الخطبة : 0479 - مقياس السلوك الإنساني - الكبد. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0479 - مقياس السلوك الإنساني - الكبد.


1994-04-22

 الحمد لله ثم الحمد لله، الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكلي إلا على الله وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رسول الله سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر، أو سمعت أذنٌ بخبر، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه، وعلى ذريته ومن والاه، ومن تبعه إلى يوم الدين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة المؤمنون: الإنسان وهو في حركته اليومية أحياناً يقع في صراع، ماذا يفعل أيعطي أو لا يعطي، أيعفو أم لا يعفو، أيبتسم أم لا يبتسم، هذا السلوك الإنساني اليومي ألا يحتاج إلى مقياس، من الثابت أيها الإخوة أن العلوم تتجه إلى التعيير الرياضي.
 مثلاً: تقول إن حرارة ابني مرتفعة، هذا وصف لكن تريد كم هي درجته بالضبط، أنت الآن اتجهت من الوصف إلى التعيير، قد تقول مثلاً إن الأمطار غزيرة جداً، ولكن هناك مقياس دقيق يقول لك إن الذي هطل هو ثلاثون مم، فحينما نملك مقياساً دقيقاً يعيننا على تقييم سلوكنا ومواقفنا فهذا المقياس شيء نفيس جداً، في الحياة الإنسانية.
 موضوع الخطبة اليوم، أن النبي عليه الصلاة والسلام أعطانا ثلاث مقاييس دقيقة جداً، بإمكاننا أن نقيس بها سلوكنا، أنت وحدك تستخدم هذا المقياس الدقيق فتعرف ما إذا كنت مع الصواب أو مع الخطأ ما إذا كنت على حق أو على باطل، ما إذا أثرت الدنيا أم أثرت الآخرة، ما إذا كنت ترضي الله أو ترضي الشيطان، هذه المقاييس الثلاثة التي قالها النبي عليه الصلاة والسلام هي موضوع الخطبة اليوم.
 أيها الإخوة الأكارم: روى الإمام البخاري ومسلم، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:

((حفت النار بالشهوات، وحفت الجنة بالمكاره ))

 هذا مقياس دقيق جداً، فالشيء الذي تستمرئه النفس، وتميل إليه النفس وتنبسط إليه النفس، قد يكون بعيداً عن رضوان الله عز وجل، والشيء الذي تستصعبه النفس، وتتكبد النفس من أجله بعض المشاق، والنفس حينما تفعله تشعر أنها فعلت شيئاً ثميناً هذا مقياس دقيق لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال:

((حفت النار بالشهوات، وحفت الجنة بالمكاره ))

 إذا كان هذا السلوك محبباً إلى النفس، وكان هذا السلوك مريحاً للنفس أغلب الظن أن هذا يرجح جانب المنع على جانب الإباحة، وإذا كان السلوك من الأمور الثقيلة على النفس لأنه يخالف الهوى كان ذلك مرجحاً لجانب الخير لأن الجنة حفت بالمكاره.
 أيها الإخوة الكرام: هذا مقياس دقيق، كل حركة، كل سكنة، كل موقف، كل اتجاه قسه بهذا الحديث الشريف، حفت الجنة بالمكاره، وحفت الجنة بالشهوات ربنا سبحانه وتعالى يقول:

 

﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (11) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (12) فَكُّ رَقَبَةٍ (13) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (14) يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ (15) أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ (16) ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (17)﴾

 

( سورة البلد: 11 ـ 17)

