الخطبة : 0485 - الهجرة2 - دروس الهجرة - وعد الله . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0485 - الهجرة2 - دروس الهجرة - وعد الله .


1994-06-24

الخطبة الأولى:
 الحمد لله ثم الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكلي إلا على الله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إقراراً بربوبيته ، وإرغاماً لمن جحد به وكفر ، وأشهد أن سيدنا محمداً صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رسول الله سيد الخلق والبشر ، ما اتصلت عين بنظر ، أو سمعت أذنٌ بخبر ، اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد ، وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريته ومن والاه ، ومن تبعه إلى يوم الدين ، اللهم ارحمنا فإنك بنا راحم ، ولا تعذبنا فإنك علينا قادر ، والطف بنا فيما جرت به المقادير ، إنك على كل شيء قدير .

الأخذ بالأسباب و التوكل على الله :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ لا زلنا في موضوع الهجرة ، وقد تحدثت في الأسبوع الماضي كما تعلمون عن حقيقةٍ كبرى تستنبط من الهجرة ، وهي أن المؤمن يأخذ بكل الأسباب، ومع أخذه بكل الأسباب وكأنها كل شيء ، يتوكل على رب الأرباب ، وكأنها ليست بشيء ، هذه حقيقة ، ما من حقيقة المسلمون في أشدّ الحاجة إليها منهم إلى هذه الحقيقة ، لأن هذه الحقيقة سبب تقدمهم ، وهذه الحقيقة سبب تفوقهم ، وهذه الحقيقة سبب تماسكهم .
 أيها الأخوة المؤمنون ؛ لو أن النبي عليه الصلاة والسلام أخذ بكل الأسباب واعتمد عليها ، ثم وصل المطاردون إلى غار ثور ، ما كان عليه الصلاة والسلام يتحمل وطأة هذا الوصول ، ولكنه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأنه معتمد على الله عز وجل ، واثق به ، متطلع إلى نصره ، وقد أطاعه بأن أخذ بكل الأسباب ، عندئذٍ كان وصول المطاردين برداً وسلاماً عليه.
 أيها الأخوة الكرم ؛ لما بلغ الكفار غار ثور قال أحدهم بل قال من يقتفي الأثر : والله ما جاوز صاحبكم هذا الغار ، ولم يكن هؤلاء مخطئين ، فقد كان محمد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وصاحبه داخل الغار ، وكانت قريش تقف فوق رأسيهما ، حتى إن الصديق رضي الله عنه رأى أقدام القوم تتحرك فوق الغار فدمعت عيناه ، فنظر إليه الرسول صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نظرة حب ورفق وعتاب ، فقال الصديق : يا رسول الله والله ما على نفسي أبكي ولكن مخافة أن أرى فيك مكروهاً يا رسول الله ؟ أبعد هذا الحب من حب ؟ أبعد هذا الوفاء من وفاء ؟ أبعد هذا القرب من قرب ؟ فقال له عليه الصلاة والسلام مطمئناً : لا تحزن يا أبا بكر إن الله معنا ، وكلمة إن الله معنا كلمة كبيرة جداً ، فإذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان الله عليك فمن معك ؟ لا تخشى إلا أن يتخلى الله عنك ، فإذا تخلى الله عنك الكل يعملون لما يؤذيك ، وإذا كان الله معك سخر الله لك أعداءك فكانوا في خدمتك ، قال : يا أبا بكر لا تحزن إن الله معك .

 

معية الله نوعان معية عامة و معية خاصة :

 أيها الأخوة الكرام ؛ قال المفسرون : معية الله نوعان معية عامة لقوله تعالى :

﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾

[ سورة الحديد : 4 ]

 معية العلم ، ومعية خاصة وهي للمؤمنين معية الحفظ ، والتوفيق ، والنصر ، والتأييد ، فأنزل الله السكينة على قلب الصديق ، وراح ينظر إلى أقدام القوم ، ثم قال : يا رسول الله لو أن أحداً نظر إلى موطئ قدمه لرآنا ، فطمأنه النبي عليه الصلاة والسلام مرة ثانية ، قال: يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما ؟ وفي رواية أن سيدنا الصديق قال : يا رسول الله لقد رأونا، فطمأنه النبي مرة ثالثة ، قال : يا أبا بكر ألم تقرأ قوله تعالى :

﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ ﴾

[ سورة الأعراف : 198]

الدروس المستفادة من الهجرة الشريفة :

 ماذا نستفيد من هذا الدرس ؟ نستفيد من هذا الدرس : إذا كنت معتصماً بالله ، مقيماً على أمره ، تبتغي رضوانه ، لا تخف لأن الله معك ، وإذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا أردت أن تكون أقوى الناس فتوكل على الله ، إذا أردت أن تكون أكرم الناس فاتق الله ، إذا أردت أن تكون أغنى الناس فكن بما في يدي الله أوثق منك بما في يديك .
 أيها الأخوة الكرام ؛ أبو جهل قال : واللات والعزة إني لأحسبه قريباً منا يسمع ما نقول ، ويرى ما نصنع ، ولكن سحره ران على أبصارنا ، إذا أراد الله أن ينصرك ، ينصرك بأضعف خلقه ، بالعنكبوت ، بأضعف خلقه ، وقد قال علماء السيرة : إن الله جل جلاله نصر أكرم خلقه عليه بأضعف خلقه ، نصر النبي عليه الصلاة والسلام بنسيج العنكبوت .
 أيها الأخوة الكرام ؛ حينما أيقنت قريش أن النبي قد غادر مكة ، ولم تستطع أن تصل إليه ، وضعت مئة ناقة لمن يأتي به حياً كان أو ميتاً . سراقة بن مالك كان في ندوة من أندية قومه في مكان قريب من مكة ، فإذا برسول من رسل قريش يدخل عليهم ، ويذيع فيهم نبأ الجائزة التي بذلتها قريش لمن يأتي بمحمد حياً أو ميتاً ، وما كاد سراقة يسمع بالنوق المئة حتى اشرأبت أطماعه ، واشتد عليها حرصه ، ولكنه ضبط نفسه فلم يتفوه بكلمة واحدة ، حتى لا تتحرك أطماع الآخرين ، وقبل أن ينهض سراقة من مجلسه دخل على الندوة رجل يقول : والله مرّ بي الآن ثلاثة رجال ، وإني لأظنهم محمداً وأبا بكر ودليلهما ، فقال سراقة : بل هم بنو فلان مضوا يبحثون عن ناقة لهم أضلوها ، فقال الرجل : لعلهم كذلك ، ثم مكث سراقة قليلاً ، حتى لا يثير قيامه أحداً ممن في الندوة ، فلما دخل القوم في حديث آخر ، انسل من بينهم ، ومضى خفيفاً مسرعاً إلى بيته ، وأسرّ لجاريته بأن تخرج له فرسه في غفلة من أعين الناس ، وأن تربطه في بطن الوادي ، وأمر غلامه أن يعد له سلاحه ، وأن يخرج به من خلف البيوت حتى لا يراه أحد ، من أجل أن يستأثر بالجائزة ، وقد ترون بعد قليل كيف أن سراقة حينما توفي النبي كان يتمنى أن نوق الدنيا يأخذها ولا تذهب قصاصة ظفر لمحمد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، لبس سراقة درعه ، وتقلد سلاحه ، وامتطى صهوته ، وطفق يغدو السير ليدرك محمداً ، كان سراقة فارساً من فرسان قومه ، طويل القامة ، عظيم الهامة ، بصيراً باقتفاء الأثر ، صبوراً على أهوال الطريق ، وكان إلى ذلك أريباً لبيباً شاعراً ، وكان فرسه من عتاق الخيل .
 أيا الأخوة ؛ ذكرت هذه القصة وأذكرها بالتفصيل لأن فيها دلالات كبيرة نستفيد منها جميعاً .
 أيها الأخوة الكرام ؛ مضى سراقة يطوي الأرض لكنه ما لبث أن عثرت به فرسه وسقط من عن صهوتها فتشاءم ، وقال : ما هذا تباً لك من فرس ؟ وعلا ظهرها ثانية ، ولم يمضِ بعيداً حتى عثرت به مرةً أخرى ، هذه إشارة من الله عز وجل ، الإنسان أحياناً يسلك طريقاً لا يرضي الله ، فربنا سبحانه وتعالى لرحمته ، وحكمته ، يثير له مشكلات في بداية الطريق فلعله يفهم على الله عز وجل ، لم يبتعد سراقة كثيراً عن مكان عثور فرسه حتى أبصر محمداً وصاحبيه ، فمد يده إلى قوسه ولكن جمدت في مكانها ، ذلك لأنه رأى قوائم فرسه تسيخ في الأرض ، والغبار يتصاعد من بين يديها ، ويغطي عينيه وعينيها ، فدفع الفرس فإذ هي قد رسخت في الأرض كأنما سمرت بمسامير من حديد ، هذا معنى إذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان عليك فمن معك ؟

