الخطبة : 0475 - الابتلاء - الرئة. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0475 - الابتلاء - الرئة.


1994-03-18

الخطبة الأولى:
 الحمد لله ثم الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكلي إلا على الله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته ، وإرغاماً لمن جحد به وكفر ، وأشهد أن سيدنا محمداً صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رسول الله سيد الخلق والبشر ، ما اتصلت عين بنظر ، أو سمعت أذنٌ بخبر ، اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد ، وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريته ومن والاه ، ومن تبعه إلى يوم الدين ، اللهم ارحمنا فإنك بنا راحم ، ولا تعذبنا فإنك علينا قادر ، والطف بنا فيما جرت به المقادير ، إنك على كل شيء قدير ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

معرفة حقيقة المصيبة وسرّها جزء أساسي من عقيدة المسلم :

 أيها الأخوة الكرام ؛ موضوع الخطبة اليوم آية كريمة في سورة البقرة وهي قوله تعالى :

﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ*الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ*أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ﴾

[ سورة البقرة : 155-157 ]

 يا أيها الأخوة الكرام ؛ معرفة حقيقة المصيبة وسرها جزء أساسي من عقيدة المسلم بل إن معرفة حقيقة المصيبة وسرها أكبر عون للمؤمن على قبولها ، وعلى الاستفادة منها ، والمقولة الدقيقة هي أنه من لم تحدث المصيبة في نفسه موعظة فمصيبته في نفسه أكبر .
 ولكن يا أيها الأخوة الكرام ؛ للمفسرين آراء دقيقة في هذه الآية ؛ بعضهم نظر إلى السياق ، وبعضهم نظر إلى السباق ، وبعضهم نظر إلى اللحاق ، فلكل آية سياق ، ولكل آية سباق - الآيات التي قبلها تلقي الضوء عليها - ولكل آية لحاق - والآيات التي بعدها تلقي الضوء عليها - فينبغي أن تنظر إلى الآية في سياقها ، وفي سباقها ، وفي لحاقها ، ما الآيات التي جاءت قبل هذه الآية ؟ قال تعالى :

﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آَيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ * فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ ﴾

[ سورة البقرة : 151 ـ 152]

العلاقة بين الإيمان وحسن الخلق علاقة ترابطية وجودية :

 النبي عليه الصلاة والسلام جاء أمته فتلا عليهم الآيات الدالة على عظمة الله عز وجل ، إنها الآيات الكونية ، وثلث القرآن آيات كونية تدل على وجود الله ، وعلى كماله ، وعلى وحدانيته .

﴿ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آَيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ ﴾

[ سورة البقرة : 151]

 ما لم تزكُ النفس ، ما لم تتطهر من أدرانها ، ما لم تتحلَّ بالكمالات الإنسانية ، فما قيمة الإيمان ؟ وما قيمة الدين ؟ وما جدوى الانتماء إلى هذا الدين العظيم ؟ لو أنك حذفت من الإيمان الخلق القويم ، لم يبق فيه شيء ، الإيمان حسن الخلق ، فإذا ألغي حسن الخلق ألغي الإيمان كله ، بل إن العلاقة بين الإيمان وبين حسن الخلق علاقة ترابطية ، علاقة ترابطية وجودية ، فإذا ألغي أحدهما ألغي الآخر .

﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آَيَاتِنَا﴾

[ سورة البقرة : 151]

 الآيات الكونية ، والآيات القرآنية ، والآيات التكوينية .

﴿ وَيُزَكِّيكُمْ ﴾

 من معاني التزكية التطهير من كل دنس ، التطهير من الشك ، التطهير من الشرك ، التطهير من العقائد الزائغة ، والمذاهب الهدامة ، التطهير من الشهوات والنزوات ، التطهير من الربا ، ومن أكل السحت ، ومن الغش ، ومن السلب ، ومن النهب ، ومن الظلم ، ومن القهر ، هذا معنى التزكية ، والمعنى الإيجابي لها التحلي بالكمالات ، أن تغدو النفس مؤمنة ، متواضعة ، طاهرة ، سليمة ، قوية ، كريمة ، عفوة ، فإذا حذفت من الإيمان الخلق القويم لم يبق فيه شيء ورب الكعبة .