 أيها الإخوة الكرام: الطريق إلى الجنة محفوف بالمكاره، وقد ورد في الحديث الشريف أن عمل الجنة حزن بربوة، وأن عمل النار سهل بسهوة، فالشيء الذي تستمرئه النفس وترتاح له، وتنبسط له، دون أن تشعر بالمقاومة، أو العبء، أو التكلف، أغلب الظن أن هذا مما لا يرضي الله عز وجل والشيء الذي تستصعبه النفس وتجد فيه كلفة ومشقة أغلب الظن أن هذا مما يرضي الله عز وجل.
 أيها الإخوة الكرام: من الثابت أن الطرق النافعة في التربية تستصعبها النفس، والطرق التي لا تجد النفس فيها صعوبة، أغلب الظن أن هذه الطرق لا تجدي، لو أن إنساناً استلقى على فراشه وأمسك كتاباً وقرأ، دون جهد، دون وضع خط، دون تلخيص فقرة، دون إعادة، دون تكرار، دون مناقشة أغلب الظن أن هذه القراءة المريحة، تقرأ وأنت مستلق على السرير ثم يأتيك الشعور بالنوم فتنام، هذه الطريقة في الدارسة ليست مجدية لأنها تريح النفس، لكنك إذا جلست على طاولة، وأمسكت بالقلم وقرأت فقرة فقرةً ووضعت خطاً تحت الفكرة الرئيسة، وفرعتها إلى أفكار ثانوية، لخصت الفكرة على هامش الكتاب، هذه الطريقة المتعبة المضنية، ذات الجهد الكبير، هذه هي الطريقة النافعة، لذلك الطرق الصحيحة، والطرق المفيدة دائماً تستثقلها النفس، والأشياء التي ترتاح لها النفس في الأعم الأغلب هي أساليب ليست نافعة من جهة، ولا ترضي الله من جهة ثانية، قال عليه الصلاة والسلام:

((حفت النار بالشهوات، وحفت الجنة بالمكاره ))

 ولولا أن العبادات ذات كلفة لما ارتقى الإنسان إلى الله عز وجل، لو أن العبادات توافقت مع طبيعة الجسد، ومع حاجاته توافقاً تاماً ألغيت العبادة وألغي الارتقاء إلى الله عز وجل، وكان دخول الجنة لا معنى له.
 يا أيها الإخوة الكرام: النفس تميل إلى النوم، صلاة الفجر، الله سبحانه وتعالى كلف المؤمن أن يصلي الفجر قبل طلوع الشمس، النفس تستمرئ أن تطلق بصرها في الحرام، الأمر التكليفي هو غض البصر، النفس تستمرئ أن تقبض المال، الأمر التكليفي أن تدفع المال، النفس تستمرئ أن تخوض في أعراض الناس، لكن الأمر التكليفي أن تمسك لسانك عن عورات الناس.
 أيها الإخوة الكرام: مقياس دقيق دقيق، هو أن الشيء التي تراح له النفس لا تجد صعوبة في فعله، تستمرئه، لا تشعر بالجهد ولا الكلفة، أغلب الظن أن هذا السلوك بعيد عن ما يرضي الله عز وجل، وأن السلوك الذي تجد فيه كلفةً ومشقةً وجهداً ومقاومة لأهواء النفس، هذا السلوك قريب من أمر الله عز وجل، وقريب من مرضاته، فالله سبحانه وتعالى يقول في القرآن الكريم:

 

﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (41)﴾

 

( سورة النازعات: 41)

﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (11) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (12) فَكُّ رَقَبَةٍ (13) ﴾

 كأن الطريق إلى الجنة فيه عقبات، فيه حواجز، وهل يعد الذي ينجح في سباق الخيل إلا الذي توضع أمامه الحواجز، متدرجة في العلو، فإذا تخطاها كلها نال الدرجة الأولى.
 أيها الإخوة الكرام: هناك عقبة الشح:

 

﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (9)﴾

 

( سورة الحشر: 9)

 حرص الإنسان على المال عقبة، فإذا أنفق الإنسان ماله في سبيل مرضاة الله عز وجل فقد اقتحم العقبة، وتجاوزها.
أيها الإخوة الكرام: كره المشقة والجهد عقبة، فإذا بذل الإنسان جهداً، وتجشم مشقة فقد اقتحم العقبة، حينما تأتي المصيبة، المصيبة من شأنها أن تثبط همة الإنسان، فإذا رضي بها، واستسلم لقضاء الله وقدره، وتابع بعدها المسير إلى الله عز وجل فقد اقتحم العقبة، الشهوات عقبة، فإذا ابتعد عن ما حرم الله منها فقد اقتحم العقبة، القيام بالواجبات عقبة، أن تدفع ما عليك، أن تؤدي حقوق أهلك، أن تؤدي حقوق والديك، أن تؤدي حقوق أولادك، أن تؤدي حقوق رحمك، أن تؤدي حقوق جيرانك، هذه عقبه فإذا فعلتها فقد اقتحمت العقبة.
 يا أيها الإخوة الكرام: يمكن أن يعد هذا الحديث الشريف الذي رواه الإمام البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال عليه الصلاة والسلام:

((حفت النار بالشهوات، وحفت الجنة بالمكاره ))

