الخطبة : 0486 - قال تعالى ، إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه.... - سيدنا عمر والغلام. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0486 - قال تعالى ، إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه.... - سيدنا عمر والغلام.


1994-07-01

الخطبة الأولى:
 الحمد لله ثم الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكلي إلا على الله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إقراراً بربوبيته ، وإرغاماً لمن جحد به وكفر ، وأشهد أن سيدنا محمداً صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رسول الله سيد الخلق والبشر ، ما اتصلت عين بنظر ، أو سمعت أذنٌ بخبر ، اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد ، وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريته ومن والاه ، ومن تبعه إلى يوم الدين ، اللهم ارحمنا فإنك بنا راحم ، ولا تعذبنا فإنك علينا قادر ، والطف بنا فيما جرت به المقادير ، إنك على كل شيء قدير ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

الذنوب منها ما هو من الكبائر ومنها ما هو من الصغائر :

 أيها الأخوة الكرام ؛ قبل خطبتين بدأت خطبة حول حديث قاله ابن عباس رضي الله عنه : " ثماني آيات في سورة النساء هن خير لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس وغربت "، الآية الأولى :

﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾

[ سورة النساء : 26 ]

 والآية الثانية :

﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُم﴾

[ سورة النساء : 27 ]

 والآية الثالثة :

﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ ﴾

[ سورة النساء : 28 ]

 أن يبين لكم ، وأن يتوب عليكم ، وأن يخفف عنكم ، كانت هذه الآيات الثلاث محور الخطبة التي كانت قبل أسبوعين ، وجاء موضوع الهجرة ، والآن نعود إلى متابعة هذه الآيات .
 الآية اليوم من هذه الآيات التي قال عنها ابن عباس رضي الله عنه : " هن خير لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس وغربت " الآية الرابعة :

﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً ﴾

[ سورة النساء : 31 ]

 أيها الأخوة الكرام ؛ هناك إجماع بين علماء المسلمين على أن الذنوب منها ما هو من الكبائر ، ومنها ما هو من الصغائر ، والدليل القرآني على هذا قوله تعالى :

﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً ﴾

[ سورة النساء : 31 ]

 والدليل الثاني قوله تعالى :

﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾

[ سورة النجم : 32 ]

 وفي السنة المطهرة في الحديث الصحيح ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

((الصلوات الخمس ، والجمعة إلى الجمعة ، ورمضان إلى رمضان ، مكفرات ما بينهن إذا اجتنب الكبائر ))

[ مسلم عن أبي هريرة ]

ما قاله الصحابة الكرام والتابعون الأجلاء والعلماء العاملون عن اللمم :

 أيها الأخوة الكرام ؛ لكن المشكلة هي أن المسلم يرتكب الكبيرة ويظن أنها من اللمم ، هنا المشكلة ، فيا ترى ما معنى قوله تعالى :

﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾

[ سورة النجم : 32 ]

 ما معنى كلمة اللمم ؟ لا شك أن هذا الاستثناء ليس استثناء متصلاً ، أي أن اللمم ليس من الكبائر ، إنه استثناء منقطع ، وحينما يكون المستثنى من غير جنس المستثنى منه فالاستثناء منقطع .

﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾

[ سورة النجم : 32 ]

