الخطبة : 0470 - رمضان1 ، ثمرات الصيام - الصّيام دَوْرةٌ وِقائيّة. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0470 - رمضان1 ، ثمرات الصيام - الصّيام دَوْرةٌ وِقائيّة.


1994-02-11

الخطبة الأولى:

 الحمد لله ثمّ الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنّا لِنَهْتَدِيَ لولا أن هدانا الله ، وما توفيقي ، ولا اعتصامي ، ولا توكّلي إلا على الله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقرارًا لرُبوبيَّته ، وإرغامًا لمن جحد به وكفر ، وأشهد أنّ سيّدنا محمّدًا صلى الله عليه وسلّم رسول الله سيّد الخلق والبشر ، ما اتَّصَلَت عين بنظر ، أو سمعت أذنٌ بِخَبر . اللَّهمّ صلّ وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد ، وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريّته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدّين . اللَّهمّ ارْحمنا فإنّك بنا راحِم ، ولا تعذّبنا فإنّك علينا قادر ، والْطُف بنا فيما جرَتْ به المقادير ، إنَّك على كلّ شيءٍ قدير ، اللّهمّ علّمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علّمتنا وزدْنا علمًا ، وأرنا الحقّ حقًّا وارزقنا اتّباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممَّن يستمعون القول فيتّبعون أحْسنه ، وأدْخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

رمضان دَوْرة مكثّفة سنويّة لِمَحو أدران الماضي وللرقيّ في معارج الكمال :

 أيها الأخوة الكرام ؛ النبي صلى الله عليه وسلم صعد المنبر مرّة فقال : آمين .. نحن في شهر يُعدّ فرصة سامحة ، ودَوْرةً مكثّفة سنويّة لِمَحو أدران الماضي ، وللرقيّ في معارج الكمال ، فلِرمضان وظيفتان ، وظيفة المغفرة والعفو ، ووظيفة الرقيّ في مدارج الكمال ، فالله سبحانه وتعالى جعل العبادات ومنها الصّيام مُعلّلة بِمصالح الخلق ، وهذا قول أحد العلماء الكبار : عبادات الله تعالى مُعلّلة بمصالح الخلق ، وقال عالم آخر : الشريعة عدْلٌ كلّها ، مصْلحةٌ كلّها ، رحمةٌ كلّها ، لذلك لو استنبطنا هذه الحِكمة ؛ حكمة الصيام من القرآن الكريم ، قال تعالى :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾

[ سورة البقرة : 183]

 آية واضحة كالشمس ، العبادات أيها الأخوة إذا خلَت من هذه الحِكَم ، وتلك المصالح انقلبَتْ إلى طُقوس لا معنى لها ، لا يمكن أن يكون دين الله عز وجل غير معقول ، وغير مفهوم ، إنّه دينُ خالق الكون ، لذلك يقول الله عز وجل في القرآن الكريم :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾

[ سورة البقرة : 183]

 وأيّ أخٍ صائمٍ لا يضعُ هذا الهدف أمام عينيه ، ولا يسْعى إليه سَعيًا حثيثًا ، فقد غابَت عنه حكمة الصّيام ، وقد ذكر بعض العلماء أنّ من الصّيام صيام العوام ، هؤلاء يصومون ، ويفطرون ، ولا يدْرون لم صاموا ؟ ولا لم أفطروا ؟ مثلهم كمثل الناقة عقلها أهلها فلا تدري لا لم عقلَتْ ؟ ولا لمَ أطلقَتْ ؟ وصيام المؤمنين صيامُ جوارحهم كلّها عن كلّ مخالفة أو معصِيَة ، لكنّ صيام الأتقياء صيام عمّا سوى الله .