وإذا العناية لاحظتك جفونها  نم فالمخاوف كلهن أمان
***

 أيها الأخوة ؛ التفت سراقة إلى النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وصاحبه ، وقال بصوت ضارع : يا هذان ادعوا لي ربكما أن يطلق قوائم فرسي ، ولكم عليّ أن أكف عنكما ، فدعا له النبي عليه الصلاة والسلام فأطلق الله قوائم فرسه ، لكن أطماعه ما لبثت أن تحركت من جديد ، مئة ناقة ثروة كبيرة جداً فدفع فرسه نحوهما ، فساخت قوائمها هذه المرة أكثر من ذي قبل فاستغاث بهما وقال : إليكما زادي ، ومتاعي ، وسلاحي فخذاه ولكن عليّ عهد الله أن أرد عنكما من ورائي من الناس ، فقالا : لا حاجة لنا بزادك ومتاعك ولكن ردّ عنا الناس ، ثم دعا له النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فانطلقت فرسه فلما همّ بالعودة ناداهم ، تريثوا أكلمكم فوالله لا يأتيكم مني شيئاً تكرهونه ، فقالا له : ما تبتغي منا ؟ قال سراقة : والله يا محمد إني لأعلم أنه سيظهر دينك - هذه هي الفطرة - ويعلو أمرك ، فعاهدني إذا أتيتك في ملكك أن تكرمني ، واكتب لي بذلك ، هناك استدلال أيها الأخوة قوي جداً بعد قليل أذكره لكم ، أمر النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصديق فكتب له على لوح من عظم ودفعه إليه ، ولما همّ بالانصراف قال له النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - النبي ملاحق ، النبي عليه الصلاة والسلام مهدور دمه ، النبي عليه الصلاة والسلام وضعت لمن يأتي به حياً أو ميتاً جائزة مقداراها مئة ناقة ، ويقول عليه الصلاة والسلام وهو في أضعف حالاته ، وفي أشد أوقاته - كيف بك إذا لبست سواري كسرى ؟ ما معنى هذا الكلام ؟ ماذا يعني هذا القول ؟ إنسان ملاحق ، مهدور دمه ، مئة ناقة وضعت لمن يأتي به حياً أو ميتاً ، ويقول لمن تبعه : كيف بك يا سراقة إذا لبست سواري كسرى ؟ ماذا يعني بذلك ؟ يعني بذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام واثق كل الثقة أنه سيصل إلى المدينة سالماً ، وأنه سيؤسس كياناً إسلامياً ، وأن هذا الكيان سيحارب أكبر دولتين في العالم كسرى والروم ، وأن كسرى سيستسلم ، وأن تاجه وثيابه وسواريه سيؤتى بها إلى المدينة من غنائم الحرب ، ما هذا ؟ أيعقل أن يكون هذا ؟ قال : يا سراقة كيف بك إذا لبست سواري كسرى ؟ الآن بلد متخلف جداً من بلدان العالم الثالث نقول لأحد المواطنين فيه : كيف بك إذا أقمت في البيت الأبيض ؟ هذه هي النسبة نفسها ، كيف بك يا سراقة إذا لبست سواري كسرى بن هرمز ؟ عاد سراقة أدراجه فوجد الناس قد أقبلوا يبحثون عن رسول الله فقال : ارجعوا لقد نفضت الأرض نفضاً بحثاً عنه وأنتم لا تجهلون مبلغ بصري بالأثر ، ارجعوا ، فرجعوا ، ثم كتم خبره مع محمد وصاحبه حتى أيقن أنهما بلغا المدينة ، وأصبحا في مأمن من عدوان قريش ، وهذا هو الوفاء ، عند ذلك أذاع النبأ ، فلما سمع به أبو جهل لامه على تخاذله ، وجبنه ، وتفويته الفرصة ، وكان شاعراً ، فأجابه ببيتين من الشعر .