 يمكن أن يعد هذا الحديث الشريف مقياساً دقيقاً للسلوك الإنساني اليومي، وقد يستخدمه الإنسان فيؤتي أروع النتائج، ولا تنسوا أن النبي عليه الصلاة والسلام قال:

((إن عمل الجنة حزنٌ بربوة، وإن عمل النار سهل بسهوة ))

 يكفي أن تسترخي، يكفي أن تعطي النفس ما تشتهي، يكفي أن تميل إلى الراحة، أن تميل إلى إعطاء الرغبات النفسية كل الأبعاد، يكفي أن تحرر جوارحك من القيود، يكفي أن تذهب إلى أي مكان تشاء، وأن تجلس مع من تشاء، وأن تأكل ما تشاء، وأن تتكلم ما تشاء، دون ضابط، ولا منهج، ولا منع، ولا أمر ولا نهي، وإن عمل النار سهل بسهوة، ماذا يفعل المنقطعون عن الله عز وجل، يعطوا لشهواتهم أبعادها، يعطي نفسه ما تشتهي، يتكلم في أعراض الناس، يقع في الغيبة والنميمة، يطلق بصره في الحرام، فيرى عورات الناس، يحشر أنفه في كل قضية، ومن حسن إسلام المرء تركه مالا يعنيه، لوجدت الأمر والنهي في الكتاب والسنة لوجدت أن النفس تستمرئ المعصية، وتشعر بجهد في فعل الطاعة، وهذا هو سر رقي الإنسان إلى الواحد الديان، هذا هو سر أن الإنسان يلقى الله، ويشعر أنه راضٍ عنه.
 أيها الإخوة الكرام: فكرة دقيقة جداً وهي أن الحد الفاصل أحياناً بين عمل أهل الجنة وعمل أهل النار يكون في بعض الأحيان دقيقاً جداً، يعني إذا استثمرت مالك ونلت عليه ربحاً ثابتاً، أخي استثمار، فهذا اقترب من الربى، أما نلت عنه ربحاً حقيقياً بعد جرد وحسابات دقيقة، فهذا هو المشروع كلاهما في وهمك استثمار، لكن بين أن تأخذ مبلغاً مقطوعاً، خيط دقيق بين الاستثمار المشروع، عقد المضاربة، وبين الاستثمار الربوي، هو ما إذا كان الربح ثابتاً أو غير ثابت، هناك حالات كثيرة جداً، تستمرئها النفس، يقول لك أنا لا أحب الحسابات الدقيقة، أعطيك على الألف مبلغ كذا، هذه طريقة ربوية، ربح ثابت على مبلغ مودع عند إنسان، فلذلك الإنسان، الأشياء المريحة أحياناً هي المعصية بنفسها، والأشياء المتعبة هي الطاعة نفسها، ولولا هذا الفارق الدقيق بين الأشياء المريحة والمتعبة لما كانت عبادة، ولما كان قرب من الله عز وجل.
 شيء دقيق أيها الإخوة أضعه بين أيديكم، ربنا سبحانه وتعالى يقول:

 

﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾

 

( سورة البقرة: 276 )

 أنت إذا أقرضت مبلغاً قرضاً حسناً، أو إذا أودعته لتأخذ عليه فائدة سنوية، في الحالة الثانية على الآلة الحاسبة تربح أكثر، وفي الحالة الأولى أن تقرضه قرضاً حسناً على الآلة الحاسبة تخسر، ولكن الله يقول:

﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾

 لو أن حسابات الآلات الحاسبة توافقت مع الآيات الكريمة لما كانت عبادة، ولما كانت جنة، ولما كان امتحان، ولما ابتلاء، كل معاني الابتلاء والامتحان والرقي عند الله عز وجل، واستحقاق الجنة، كل هذه المعاني أساسها أن الطاعة ذات كلفة والطاعة تحتاج إلى إرادة، والطاعة تحتاج إلى مقاومة للنفس وشهواتها فإذا رأيت في الدين جهداً فهذا هو الذي ترقى به إلى الله عز وجل، إذاً يمكن أن تعد هذا الحديث الشريف الصحيح الذي رواه الشيخان: حفت النار بالشهوات، وحفت الجنة بالمكاره، يمكن أن يعد هذا الحديث الشريف مقياساً تقيس به سلوكك ومواقفك، في كل الأطوار والأحايين.
 أيها الإخوة الكرام: يروي الإمام البخاري عن ابن مسعود عن رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((أن الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله، وأن النار مثل ذلك))

