الخطبة : 0445 - العقيدة الصحيحة . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0445 - العقيدة الصحيحة .


1993-07-23

الخطبة الأولى:
 الحمد لله ثمّ الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا ، وما كنّا لِنَهْتَدِيَ لولا أن هدانا الله ، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكّلي إلا على الله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقرارًا لرُبوبيَّته ، وإرغامًا لمن جحد به وكفر ، وأشهد أنّ سيّدنا محمّدًا صلى الله عليه وسلّم رسول الله سيّد الخلق والبشر ما اتَّصَلَت عين بنظر ، أو سمعت أذنٌ بِخَبر . اللَّهمّ صلّ وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريّته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدّين . اللَّهمّ ارْحمنا فإنّك بنا راحِم ، ولا تعذّبنا فإنّك علينا قادر ، والْطُف بنا فيما جرَتْ به المقادير ، إنَّك على كلّ شيءٍ قدير .

العقيدة أخطر ما في الدين :

 أصلُ الدِّين أن يكون اعْتِقادُكَ صحيحًا
أيها الأخوة المؤمنون ؛ لسْتُ مُبالغًا إذا قلتُ بأنّ أخْطر ما في الدِّين العقيدة ، إنَّها إن صحَّتْ صحّ العمل ، وإن فسدَتْ أو زاغَتْ انْحرف العمل ، وسعادة الإنسان في الدنيا والآخرة مُتَعَلِّقَةٌ بِصَلاح عملهِ ، وما دام صلاحُ عملهِ متعلِّقًا بِسَلامة عقيدته إذًا أصلُ الدِّين أن يكون اعْتِقادُكَ صحيحًا .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ الإنسان حينما يستقي عقيدته من مصادِرَ غير مَوْثوقة أو غير مُتَحقِّقة ، فيتوهَّمُ أشياء ما أنْزَلَ الله بها من سُلطان ، هذه الأوْهام الخاطئة ، وتلْك التصوُّرات الزائغة التي ينطلقُ منها إلى عملٍ منحرفٍ ربّما كان هذا العمل سبب شقائِهِ ، ولسْتُ مُستطيعًا في هذه الخطبة الواحدة أنْ أتحدَّث عن أنواع العقائد الزائِغَة ، ولكن اكتفي بِعَقيدةٍ واحدةٍ زائغة ، لا أدري كيف فشَتْ بين جماع المسلمين وهي عقيدة الجَبْر .

عقيدة الجبر :

 المقصِّرون في الدرجة الأولى ، أو العُصاة ، هم الذين يعْتقدون أنّ الله أجْبرَهُم على هذه المعاصي ، وأنّهم في القضاء والقدر كَرِيشَةٍ في مهبّ الرِّيح ، وأنّ إرادتهم مَسْلوبة ، فقد كتَبَ الله عليهم الشقاء ، أو كتبَ عليهم فِعْلَ هذه المعاصي !!!
 عقيدة الجبر تقعد صاحبها عن التوبة والعمل الصالح
يا أيها الأخوة الأكارم ما من عقيدةٍ تشلّ الإنسان كهذه العقيدة ، ما من عقيدة تُقْعدُ الإنسان عن التوبة والعمل الصالح كهذه العقيدة ، ما من عقيدة تسري في كيان الإنسان كالسمّ في الدسم كهذه العقيدة ، أنْ تعتَقِدَ أنّ الله أجْبركَ على كلّ أفعالك ، وأنّ المعاصي هي مِن إجبار الله تعالى .
 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ أليْسَ القرآن الكريم مرجعنا جميعًا في كلّ شيء ولا سيما في العقيدة ؟ أليْسَت العقيدة الصحيحة تؤخَذُ من كتاب الله عز وجل وممّا تواترَ من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلّم ؟ كيفَ يسْمحُ الإنسان لِنَفسهِ أن يعتقِدَ ، أو أن يتصوَّر ، أو أن يظنّ ، تصَوُّرات أو ظنونًا أو اعتقادات ما أنزلَ الله بها من سلطان ؟ قال تعالى :

﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾

[سورة الأعراف : 28]

 وقال تعالى :

﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾

[سورة الأنعام : 148]

 لِيَنْتَبِه الأخ الكريم أنّه حينما يعتقِدُ أنّ الله أجْبرهُ على المعْصِيَة أنّ هذه عقيدة أهل الشِّرْك ، بِنَصّ القرآن الكريم ، قال تعالى :

﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾

[سورة الأنعام : 148]

