[ مسند الشهاب عن عبد الله بن عباس ]

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ وبينت أيضاً أن الكبائر في أذهان المؤمنين كشرب الخمر، والقتل ، والزنا ، وقد يغيب عن بعض المؤمنين أن الإضرار بالوصية من الكبائر ، ترك الجماعة من الكبائر ، هجر الأقارب من الكبائر ، النميمة من الكبائر ، كتمان العلم من الكبائر، تشبه المرأة بالرجل من الكبائر ، تشبه الرجل بالمرأة من الكبائر ، الظلم من الكبائر ، قذف المحصنات من الكبائر ، العجب من الكبائر ، وأن تقول على الله ما لا تعلم من أكبر الكبائر .

 

من أكبر الكبائر هجران المؤمنين وإيقاع العداوة فيما بينهم :

 أيها الأخوة الكرام ؛ اخترت لكم من بين الكبائر التي يتوهمها بعض المؤمنين صغائر كبيرة هجران المؤمنين ، وإيقاع العداوة فيما بينهم ، فقد قال الله عز وجل في القرآن الكريم في سورة آل عمران :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ * وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آَيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾

[ سورة آل عمران: 100-107]

 أيها الأخوة الكرام ؛ هذه الآيات كلها تتمحور حول محور واحد ، الشيء الذي يلفت النظر هو أن الله سبحانه وتعالى يحذر المؤمنين في هذه الآيات من دسائس غير المسلمين ، ويعبر في هذه الآيات عن الاتحاد بين المؤمنين بالإيمان ، ويعبر عن التفرقة بينهم بالكفر .
 والشيء الآخر هو أن الله سبحانه وتعالى يدعونا إلى الاعتصام بحبله ، إذ لا وحدة بين المسلمين إلا على أساس من هدف واحد ، ومن منهج واحد ، ومن وسائل متفق عليها، لا وحدة بين المسلمين إلا بالاعتصام بالله ، ولعل هذه الباء في كلمة

﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ ﴾

 من معانيها الاستعانة ، أي استعينوا على وحدتكم ، وعلى ألفتكم ، بحبل الله ، فإن لم يكن بيننا ما نعتصم به ، فلا يمكن أن نلتقي ، ولا يمكن أن نتحد ، ولا يمكن أن تتضافر جهودنا، ولا يمكن أن نتعاون .

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ * وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آَيَاتُ اللَّهِ ﴾

[ سورة آل عمران: 100-101]

 كتاب الله بين أيديكم ، سنة النبي عليه الصلاة والسلام بين أيديكم ، الهدف واضح ، والوسيلة واضحة ، وتختلفون ! وتتقاتلون ! سمى الله الفرقة كفراً ، وسمى الوحدة إيماناً.
 يا أيها الأخوة الكرام ؛ لابد من شيء نتحد عليه ، لابد من شيء نعتصم به ، إنه كتاب الله سماه الله حبله ، الحبل الذي يصل السماء بالأرض ، النور الذي جاءنا من عند ربنا ، المنهج الذي أنزله الله عز وجل ، الدستور الذي ينبغي ألا نحيد عنه ، هذا معنى قول الله :

﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلَا تَفَرَّقُوا ﴾

 وهذا نهي من الله عز وجل .

 

الألفة بين المؤمنين من خلق الله عز وجل :

 أيها الأخوة الكرام ؛

﴿ وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ﴾

  من خصائص المؤمنين الألفة بين قلوبهم ، فلو أنهم ليسوا كذلك فهذا مما يضعف إيمانهم ، أو ينفي عنهم الإيمان ، لأن الله سبحانه وتعالى يقول :

﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾

[ سورة الأنفال : 63 ]

 الألفة بين المؤمنين من خلق الله عز وجل ، فإن لم تكن فينبغي أن نشك في الإيمان .
 أيها الأخوة الكرام ؛ آية ثانية تفيدنا في هذا الموطن ، قال تعالى :

﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾

[ سورة الحجرات : 10 ]

 إنما تفيد القصر ، والمؤمنون أخوة تركيب اسمي من مبتدأ وخبر يفيد الثبات والاستمرار ، ولكن التركيب الفعلي كما تعلمون يفيد الحدوث والانقطاع .

﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾

[ سورة الحجرات : 10 ]

 فما لم يشعر المؤمن بانتمائه إلى مجموع المؤمنين فليس مؤمناً ، وهذا هو الأصل، فإن لم تكن هذه المودة ، والألفة ، والمحبة ، والأخوة ، فهناك حالة مرضية ينبغي أن نصلحها ، لذلك يقول الله عز وجل :

﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ﴾

[ سورة الحجرات : 10 ]

الاعتصام بحبل الله و إقامة شرعه :

 أيها الأخوة الكرام ؛ نحن في هذه الخطبة لا نشرح الآيات ، ولكن نقف عند بعض مراكز الثقل فيها ، لذلك يقول الله عز وجل :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾

[ سورة آل عمران: 102-103]

 ما العمل ؟

﴿ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ ﴾

[ سورة آل عمران: 104 ]

 أمر إلهي ، وكل أمر في القرآن الكريم يقتضي الوجوب .

﴿ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾

[ سورة آل عمران: 104 ]

 ولعل كلمة الخير في هذه الآية بحسب السياق تدعو إلى الوحدة بين المسلمين .

﴿ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ ﴾

  يأمرون بإقامة شرع الله ، فالحسن ما حسنه الشرع ، والمنكر ما أنكره الشرع .

﴿ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾

[ سورة آل عمران: 104 ]

 ثم يقول الله عز وجل :

﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾

[ سورة آل عمران: 105]

 اتعظوا بمن قبلكم ، بالذين اختلفوا ، وتفرقوا ، فهلكوا في الدنيا ، واستحقوا العذاب في الآخرة ، والشيء الذي تختم به الآيات أن الله سبحانه وتعالى يبين المصير الأبدي لهؤلاء الذين اختلفوا ، وتنازعوا ، وتباغضوا .

﴿ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ﴾

[ سورة آل عمران: 106]

 والمقصود بالكفر هنا التفرقة .

﴿ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ ﴾

[ سورة آل عمران:106-107]

 الذين وفقوا ، وتعاونوا ، وائتلفوا .

﴿ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾

[ سورة آل عمران:107]

التحذير من الإصغاء لدسائس غير المسلمين :

 أيها الأخوة الكرام ؛ كما قلت قبل قليل : هذه الآيات الكريمة لها محور واحد تتمحور عليها ، أولاً : ربنا يحذرنا من الإصغاء لدسائس غير المسلمين ، ويعبر عن وحدتنا بالإيمان ، وعن تفرقتنا بالكفر ، ويدعونا إلى الوحدة ، والاعتصام على أساس من كتاب الله ، وسنة رسوله .

﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً ﴾

 عن التفرقة ، ويبين لنا ماذا حلّ بالأمم الذين اختلفوا من بعد ما جاءتهم البينات ، ثم يبين المصير الأبدي للذين سعوا بين المؤمنين ، وشقوا صفوفهم ، وأورثوا بينهم العداوة والبغضاء ، ويبين مسعى هؤلاء الذين وفقوا وألفوا كيف أنهم في رحمة الله هم فيها خالدون .

 

العداوة و البغضاء بين المسلمين عقاب إلهي بسبب خروجهم عن منهجه :

 أيها الأخوة الكرام ؛ ربنا سبحانه وتعالى ينهانا أن نخرج عن منهجه ، يتوعدنا إذا خرجنا عن منهجه بعداوة بين المسلمين ، بحيث أن هذه العداوة لا تقل في قسوة العقوبة عن الزلازل والصواعق ، قال تعالى :

﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾

[ سورة الأنعام : 65 ]

 فكأن هذه الفرقة ، وهذا الاقتتال ، وهذه العداوة ، وتلك البغضاء عقاب إلهي بسبب خروجنا عن منهج الله ، وعدم اعتصامنا بكتاب الله .
 أيها الأخوة الكرام ؛ الله سبحانه وتعالى يخاطب النبي عليه الصلاة والسلام ويقول له :

﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾

[ سورة الأنعام : 159 ]

 لك أن تتبرأ منهم ، ليسوا منك ، ولست منهم ، وقد أشار النبي عليه الصلاة والسلام في أحاديث كثيرة تبدأ بكلمة ليس منا :