 يعني الإنسان بعمل بسيط، باجتهاد خاطئ، بميل الهوى، اقترب من النار وهو لا يشعر، بمقاومة للنفس، بورع شديد، دخل في طريق الجنة وهو من أسعد الناس بها، هذا هو المقياس الأول، قاعدة ذهبية يمكن أن نستخدمها في تقييم سلوكنا كل يوم.
 حديث آخر على هذه الشاكلة، هذا الحديث روى الإمام مسلم عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:

((من أحب أن يزحزح عن النار، وأن يدخل الجنة، فلتأتيه منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر وليأتي إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه ))

 هذا المعنى مصوغ صياغة مشهورة، عامل الناس بما تحب أن يعاملوك به، والله الذي لا إله إلا هو لو أن هذه القاعدة الذهبية المستنبطة من حديث رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طبقها الناس لوجدت مجتمع المسلمين في حالة غير هذه الحالة.
 أيها الإخوة الكرام:إذا كنت موظفاً وجاءك إنسان يطلب منك إنجاز معاملة، المقياس الدقيق ضع نفسك مكان هذا المواطن، هل تحب أن تعقد الأمور عليك هل تحب أن يقال لك تعال غداً، أو بعد غدٍ، هل تحب أن لا يبالي بك هذا الموظف، لو أن كل موظف عامل المراجعين كما يحب لو كان مراجعاً أن يعامل، لما كانت هناك مشكلة في كل الدوائر الرسمية، لو أن محامياً وضع نفسه مكان الموكل أيحب هذا المحامي أن يقول له الموكل دعواك رابحة قطعاً، وهي ليست كذلك، أتحب أن يقال لك شيء لا يطابق الواقع ليبتز مالك، لو أنك كل محامي وضع نفسه مكان الموكل لاستقام في معاملته، لو أن كل طبيب وضع نفسه مكان المريض، أتحب أيها الطبيب لو كنت مريضاً عند طبيب أن يكبر حجم مرضك، أن يطلب منك أشياء لا طائل منها، ولا تفيدك إطلاقاً، عامل الناس كما تحب أن يعاملوك، هذا المعلم، لو أنك طالب أتحب أن يمضي المعلم الساعة دون أن يعطي شيئاً هكذا، فالمعلم، والطبيب، والمدرس، والمحامي، والتاجر، والموظف وأية حرفة على وجه الأرض، لو أن صاحبها وضع نفسه مكان الطرف الآخر، عامل الناس كما تحب أن يعاملوك، لو أن في البيت زوجة ابنك تصور أنها ابنتك كيف تحب أن تعامل في بيت آخر، عامل زوجة ابنتك كما تحب أن تعامل ابنتك عند بيت أهل زوجها، حلت مشكلات البيوت لو أن عندك صانعاً في محلك التجاري عامله كما تحب أن يعامل ابنك ولو كان صانعاً في محل آخر، ما رأيت قاعدةً أروع من هذه القاعدة، عامل الناس بما تحب أن يعاملوك به، هذه القاعدة مأخوذة من حديث رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الذي رواه الإمام مسلم، عن عبد الله بن عمر أن النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

((من أحب أن يزحزح عن النار وأن يدخل الجنة فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأتي إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه.))