﴿ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آَيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ ﴾

[ سورة البقرة : 151]

 هذا المنهج القويم ، هذا الصراط المستقيم ، هذا الحبل المتين ، هذا الضياء المبين ، هذا النور الوضاء ، هذا الدستور ، هذا القانون .

﴿ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آَيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ﴾

[ سورة البقرة : 151]

 وقال بعض العلماء : الحكمة هي السنة النبوية المطهرة ، فإذا اقتفيت سنة النبي عليه الصلاة والسلام كنت من أهل الحكمة ، أي فعلت الشيء المناسب في الوقت المناسب ، في المكان المناسب ، مع الشخص المناسب ، بالقدر المناسب .

 

ذكر الله عز وجل يملأ القلب حبوراً و سعادة :

 أيها الأخوة الكرام ؛ لا أريد أن أطنب في هذه الآيات لأنها تمهيد لآية اليوم

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ﴾

﴿ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ﴾

[ سورة البقرة : 151]

 كنتم رعاة للغنم فأصبحتم قادةً للأمم ، كنتم في جزيرة ضيقة قاحلة فأصبحتم هداة للبشر .

﴿وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ * فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ﴾

[ سورة البقرة : 151-152]

 أي :

﴿ كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آَيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ﴾

[ سورة البقرة : 151]

 فاذكروني لعبادي ، كما أنك هديت إلى الله فاعمل على هداية الآخرين ، كما أنك ذكرت بالله فاذكر ربك للآخرين ، كما أنك عرفت صراط الله المستقيم فبين هذا الصراط للآخرين، هذا معنى قوله تعالى :

﴿ كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آَيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ ﴾

[ سورة البقرة : 151]

﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ﴾

[ سورة البقرة : 151]

 أيها الأخوة الكرام ؛ الذكر :" ما ذكرني عبدي في نفسه إلا ذكرته في ملأ من ملائكتي ، ولا ذكرني عبدي في ملأ من خلقي إلا ذكرته في ملأ خير منهم " وفي آية كريمة هي آية الصلاة ، وهي قوله تعالى :

﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ ﴾

[ سورة العنكبوت: 45 ]

 أي أن ذكر الله عز وجل لكم أعظم من ذكركم له ، ذكركم له تقف ، وتسأل ، وتدعو ، وتقرأ الفاتحة ، وتركع ، وتسجد ، لكن الله إذا ذكرك في عليائه رحمك في الدنيا والآخرة، ملأ قلبك نوراً ، ملأ نفسك حبوراً ، ملأ كيانك سعادةً ، ملأ عملك توفيقاً ، ذكر الله لك أعظم وأكبر بكثير من ذكرك له .

﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي ﴾

[ سورة البقرة : 151]

 يا أيها الأخوة الكرام ؛ الشكر له مراحل ثلاث ، يبدأ بأن تعترف بهذه النعمة ، أن تعرفها ، وأن تعترف بها ، ويمر بأن يكون قلبك ممتناً لله عز وجل ، وينتهي بأن يكون عملك كله خالصاً لوجه الله عز وجل ، يبدأ بمعرفة واعتراف ، ويمر بحمد وامتنان ، وينتهي بإخلاص وعمل .

﴿اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ ﴾

[ سورة سبأ : 13]

علاقة الصبر بالصلاة :

 أيها الأخوة الكرام ؛ وتأتي بعدها آية .

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾

[ سورة البقرة : 153]

 الصبر أيها الأخوة عن الشهوات ، والصبر على الطاعات ، والصبر على قضاء الله وقدره ، والصبر على المعارضات ، والصبر على بطء النصر ، والصبر على المشقة ، والصبر على الصراع مع الباطل ، والصبر على الابتلاء ، والصبر من لوازمه أن يضاعف القدرات ، ويذلل العقبات ، إن الصبر أحد أركان النجاة ، قال تعالى :

﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾

[ سورة العصر: 1-3]

 يا أيها الأخوة الكرام ؛ ما علاقة الصلاة بالصبر ؟ إنك إذا سرت في صحراء قاحلة ، حرها شديد ، وجفافها خطير ، ثم رأيت واحة في الصحراء تنتعش بها ، ظل ظليل ، وماء نمير ، وراحة ، تأتي الصلاة أيها الأخوة مع الصبر أحياناً تضيق طاقة الإنسان عن تحمل الشدائد ، فإذا صلى تجلى الله على قلبه تجلياً يخفف عنه أعباء الصبر ، لذلك قال تعالى في أكثر من آية :

﴿ اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ﴾

[ سورة البقرة : 153]

 إنك بالصبر تتحمل ، فإذا ضعفت إمكانية التحمل جاءت الصلاة لتكون دعماً لك، وحبوراً لك ، ودفعاً لك إلى متابعة الطريق .