ثمار التقوى :

 أيها الأخوة الكرام ؛ القرآن الكريم من أوصافه في القرآن أنّه مثاني ، أيْ أنّ كلّ آية تنثني على أختها فَتُفسِّرُها ، وقد ذكر الله عز وجل في آية أخرى فقال :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِه﴾

[ سورة الحديد: 28 ]

 إذًا لعلّكم تتّقون ؛ مِن ثِمار التقوى أن يجعل الله لك نورًا تمشي به ، والإنسان حينما يتحرّك في الحياة الدنيا ، لا بدّ من التّحرّك لأنّ الله سبحانه وتعالى أوْدَعَ فيه الشهوات ، وهذه الشهوات بِمَثابة قِوَى تحرّكهُ ، وتدفعُه ، فإذا كان مع هذه الحركة نورٌ يستضيءُ به ، إذا كان مع هذه الحركة مِصباحٌ متألّق يكشف له خبايا الطريق ، إذًا هذه الحركة سليمة ونافعة ومُثْمرة ، أما إذا خلَت هذه الحركة - ولا بدّ من هذه الحركة - من نورٍ يكشف لك الطريق فلابدّ من التَّدَهْوُر ، ولا بدّ من الوقوع ، ولا بدّ من التّعثّر ، تصوَّروا أيها الأخوة إنسانًا يمشي في طريقٍ كثير الانعطافات ، مملوءٍ بالحُفر والأكمات ، من دون مصباح ، فأنْ يقع في إحدى الحُفَر شيءٌ حَتمي ، وأن يُجانب صراط الطريق شيءٌ حَتمي ، فالذين يصومون صيامًا كما أراد الله عز وجل كأنّهم بهذا الصّيام يصلون إلى التقوى ، ومن معاني التقوى أنّ الله سبحانه وتعالى يجعل لك نورًا تمشي به ، أي قرارُك سليم لأنّ رؤيتَك صالحة ، ترى الحقيقة فتَسْلكها ، وطريق الحق فتتَّبِعُهُ ، ترى الشرّ فتجْتنبَهُ ، ترى الباطل فتبْتَعِدُ عنه ، وترى الحق فتلتزمُهُ ، أساس السّلوك هي الرؤية ، وما من إنسانٍ أيها الأخوة يتحرّك ، إلا وقبل أن يتحرّك هناك رؤية وتصوّر هي مَبْعث تلك الحركة ، هذه آية ، هذه الآية انْثَنَتْ على آية الصّيام فبيَّنَتْ ما هي التّقوى ، قال تعالى :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِه﴾

[ سورة الحديد: 28 ]

 آية ثانية ، قال تعالى :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً﴾

[ سورة الأنفال : 29]

 من ثِمار التّقوى أنّك تفرّق بين الحق والباطل ، ولا تقعُ في جهالة جهلاء ، ولا في ظلامة عَمْياء ، قال تعالى :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴾

[ سورة الأنفال : 29]

 آية ثالثة ، قوله تعالى :

﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً ﴾

[ سورة الطلاق : 5]

 هل في الأرض كلّها أيها الأخوة إنسانٌ واحد يتمنّى أن تُعَسَّر أمورهُ ؟ يتمنى أن يواجه الصعوبات واحدة بعد واحدة ؟ لكنّ الذي يريحُ الإنسان أن تُيسَّر أموره ، وأن تجري بيُسْرٍ وراحة، قال تعالى :

﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً ﴾

[ سورة الطلاق : 4]

 فإذا وقعْتَ في مشكلة ومطبّ وأزمة ، قال تعالى :

﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً ﴾

[ سورة الطلاق : 2]

 فالتقوى تكشف لك الطريق بحيث تفرّق به بين الحق والباطل ، والخير والشرّ ، وما هو صالح ، وما هو طالح ، وما هو نافع ، وما هو ضارّ ، وما هو مُجدي ، وما هو عبث، وهناك شيءٌ آخر بالتَّقْوى تكفّر عنك سيّئاتك ، لأنّ الإنسان إذا اصْطلح مع الله عاد من ذنوبه كيَوْم ولدتْهُ أمّه ، فالإسلام يجبّ ما قبله ، وشيءٌ ثالث ، ومن يتّق الله يجعل له من أمره يُسرًا ، وشيءٌ رابع ؛ ومن يتّق الله يجعل له مخرجًا .