 أيها الأخ الكريم: عاهد ربك أنه في كل موقف من مواقف حياتك، في بيتك، في عملك، مع زوجتك، مع أولادك، مع جيرانك، مع من هم دونك، مع من هم فوقك، ضع نفسك مكان الطرف الآخر، وانظر ماذا تتمنى أن يفعله معك الطرف الآخر، افعل أنت هذا، هذا مقياس دقيق، وقاعدة ذهبية رائعة، لو أن كل مسلم جعلها مقياساً لحركاته، وتصرفاته ونشاطاته، لكنا في حال والله الذي لا إله إلا هو غير هذا الحال، لو أن لك مشكلة، أتحب أن تروى بين الناس، أتحب أن تشيع بين الناس، لو أنك صاحب هذه المشكلة، أتحب أن تفتضح، إذاً إذا كان معك سر فحافظ عليه، إياك أن تفضح مؤمناً، إياك أن تتكلم فيما لا يعنيك، إياك أن تشهر بالناس، دائماً وأبداً اجعل نفسك مكان الطرف الآخر، مقياس دقيق هذا المقياس يصلح في الشركات، اجعل نفسك مكان هذا الشريك، أترضى أن تعامل هذه المعاملة، يصلح في الدوائر الحكومية، اجعل نفسك أيها الموظف مكان المراجع، أتحب أن تعذب هذا العذاب، اجعل نفسك أيها الطبيب مكان هذا المريض، اجعل نفسك أيها المحامي مكان هذا الموكل اجعل نفسك أيها المدرس مكان هذا الطالب، اجعل نفسك أيها الأب مكان هذا الصانع، عد هذه الذي في بيتك زوجة ابنك عدها ابنتك، كيف تحب أن تعامل في بيت أهل زوجها، هذا هو المقياس الذي لو طبق لكنا في حال غير هذا الحال.
 أيها الإخوة الكرام: الإمام البخاري ومسلم يرويان عن رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حديثاً دقيقاً جداً، يقول عليه الصلاة والسلام:

((لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه))

 وقد اطلعت على رواية أخرى، وحتى يكره له ما يكره لنفسه وهذا مقياس دقيق، وقد قال بعض العلماء: أن الأخ هنا على إطلاق الإخوة، وأوسع أنواع الإخوة هي الإخوة الإنسانية، إذاً النبي عليه الصلاة والسلام ربط الإيمان بأن تحب لأي أخ لك في الإنسانية ما تحب لنفسك لذلك لو طبق هذا الحديث على النحو الصحيح لكنا بحال غير هذا الحال وأشهر ما يؤكد هذا المعنى أن أعرابياً جاء النبي عليه الصلاة والسلام وقال يا رسول الله ائذن لي بالزنى فقام إليه أصحاب رسول النبي غاضبين النبي عليه الصلاة والسلام بحكمته، وحلمه، قال دعوه، قال اقترب مني يا عبد الله، دققوا أيها الإخوة في المنطق الرائع الذي خاطب به النبي هذا الأعرابي، قال يا عبد الله أتحبه لأمك ؟ احمر وجهه، قال لا ! قال ولا الناس يحبونه لأمهاتهم، أتحبه لابنتك ؟ قال لا ! قال ولا الناس يحبونه لبناتهم، أتحبه لأختك ؟ قال لا ! وبدأ النبي يعدد له قريبة قريبةً، لعمتك لخالتك، يقول هذا الأعرابي ثم وضع النبي يده الشريفة على صدر هذا الأعرابي ودعا له فقال هذا الأعرابي دخلت على رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وما شيء أحب أليّ من الزنى وخرجت من عنده وما شيء أبغض إليّ من الزنى، هذا المنطق أتحبه لأمك، أتحبه لأختك، أتحبه لابنتك، لعمري إن هذا الحديث الشريف يمكن أن يطبق في كل المجالات أنت كبائع حينما تبيع هذا الإنسان ليكن من كان، أتحب أن تعامل أنت كما تعامله، كن صادقاً مع نفسك، كن صريحاً، كن واضحاً، أتحب أن تعامل كما تعامله تقول لا، إذاً كيف تفعل ذلك.
 أيها الإخوة الكرام: الإنسان يحب أن يصدق الناس معه، يحب أن لا يخونوه، يحب أن يساعدوه، في مالهم، في علمهم، في جاههم، يحب أن يخدموه يحب أن ينصحوه، يحب أن يدعوه دعوةً صالحة، يحب أن يشفعوا له شفاعة حسنة، إذا كنت تحب أن يصدق معك الناس، وأن يكونوا أمناء معك وأن يساعدوك، إذاً كن معهم صادقاً، وكن معهم أميناً على أموالهم وعلى أعراضهم، وساعدهم بمالك، وعلمك، وجاهك، واخدمهم وانصحهم، وادعوا لهم، واشفع لهم شفاعة حسنة.
 أيها الإخوة الكرام: هذه قاعدة ذهبية ثانية، عامل الناس بما تحب أن يعاملوك به.
 شيء آخر: يقول عليه الصلاة والسلام في حديث رواه الإمام البخاري ومسلم من عدة طرق عن النعمان بن البشير، يقول عليه الصلاة والسلام:

((إن الحلال بين، وإن الحرام بين، وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتق الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات فقد في وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى ألا وإن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت، صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب))