 فاللمم من الصغائر ، ولكن ماذا قال الصحابة الكرام والتابعون الأجلاء والعلماء العاملون عن اللمم ؟ لا ينبغي أن نفهم اللمم على ما نريد ، ينبغي أن نفهمه على ما هو عليه ، لا على ما نريد ، وكلكم يعلم أن العلم وصف الشيء بما هو عليه ، لا بما ليس فيه ، فكل من تصور اللمم تصوراً لا يمت للحقيقة بصلة فقد وقع في شرّ عمله ، ودائماً أقول لكم أيها الأخوة إن الجاهل يفعل بنفسه ما لا يستطيع عدوه أن يفعله به .
 أيها الأخوة الكرام ؛ اللمم في رأي بعض العلماء هو أن يلم الإنسان بالذنب ثم لا يعود إليه ، والمؤمن إذا عرف أنه ذنب يقلع عنه فوراً ، فإذا ألمّ الإنسان بذنب دون أن يعلم أنه ذنب ، وحينما علم أنه ذنب أقلع عنه لتوه فهذا الذنب من اللمم ، لأن الله غفور رحيم ، وكل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون ، فمن ألمّ بذنب وعلم أنه ذنب فأقلع عنه لتوه فهو من اللمم ، هذا هو المعنى الأول للمم .
 واللمم أيضاً ما ألمّ بالقلب دون أن يفعله الإنسان فهو من اللمم ، لو أن الإنسان حدثه قلبه أن يفعل مخالفة ، أو معصية ، ولم يفعلها خوفاً من الله عز وجل ، فهذا الحديث الداخلي في شأن المعصية إن لم تقترف فهو من اللمم ، وينصح علماء القلوب أن الخواطر التي تجري في داخل الإنسان إن لم يقلع عنها صاحبها ، إن استمرأها ، واستمرّ معها ، ربما انقلبت إلى ذنب حقيقي ، لذلك المؤمن يستعيذ بالله من وسوسة الشيطان الرجيم ، فالشيء الذي يحدث الإنسان به نفسه من دون أن يفعله هو اللمم وهو المعنى الثاني من معاني اللمم ، شيء فعلته ولم تكن تدري أنه معصية ، فلم علمت أنه معصية أقلعت عنه لتوك ، أو حدثت نفسك بهذه المعصية من دون أن تقترفها خوفاً من الله عز وجل .
 وقال بعض العلماء : اللمم : ما فعله المرء في الجاهلية قبل أن يسلم هذا لا يخدش إسلامه ، لأن الله عز وجل يعفو عما سلف ، والإسلام يجب ما قبله ، والإسلام يهدم ما كان قبله ، وإذا تاب العبد توبة نصوحة أنسى الله حافظيه ، والملائكة ، وبقاع الأرض كلها خطاياه وذنوبه ، فما فعله الإنسان في الجاهلية قبل أن يسلم ، أو قبل أن يعرف الله عز وجل ، أو قبل أن يصطلح معه ، أو قبل أن يتوب إليه ، فهو من اللمم ، وما حدثتك نفسك به ولم تفعله خوفاً من الله عز وجل فهو من اللمم ، وما فعلته دون أن تعلم وأقلعت عنه لتوك فهو من اللمم .
 وقال بعض العلماء : اللمم هو النظر غير المتعمد ، فإن أعاد النظر مع التعمد صار ذنباً ، وهذا ما قاله النبي عليه الصلاة والسلام اصرف بصرك ، النظرة الأولى لك ، والثانية عليك .
 أيها الأخوة ؛ ومعنى اللمم أي يقارب الإنسان الذنب ، أي أن يخطو الخطوة الأولى ثم يندم ويستغفر ويتراجع ، فهذه الخطوة من اللمم .

 

استصغار الذنب و الإصرار عليه يجعله كبيراً :

 يا أيها الأخوة الكرام ؛ أجمع العلماء على أن هناك من الذنوب ما هو من الصغائر ، وأن هناك من الذنوب ما هو من الكبائر ، لكن القول الفصل في تعريف الكبيرة والصغيرة ، أن الكبيرة هي الذنب الذي يصر الإنسان عليه ، فقد سئل ابن عباس عن الكبائر ، أسبعٌ هن ؟ فقال : " هن إلى السبعمئة أقرب ، إلا أنه لا كبيرة مع الاستغفار ، ولا صغيرة مع الإصرار " وقال ابن عباس رضي الله عنه : " كل شيء عصي الله به فهو كبيرة ، ولا تنظر إلى صغر الذنب ولكن انظر على من اجترأت ".
 أيها الأخوة الكرام ؛ الإمام الغزالي رحمه الله تعالى بيّن في إحيائه ما تنقلب به الصغائر إلى كبائر ، وما تعظم به الذنوب ، فالإصرار على الذنب يجعله كبيرة ، والمواظبة على الذنب تجعله كبيرة ، واستصغار الذنب يجعله ذنباً كبيراً ، فالذنب كلما استعظمه العبد في نفسه صغر عند الله ، وكلما استصغره العبد في نفسه كبر عند الله .
 وقد قال عليه الصلاة والسلام فيما رواه الإمام البخاري من رواية الحارث بن سويد قال حدثنا عبد الله بن مسعود حديثين : أحدهما عن النبي صلى الله عليه وسلم ، والآخر عن نفسه ، فذكر هذا :