﴿اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾

[ سورة البقرة : 153]

 مع الصابرين بالتوفيق ، مع الصابرين بالتأييد ، مع الصابرين بالتسديد ، بالترشيد، بكل شيء تتوقه نفسك ، هذه الآيات أيها الأخوة بربكم تتحدث عن من ؟ تتحدث عن المؤمنين .

﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ﴾

[ سورة البقرة : 151]

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ﴾

  صراحة ، بمعنى قطعي الدلالة .

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾

[ سورة البقرة : 153]

الابتلاء أحد سنن الله العظمى في الحياة :

 والآن تأتي الآية :

﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾

[ سورة البقرة : 155]

 يا أيها الأخوة الكرام ؛ أقف وقفة صغيرة عند كلمة :

﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ ﴾

  يجب أن تعلموا علم اليقين أن الابتلاء أحد سنن الله العظمى في الحياة ، قال تعالى :

﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ﴾

[ سورة المؤمنون : 30]

 إن جاءت كلمة في القرآن الكريم مع فعل فهذا يعني الترابط الوجودي ، أي منذ أن وجد الإنسان على وجه الأرض وإلى أبد الآبدين لابد من أن يبتلى ، الابتلاء سنة الله في خلقه .

﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ﴾

[ سورة الجاثية : 21 ]

﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ﴾

[ سورة العنكبوت : 2]

 دقق في هذه الآية :

﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾

[ سورة الأعراف : 168]

﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾

[ سورة محمد : 31 ]

﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ﴾

[ سورة الأنبياء : 35 ]

﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾

[ سورة الكهف : 7]

﴿ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ ﴾

[ سورة محمد:4 ]

 من أعدائكم .

﴿وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ﴾

[ سورة الأنعام : 165 ]

﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾

[ سورة الملك : 2 ]

﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ﴾

[ سورة المؤمنون : 30]

 أيها الأخوة الكرام ؛ المؤمن يجب أن يوطن نفسه على أنه لابد من أن يبتلى ، الإمام الشافعي سئل قال : أندعو الله بالابتلاء أم بالتمكين في الأرض ؟ فقال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى : لن تمكن قبل أن تبتلى ، والله الذي لا إله إلا هو لن تنال من الله شيئاً ذا قيمة، شيئاً أبدياً ، لن تنال من الله دخول الجنة إلا إذا ابتليت في الدنيا ، ونجحت في الابتلاء ، سلعة الله غالية ، أما أن تصل إلى هذا الهدف العظيم بثمنٍ بخسٍ ، بركيعات تركعها غافلاً ، بدريهمات تدفعها لاهياً ، فهذا مستحيل ، طلب الجنة من دون عملٍ ذنب من الذنوب ،

﴿ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ﴾

.

الحكم من الابتلاء :

1 ـ الابتلاء من أجل أن يدفع المؤمن ثمن عقيدته غالياً فيحافظ عليها :

 أيها الأخوة الكرام ؛ الآن بدأنا في موضوع الخطبة ؛ الله رب العالمين ، ومعنى أنه رب العالمين ، يربي هذه الأجساد ، ويربي تلك النفوس ، يربي هذه الأجساد بإمدادها ، بما تحتاج من هواء ، من طعام ، من شراب ، من أهل ، من أولاد ، ولكن كيف يربي النفوس ؟ الله رب العالمين يربي النفوس بالابتلاء .
 أول نقطة في موضوعنا اليوم هي أن الابتلاء الذي يبتلينا الله به من أجل أن يدفع المؤمن تكاليف عقيدته ، ومن أجل أن تعز هذه العقيدة على نفوس المؤمنين ، بمقدار ما أدوا في سبيلها من تكاليف ، من أخذ البلاد من غير حرب يهون عليه تسليم البلاد ، المؤمن حينما يبتلى ، وحينما يدفع ثمن عقيدته باهظاً ، هذه العقيدة تعز عليه ، وتعظم في نظره ، ولا يفرط بها ، ويحافظ عليها حفاظه على حياته ، فلذلك أول فائدة ، وأول حكمة من حكم الابتلاء أن الابتلاء من أجل أن تدفع ثمن عقيدتك باهظاً ، من أجل أن تعز عليك عقيدتك ، من أجل ألا تفرط بها ، من أجل ألا تتخلى عنها لأدنى ضغط أو إكراه ، ولأدنى إغراء ، أو مكسب أرضي ، هذه واحدة ، لا تجد مؤمناً متشبثاً بإيمانه ، متمسكاً بعقيدته ، إلا لأنه دفع ثمنها باهظاً، دفعها ابتلاءً نقصاً في ماله ، أو نقصاً في ثمراته ، أو خوفاً في كيانه .

﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ﴾

 الخطاب للمؤمنين ، هذا ابتلاء المؤمنين :

﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾

[ سورة البقرة : 155]

 أول هدف كبير من أهداف الابتلاء ؛ أن تعز عليك عقيدتك ، أن يغلو في نفسك إيمانك ، أن تحافظ عليه حفاظك على وجودك ، تقول : دفعت ثمنه باهظاً .
 يا أيها الأخوة الكرام ؛ دققوا في الذين يجمعون الثروات ، بكدهم ، وعرق جبينهم ، بجهد جهيد ، وعمر طويل ، وسهر طويل ، هؤلاء مالهم غالٍ عليهم كأرواحهم ، أما الذين يرثون المال من دون تعب ، ومن دون جهد ، فكثيراً ما يفرطون به ، كثيراً ما ينفقونه في أشهر معدودة، وينقلبوا إلى فقراء من أجل ماذا يبتلينا الله عز وجل ؟ من أجل أن تعز هذه العقيدة في نفوسنا ، من أجل أن يغلو الإيمان في كياننا ، من أجل أن نحافظ عليه ، كما نحافظ على وجودنا ، هذه هي الحكمة الأولى من حكم الابتلاء .

 

2 ـ الابتلاء من أجل أن يصلب عود المؤمن عقيدة وسلوكاً :

 يا أيها الأخوة الكرام ؛ شيء آخر : الماس أثمن عنصر في الأرض ، أي قراريط من الألماس ثمنها مئات الألوف ، ما الألماس ؟ الألماس هو فحم تلقى ضغطاً لا حدود له وتلقى حرارة لا حدود لها ، فصار هذا الحجر النفيس .

محمد بشر وليس كالبشر  فهو جوهرة والناس كالحجر
***

 الجوهرة حجر ، لكنها حجر ثمين ، لكنها حجر تلقى ضغوطاً كثيراً ، وتلقى حرارةً عالية ، حتى صار بهذا الشكل الثمين المتألق البراق .
 شيء آخر أيها الأخوة : الحديد مثال من واقعنا ، كلما كثر فيه الفحم رخص ثمنه، فالحديد الصب الذي يسمونه الناس هكذا أرخص أنواع الحديد ، لكثرة الفحم فيه ، وكلما قل الفحم من الحديد ارتفع ثمنه ، أما إذا خلا من كل الشوائب فصار حديداً راقياً ، أما إذا عولج بالحرارة والبرودة فصار فولاذاً ، أما إذا طرق فهو أغلى أنواع الحديد ، الحديد المطرق .
 فهذه العناصر الأساسي في الحياة كلما تلقت علاجاً ، وكلما تلقت ضغطاً ، وكلما تلقت تنقية ، كانت أغلى من مثيلاتها التي تنطوي على الشوائب ، المؤمن أيها الأخوة ، كلما ابتلاه الله بـ

﴿ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ﴾

 قال :

﴿ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ﴾

  هذا هو المعنى الثاني .
 المعنى الثاني : أن الابتلاء من أجل أن يصلب عود المؤمن عقيدة وسلوكاً ، من أجل أن تستجر هذه المصائب مكنون القوى في نفس المؤمن ، مدخر الطاقة في كيانه ، من أجل أن تفجر طاقاته ، ما كان المؤمن ليعلم ما ينطوي عليه من قدرات ، ومن طاقات ، ومن إمكانات لولا تلك المصائب التي يبتليه الله بها ، لذلك موقف المؤمن يوم القيامة تلخصه الآية الكريمة :