 من هذا الحديث الصحيح الذي رواه الشيخان نأخذ فقرةً واحدةً منه، فمن اتق الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، وهذه قاعدة ذهبية ثالثة.
 أيها الإخوة الكرام: يتضح من الحديث أن الأمور في الحياة الدنيا على أصناف ثلاث صنف حلال صرف، كأن يرضع الطفل من ثدي أمه، كأن تعمل عملاً شاقاً مشروعاً، وتأخذ أجرة حلالاً وتشتري بها طعاماً فتأكله، هذا هو الحلال الصرف، لا يختلف فيه اثنان على وجه الأرض، وهناك حرام بين، العدوان على أموال الناس، شرب الخمر، الزنى، السرقة، القتل.
 لكن المشتبهات تشبه الحلال من جهة، وتشبه الحرام من جهة أخرى، والنبي عليه الصلاة والسلام قال: الحلال بالمفرد، بين، والحرام بالمفرد، بين، وبينهما مشتبهات بالجمع، معنى ذلك أن الشبهات عددها كبير جداً، ومعنى ذلك أن الشبهات متدرجة، بين أن تقترب من الحلال وبين أن تقترب من الحرام، يقول عليه الصلاة والسلام:

((فمن اتق الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ))

 والمؤمن الورع، وكلكم يعلم أن ركعتين من ورع خير من ألف ركعة من مخلط، المؤمن الورع إذا وقف أمام أمرٍ فيه شبهة يعني يشبه الحق من جهة، والباطل من جهة ثانية يدع الأمر كله من باب الأحوط، واستبراءً لدينه وعرضه، استبراءً لدينه أن يقع في معصية ولعرضه أن يقع الإنسان في مذمة تحط من قدره عند الناس، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول:

((دع ما يريبك إلى ما يريبك ))

 رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح، ويقول عليه الصلاة والسلام أيضاً فيما رواه الإمام الترمذي:

((لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذراً مما به بأس ))

 هذه قاعدة ثالثة، أمام قضية خلافية، خذ الأحوط، وانتهي من الأمر، اخرج من الخلاف، لذلك يقول عليه الصلاة والسلام:

((فمن اتق الشبهات فقد استبرأ لدينه))