الصلاة إلى الصلاة والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان كفارة لما بينهما :

 أيها الأخوة الكرام ؛ أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام يجب أن نفهمها فهمًا عميقًا ، لأنّ سيّدنا سعد بن أبي وقاص يقول : " والله ما سمعتُ حديثًا من رسول الله صلى الله عليه وسلّم إلا علمْتُ أنّه حق من الله تعالى " فقد روى الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :

((الصلوات الخمس ، والجمعة إلى الجمعة ، ورمضان إلى رمضان ....كفارة لما بينهما ))

[ مسلم عن أبي هريرة ]

 صلّيْت الفجر ، وقعْتَ في بعض الهفوات ، جاءَتْ صلاة الظهر فصلَّيْتها بالتمام والكمال ، فهذه صلاة الظهر كفّارة لما بين الفجر والظهر ، جاءَت صلاة العصر ، أيضًا كفرّت عنك ما بدَرَ عنك خطأً ، فرمضان يُكَفِّرُ عمّا سلف ، وهذه الجمعة تكفِّرُ عمّا سلف ، والصلاة إلى الصلاة تكفّر ما بينهما ، لأنّ كلّ بني آدم خطّاء وخير الخطائين التوابون ، ولا أعني بالخطأ الخطأ الذي تصرّ عليه ، ولا أعني بالخطأ الخطأ الذي تعرفهُ خطأً وتصرّ عليه ، فهذا والعياذ بالله ينقلب إلى كبيرة، لقول النبي عليه الصلاة والسلام :

(( لا صغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة مع استغفار ))

[الحارث عن أبي هريرة وعبد الله بن عباس ]

 حينما يصرّ الإنسان على صغيرة ، تنقلب هذه الصغيرة إلى كبيرة ، ولكن حينما يسْهو الإنسان ، حينما لا ينتبه ، ويتكلّم كلمة ينبغي ألا يقولها ، وينظر نظرةً ينبغي ألا ينظرها ، هذه الهَفْوَة عن غير قصْد ، وعن غير تصوّر ، وعن غير تصميم ، ومن دون إصرار ، هذه الهفوة هي التي عناها النبي عليه الصلاة والسلام ، لأنّ الصلاة إلى الصلاة ، والجمعة إلى الجمعة ، ورمضان إلى رمضان تكفّر ما بينهما .

من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر الله ذنوبه :

 يا أيها الأخوة الكرام ؛ يقول عليه الصلاة والسلام في حديث صحيح متّفق عليه، رواه البخاري ومسلم :

(( من صام رمضان إيماناً واحتساباً ... ))

[ متفق عليه عن أبي هريرة ]

 لماذا يصوم الإنسان ؟ ما الذي يمنعه في الصيف عندما يدخل إلى بيته ويغلق بابه أن يشرب كأس ماءٍ بارد وهو في رمضان ؟ لا يمنعهُ إلا خوف الله ، لا يمنعهُ إلا إيمانه بالله ، وبِفَرضِيّة هذا الصّيام ، وإيمانه بأنّ الله مطّلعٌ عليه ، فالصّيام يتماشى مع الإيمان ، أما الذي ينهمكُ في عمله يأكل قبل الفجر ، ويعود إلى بيته بعد أذان المغرب ويأكل هل هذا صام ؟ الصّيام عبادة ، ومعنى عبادة أنّك آمنتَ أنّ الله فرض عليك هذه العبادة ، ومعنى عبادة أنّ الله مُطّلعٌ عليك ، فمن صام رمضان إيماناً واحتساباً ، يحتسب جوعه وعطشه في سبيل الله ، يحتسبُه من أجل الله ، وإرضاءً لله ، وتقرّبًا إلى الله ، من أجل أن يقبل بهذا على الله عز وجل .

(( من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه ))

[ متفق عليه عن أبي هريرة ]

 وهذه بشرى أيها الأخوة من النبي عليه الصلاة والسلام ، أنّك إذا صمتَ رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر الله لك ما كان من ذنبك ، وفي حديث آخر أيضًا متّفق عليه ، رواه البخاري ومسلم ، وقد روي عن أبي هريرة :

(( من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه ))

[ متفق عليه عن أبي هريرة ]

 وقيام رمضان صلاة التراويح في رأي معظم العلماء ، فمن صام نهار رمضان، ترك الطعام والشراب ، وسائر المباحات ، تقرّبًا إلى الله عز وجل ، فلمّا جاء الليل قام الليل إيمانا واحتسابًا ، قام رمضان إيمانا واحتسابًا ، أيْ صام نهار رمضان إيمانا واحتسابًا ، وقام ليلهُ إيمانا واحتسابًا ، غفر الله له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر ، هاتان بشارتان لمن صام نهار رمضان ، ولمَن قام ليل رمضان ، فهل من حالة أسعد للمؤمن من أن يقف بين يديّ ربّه جلّ جلاله يتلو كتاب الله عز وجل ؟