﴿وَآَخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾

[ سورة يونس : 10 ]

 يعرض الله عليه كلما ساقه له في حياته الدنيا ، فإذا كل ما ساقه الله له من شدة، ومن امتحان ، ومن ابتلاء ، إنما هو لصالحه ، ولصالح حياته الأبدية ، لذلك يلهج لسانه بالشكر لله رب العالمين .
 أيها الأخوة الكرام ؛ المعنى الأول : أن هذه البلايا من أجل أن يدفع المؤمن ثمن عقيدته غالياً فيحافظ عليها .
 المعنى الثاني : أن هذه البلايا من أجل أن تطهره ، من أجل أن تصقله ، من أجل أن تعلي قدره .

 

3 ـ الابتلاء يقوي إيمان المؤمن :

 ولكن في الأمر شيئاً آخر هو أخطر ما في المصائب ، هذا لا يتوضح إلا بمثل. لو أن إنساناً يملك جزءاً من المال ، وضغط عليه آخر بطريقة أو أخرى ليأخذ هذا المال ، كلما رفع مستوى الضغط تشبث هذا الأول بالمال ما معنى ذلك ؟ كلما كان المبلغ الذي يملكه أكبر تشبث به أكثر .
 لذلك المؤمن حينما يبتلى ، ويصر على استقامته ، ويصر على مبدئه معنى ذلك أنه يملك شيئاً نفسياً جداً ، الطرف الآخر ، الطرف الثاني ، المراقبون يرون المؤمن يبتلى بماله فيصبر ، يبتلى بسلامته فيصبر ، يبتلى بنقص في ثمراته فيصبر ، ما هذا الشيء الذي يسعده حتى من أجله يتحمل كل الشدائد ؟ لا شك أنه على شيء ثمينٍ جداً ، هذا ما يدعو الآخرين إلى الإقبال على الدين ، حينما يرى الإنسان إنساناً يضحي بالدنيا من أجل إيمانه ، يضحي بكل المكاسب من أجل عقيدته ، ماذا يعني هذا ؟ يقف الإنسان المتفرج - الطرف الآخر - موقفاً متسائلاً لولا أنه ينطوي على سعادة لا توصف لما تشبث بهذا ، إذاً كأن الذي يبتلى هو داعية صامت .
 مثل أوضح من ذلك لو أن إنساناً يتمتع بعمل ذي دخل كبيرٍ كبير ، وأجبر على معصية لله ، فرفض العمل كله ، ورفض دخله الكبير ، ماذا يقول المراقبون ؟ ماذا يقول الطرف الآخر ؟ لولا أنه ينعم بسعادة لا توصف لما تخلى عن عمله ، ولا عن دخله ، نظير الحفاظ على إيمانه واستقامته .
 إذاً هذا المبتلى بماله ، أو بنفسه ، أو بأولاده ، أو بثمراته ، هذا المبتلى داعية صامت ، ولا تصدقوا أيها الأخوة أن الشيء الذي ينزله الله بالمؤمنين هو شر لهم ، بل هو خير، خير لهم ولعامة الناس ، والناس لا يقبلون على هذا الدين إلا إذا رأوا المؤمنين متمسكين به ، يضحون من أجله بالغالي والرخيص ، والنفس والنفيس ، الدنيا كلها لا تعدل عندهم جناح بعوضة ، الدنيا أمام مبادئهم لا شيء ، هكذا المؤمن ، مهما تعرض لضغوط ، مهما تعرض لإغراءات ، إيمانه أقوى من ضغوط الحياة ، وإيمانه أقوى من إغراءات الحياة ، هذا الذي يراه الناس في المؤمن يدعوهم إلى أن يدرسوا هذا الدين ، وهذا الذي يحصل في العالم الآن ، هذه الضغوط الشديدة التي يتعرض لها المسلمون في العالم تدعو الطرف الآخر إلى دراسة هذا الدين، ما هذا الدين ؟ لماذا يتمسك هؤلاء بدينهم ؟ لماذا يتحملون في سبيله كل ضغط وإكراه ؟ يضحون بأموالهم ولا يبالون ، يضحون براحتهم ولا يبالون ، هذا هو المقصد الثالث من الابتلاء، المبتلى وأقول هذا بشكل واضح داعية صامت .
 تروي قصص التاريخ أن رجلاً أباح مدينة لجنوده ، أحد هؤلاء الجنود دخل إلى بيت ، فإذا في البيت رجل وامرأة وولدان ، فقتل الرجل وقال للمرأة : أعطني كل ما عندك ، أعطته دراهم معدودات ذهبية ، فقتل ولدها الأول ، فلما رأته جاداً في قتل الثاني أعطته درعاً مذهبة - طبعاً أصل القصة أن أحداً يطوف حول الكعبة ويقول : ربي اغفر لي ذنبي ولا أظنك تفعل ، سار خلفه رجل قال : يا هذا ما أشد يأسك من رحمة الله ؟ قال : ذنبي عظيم ، وذكر له هذه القصة - فلما أعطته هذه الدرع الثمينة المذهبة ، متى أعطته إياها ؟ لما رأته جاداً في قتل الثاني قرأ على هذه الدرع :