((لَيْسَ مِنَّا مَنْ دَعَا إِلَى عَصَبِيَّةٍ ، وَلَيْسَ مِنَّا مَنْ قَاتَلَ عَلَى عَصَبِيَّةٍ ، وَلَيْسَ مِنَّا مَنْ مَاتَ عَلَى عَصَبِيَّةٍ ))

[ أبو داود عن جبير بن مطعم]

((ليس منا من عمل بسنة غيرنا))

[كنز العمال عن ابن عباس]

((ليس منا من غشّ مسلماً ، أو ضره ، أو ماكره ))

[ كنز العمال عن علي]

((لَيْسَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ لَمْ يُجِلَّ كَبِيرَنَا ، وَيَرْحَمْ صَغِيرَنَا ، وَيَعْرِفْ لِعَالِمِنَا حَقَّهُ ))

[ أحمد عن عبادة بن الصامت]

((وليس مني ذو حسد ولا نميمة ولا كهانة ))

[الطبراني وابن عساكر عن عبد الله بن بسر]

 أيها الأخوة الكرام ؛ الله سبحانه وتعالى يقول :

﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾

[ سورة المائدة : 8 ]

 أي لا تحملنكم عداوة قوم على أن تظلموهم ،

﴿ اعْدِلُوا ﴾

  إن عدلكم معهم يقربهم إليّ ، وإن عدلهم معكم يقربكم أنتم إلي .

﴿ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾

 فإذا كنت أيها المؤمن مأموراً بأن تنصف غير المؤمنين فكيف بالمؤمنين الذين هم منك وأنت منهم ؟

 

الدعوة إلى الله أساسها الاتباع والدعوة إلى الذات أساسها الابتداع :

 أيها الأخوة الكرام ؛ قال تعالى :

﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾

[ سورة الروم : 31 ـ 32 ]

 قال علماء التفسير : العلاقة بين كلمة

﴿ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾

 وبين الذين

﴿ فَرَّقُوا دِينَهُمْ ﴾

 علاقة ترابطية ، فهذا الذي يفرق بين المؤمنين ويدعو إلى ذاته ، هذا وقع في الشرك وهو لا يدري ، فهناك دعوة إلى الله أساسها الاتباع ، وأساسها التعاون ، وأساسها الإنصاف ، وهناك دعوة إلى الذات ، أساسها الابتداع ، وأساسها الطعن في الآخرين ، وأساسها التنافس قال تعالى :

﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾

[ سورة التوبة : 67 ]

 من جنس واحد :

﴿يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ ﴾

[ سورة التوبة : 67 -68]

 وبالمقابل :

﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾

[ سورة التوبة : 71 ]

 دقق أيها الأخ الكريم :

﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾

[ سورة التوبة : 67 ]

 من جنس واحد ، من مستوى متدنٍ واحد ، من نفسية مريضة واحدة ، من أثرة واحدة ، من هدف أرضيٍ واحد ، أما المؤمنون ؛

﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾

[ سورة التوبة : 71 ]

 أي يتعاونون ، ينصح بعضهم بعضاً ، يأخذ بعضهم بأيدي بعضهم الآخر ، مجتمعهم متماسك ، أساسه المحبة ، والألفة ، والود .

﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾

[ سورة التوبة : 71 ]

رضا الله أكبر شيء يناله الإنسان في حياته المطلقة :

 وموطن الثقل في الآية كلمة :

﴿ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ﴾

  أي وعدهم الله بجنة عرضها السموات والأرض ، وبرحمة من لدنه .

﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾

[ سورة التوبة :72 ]

 إن أكبر شيء يناله الإنسان في حياته المطلقة ، الدنيا والآخرة أن يكون الله راضياً عنه ،

﴿ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾

 في هاتين الآيتين أيها الأخوة الآية الأولى :

﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾

[ سورة التوبة : 67 ]

 والآية الثانية :

﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾

[ سورة التوبة : 71 ]

 ولكننا في آية أخرى نفاجأ أن الكفار بعضهم أولياء بعض ، لكن يأخذ هذا المعنى اتجاهاً آخر ، قال تعالى :

﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا ﴾

[ سورة الأنفال : 72 ]

 لابد لك من موقف ، لابد لك من التزام ، لابد لك من حركة باتجاه طاعة الله عز وجل ، فإن لم تفعل فلست من الله في شيء :

﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾

[ سورة الأنفال : 72 ]

تعاون المسلمين و تقاربهم يبعد عنهم خطط أعدائهم و بث الفتنة بينهم :

 الآن دققوا .

﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ﴾

[ سورة الأنفال : 73]

 هنا المعنى أنهم يتعاونون عليكم ، يأتمرون عليكم ، يخططون لإهلاككم ، لإيقاع العداوة والبغضاء بينكم ، لتفتيتكم ، لبث الفتنة فيكم ، لصرفكم عن دينكم ، لصرفكم عن آخرتكم.

﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ ﴾

  يا ترى هذه الهاء على من تعود ؟

﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ﴾

﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ ﴾

  أي إن لم تؤمنوا ، وتهاجروا ، وتجاهدوا بأموالكم ، وأنفسكم ، وإن لم تؤووا ، وتنصروا ، وتتعاونوا ، وتتفقوا ، وتتقاربوا ، إلا تفعلوا ذلك .

﴿تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ ﴾

[ سورة الأنفال : 73]

 إن لم تتعاونوا تعاون الكفار عليكم ، إن لم تتقاربوا تقاربوا على حسابكم ، إن لم يبذل بعضكم لبعض بذلوا أموالهم من أجل تدميركم آية دقيقة جداً .

﴿ إِلَّا تَفْعَلُوهُ ﴾

 إلا تفعلوا أن تؤمنوا ، وأن تهاجروا ، وأن تجاهدوا بأموالكم ، وأنفسكم ، وأن تؤووا ، وأن تنصروا ، وأن تتعاونوا .

﴿إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ ﴾

[ سورة الأنفال : 73]

 أيها الأخوة الكرام ؛ كل هذه الآيات حول محور واحد ، لابد من التعاون ، لابد من الإنصاف ، لابد من التقارب ، لابد من الألفة ، إذا كان خالق الكون يقول : لو أنفقت يا محمد

﴿ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ﴾

 فالألفة من خلق الله ، فإن لم تكن فقد انعدمت أسبابها ، وسببها الإيمان .

 

ما ورد عن وحدة المسلمين في السنة الشريفة :

 أيها الأخوة الكرام ؛ هذا من خلال الكتاب ، فماذا من خلال السنة ؟ استمعوا .
 يقول سيدنا عمر بن الخطاب ، حينما خطب أصحابه في الجابية ، وقد نقل الحديث ابنه :

(( عليكم بالجماعة ، وإياكم والفرقة ، فإن الشيطان مع الواحد ، وهو من الاثنين أبعد ، ومن أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة ))

[الترمذي عن عمر بن الخطاب ]

 ويقول عليه الصلاة والسلام :

((إن الله لا يجمع أمتي على ضلالة ، ويد الله مع الجماعة ، ومن شذّ شَذّ في النار ))

[الترمذي عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ]

 وقد قال العلماء : النبي عليه الصلاة والسلام معصوم بمفرده ، وأمته معصومة بمجموعها :

((إن الله لا يجمع أمتي على ضلالة ، ويد الله مع الجماعة ، ومن شذّ شَذّ في النار ))

[الترمذي عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ]

 وفي الصحيحين أنه :

(( من فارق الجماعة شبراً فمات فميتته جاهلية ))

[البخاري عن ابن عباس]

((ولا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه))

[ متفق عليه عن أنس]

 ومن حديث البخاري عن أنس رضي الله عنه :

((لا تباغضوا ))

[البخاري عن أنس]

 أي لا تفعلوا أسباب البغضاء ، البغض شعور نفسي لا يملكه الإنسان ، ولكن يملك ألا يفعل أسبابه ، لا تباغضوا ، ولا تحاسدوا ، لا تفعلوا أسباب الحسد ، لا تخرج على قومك بزينتك ، لا تباه بما عندك ، لا تباغضوا ، ولا تحاسدوا ، ولا تدابروا ، لا تفعلوا أسباب التدابر ، وكونوا عباد الله إخوانا .

(( ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام ))

[متفق عليه عَنِ أنس ]

 الحديث في البخاري وقد رواه أنس بن مالك ، وفي البخاري أيضاً : يقول عليه الصلاة والسلام :

((لا يحل لرجل أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليالٍ ، يلتقيان ، فيعرض هذا ، ويعرض هذا ، وخيرهما الذي يبدأ صاحبه بالسلام ))

[متفق عليه عَنِ أنس ]

 وفي البخاري أيضاً يقول عليه الصلاة والسلام :

((إياكم والظن))

[متفق عليه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]

 أي إياك أن تحكم على شخص حكماً أساسه الظن ، لا ، بل أساسه اليقين .