صيام رمضان عبادة الإخلاص و قيام الليل صلاة الإخلاص :

 يا أيها الأخوة الكرام ؛ قيام الليل ورد في القرآن الكريم في آيات كثيرة قال تعالى :

﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً ﴾

[ سورة الإنسان : 26]

 أحدُ العلماء الكبار الذي تركَ مصنّفاتٍ لا تُعدّ رآه تلميذهُ في المنام ، قال : يا سيّدي ما فعل الله بك ؟ قال : يا بنيّ ، طاحَت تلك العبارات ، وذهبت تلك الإشارات ، ولم يبْق إلا رُكَيعات ركعْناها في جوْف الليل ، إذا كان صوم رمضان عبادة الإخلاص ، فقد تدخلُ بيتَكَ، وتغلق بابك ، وأنت في أشدّ حالات العطش والجوع ، ولا تستطيعُ أن تضعَ قطرةً من الماء في فمك ، لأنّك مؤمن أنّ الله مطَّلِعٌ عليك ، إذا كان صيام رمضان عبادة الإخلاص ، فإنّ قيام الليل أيضًا صلاة الإخلاص ، قد تصلّي الفجر في جماعة ، وقد تصلّي الظهر في مسجد ، أما إذا قمتَ من الليل وصلّيْت لله عز وجل من دون أن يدْري بك أحد ، فهذه الصلاة أيضًا صلاة الإخلاص ، قال تعالى :

﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً ﴾

[ سورة الإنسان : 26]

 وهناك آية ثانية تشير إلى قيام الليل ، قال تعالى :

﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴾

[ سورة السجدة: 16]

 المضاجع لها معنى خاصّ ، ولها معنى عامّ ، المعنى الخاص أنهم يدعون فرشهم الوثيرة ليُصلّوا الليل ، والمعنى العام أنّهم لا يركنون إلى الدنيا ؛ لأنّها تغرّ وتضرّ وتمرّ ، وإنّ هذه الدنيا دار التِواء لا دار استواء ، ومنزل ترحٍ لا منزل فرح ، فمن عرفها لم يفرح لِرَخاء ، ولمْ يحزَن لِشَقاء، قد جعلها الله دار بلوى ، وجعل الآخرة دار عقبى ، فجعل بلاء الدنيا لِعَطاء الآخرة سببًا ، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوَضًا ، فيأخذ ليُعْطي ، ويبتلي لِيَجزي . ومن آيات قيام الليل قوله تعالى :

﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ﴾

[ سورة الذاريات : 15]

 هم يتنعّمون في الجنّة ، في جنّة عرضها السموات والأرض ، يتنعَّمون في جنّة تجري من تحتها الأنهار ، قال تعالى :

﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ* إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ* فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ* فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ* قُطُوفُهَا دَانِيَةً* كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾

[ سورة الحاقة :19-24]

 قال تعالى :

﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آَخِذِينَ مَا آَتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ ﴾

[ سورة الذاريات : 15-16]

 آخذين ما آتاهم الله من إكرام ، لماذا ؟ ما هو الثّمن الذي دفعوه ؟ قال تعالى :

﴿كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ * وَفِي الْأَرْضِ آَيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ﴾

[ سورة الذاريات :17-21]

الصيام لله و هو الذي يجزي به :

 أيها الأخوة الكرام ؛ يقول عليه الصلاة والسلام في حديث صحيح آخر :

((كلّ عمل ابن آدم يضاعف له الحسنة بعشرة أمثالها إلى سبعمئة ضعف إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به ...))

