الخطبة : 0035 - أنت على ثغرة من ثغر الإسلام 2 - وجوب الاهتمام بالنظافة ونظافة الجسد. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0035 - أنت على ثغرة من ثغر الإسلام 2 - وجوب الاهتمام بالنظافة ونظافة الجسد.


1975-05-16

الخطبة الأولى :

الحمد اللَّهِ الذي سبحت الكائنات بحمده ، وعنت الوجوه لعظمته ومجده ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه واعترته الطيبين الطاهرين .

وجوب الاهتمام بالنظافة ونظافة الجسد :

أيها الإخوة المؤمنون ؛ في الخطبة السابقة تحدثت عن أن المؤمن على ثغرة من ثُغر الإسلام , وعليه ألا يدع أحداً ينتقص من الإسلام بسببه ، أو كما قال عليه الصلاة والسلام :

(( أنت على ثُغرة من ثُغر الإسلام فلا يؤتين من قبلكِ ))

ولهذا الحديث تفصيلات لا تتسع لها خطبة ، ولكنَّ أخذَ القليل خيرٌ من ترك الكثير .
أيها المؤمنون ؛ أفهم من هذا الحديث أن على المؤمن أن يُعنى بمظهره ، وأن يُحسنَ هندامه ، حتى لا يسمح لأحد أن ينتقص منه ، ومن إسلامه ، فالناس يحكمون على المرء من :
- مظهره أولاً .
- ثم من حديثه ثانياً .
- ثم من معاملته ثالثاً .
حسن المنظر والهندام يعطي وقارا لصاحبه
ولن يكون المرء راجحاً في ميزان الإسلام موقر الجانب إلا إذا تعهدَّ جسمه بالتنظيف والتجميل من دون مبالغة ، وكان في بيته وفي مطعمه ومشربه وملبسه وعمله بعيداً عن الأدران المكدرة ، والأحوال المنفرة ، وليست نظافة الجسد ونضارته , وحسن المظهر , وأناقته صلاحاً مادياً فحسب ، بل إن أثرَ ذلك عميقٌ في بث الثقة في النفس ، وتمكينها من أداء مهمتها .
ترى المسلم أو من يزعمُ أنه مسلم لا يُعنى بمظهره ، ولا يهتم بهندامه ولا يُصلح من نعليه ، ويرتدي ثياباً مهجورة , وهو قادر على ارتداء غيرها ، فتقول له ما هذا ؟ فيجيبك هذه كلها قشور والصلاح في القلب والتقوى هنا .
كلا أيها الإخوة ؛ ليس هذا من الإسلام في شيء ، يقول عليه الصلاة والسلام :
عن قيس بن بشر التغلبي رحمه الله قال :

(( أصْلحُوا رِحَالَكُم ، وأصلحوا لِبَاسَكُم ، حتى تكونوا كأنَّكم شَامَةٌ في النَّاسِ ))

[ أخرجه أبو داود ]

وفي حديث آخر :

(( البذاذة من النفاق ))

و البذاذة إهمال المظهر وقد نهى سيدنا عمر رضي الله عنه عن نوعين من الثياب ، الثياب المهجورة , والثياب المشهورة ، كما أن الذي يتابع صرعات الأزياء يوماً بيوم ، فلا شك أن في عقله ثلمة ، ولا يليق هذا بالمؤمن .
ترى المسلم أو من يزعم أنه مسلم ، يتناول الطعام بكلتا يديه ، دون أن يغسلهما ، وكان قد أمسك بهما حذاءه , وبعض حاجاته ، وإذا رأى فاكهة أكلها من غير أن يغسلها ، فإذا قلت له ما هذا يا أخي ، يقول لك سم بالله وكل فلا يضر مع اسمه شيء .
لابد من نظافة اليدين قبل الأكل بهما
كلا أيها الإخوة ؛ ليس هذا من الإسلام قال عليه الصلاة والسلام :
عَنْ سَلْمَانَ قَالَ قَرَأْتُ فِي التَّوْرَاةِ أَنَّ بَرَكَةَ الطَّعَامِ الْوُضُوءُ بَعْدَهُ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ للنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا قَرَأْتُ فِي التَّوْرَاةِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( بَرَكَةُ الطَّعَامِ الْوُضُوءُ قَبْلَهُ وَالْوُضُوءُ بَعْدَهُ ))