((إن المؤمن يرى ذنبه كالجبل فوقه يخاف أن يقع عليه ، والمنافق يرى ذنبه كذباب مرّ على أنفه فأطاره ))

[البخاري عن عبد الله بن مسعود]

 فكلما استصغرت الذنب عظم عند الله ، وكلما استعظمته صغر عند الله ، ومما يجعل الصغيرة كبيرة أن تظهرها ، وأن تتهاون بستر الله عليك ، وأن تتهاون بحلم الله عليك ، وإمهاله إياك ، وقد قيل : لا تنظر إلى صغر الذنب ولكن انظر على من اجترأت . وخير ما يمثل هذه الحقيقة أن سيارة تمشي على طريق عريض ، وعلى جانبيه واديان ساحقان ، فلو أن السائق حرف المقود درجة واحدة ، هذا الانحراف انحراف طفيف ، وصغير ، وسمي انحرافاً طفيفاً وصغيراً لأن إصلاحه سهل جداً ، لكن إذا ثبت هذا الانحراف لابد من أن يصل إلى الوادي ، ولابد من أن يهلك ، فمن ثبت انحراف مقوده ولو سنتمتراً واحداً إلى جهة اليمين ، وكان على جهة اليمين وادٍ سحيق هذا الانحراف الطفيف سينتهي بصاحبه إلى الوادي السحيق لكنه انحراف طفيف و إصلاحه سهل جداً .
 هذا معنى أنها صغيرة ، لكن إذا أصررت عليها انقلبت إلى كبيرة ، والانحراف الخطير إذا تلافيته في وقت مبكر عاد صغيراً ، وبقيت على الطريق .

 

تعريف الكبيرة :

 أيها الأخوة الكرام ؛ شيء مهم جداً أن يعرف المسلم ماذا تعني كلمة اللمم لأن الله سبحانه وتعالى يستثنيها من الكبائر ، ومن الفواحش .

﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾

[ سورة النجم : 32 ]

 مرة ثانية أيها الأخوة : إن استصغار الذنب يجعله كبيرة ، وإن تأجيل التوبة يجعله كبيرة ، وإن المداومة عليه تجعله كبيرة ، وإن البوح به يجعله أيضاً من الذنوب الكبيرة .
 أيها الأخوة الكرام ؛ فماذا عن الكبائر ؟ كما قلت قبل قليل : سأل رجل ابن عباس رضي الله عنه عن الكبائر أسبعٌ هن ؟ قال : " هن إلى سبعمئة أقرب إلا أنه لا كبيرة مع الاستغفار ، ولا صغيرة مع الإصرار " وقال أيضاً : " كل شيء عصي الله به فهو كبيرة ".
 ابن مسعود رضي الله عنه قال : ما نهى الله عنه في سورة النساء من أولها إلى قوله تعالى :

﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً ﴾

[ سورة النساء : 31 ]

 كل ما نهى الله عنه من أول سورة النساء إلى هذه الآية يدخل في الكبائر ، هذا تعريف ابن مسعود رضي الله عنه . وتعريف آخر لعلي بن أبي طلحة قال :" كل ذنب ختمه الله بنارٍ ، أو غضبٍ ، أو لعنةٍ ، أو عذابٍ هو كبيرة " .
 وقال الضحاك : " الكبيرة ما أوعد الله عليه حداً في الدنيا ، أو عذاباً في الآخرة " الوعد بالخير ، والوعيد بالعقاب ، ما أوعد الله عليه حداً في الدنيا أو عذاباً في الآخرة .
 والحسين بن فضل يقول : " إن الكبيرة ما سماه الله في القرآن كبيراً أو عظيماً ".