[مسلم عن أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ]

 أيُّ عملٍ صالحٍ أيها الأخوة له أجرٌ عند الله عز وجل ، من عشْرة أمثال إلى سبعمئة مِثْل إلا الصوم - ولا بدّ من طرْحِ مثَلٍ يقرِّبُ المعنى - أيّ أمرٍ تكليفي متعلّقٌ بِمَصلحة الإنسان ، فالإنسان إذا أقبل على أمرٍ تكليفي من جِهَةٍ يُطيعُ الله عز وجل ، وهو موقنٌ أنّ هذا لِصالحِهِ ، فمن ترك الكذب ، ومن صدق ، ومن كان أمينًا ، ومن غضّ بصرهُ أراح قلبهُ ، ما من أمر تكليفي إلا وله ثمرةٌ يانعةٌ يقطفها في الدنيا قبل الآخرة ، لأنّ الأوامر التكليفيّة كما قلتُ قبل قليل متعلّقة بِمَصالح العباد ، إلا أنّ ترْك الطعام والشراب ، وتركُ شيءٍ مباح في الأصل ، ترْك الكذب واضح ، ترك الغيبة واضح ، ترْك النميمة واضح ، ترْك الخيانة واضح ، أما أن تدَعَ شيئًا أحلّه الله لك ، طعامًا نفيسًا ، وشرابًا باردًا ، ترْكُ شيءٍ مباح لا لِعِلَّة تعقلها ، إلا لأنّ الله أمرك بها ، فلذلك :

((كلّ عمل ابن آدم يضاعف له الحسنة بعشرة أمثالها إلى سبعمئة ضعف إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به ...))

[مسلم عن أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ]

 يدع شهوتهُ وطعامه من أجلي ، لو أنّ ابنًا أمرهُ أبوه أن يتنظَّف ، الأمر واضح، لو أمرهُ أن يصْدق ؛ الأمر واضح ، أما إذا أمر الأب أن يدع ابنه الطعام من دون سبب مقنِع، فامْتَثَل الابن أمْر أبيه ، وقال : سمْعًا وطاعةً يا أبت ! ألا يُعَدُّ هذا الابن على مستوى رفيع من البِرّ لِوَالدِهِ ؟ لذلك هذا معنى الحديث القدسي ؛

((.....إلا الصوم فإنَّه لي أنا أجزي به ))

[متفق عليه عن أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ]

ما أُثر عن النبي الكريم في رمضان :

 أيها الأخوة الكرام ؛ كان عليه الصلاة والسلام يُكْثر في رمضان من تِلاوَة القرآن ، ولكنَّ النقطة الأساسيّة التي أتمنَّى أن نعقلها جميعًا هي أنّ الإمام الحسَن البصري له قَوْلٌ رائِع ، يقول : " إنَّما أنزل هذا القرآن لِيُعْمَلَ به ، فاتَّخَذَ بعض الناس قراءتَهُ عملاً " شيءٌ جميلٌ جدًّا أن تقرأ القرآن ، وتلاوة القرآن عبادة ، وتلاوة القرآن قربٌ من الله عز وجل ، ولا يوجد في هذا شكّ إطلاقًا إلا أنّ الذي تراه يتْلو كتاب الله ، وتِجارته ، وبيعهُ ، وشراؤُه ، وعلاقتهُ ليْسَت منضبطة بأمر الله ، ونَهْيِهِ، هذا ربّ تالٍ للقرآن ، والقرآن يلعنهُ ، ما آمنَ بالقرآن من اسْتحلّ محارمه ، ليس القصْد أن تقرأ القرآن لمجرّد قراءة القرآن ، ينبغي أن تقرأ القرآن لتَعملَ به ، لذلك حينما تقرأ قوله تعالى :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا﴾

 ماذا تشعر ؟ ألا تشعر أنّك معْنيّ بهذا الخِطاب ؟ أتستطيعُ مع إنسانٍ قويّ يوجّه لك أمرًا أن تنظر إليه هكذا من دون أن تتحرّك ، ومن دون أن تظنّ أنّ هذا الأمر يَعنيك ، ومن دون أن تقدّم عذرًا لِعَدم انْصِياعِكَ له ؟ قال تعالى :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً ﴾

[ سورة الأحزاب : 70]

 فهل قولنا سديدٌ ؟ قال تعالى :

﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾

[ سورة النور : 30]