إذا جار الأمير وحاجباه  وقاضي الأرض أسرف في القضاء
فويل ثم ويل ثم ويـــــــــل  لقاضي الأرض من قاضي السماء
***

 عندئذٍ تاب من فوره ، واتجه إلى الكعبة لعل الله سبحانه وتعالى يغفر له ، وكان يدعو ويقول : ربي اغفر لي ذنبي ولا أظنك تفعل .
 أيها الأخوة الكرام ؛ أردت من هذه القصة نقطة واحدة ، متى دفعت له الدرع الثمين المذهبة ؟ حينما رأته جاداً في قتل الثاني ، فالشيء الذي تدفع ثمنه باهظاً لا تفرط فيه بأدنى ضغط ، فالمصائب تقوي إيمان المؤمن ، وتعطيه اليقين بأن أثمن شيء في حياته هو الإيمان .

 

4 ـ الابتلاء يُغيّب الأوهام فتصح العقيدة :

 أيها الأخوة الكرام ؛ هناك شيء آخر : هو أن الإنسان له أسناد يستند إليها ، وله تصورات يعتقدها ، فإذا كانت أسناده تدعوه إلى الشرك ، وإذا كانت تصوراته تدعوه إلى انحراف العقيدة ، فالله سبحانه وتعالى لابد من أن يعالجه ، يضعضع هذه الأسناد التي يعتمد عليها ، فيلجأ إلى الله ، وتغيب عنه هذه الأوهام التي يعتقدها ، فتصح عقيدته ، فالابتلاء أيها الأخوة إذا كان هناك شرك خفي ، أو عقائد موهومة ، أو تصورات غير صحيحة ، فالمصائب تتولى أن تغيب عنك هذه الأوهام ، وأن تهز لك هذه الأسناد .
 والشيء الآخر أنك إذا ابتليت وصبرت فأنت داعية صامت وأنت لا تدري ، هذا الشيء يدعو الناس إلى التساؤل ، ما هذا الإيمان الذي يضحي من أجله المؤمن بالغالي والرخيص ؟ والشيء الأول هو أن المصائب تجعلك تدفع ثمن إيمانك باهظاً .

 

من رحمة الله أن يعوض الإنسان أضعافاً مضاعفة إذا أخذ منه شيئاً :

 أيها الأخوة الكرام ؛ الآية الكريمة :

﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ ﴾

[ سورة البقرة : 155-156]

 ما من كلمة أبلغ ، إنا لله ما أعطى ، وله ما أخذ ، إن أعطَى أعطى عن حكمة، وعن رحمة ، وإن أخذ أخذَ عن حكمة وعن رحمة ، ربما أعطاك فمنعك ، وربما منعك فأعطاك، العطاء من الله عطاء ، والمنع من الله عطاء .

﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾

[ سورة آل عمران : 26 ]

 لم يقل بيدك الخير والشر ، قال :

﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾

﴿ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ﴾

[ سورة البقرة : 155-156]

 نحن ملكه ، وبعضهم قال :

﴿ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ﴾

[ سورة البقرة : 156]

 بهذه المصيبة .
 قلت لكم في أول الخطبة : من لم تحدث المصيبة في نفسه موعظة فمصيبته في نفسه أكبر .