((إياكم والظن))

[متفق عليه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]

 إياك أن تتخذ موقفاً من خبر ظنيٍ ليس صحيحاً ، إياك أن تأخذ موقفاً ، إياك أن تطلق حكماً ، إياك أن تتحرك وفق ظنٍ .

((إياكم والظن))

[متفق عليه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]

 فإن الظن أكذب الحديث ، ولا تحسسوا ، ولا تجسسوا ، ولا تباغضوا ، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخواناً ، التحسس تتبع الأخبار الطيبة ، والتجسس تتبع الأخبار السيئة ، والحديث ينهى عن التحسس والتجسس ، طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس ، ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ، وفي صحيح مسلم أن رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول :

((المسلم أخ المسلم لا يظلمه ، ولا يخذله ، ولا يحقره ، بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم ، كل المسلم على المسلم حرام دمه ، وماله ، وعرضه ))

[مسلم في صحيحه عن أبي هريرة]

 عرضه أي سمعته ، وإن من أكبر الكبائر استطالة الرجل في عرض أخيه المسلم، أن تتحدث عنه بما يكره إنه من أكبر الكبائر .

 

المحبة شرط للإيمان والإيمان شرط لدخول الجنة :

 أيها الأخوة الكرام ؛ وروى الإمام الترمذي عن رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال :

((إياكم وسوء ذات البين فإنها الحالقة لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين))

[الترمذي عَنْ أبي الدرداء]

 إذا أردت أن يستأصل الدين من بين مجتمع مسلم فازرع بينهم العداوة والبغضاء :

((لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ، ولا تؤمنوا حتى تحابوا ))

[مسلم عن أبي هريرة]

 فالمحبة شرط للإيمان ، والإيمان شرط لدخول الجنة ، وروى ابن ماجه عن رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( ثلاثة لا ترتفع صلاتهم فوق رؤوسهم شبراً رجل أمّ قوماً وهم له كارهون ، وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط ، وأخوان متصارمان ))

[ ابن ماجه عن ابن عباس]

 كلاهما لا تقبل صلاتهما ، ولا ترتفع صلاتهما فوق رؤوسهما شبراً ، وروى أبو داود أنه من هجر أخاه سنة فهو كسفك دمه ، كأنه قتله ، وروى الإمام مسلم في صحيحه :

((إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ وَلَكِنْ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ))

[مسلم عن جَابِرٍ ]

 إيقاع العداوة والبغضاء فيما بينهم . تبين أن إيقاع العداوة بين المؤمنين ، والطعن فيهم ، وتفريقهم شيعاً وأحزاباً من أكبر الكبائر ، وأن الله سبحانه وتعالى سمى هذا كفراً في الآية الكريمة ، وبينت لكم كيف أن المؤمنين إن لم يتعاونوا ، ويتفقوا ، ويزيلوا ما بينهم من خصومات، يتعاونون فيما اتفقوا ، ويعذر بعضهم بعضاً فيما اختلفوا ، فإن أهل الدنيا ، وأهل الكفر سيتعاونون عليهم ليمزقوهم شر ممزق .
 يا أيها الأخوة الكرام ؛ وإن التفرقة بين المؤمنين نوع من الشرك .
 اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، والحمد لله رب العالمين .

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

أسباب نزول الآيتين التاليتين :

 أيها الأخوة الكرام ؛

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ * وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آَيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾

[ سورة آل عمران: 100-101]