 هل نفعل نحن هذا ؟ قولوا للناس حسنًا ، تتبّع أمر الله عز وجل ، وأنت في هذا الشهر الكريم ، يا أيها الأخ الكريم تقرأ كتاب الله أيُّما آيةٍ وردت : يا أيها الذين آمنوا ، ماذا ينبغي أن تشعر ؟ أن تشعر أنّك مَعْنيّ بهذا الخِطاب ، وأنّه أمْرٌ من الله عز وجل ، وهل من جهةٍ أعظمُ من أن تطيع الله عز وجل ؟
يا أيها الأخوة الكرام ؛ لا تَنْسوا هذا القول للحسن البصري : " إنّما أُنزل هذا القرآن ليُعْملَ به ، فاتَّخَذَ بعض الناس قراءتهُ عملاً " ينبغي أن تقرأه لتَعمل به ، ينبغي أن تنطلق من قراءته إلى العمل به ، لذلك حينما سئِلَت السيّدة عائشة عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلّم، قالت : كان خُلقهُ القرآن ، مرَّةً سئِلَت عن قيامه لليل ، قالت لهم : ألسْتُم تقرؤون القرآن ؟ فقالوا : بلى ، قالت: اقْرؤوا المزمّل ، قال تعالى :

﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾

[ سورة المزمّل : 20]

 النبي عليه الصلاة والسلام كما قال بعضهم : قرآن يمشي ، إذا كان الكون قرآنًا صامتًا ، وإذا كان القرآن كونًا ناطقًا ، فالنبي عليه الصلاة والسلام قرآن يمشي ، وينبغي أن تسير على سنَّته ، وينبغي أن يُرَى القرآن في سلوكك ، أن تُرَى أحكامهُ في معاملتك ، أن يُرى أمرهُ ونهْيُهُ فيك ، أن تجسّد في سلوكك ما قرأتهُ في كتابه ، هذه الحقيقة أيها الأخوة حقيقة ناصعة نصوع الشمس ، إنّما أُنزِلَ هذا القرآن ليُعْمَلَ به ، فاتَّخَذَ بعض الناس قراءتهُ عملاً ، ينبغي أن تقرأه ، وواجب عليك أن تقرأه ، وينبغي أن تقرأه من دون شكّ ، ولكن يجب أن تعلم أنّك تقرأ كي تطبّق ، وتقرأ كي تأتمر ، وتقرأ كي تنتهي ، وتقرأ كي تجسِّدَ بسُلوكك أحكامه.
 أيها الأخوة الكرام ؛ وقد أثر عن النبي صلى الله عليه وسلّم أنّه كان أجْوَدَ الناس ، وكان أجود ما يكون في رمضان ، ما عُبِدَ الله بأفضل من جبْر الخواطر ، الإنسان أيها الأخوة مُركَّب في طبْعِهِ أنه يحبّ الأخْذ ، ولكن إذا أعطى يكون قد خالف طبْعهُ ، ولا ترقى إلى الله عز وجل إلا إذا خالفْتَ طبْعَكَ ، ألا تدون أيها الأخوة أنّ الإنسان مركَّبٌ على الراحة ، فإذا صلى الفجر في جماعة فقد خالف طبْعه ، الإنسان مُحَبّب إليه أن يؤثر الراحة على الجهد ، النوم على اليقظة ، الاسترسال في الحديث عن ضبط اللّسان ، يؤثر أن يأخذ المال لا أن ينفقهُ ، أما إذا أنفقَ المال فقد خالف نفسهُ وهواه ، لذلك لا نرقى نحن أيها الأخوة ، القول لا يكلّف شيئًا لكنّك حينما تنفق من مالك ، وحينما تضبط من جوارحك ، وحينما تلتزم أمْر ربّك عندئذٍ ترقى ، فنقطتان أساسيّتان ؛ صيامٌ في النهار ، وقيامٌ في الليل ، وإكثار من تلاوة القرآن ومن الإنفاق ، أربع نقاط في هذا الشهر ، وهذا الشهر دورةٌ مكثّفة كي تمْحو بها أدران الماضي ، وكي ترقى بها إلى ربّ الأرض والسموات ، كما قال عليه الصلاة والسلام :

((خاب وخسر من أدرك رمضان ولم يغفر له ...))