﴿إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً ﴾

[ سورة النساء : 2]

﴿إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئاً كَبِيراً ﴾

[ سورة الإسراء : 31]

﴿هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ ﴾

[ سورة النور : 16]

﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيماً ﴾

[ سورة الأحزاب : 53]

 فكلمة كبير ، أو كلمة عظيم حينما يوصف فيها ذنب في القرآن الكريم فهو من الكبائر ، وحينما يتوعد الله عليه عذاباً في الدنيا ، أو خزياً في يوم القيامة ، أو عذاب النار يوم القيامة فهو من الكبائر ، وما ورد من المنهيات من أول سور النساء ، إلى قوله تعالى :

﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ ﴾

[ سورة النساء : 31 ]

 إلى هذه الآية فهو من الكبائر ، وحينما يصر الإنسان على الذنب يصبح كبيرة ، وحينما يواظب عليه يجعله كبيرة ، وحينما لا يستغفر الله منه يجعله كبيرة ، وحينما لا يتوب منه يجعله كبيرة ، وحينما يستصغره يجعله كبيرة ، وحينما يبوح به يجعله كبيرة ، هذه تعريفات الكبائر .
 أما الإمام مالك فله رأي آخر ، يقول : الكبائر ذنوب أهل البدع ، والسيئات ذنوب أهل السنة ، لأن البدعة من أكبر الكبائر ، ولأن البدعة أحب إلى إبليس من المعصية ، لأن البدعة لا يتاب منها ، لكن المعصية يتاب منها ، المبتدع يبتدع ويظن أنه على حق ، فكيف يتوب من هذا الابتداع ؟ لكن العاصي يعصي وهو يعلم أنه يعصي ، لذلك أغلب الظن أنه يتوب قبل أن يموت .
 أيها الأخوة الكرام ؛ وهناك تعريف آخر للكبائر هو أن الكبيرة ما تعلق به أحد الحدين عقوبة الدنيا ، وعقوبة الآخرة .

 

رحمة الله تقتضي أن يتيح للإنسان فرصة ليتوب :

 أيها الأخوة الكرام ؛ ورد في السيرة أن الإمام علي كرم الله وجهه جيء إليه برجل قد سرق ، فقبل أن يقيم عليه الحد ، قال : والله يا أمير المؤمنين إنها أول مرة أسرق بها ، الإمام علي كرم الله وجهه أقام عليه الحد ، وبعد أن قطعت يده قال : اصدقني كم مرة فعلت هذا قبل أن يقام عليك الحد ؟ عندئذٍ قال : والله فعلته مرات ومرات ، ثم عقب على كلامه قال : إن الله جل جلاله لا يفضح من أول مرة ، رحمة الله تقتضي أن يتيح للإنسان فرصة ليتوب ، وفرصة ليتوب ، وفرصة ليتوب ، فإذا أصرّ على الذنب ، واستمرأه ، وواظب عليه ، ولم يندم ، ولم يستغفر ، وأباح به ، واستصغره ، عندئذٍ يأتي العلاج الإلهي ، وتأتي الفضيحة .
 فيا أيها الأخوة الأكارم : ربنا جلّ جلاله حينما يستر عبداً ألمّ بذنب ، على هذا العبد أن يعظم ستر الله عليه ، أي يعظم حلم الله عليه ، أن يبادر إلى التوبة قبل أن تأتي المعالجة التي قد لا يحتملها .
 أيها الأخوة الكرام ؛ لله أفرح بتوبة عبده من الضال الواجد ، والعقيم الوالد ، والظمآن الوارد .
 شيء آخر : يروي الإمام الغزالي في الإحياء أن ملك الموت إذا ظهر للعبد أعلمه أنه قد بقي من عمرك ساعة ، وأنك لا تستأخر عنها طرفة عين ، فيبدي العبد من الأسف والحسرة ما لو كانت له الدنيا بحذافيرها لتخلى عنها على أن يضم إلى تلك الساعة ساعة أخرى ليتدارك تفريطه فلا يجد إلى ذلك سبيلاً . قال تعالى :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ * وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾

[ سورة المنافقين : 9 ـ 11]

الكبائر كثيرة تزيد عن السبعين :