﴿ إِنَّا لِلَّهِ ﴾

 نحن ملك لله عز وجل ، له ما أعطانا ، وله ما أخذ منا ، والمعنى الآخر :

﴿ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ﴾

  قال هؤلاء الذين دفعوا ثمن عقيدتهم باهظاً ، وهؤلاء الذين دفعتهم المصبية إلى أبواب الله ، وأزالت عنهم الأوهام ، والشرك الخفي ، هؤلاء الذي كانوا دعاةً لله وهم صامتون هؤلاء جميعاً .

﴿ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ﴾

[ سورة البقرة : 157]

 من أدق ما اطلعت عليه في الحديث القدسي أن الله سبحانه وتعالى يقول :

((يا داود مرضت فلم تعدني ؟ قال : يا رب كيف أعودك وأنت رب العالمين ؟ قال : يا داود مرض عبدي فلان فلم تعده ، أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده ؟ ))

[ أخرجه مسلم عن أبي هريرة ]

 دققوا في هذه الكلمة ، أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده ؟ أي الله سبحانه وتعالى حينما يسلب عبداً صحته ، أو ماله ، أو راحته ، أو طمأنينته ، معالجةً له يتجلى عليه ، يعوضه أضعافاً كثيرة من التجليات الإلهية ، إنك إن زرت مريضاً مؤمناً شعرت بالراحة لماذا ؟ لأن هذا المريض ازداد من الله قرباً ، تجلى الله عليه ، ملأ قلبه نوراً ، ملأ قلبه رضاً ، ملأ قلبه سعادةً ، أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده ، أتجلى عليه ، إذاً الله من رحمته إذا أخذ من عبد ماله ، أو أخذ من عبد بعض صحته موقتاً ، أو أخذ من عبدٍ طمأنينته ، إذا فعل ذلك فليعوضه أضعافاً كثيرة ، ومن خطب رسول الله صل الله عليه وسلم :

((إن هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء ، ومنزل ترح لا منزل فرح ، فمن عرفها لم يفرح لرخاء - لأنه مؤقت - ولم يحزن لشقاء ، قد جعلها الله دار بلوى ، وجعل الآخرة دار عقبى ، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سبباً ، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضا ، فيأخذ ليعطي ويبتلي ليجزي ))

[ من كنز العمال عن ابن عمر ]

كل طاعة لها حسابها إلا الصبر فحسابه مفتوح :

 أيها الأخوة الكرام ؛ لا تنسوا هذه الآية أختم بها خطبتي .

﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾

[ سورة الزمر : 10]

 كل طاعة لها حسابها ، كل عمل صالح له أجره ، إلا الصبر .

﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾

[ سورة الزمر : 10]

 هنيئاً لمن عرف الله ، فصبر على قضائه وقدره ، صبر على مراده ، صبر على مشيئته ، يقول الإمام علي كرم الله وجهه : " الرضا بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين ".
 اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، والحمد لله رب العالمين.

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

الرئتان من آيات الله الدالة على عظمته :