 من أن يخدش بمعصية ـ ولعرضه ـ من أن يمس بسمعة سيئة، ومن وقع في الشبهات فقد وقع في الحرام وهو لا يدري، لأنه ورد في الأثر أنه من ترك ما اشتبه عليه كان لما استبان أترك، ومن وقع فيما اشتبه عليه كان لما استبان أوقع، الآن وقعت في الشبهة، الخطوة التالية سوف تقع في محرم بين واضح، الآن تركت أنت الشبهة، إذاً أنت أشد تركاً لما هو محرم تحريماً واضحاً، هذا الذي قلته ركعتان من ورع خير من ألف ركعة من مخلط، ومن لم يكن له ورع يصده عن معصية الله إذا خلا لم يعبأ الله بشيء من عمله. ومن وقع في الشبهات فقد وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه، أو أن يركع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، لا تنظر إلى صغر الذنب، ولكن انظر على من اجترأت على من تجترئ أنت، على ملك الملوك، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه.
 الآن يبين النبي أن سبب الورع وعلته هو هذا القلب، الحي النابض، المفعم بذكر الله عز وجل، يقول: ألا وإن في الجسد مضغةً إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب.
 أيها الإخوة الكرام قواعد ثلاث:
 القاعدة الأولى: حفت النار بالشهوات، وحفت الجنة بالمكاره.
 القاعدة الثانية: عامل الناس بما تحب أن يعاملوك به.
 القاعدة الثالثة: فمن اتق الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه.
 هذه القواعد الثلاث يمكن أن تقيس بها أي عمل، على مستوى العلاقات الشخصية، على مستوى العلاقات الاجتماعية، على مستوى العلاقات المالية، على مستوى العمل، على مستوى تمضية أوقات الفراغ بإمكانك أن تطبق هذه القواعد الثلاث في كل النشاطات البشرية.
 أيها الإخوة الكرام: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وسيتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا، الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني، والحمد لله رب العالم.
 الخطبة الثانية:
 الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين وأشهد أن سيدنا محمد عبده ورسوله صاحب الخلق العظيم، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
 أيها الإخوة الكرام: كل منا له كبد وهو من أكبر أعضاء الجسم لكن من يصدق أن هذا الكبد الذي يقع في الجانب الأيمن من البطن يقوم بـ 500 وظيفة، وأن الإنسان لا يستطيع أن يعيش من دون كبد أكثر من ثلاث ساعات، وأن هذا الكبد لو أردنا أن نقوم بأعماله العظمة، والمتعددة لاحتجنا كما يرى بعض العلماء إلى منطقة صناعية كبيرة، تقوم بمهماته كلها، فمن يصدق أن هذا الكبد يتألف من مئتين إلى ثلاث مئة مليار خلية، وأن كل خلية تقوم وحدها بكل وظائف الكبد، بحيث لو أن الجراح استأصل أربع أخماس الكبد لقام الخمس الأخير بكل وظائف الكبد، وهذا من فضل الله على الإنسان، أن هناك أعضاء خلاياه متخصصة، لكن الكبد كل خلية من خلاياه تقوم بكل وظائف الكبد، إذاً لو أن الجراح لعلة مرضية استأصل أربعة أخماس الكبد إن خمس الكبد وحده يقوم بكل نشاطات الكبد، وكل وظائفه، ثم من منا يصدق أنك أيها الإنسان يتجدد كبدك كلياً كل أربعة أشهر، أو كل مئة وخمسين يوماً، الكبد الذي كان قبل أربعة أشهر غير الكبد الذي هو الآن في بطنك، إذاً هذا من رحمة الله بالإنسان، وقال العلماء: إن خلايا الكبد فيها أكبر مخازن للطاقة، فكل خلية هذه 200 إلى 300 مليار خلية كل خلية يمكن أن تحتوي على ألف وحدة من مولدات الطاقة، والكبد يصل إليه من الدم ما يزيد عن ربع دم الإنسان كله والشيء الذي لا يصدق لأن هذا العضو خطير جداً، وأنه يقوم بوظائف لا مجال لذكرها اليوم، لكن يقوم بوظائف حيوية جداً، وأن الإنسان لا يستطيع أن يستغني عن كبده أكثر من ثلاث ساعات، وأن الكبد إذا أصابه يعني ورم خبيث، أو تليف، أو تشمع، فالموت محقق، هذا العضو مسلح بخلايا تنتشر بكثرة في داخل الكبد، هذه الخلايا مهمتها أن تصب كل هجوم جرثومي، لكن الإنسان أحياناً يذهب إلى عند القصاب ويقول له أعطني كيلو سودة، ويظن أنها أكلة طيبة، هذا الكيلو الذي تشتريه من عند القصاب لو تعلم كيف صمم، وكيف بني، وما وظائفه، وما خطورته لأخذتك الدهشة، لذلك دائماً وأبداً يقول الله عز وجل:

 

﴿سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ ﴾

 

( سورة فصلت: 53 )

﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (21)﴾

( سورة الذاريات: 21)

 وقد يسأل سائل لماذا ألح على الآيات في جسم الإنسان، لأن جسم الإنسان أقرب شيء إليك، إنه بين جوانحك، ما من إنسان يستطيع أن يعيش من دون كبد، فإذا أكل الإنسان أكلة في الكبد صفراء الصفراء تفرز في اليوم الواحد لتر ونصف، الصفراء هذا السائل الذي يذيب الدهون كل وجبة طعام تفرز هذه الغدة ما يزيد عن لتر ونصف من مفرزاتها، ونحن لا نشعر.
 اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت وبارك اللهم لنا فيمن أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي ولا يقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، وأكرمنا ولا تهنا، وأثرنا ولا تؤثر علينا، وأرضنا وأرضى عنا، أصلح لنا ديننا الذي هو عصمت أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا أخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، اللهم استر عوراتنا، وأمن روعاتنا، وأمنا في أوطاننا، واجعل هذا البلد أمناً سخياً رخياً، وسائر بلاد المسلمين، اللهم إنا نعوذ بك من الفقر إلا إليك، ومن الذل إلا لك، ومن الخوف إلا منك، نعوذ بك من عضال الداء، ومن شماتة الأعداء، ومن السلب بعد العطاء، مولانا رب العالمين، اللهم بفضلك ورحمتك أعلِ كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام وأعز المسلمين وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى إنه على ما تشاء قدير وبالإجابة جدير.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018