أبا حكمٍ و الله لو كنت شاهداً  لأمر جــــــــوادي إذ تسيخ قوائمه
علمت ولم تشكك بأن محمداً  رسول ببرهانٍ فمن ذا يقاومــــه
***

 وأقول مرةً ثالثة ورابعة : إذا كان الله معك فمن عليك ؟ احرص على أن يكون الله معك ، احرص على أن يكون الله معك بطاعته ، سيدنا عمر قال لسيدنا سعد بن أبي وقاص : يا سعد لا يغرنك أنه قد قيل خال رسول الله ، فالخلق كلهم عند الله سواسية ، ليس بينهم وبينه قرابة إلا طاعتهم له ، بطاعتك تستحق أن يكون الله معك ، وبعدم طاعتك يتخلى الله عنك .
 أيها الأخوة الكرام ؛ ودارت الأيام دورتها ، وإذا بمحمد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الذي خرج من مكة طريداً ، شريداً ، مستتراً بجنح الظلام ، مهدوراً دمه ، يعود إليها سيداً فاتحاً تحف به الألوف المؤلفة ، من بيض السيوف وسمر الرماح ، دققوا في قول الله عز وجل :

﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة آل عمران : 139]

﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ ﴾

[ سورة إبراهيم : 47]

 وقال تعالى في آيات كثيرة :

﴿ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾

[سورة الأعراف: 128]

 البطولة لمن يضحك آخراً لا أولاً ، وإذا بزعماء قريش الذين ملؤوا الأرض عنجهيةً وغطرسةً يقبلون على النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خائفين واجفين ، يسألونه الرأفة والرحمة ، ماذا عساك تصنع بنا ؟ فيقول عليه الصلاة والسلام في سماحة الأنبياء : اذهبوا فأنتم الطلقاء ، هذا ما دعا أبو سفيان أن يقول : والله ما أعقلك ! وما أرحمك ! وما أوصلك ! وما أحكمك ! عندئذٍ سراقة معه عهد من النبي على عظم ، أن يكرمه إذا أتاه في ملكه ، أتى النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ودخل كتيبة الأنصار ، فجعل أصحابه يقرعونه بكعوب الرماح ، ويقولون : إليك إليك ماذا تريد ؟ يقول سراقة : فماذا زلت أشقّ صفوفهم حتى غدوت قريباً من رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وهو على ناقته ، فرفعت يدي بالكتاب وقلت : يا رسول الله أنا سراقة بن مالك ، وهذا كتابك إلي ، فقال عليه الصلاة والسلام : ادن مني يا سراقة ، هذا يوم بر ووفاء ، فأقبلت عليه ، وأعلنت إسلامي بين يديه ، ونلت من خيره وبره ، ولم يمضِ على هذا اللقاء بضعة أشهر ، حتى اختار الله نبيه إلى جواره ، هنا حزن سراقة على موت النبي أشدّ الحزن ، وجعل يذكر ذلك اليوم الذي همّ بقتله من أجل مئة ناقة ، وكيف أن نوق الدنيا كلها قد أصبحت اليوم لا تساوي عند سراقة قلامة من ظفر النبي عليه الصلاة والسلام ، هذا هو الحب ، وهذا هو الإيمان، وجعل يردد قول النبي : كيف بك يا سراقة إذا لبست سواري كسرى ؟ ولكن إيمان سراقة القوي بمصداقية قول النبي جعله لا يشك بهذا القول الذي يبدو أبعد من الخيال .
 مرةً ثانية : إنسان من دولة من العالم الثالث يقال له : كيف بك إذا قبعت في البيت الأبيض ؟ المسافة نفسها .
 ودارت الأيام دورتها مرة ثانية ، وآل الأمر إلى سيدنا الفاروق ، وهبت جيوش المسلمين في عهده المبارك بغزو مملكة فارس ، فطفقت تدق الحصون ، وتهزم الجيوش ، وتغزو العروش ، وتحرز الغنائم حتى أزال الله على يديها دولة الأكاسرة .

﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾

[ سورة آل عمران : 160 ]

 كنت أدعو وأقول : اللهم ارزقنا أن ننتصر على أنفسنا ، حتى نستحق أن تنصرنا على عدونا .

﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً ﴾

[ سورة النور : 55 ]

 أيها الأخوة الكرام ؛ ذات يوم من أواخر أيام عمر رضي الله عنه قدم المدينة رسل سعد بن أبي وقاص يبشرون خليفة المسلمين في الفتح ، ويحملون إلى بيت مال المسلمين خمس الفيء الذي غنمه الغزاة في سبيل الله ، فلما وضعت الغنائم بين يدي عمر نظر إليها في دهشة، فقد كان فيها تاج كسرى المرصع بالدر ، وثيابه المنسوجة بخيوط الذهب ، ووشاحه المنظوم بالجوهر ، وسواراه اللذان لم تر العين مثلهما قط ، وما لا حصر من النفائس والطنافس والتحف، فجعل عمر يقلب هذا الكنز الثمين بقضيب كان بيده ثم التفت إلى من كان حوله وقال : إن قوماً أدوا هذا لأمناء ، وكان علي كرم الله وجهه إلى جانبه فقال : يا أمير المؤمنين قد عففت فعفت رعيتك ، ولو رتعت لرتعوا .
 أيها الأخوة الكرام ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، وسيتخطى غيرنا إلينا ، فلنتخذ حذرنا ، الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من اتبع نفسه هواها ، وتمنى على الله الأماني ، والحمد لله رب العالمين .

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

وعد الله :

 أيها الأخوة الكرام ؛ سيدنا عمر يعلم أن النبي عليه الصلاة والسلام قال لسراقة : يا سراقة كيف بك إذا لبست سواري كسرى ؟ لذلك استدعى سراقة ، وألبسه أمام المسلمين قميص كسرى ، وسراويله ، وقباءه ، وخفيه ، وقلده سيفه ، ووضع على رأسه تاجه ، وألبسه سواريه ، نعم سواريه ، عند ذلك هتف المسلمون : الله أكبر الله أكبر الله أكبر ، ثم التفت عمر إلى سراقة وقال : بخ بخ - كلمتان تقالان عند التعجب - بخ بخ أعيرابي - تصغير أعرابي - أعيرابي من بني مدلج على رأسه تاج كسرى وفي يديه سواراه ، ثم رفع رأسه إلى السماء وقال : " اللهم إنك منعت هذا المال رسولك ، وكان أحب إليك مني ، وأكرم عليك ، ومنعته أبا بكر وكان أحب إليك مني ، وأكرم عليك ، وأعطيتنيه ، فأعوذ بك أن تكون قد أعطيتني إياه لتمكر بي " ثم لم يقم من مجلسه حتى قسمه بين المسلمين .
أيها الأخوة : سأختم خطبتي بآيتين الأولى :

﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي﴾

[ سورة النور : 55 ]

 شرط طاعة الله عز وجل . والآية الثانية :

﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً ﴾

[ سورة مريم : 59]

﴿ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً ﴾

 ولقد لقي بعض المسلمين هذا الغي .

 

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شرّ ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك ، إنه لا يذل من واليت ، ولا يعز من عاديت ، تباركت ربنا وتعاليت ، ولك الحمد على ما قضيت ، نستغفرك ونتوب إليك ، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك . اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين . اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، ودنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر ، مولانا رب العالمين . اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك . اللهم لا تؤمنا مكرك ، ولا تهتك عنا سترك ، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين . اللهم استر عوراتنا ، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين . اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك ، ومن الفقر إلا إليك ، ومن الذل إلا لك ، نعوذ بك من عضال الداء ، ومن شماتة الأعداء ، ومن السلب بعد العطاء . اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب ، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب . اللهم صن وجوهنا باليسار ، ولا تبذلها بالإقتار ، فنسأل شرّ خلقك ، ونبتلى بحمد من أعطى ، وذم من منع ، وأنت من فوقهم ولي العطاء ، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء . اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين . اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018