 اسمعوا ودققوا ؛ نقل الحافظ السيوطي في الدر المنثور في سبب نزول هذه الآيات جملة آثار عن بعض الصحابة والتابعين أكثرها تفصيلاً ما أخرجه ابن إسحاق ، وابن جرير عن زيد بن أسلم قال : مرة شاس بن قيس - وكان شيخاً قد أغبر في الجاهلية ، عظيم الكفر ، شديد الضغن على المسلمين ، شديد الحسد عليهم - مرّ على نفر من أصحاب رسول الله ، من الأوس والخزرج ، في مجلس قد جمعهم يتحدثون ، مؤتلفة قلوبهم ، حينما رآهم على هذه الحالة غاظه ذلك ، فغاظه ما رأى من ألفتهم ، واجتماعهم ، وصلاح ذات بينهم ، بعد الذي كان بينهم من العداوة والبغضاء في الجاهلية فقال : قد اجتمع ملأ بني قيلة بهذه البلاد والله مالنا معهم إذا اجتمعوا من قرار ، اجتمعوا ، واتفقوا ، وتآلفوا ، وتعاونوا ، وأصبحت المودة بادية على وجوههم ، قال : والله لقد اجتمع ملأ بني قيلة بهذه البلاد ، والله مالنا معهم إذا اجتمعوا من قرار، فأمر فتىً شاباً معه ، فقال : اعمد إليهم ، فاجلس معهم ، ثم ذكرهم بيوم بعاث ، يوم اقتتلت فيه الأوس والخزرج ، وكان الظفر فيه للأوس على الخزرج ، ففعل هذا الشاب ، فتكلم القوم عند ذلك ، وتنازعوا ، وتفاخروا ، حتى تواثب رجلان من الحيين فتقاولا ، ثم قال أحدهما لصاحبه : إن شئتم رددناها الآن جذعةً ، وغضب الفريقان جميعاً ، وقالوا : قد فعلنا السلاحَ السلاح ، موعدكم الظاهرة أي الحرة ، فبلغ ذلك رسول الله ، فخرج إليهم ، فيمن معه من المهاجرين من أصحابه ، حتى جاءهم فقال : يا معشر المسلمين ، اللهَ الله أبدعوه الجاهلية وأنا بين أظهركم ؟ أبعد إذ هداكم الله إلى الإسلام ، وأكرمكم به ، وقطع عنكم أمر الجاهلية ، واستنقذكم به من الكفر ، وألف بينكم ، ترجعون إلى ما كنتم عليه كفاراً ؟ فعرف القوم أنها نزغة من الشيطان ، وكيد من عدوٍ لهم فبكوا ، وتعانقوا ، ثم انصرفوا مع رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سامعين مطيعين ، قد أطفأ الله عنهم كيد عدو الله شاس ، وأنزل الله فيهم وبما صنع هذه الآيات ، فهذه الآيات هذه أسباب نزولها .

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ * وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آَيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾

[ سورة آل عمران: 100-101]

على المسلمين أن يكونوا صفاً كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً :

 أيها الأخوة : على كل مسلم أي يقيم جسوراً مع أخيه المسلم ، أن يقدم ما يجعل الألفة بينهم ظاهرة ، أن يتعاون مع أخيه بشتى الوسائل ، ليكون المسلمون كما قال عليه الصلاة والسلام :

((كالجسد الواحد ، إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ))

[متفق عليه عن النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ]

 ليكون المسلمون صفاً كالبنيان المرصوص ، يشد بعضه بعضاً .
 أيها الأخوة الكرام ؛ أريد أن أبين لكم هذه الحقيقة ؛ إن جزءاً كبيراً من دينك ، علاقتك بالآخرين علاقة إيجابية ، فإن لم تكن هذه العلاقة إيجابية وكانت مبنية على التنافس ، والعداوة ، والبغضاء ، فإن جزءاً كبيراً من دينك ينهار ، إياكم وفساد ذات البين ، فإنها الحالقة ، لا أقول حالقة الشعر ولكن أقول حالقة الدين ، وكلكم يرى كيف أن المسلمين في شتى بقاع الأرض يكاد لهم ، هذا الكيد إن لم نقابله بوحدة ، بمودة ، بأخوة ، بتعاون ، بإنصاف ، فإن هذا الكيد يفعل فعله فينا ، وذكرت هذه الآيات ، وهذه أسباب نزولها ، وكيف أن الله سبحانه وتعالى سمى التفرقة كفراً ، وسمى الوحدة إيماناً ، وكيف تكفرون وكتاب واحدٌ بين أيديكم ؟ وسنة واحدة تعرفونها ؟ وهدف واحد تسعون إليه ؟ وطريقة واحدة تتبعونها ؟ فهذا من أعجب العجب أن يتفرق المسلمون مع ما يملكون من وسائل وحدتهم ، وألفتهم ، ومحبتهم .

((لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ، ولا تؤمنوا حتى تحابوا ))

[مسلم عن أبي هريرة]

 حيث ما ذكرت كلمة البغضاء والمحبة ، هذه مشاعر لا تملكها أنت ، مشاعر عفوية ولكن تملك أسباب المحبة ، أن تعتذر ، أن تثني ، أن تنصف ، تملك أسباب المحبة ، أن تلتمس لأخيك عذراً ، ألا تأخذه بخبر ظني ، أن تأخذه بخير يقيني ، تملك أسباب المحبة ، وتملك أسباب العداوة ، الغيبة تنتهي إلى العداوة ، النميمة تنتهي إلى العداوة ، عدم الإنصاف ينتهي إلى العداوة ، الطعن ينتهي إلى العداوة ، إذا وجدت في الأحاديث كلمة البغضاء ، أو كلمة المحبة فالمقصود أن تفعل أسباب المحبة ، وأن تنتهي عن أسباب البغضاء .

 

المحبة والألفة صحة جسدية والحسد والضغينة والعداوة مرض جسدي ونفسي :

 شيء آخر أيها الأخوة : كلما ازداد تقدم العلم ولاسيما العلم الطبي تزداد القناعة بأن أحد أكبر أسباب الأمراض الشدة النفسية ، الشدة النفسية لها تأثير خطير على القلب ، والأوعية ، والضغط ، وعلى الأعصاب ، والعضلات ، وعلى جهاز الهضم ، إن أكثر الأمراض استعصاءً لعل من أكبر أسبابها الشدة النفسية ، وإن العداوة ، والبغضاء ، والحسد ، والتنافس ، والطعن ، والتفرقة ، والتشرذم ، هذه كلها تجعل في النفس مرضاً نفسياً شديداً هو أحد أكبر أسباب الأمراض ، فالمحبة صحة ، والبغضاء مرض ، المحبة والألفة صحة جسدية ، والحسد والضغينة والعداوة مرض جسدي قبل أن يكون نفسياً .
أيها الأخوة الكرام ؛ ما ذكرت لكم إلا آيات قرآنية وأحاديث صحيحةً ، هذا منهجنا، هذا كتابنا ، وهذه سنة نبينا .

﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ ﴾

[ سورة المرسلات : 50]

 هل هناك أقوى من هذه الحجج ؟ آيات كريمة نزلت في أناس اختلفوا ، والنبي بين أظهرهم ، وكتاب الله يتلونه آناء الليل وأطراف النهار ، والأحاديث الصحيحة كلها تؤكد أن لابد من التعاون ، لابد من المحبة ، لابد من الألفة ، لابد من أن تلتمس لأخيك سبعين عذراً ، لابد من أن تتعاون معه ، لابد أن تقدم له ، لابد من أن تشعر بانتمائك إلى مجموع المؤمنين .
 أيها الأخوة الكرام ؛ لعل مناسبة هذه الخطبة ما تسمعون ، ماذا يجري بين الشمال والجنوب ؟ أهذا هو حال المؤمنين ؟ أهذا هو مصير المسلمين ؟ أي يقتتلوا فيما بينهم .
 أيها الأخوة المؤمنون ؛ عليكم بالجماعة ، وإياكم والفرقة ، فإن الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد ، وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية .

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شرّ ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك ، إنه لا يذل من واليت ، ولا يعز من عاديت ، تباركت ربنا وتعاليت ، ولك الحمد على ما قضيت ، نستغفرك ونتوب إليك ، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك . اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين . اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، ودنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر ، مولانا رب العالمين . اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك . اللهم لا تؤمنا مكرك ، ولا تهتك عنا سترك ، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين . اللهم استر عوراتنا ، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين . اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك ، ومن الفقر إلا إليك ، ومن الذل إلا لك ، نعوذ بك من عضال الداء ، ومن شماتة الأعداء ، ومن السلب بعد العطاء . اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب ، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب . اللهم صن وجوهنا باليسار ، ولا تبذلها بالإقتار ، فنسأل شرّ خلقك ، ونبتلى بحمد من أعطى ، وذم من منع ، وأنت من فوقهم ولي العطاء ، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء . اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين . اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018