[ أخرجه الترمذي وأبو داود وأحمد]

وفي حديث آخر :
عن سلمان رضي الله عنه قال : عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :

(( من أكل الطين فكأنما أعان على قتل نفسه ))

[ أخرجه الطبراني في المعجم الكبير ]

وترى المسلم يأتي إلى المسجد بثياب العمل ، فيؤذي من حوله ، وينفر الناس منه ، وقد أمرنا ربنا أن نتطهر , ونرتدي أحسن ثيابنا ، إذا وفدنا على بيوت الله ، فقال :

 

﴿ يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ﴾

[ سورة الأعراف ]

وفي حديث قدسي يقول الله تعالى :

(( إن بيوتي في الأرض المساجد وإن زوارها هم عمارها ، فطوبى لعبد تطهر في بيته ثم زارني ، وحُقَّ على المزور أن يكرمَ الزائر ))

وقيل عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( إِنَّ هَذَا يَوْمُ عِيدٍ جَعَلَهُ اللَّهُ لِلْمُسْلِمِينَ فَمَنْ جَاءَ إِلَى الْجُمُعَةِ فَلْيَغْتَسِلْ وَإِنْ كَانَ طِيبٌ فَلْيَمَسَّ مِنْهُ وَعَلَيْكُمْ بِالسِّوَاكِ ))

[ أخرجه ابن ماجة ]

وفي حديث آخر :
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بَيْدَ أَنَّ كُلَّ أُمَّةٍ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا وَأُوتِينَاهُ مِنْ بَعْدِهِمْ فَهَذَا الْيَوْمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ فَهَدَانَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُ فَغَدًا لِلْيَهُودِ وَبَعْدَ غَدٍ لِلنَّصَارَى فَسَكَتَ فَقَالَ حَقُّ اللَّهِ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَغْتَسِلَ فِي كُلِّ سَبْعَةِ أَيَّامٍ يَغْسِلُ رَأْسَهُ وَجَسَدَهُ ))

[ أخرجه أحمد]

وفي حديث آخر :

(( اغتسل ولو مداً بدينارٍ ))

ومن أقواله صلى الله عليه وسلم :

(( الماء أطيب الطيب المفقود ))

أمر النبي بتطهير الفم وتجلية الأسنان
وكان الطيب ( العطر ) من أحب الأشياء إليه ، عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( حُبِّبَ إِلَيَّ النِّسَاءُ وَالطِّيبُ وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلاةِ ))

[ أخرجه النسائي]

وقد أمرنا صلى الله عليه وسلم بتطهير الفم وتجلية الأسنان وتنقية ما بينها فقال :
عن عَائِشَةُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال

(( السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ ))

[ أخرجه البخاري والنسائي وأحمد]

(( وإن أفواهكم طرق من طرق ربكم فنظفوها ))

وقد رأى رجلاً ، فقال له :

(( قلم أظافرك ، فإن الشيطان يقعد على ما طال منها ))

وكان يقول :
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( مَنْ كَانَ لَهُ شَعْرٌ فَلْيُكْرِمْهُ ))

[ أخرجه أبو داود]

عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيَّ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( إِنَّ لِي جُمَّةً أَفَأُرَجِّلُهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَعَمْ وَأَكْرِمْهَا فَكَانَ أَبُو قَتَادَةَ رُبَّمَا دَهَنَهَا فِي الْيَوْمِ مَرَّتَيْنِ لِمَا قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَعَمْ وَأَكْرِمْهَا ))

[أخرجه مالك ]

تسريح الرأس مرتين في اليوم سنة حسنة
فكان أبو قتادة ربما دهنها في اليوم مرتين من أجل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فتسريح الرأس سنة حسنة ، وتعطيره كذلك .
عنَ عَطَاء بْن يَسَارٍ قَالَ :

(( كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَسْجِدِ فَدَخَلَ رَجُلٌ ثَائِرَ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ فَأَشَارَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ أَنِ اخْرُجْ كَأَنَّهُ يَعْنِي إِصْلَاحَ شَعَرِ رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ فَفَعَلَ الرَّجُلُ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلَيْسَ هَذَا خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدُكُمْ ثَائِرَ الرَّأْسِ كَأَنَّهُ شَيْطَانٌ ))

[ أخرجه مالك ]

وقد خشي بعض الصحابة الكرام أن يكون في حسن مظهر المؤمن نوعاً من الكبر ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ قَالَ رَجُلٌ إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً قَالَ إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ ))

[ أخرجه مسلم والترمذي وأحمد ]

ولا تقتصر العناية بحسن الهندام ، ونظافة الثوب والشعر على وجود الإنسان في عمله أو عند أصدقائه أو في المسجد ، بل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لفت نظرنا إلى ناحية لها أثرها الكبير في تحسن العلاقة بين الزوجين ، فقال :

(( تزينوا لنسائكم كما تحبون أن يتزين لكم ))

وفي حديث آخر :

(( اغسلوا ثيابكم وخذوا من شعوركم واستاكوا وتزينوا ، وتنظفوا فإن بني إسرائيل لم يكونوا يفعلون ذلك فزنت نساؤهم ))

وقد خصنا نبينا عليه أتم الصلاة والسلام على تنظيف بيوتنا ، والاعتناء بها من غير سرف ، ولا ترف ، ولا خيلاء ، فقال :

(( جنة المؤمن داره ))

وكان يقول :
عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال : إن النبي صلى الله عليه وسلم قال :

(( إن الله تعالى طيب يحب الطيب ، نظيف يحب النظافة ، كريم يحب الكريم ، جواد يحب الجود ، فنظفوا أفنيتكم ولا تشبهوا باليهود ))

[ أخرجه أبو يعلى ]

ليكن محلك نظيفا أيضا
ويا أخي المسلم ؛ إن كان لك محل تجاري ، فنظفه ورتبه ونظمه ولا تدع غير المسلمين ينتقصون منك ، ولا تدع الفساق والفجرة يتندرون بالفوضى والإهمال التي يعج بها محلك .
وإذا كنت تبيع للناس مواد غذائية فاحفظها من الحشرات ، وأبعدها عن الغبار ، فلا تكنس دكانك وقطع الجبن مكشوفة ، وصفيحة السمن مفتوحة وإذا سقط فأر في صفيحة الزيت فلا تبع زيتها للناس ، وتقول هم لا يعلمون ، فالله حاضر وناظر وسيحاسبك على عملك هذا حساباً عسيراً تقول :
ابتلوني والله مالي عامل شيء كتبوني مخالفة ب 500 ليرة والحقيقة فقد عوقبت على ذنب آخر .
وإذا كنت تدير فرناً فراقب عمالك ، وفتشهم ليلاً ، وتأكد من نظافة أيديهم ، وراقب عاداتهم الصحية , فإن الناس أمنوك على لقمة خبزهم فلا تخن الأمانة .
أيها الإخوة ؛ لا تقولوا ما دخل هذا في خطبة الجمعة ، إن هذا من صلب الدين فالدين سلوك ونظام وقيم قبل أن يكون عبادة جوفاء وترنحاً وحركات .
ولا تنس أنك يا أخي المؤن ؛ على ثُغرة من ثغر الإسلام فلا يؤتين من قبلك .
أو كما قال .
أيها الأخوة الكرام ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وصلوا ما بينكم وبين ربكم تسعدوا ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، وسيتخطى غيرنا إلينا ، فلنتخذ حذرنا ، الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني .

والحمد لله رب العالمين
***

الخطبة الثانية :

 

الحمد لله رب العالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله صاحب الخلق العظيم .

الدعاء :

اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يقضى عليك ، اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اللهم صن وجوهنا باليسار ولا تبذلها بالإقتار ، فنسأل شر خلقك ، ونبتلى بحمد من أعطى ، وذم من منع ، وأنت من فوقهم ولي العطاء ، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء .
اللهم اهدنا لصالح الأعمال لا يهدي لصالحها إلا أنت ، واصرف عنا شر الأعمال لا يصرفها عنا إلا أنت .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018