 أيها الأخوة الكرام ؛ يقول هذا الإمام الجليل :"يا نفس لو أن طبيباً حذرك من أكلت تحبينها ماذا تفعلين ؟ لا شك أنك تبتعدين عنها - حفاظاً على الصحة - يا نفس أيكون الطبيب أصدق عندك من الله ؟ إذاً ما أكفرك ، أيكون وعيد الطبيب أشدّ عندك من وعيد الله إذاً ما أجهلك ، فالذي يقترف المعصية مدموغ بالكفر ، أو بالجهل على حد سواء .
 أيها الأخوة الكرام ؛ الكبائر يتوهمها الناس أنها قليلة ، كالقتل ، والزنا ، والسرقة وما إلى ذلك ، ولكن بعض العلماء عدوها في كتبهم إلى ما يزيد عن السبعين ، أو أكثر من هذا بكثير ، الكبائر المألوفة يعرفها عامة المسلمين ، ولكن كتمان العلم من الكبائر ، هجر الأقارب من الكبائر ، إيذاء الجار من الكبائر ، ترك صلاة الجمعة والجماعة من الكبائر ، الإضرار بالوصية من الكبائر ، الاستطالة على الزوجة الضعيفة من الكبائر ، نشوز المرأة من الكبائر ، الكبر والفخر والخيلاء من الكبائر ، العجب والتيه من الكبائر ، وكلها مؤيدة بنصوص صحيحة، لو لم تذنبوا لخفت عليكم ما هو أكبر ، ما الذي هو أكبر من الذنب ؟ العجب العجب .
 فيا أيها الأخوة الكرام ؛ أرجو الله سبحانه وتعالى أن يتيح لي من حين لآخر أن أعالج هذه الكبائر في الخطبة الثانية من كل خطبة ، فلعل المسلمين ينتفعون بهذه الدقائق من دينهم لأنها تقيهم من الوقوع في الكبيرة ، والإنسان إذا وقع في الكبيرة حجب عن الله عز وجل ، وكلما كبر الذنب صعبت التوبة ، وكلما صغر الذنب سهلت التوبة .

 

طلب العلم فريضة على كل مسلم :

 أيها الأخوة الكرام ؛ موضوع الصغائر والكبائر موضوع دقيق جداً ، الإنسان إذا عرف الكبيرة والصغيرة ، الصغيرة ليست كما يتوهم المتوهمون أن تفعل كل شيء ، وتقول : هذه من الصغائر ، أنا لم أقتل ، ولم أسفك دماً ، ولم أزنِ ، ولم أشرب الخمر ، هذا وهم كبير ، أن تفعل أشياء نصت عليها الآيات الكريمة ، والأحاديث الصحيحة ، على أنها كبائر ، وتتوهمها صغائر ، لذلك إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم ، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم ، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم ، وما من طريق إلى الله عز وجل إلا والعلم أحد أركانه .
 أيها الأخوة الكرام ؛ الإنسان إذا لم يتعلم وقع في الذنوب فكيف يتوب منها إن لم يعلم أنها ذنوب ؟ لهذا قال عليه الصلاة والسلام : " طلب العلم فريضة على كل مسلم" لماذا ؟ لأن الجهل يهلك صاحبه ، لكم أن تتصوروا أنه ما من مشكلة على وجه الأرض إلا ووراءها معصية ، وما من معصية إلا ووراءها جهل كبير ، فالجهل أعدى أعداء الإنسان ، والجاهل يفعل في نفسه ما لا يستطيع عدوه أن يفعله به ، فمن تمتع بستر الله له ، وحلم الله عليه ، ومن تمتع بوعي وإدراك فليراجع نفسه ، وليقيم ذنوبه ، إن كانت مع الكبائر فليدعها من توه ، وإن كانت مع الصغائر فليستغفر الله منها ، وينبغي ألا يصر عليها .
 أيها الأخوة الكرام ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، وسيتخطى غيرنا إلينا ، فلنتخذ حذرنا ، الكيس من دان نفسه ، وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني ، والحمد لله رب العالمين .

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

قصة سيدنا عمر و الغلام :