[ الترمذي عن أبي هريرة]

من صام رمضان إيماناً و احتساباً رحمه الله و أسعده :

 أيها الأخوة الكرام ؛ أرجو الله سبحانه وتعالى أنْ نلتزم جميعًا بِمَجالس العلم في رمضان ، وبِصَلوات التراويح في رمضان ، فإنّها كالجائزة ، أنت قمْت رمضان إيمانًا واحتسابًا ، متى تقبض الجائزة ؟ حينما تقف ليلاً بين يديّ الله عز وجل ، وتنتظر من الله أن يشرح صدرك لما يُتلى من كتاب الله ، وأن تأخذ شيئًا من التَّجلّي الذي سمِّه إن شئتَ سكينةً ، وسمِّهِ إن شئْتَ رحمةً ، وسمِّه إن شئْت نورًا ، وسمِّهِ إن شئْت سعادةً ، تنوُّع الأسماء لا يُعوَّل عليه ، إنّك إذا وقفْت بين يدي الله عز وجل في ليل رمضان ، وقد صُمْتَ نهارهُ إيمانًا واحتِسابًا شعرْتَ أنّ الله يرحمك ، وأنّ الله يُسْعِدك ، وأنّ الله يعْطيك أضعاف ما ذهب منك .
 أيها الأخوة الكرام ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أنّ ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا وسيتخطّى غيرنا إلينا ، فلنتَّخِذ حذرنا ، الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها ، وتمنى على الله الأمانيّ ، والحمد لله رب العالمين .

* * *

الخطبة الثانية :

 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

الصّيام دورة وقائيّة :

 أيها الأخوة الكرام ؛ من عادة الإنسان أنّه إذا أعطى أمرًا في ذهنه هدفٌ واحد ، وحِكمةٌ واحدة ، لكنّك حِيال أمر الله عز وجل تجد العجب العُجاب ، فلو أمْضَيْت كلّ حياتك في تقصّي وتتبّع الحكم الظاهرة والباطنة من أمر الله عز وجل لا تنتهي ، فكما أنّ الصّيام عبادة نرقى بها ، وشيءٌ نتقرّب به إلى الله عز وجل هو من ناحِيَةٍ أخرى صِحَّة وأيّة صِحّة ، أعجبتني كلمةٌ قالها أحد الأطِبّاء ، قال : الصّيام دَوْرةٌ وِقائيّة سَنَوِيَّة تقي من كثير من الأمراض ، ودَوْرة عِلاجِيَّة لبعض الأمراض ، فَمِن أبرز هذه الوِقاية أنّ الصائم بالصّيام يقي نفسه أمراض الشَّيْخوخة الناجمة عن الإفراط في إرهاق العضويّة ، يأتي الصّيام لِيَقِيَ الإنسان من هذه الأمراض ، يقي الصّيام الصائم من كثير من الأمراض ، وهو في حقيقته علاج لبعض الأمراض، صوموا تصِحُّوا ، قال بعض علماء الطّب : إنَّه عِلاج لأمراض الجهاز الهضمي ، كالتهاب المعدة الحادّ ، والإقْياءات العنيدة ، وقال بعضهم : إنَّه علاج لبعض أمراض ضَغط الدمّ لارتفاع التوتّر الشرياني ، وقال بعضهم : إنَّه يخفّف من متاعب الداء السكّري ، على كلّ وبِمُجْمل القول : إنّ الصّيام يخفّف العبء عن جهاز الدوران ؛ القلب والأوعيّة ، إرهاق العضويّة ربّما تعب القلب ، وتصلَّبت الشرايين ، يأتي الصّيام ليُخفّف العبء عن جهاز الدوران ؛ القلب والأوعِيَة ، ويأتي الصّيام لِيُخفّف العبء عن الكليتين ؛ جهاز الإفراز ، لأنّه كلّما ارتفعت نسبة البولة في الدم ، جهدت الكليتان عن طرحهما في البول ، أما إذا صام الإنسان فلن تطرح هذه المواد لقلّتها ، وارتاحَت الكليتان ، ومن فضائل الصّيام كما قال بعض الأطبّاء أنّ سكّر الكبد يتحرّك ، حينما يقلّ السكّر المتناوَل في النهار ، ما الذي يتحرك ؟ سكّر الكبد ، ويتحرّك معه الدّهن الموجود تحت الجلد ، وتتحرّك أيضًا بروتينات العضلة ، وتنشط الغدد ، وخلايا الكبد ، ألا ترَوْن أنّ بعض المصانع تُجري دورَةَ صِيانة كلّ عامٍ لآلاتها ، وهذا من أدقّ الأمثلة ، والله إنّ هذا الشَّهر صيانةٌ لِجَميع أجهزة الجسم ، صيانةٌ وتنشيط لِجَميع أجهزة الجسم ، ووِقايَةٌ من أكثر أمراض الشَّيخوخة ، وعِلاج لِبَعض الأمراض ، إلا أنّ بعض الأمراض أيّها الأخوة الصّيام يؤذيها ، لذلك قال تعالى : فمن كان منكم مريضًا أو على سفر . . .أخر" هناك أمراض يعرفها الأطبّاء والصّيام يؤذيها ، ومن صامَ على الرّغم من ذلك فقد عصى الله ورسوله .
 يا أيها الأخوة الكرام ؛ لا ينبغي أن نُفْطِر لأيّة فتوى يفتيها طبيب لا نعرفهُ ، العلماء اشْترطوا في الطبيب أن يكون مسلمًا ، وأن يكون ورِعًا ، وأن يكون حاذِقًا ، إذا أفتى لك بالفِطْر فيجب أن تفطِر ، لأنّ فطرك كالصّيام تمامًا ، قال تعالى :

﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾

[ سورة البقرة : 184]

 شيءٌ أخير أيّها الأخوة ، هو أنّ النبي عليه الصلاة والسلام كان يفعل هكذا ، كان يتناوَل ثلاث تمراتٍ ، وكوبَ ماءٍ ، ويُصلِّي المغرب ، جاء الأطبّاء وحلَّلُوا هذه الظاهرة ، قالوا : إنَّ التمر أسرع مادّة سكّرية تنتقل من الفم إلى الدم ، وعدّوا هذه المدة بعِشرين دقيقة ، ففي عشرين دقيقة ينتقل السكر من فمك إلى دمك ، فإذا صار في الدَّم شعرْت بالراحة والشِّبَع ، فإذا قمْت إلى الطعام قمْت إلى الطعام وكأنّك في الإفطار ؛ من دون جوعٍ شديد ، من دون انكباب على الطعام بشَكل غير معقول ، لذلك من السنّة أن نأكل بعض التمرات ، ونشرب الماء، ونصلي المغرب وسنَّته ، وأن نجلس لِتَناوُل الطعام .
 لكنّ أيّها الأخوة ، بعض إخوتنا الذين يأكلون من دون قَيْدٍ ، ومن دون حِساب ، هؤلاء يستثْقِلون صلاة التراويح ، فإذا أردْت أن تقوم الليل فعليك أن تأكل أكلاً معتدِلاً ، كي تقف نشيطًا لِتَستمع إلى جزء من كتاب الله يتلوه الإمام ، وكي تسْتَوْعِبَهُ ، وتقف على معانيه الدقيقة ، وكي تتفاعل معه ، أما المشغول بِهَضْم الطعام ، فهذا يسْتثقل القيام ، وربّما صلّى ثماني ركعات، وربّما قال : التراويح سنّة ، ومن ترك السنّة لا شيء عليه ‍، الصّيام كلّه من أجل التراويح ، لأنّ النبي عليه الصلاة والسلام يقول :

(( من قام رمضان ....))

[ متفق عليه عن أبي هريرة ]

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شرّ ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك ، إنه لا يذل من واليت ، ولا يعز من عاديت ، تباركت ربنا وتعاليت ، ولك الحمد على ما قضيت ، نستغفرك ونتوب إليك ، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك . اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين . اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، ودنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر ، مولانا رب العالمين . اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك . اللهم لا تؤمنا مكرك ، ولا تهتك عنا سترك ، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين . اللهم استر عوراتنا ، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين . اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك ، ومن الفقر إلا إليك ، ومن الذل إلا لك ، نعوذ بك من عضال الداء ، ومن شماتة الأعداء ، ومن السلب بعد العطاء . اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب ، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب . اللهم صن وجوهنا باليسار ، ولا تبذلها بالإقتار ، فنسأل شرّ خلقك ، ونبتلى بحمد من أعطى ، وذم من منع ، وأنت من فوقهم ولي العطاء ، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء . اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين . اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018