 أيها الأخوة الكرام ؛ من آيات الله الدالة على عظمته هاتان الرئتان اللتان أودعتا صدر الإنسان ، يتصلان بالمحيط الخارجي بقصبة هوائية ، هذه القصبة تتفرع إلى ثلاثة و عشرين فرعاً ، إلى أن تصل هذه الفروع إلى الأسناخ ، أو الحويصلات الرئوية ، وهي أصغر وحدة في الرئة ، الحويصلة أيها الأخوة قطرها وهي منتفخة بالهواء ربع ميكرون ، مساحة القصبة خمسة سنتمترات بمقدار ليرة سورية أو أكبر بقليل ، لكن مساحة الحويصلات المربعة سبعون متراً مربعاً ، مساحة الحويصلات الرئوية أو الأسناخ الرئوية تقدر بسبعين متراً مربعاً ، تتلقى الهواء من قصبة لا يزيد قطرها عن خمسة سنتمترات ، وتتفرع هذه القصبة إلى مساحة تزيد عن سبعين متراً مربعاً ، هل تصدقون أيها الأخوة أن في الرئتين ثلاثمئة و خمسين مليون حويصلة رئوية ، وأن مساحة الأسناخ الرئوية تزيد عن مساحة القصبة بألفي ضعف ، شبهوا مساحة القصبة الرئوية بالليرة ، و شبهوا مساحة الأسناخ الرئوية بملعب للتنس ، يدخل الهواء من قصبة ، ويتفرع بمساحات واسعة ، من أجل التبادل مع الأكسجين .
 الشيء الذي لا يصدق أنه على طول هذه التفرعات التي تنتهي بالأسناخ الرئوية تنتشر الأهداب ، ما هي الأهداب ؟ أشعار طول الواحد منها يقدر بستة ميكرونات ، وقطرها مئتا ميكرون ، هذه الأهداب تتحرك نحو الأعلى دائماً من ألف إلى ألف و خمسمئة مرة في الدقيقة من أجل أن تطرد كل الشوائب ، وكل الأجسام الغريبة ، دائماً هناك أهداب بكل تفرعات الرئة تتحرك نحو الأعلى من ألف إلى ألف و خمسمئة مرة في الدقيقة ، من أجل أن تطرد كل شيء ، و ليبقى طريق الهواء نظيفاً نقياً صافياً ، وحتى هذه الساعة عجز أطباء العالم عن زرع الرئة لأنهم عجزوا عن توصيلات الأعصاب المتعلقة بالأهداب وبالسعال ، هذه الرئة فيها ما يقدر بثلاثمئة و خمسين مليون سنخ رئوي ، مساحتها سبعون متراً مربعاً ، فيها أهداب تتحرك من ألف إلى ألف و خمسمئة مرة في الدقيقة نحو الأعلى ، والشيء الذي لا يصدق أن هذه الأهداب الرئوية الموزعة في القصبة وفي الفروع حتى تصل إلى الأسناخ تطرد الأجسام الغريبة، تتحرك ستة عشر ميلاً في الدقيقة ، إذا كان هناك جسم غريب بالرئة تتحرك الأهداب ستة عشر ميلاً في كل دقيقة ، أما إذا دخل شيء إلى القصبة غريب كقطرة ماء عندئذٍ يكون السعال ، ما السعال ؟ يخرج الهواء من الرئتين بسرعة تسعمئة كيلو متر بالساعة من أجل أن يدفع كل شيء في القصبة .

﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ ﴾

[سورة الطور : 35]

﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴾

[ سورة غافر : 64]

 الشيء الأعظم من ذلك أن التنفس يتم بتنبيه عصبي نوبي لا إرادي ، فلو أن الله سبحانه وتعالى أوكل التنفس لنا لكان الخيار صعباً جداً ، إما أن نلغي النوم ، أما إذا نمنا فسوف نموت ، وهناك مرض نادر جداً يصيب مركز التنبيه الرئوي النوبي بالعطب عندئذٍ لا يستطيع الإنسان أن ينام الليل أبداً ، وقد اخترع دواء غال جداً يأخذه الإنسان كل ساعة ، يجب أن يربط المنبه على الساعة العاشرة يأخذ حبة ، ينام للساعة الحادية عشرة يأخذ حبة ، ينتهي مفعول هذا الدواء بعد ساعة ، يستيقظ الساعة الثانية عشرة يأخذ حبة ، والساعة الواحدة حبة ، والثانية حبة ، إلى أن ينفجر الفجر ، لو تعطل مركز تنبيه الرئتين النوبي لانتهينا ، فنحن في نعم لا تحصى .

﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ ﴾

[سورة الطور : 35]

 أهداب تطرد الأجسام الغريبة ، مساحة تقدر بسبعين متراً مربعاً ، تبادل الأكسجين مع غاز الفحم ، يتم في الرئتين .

﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾

[ سورة لقمان : 11 ]

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك، ومن اليقين ما تهون علينا مصائب الدنيا، ومتعنا اللهم بأسماعنا، وأبصارنا، وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا، مولانا رب العالمين، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، ودنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، اللهم لا تؤمنا مكرك، ولا تهتك عنا سترك، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين، اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا، وآمنا في أوطاننا، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً، وسائر بلاد المسلمين، اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك، ومن الفقر إلا إليك، ومن الذل إلا لك، نعوذ بك من عضال الداء، ومن شماتة الأعداء، ومن السلب بعد العطاء، اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب، اللهم صن وجوهنا باليسار، ولا تبذلها بالإقتار، فنسأل شر خلقك، ونبتلى بحمد من أعطى، وذم من منع، وأنت من فوقهم ولي العطاء، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء، اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين، اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام، وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى، إنك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018