 أيها الأخوة الكرام ؛ تجسيداً لهذه الحقائق ، سيدنا عمر بن الخطاب عملاق الإسلام رضي الله عنه يتبين من خلال موقفه الذي سأتلوه عليكم بعد قليل ، كيف أنه يرى الشيء الصغير كبيراً كبيراً ، وأن المؤمن كلما عظم إيمانه استعظم ذنبه ، وبادر إلى التوبة منه، فعبد الرحمن بن عوف يقول : قدمت في المدينة قافلة نزلت في المصلى ، فقال لي عمر : يا عبد الرحمن هل لك أن نحرسهم الليلة ؟ فباتا - عمر وعبد الرحمن - يحرسانهم ويصليان ما كتب الله لهما ، فسمع عمر بكاء صبي فتوجه نحوه ، وقال لأمه : اتقي الله وأحسني إلى صبيك، ثم عاد إلى مكانه ، فسمع بكاءه ثانية فعاد إلى أمه و قال لها : اتقي الله وأحسني إلى صبيك ثم عاد إلى مكانه ، فلما كان آخر الليل سمع بكاءه فأتى أمه فقال : ويحك إني لأراك أم سوء ، مالي أرى ابنك لا يقر هذه الليلة ؟ قالت : يا عبد الله قد أضجرتني هذه الليلة ، إنني أجبره على الفطام ، مالك ولي ؟ إنني أجبره على الفطام فيأبى ، قال : ولم ؟ قالت : لأن عمر لا يفرض العطاء إلا للفطيم ، العطاء - التعويض - لا يفرضه إلا للفطيم ، قال : وكم له ؟ قالت كذا وكذا شهراً ، قال : ويحك لا تعجلي عليه ، ثم صاح مخاطباً نفسه ، والألم يعتصر قلبه ، ووضع يده على جبهته ، وقال : ويحك يا بن الخطاب كم قتلت من أولاد المسلمين ؟ فلما صلى الفجر إماماّ ، ما استبان الناس قراءته من شدة بكائه ، ثم أمر منادياً فنادى : فلا تعجلوا على صبيانكم في الفطام فإنا نفرض لكل مولود في الإسلام عطاء ، وكتب بذلك إلى الآفاق ، وقد سمع عمر يصلي الليل في المسجد يناجي ربه ويقول : رب هل قبلت توبتي فأهنئ نفسي أم رددتها فأعزيها ؟
أخوتنا الكرام ؛ دقق ، وراقب ، وتأمل ، إذا ألممت بصغيرة بماذا تشعر ؟ أتشعر كأنها ذبابة دفعتها عنك بيدك أم أن هذا الذنب كأنه جبل جاثم على صدرك ؟ من هنا تعرف حجم إيمانك ، كلما صغر الذنب في عينيك كبر عند الله ، وكلما كبر في عينيك صغر عند الله، فسيدنا عمر رأى أن فرض العطاء بعد الفطام قتل لأولاد المسلمين ، فقال : ويحك يا بن الخطاب كم قتلت من أولاد المسلمين ؟ فالمؤمن الكريم يراقب نفسه ، يدقق ، يتأمل ، يستبطن ، يبحث عن أخطائه ، عن انحرافاته ، عن المعاصي في بيته ، عن المعاصي في عمله ، أما هذا الذي يفعل ما يشاء ويقول : الله غفور رحيم ، فهذا مفهوم ساذج للمغفرة .

﴿وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآَمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾

[ سورة الأعراف : 153]

 آيات بهذا المعنى كثيرة ثلاث أو أربع آيات ، مركز الثقل فيها ،

﴿ إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾

[ سورة الزمر : 53 ـ 54]

 أيها الأخوة الكرام ؛ باب التوبة مفتوح على مصراعيه ما لم يغرغر الإنسان :

﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآَنَ﴾

[ سورة النساء : 18 ]

 مادام الإنسان حياً يرزق ، مادام قلبه ينبض ، مادام في عمره فسحة فليبادر إلى التوبة :

﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ ﴾

[ سورة البقرة : 254 ]

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك ، إنه لا يذل من واليت ، ولا يعز من عاديت ، تباركت ربنا وتعاليت ، ولك الحمد على ما قضيت ، نستغفرك ونتوب إليك ، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك . اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ، ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين . اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، ودنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر ، مولانا رب العالمين . اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك . اللهم لا تؤمنا مكرك ، ولا تهتك عنا سترك ، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين . اللهم استر عوراتنا ، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً ، وسائر بلاد المسلمين . اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك ، ومن الفقر إلا إليك ، ومن الذل إلا لك ، نعوذ بك من عضال الداء ، ومن شماتة الأعداء ، ومن السلب بعد العطاء . اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب ، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب . اللهم صن وجوهنا باليسار ، ولا تبذلها بالإقتار ، فنسأل شر خلقك ، ونبتلى بحمد من أعطى وذم من منع ، وأنت من فوقهم ولي العطاء ، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء . اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين . اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018