 كُلُّكم يذكر أيها الأخوة أنّ الصحابة الكرام رِضوان الله عليهم أجمعين كانوا قِمَمًا في فهْم العقيدة الصحيحة ، وهذا الذي اقْتيد لِسَيِّدنا عمر ، وقد شربَ الخمر ، اقْتادوه إليه لِيُقامَ عليه حدّ الخمر ، هذا الرّجل قال : والله يا أمير المؤمنين إنّ الله قدّر عليّ ذلك !! بماذا أجابهُ هذا الخليفة العظيم ؟ بماذا أجابهُ عِملاق الإسلام ؟ بماذا أجابهُ الفاروق الذي كان يتمتَّعُ برُؤيَةَ صحيحة ؟ قال : أقيموا عليه الحدّ مرَّتين ! مرَّة لأنَّه شربَ الخمر ، ومرّةً لأنَّه افْترى على الله ، قال : ويْحَكَ يا هذا ، إنّ قضاء الله لمْ يُخْرِجْك من الاختيار إلى الاضطرار ، هذا افْتراء على الله، والدليل أنَّ الآية التي تُعَدُّ أصلاً في نَفْيِ الجبْر هي قوله تعالى :

﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ﴾

[سورة الأنعام : 148]

عقيدة الجبر كذب و هي من أشدّ أنواع الكذب :

 ربّنا جلّ جلاله وصَفَ هذه العقيدة بأنّها كذِبٌ ، بل أشدُّ أنواع الكذب ، قال تعالى:

﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾

[سورة الأنعام : 148]

 عقيدة الجبر هي مُبْتَدَعَةٌ لِيُغطِّي بها الإنسان معصيته وتقصيرهُ
والخرَص أيها الأخوة أقْبحُ أنواع الكذب ، أليْسَت هذه الآية واضحةً وُضوح الشمس ؟ أليْسَ مَدلول هذه الآية مدلولٌ قَطعيّ ؟ لم يعْتَقِد هذه العقيدة إلا أهل الشّرْك ، ما بالُ الرّجل تسألُهُ يا أخي لِمَ لا تَتُبْ لله عز وجل ؟ فيقول : الله قدَّر عليَّ ذلك !!! لِمَ لا يقول المستقيم على أمر الله ، ولِمَ لا يقول المُحْسِن إنّ الله أجْبرني على هذا الإحسان ؟ لِمَ يتنطَّعُ أهل المعصِيَة والكفران فينْسِبُوا كفرهم ومعاصيهم للواحدِ الدَّيان ؟ لِمَ ؟!
 أيها الأخوة الكرام ؛ هذا موضوع لا تتَّسِعُ له المُجلَّدات ، ولا خُطبٌ في سنوات ، ولكن أخْذ القليل خير من ترْك الكثير ، وما دعاني إلى مُعالجة هذا الموضوع الذي لا يُعالج في الأعمّ الأغلب على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، بل يُعالجُ في درس عِلمي ، إلا لِشُيُوعِ هذه العقيدة ، كيف يعتقِدُ الإنسان أنَّ الله تعالى أجْبرهُ على المعصِيَة ؟ كيف يعتقدُ الإنسان أنّ الله يأمر بالفحشاء والمنكر ؟ لو أنّ الأمر كذلك لسَقَطَ الوعدُ والوعيد ، وسأضَعُ بين أيديكم بعد قليل نصُوصًا للصحابة الكرام ؛ ولِكِبار التابعين ، وللعلماء العاملين ، تُبَيِّنُ أنَّ هذه العقيدة لا أصْل لها ، إنَّما هي مُبْتَدَعَةٌ لِيُغطِّي بها الإنسان تقصيرهُ ، وليُغَطِّي انحرافهُ ، لعلّها تُعيدُ للمُقصّر والعاصي توازُنَهُ مع ربِّه .

 

العقائد ثلاث :

1 ـ عقيدة أهل الجبر و هي عقيدة متطرفة :

 أيها الأخوة الكرام ؛ هناك عقائدُ ثلاث ، عقيدتان متطرّفتان ، وعقيدةٌ وسطٌ بينهما، أما العقيدة الأولى فهي عقيدة أهل الجبر ، الذين يعتقدون أنّ الإنسان حِيال القضاء والقدر كرِيشَةٍ في مهبّ الرِّيح ، وهؤلاء يعتقِدون أنّ الله أجْبرهم على كلّ أفعالهم ، وأنَّهم مَسْلوبو الإرادة والمشيئة كليًّا ، وأنَّهم لا حيلة لهم فيما يفعلون ، هذه العقيدة تُسمَّى في عِلْم العقائِد عقيدة الجبْريِّين وهي منْفِيَّةٌ بِنَصّ الآية الكريمة التي تُعَدُّ أصلاً في نفْيِ عقيدة الجبْر ، حيث قال الله عز وجل :

﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ ﴾

[سورة الأنعام : 148]

 وهل تعلمون أيها الأخوة أنّ أكبر معصيَة على وجه الإطلاق هي معصِيَة قوليّة، إنما هي أن تقولوا على الله ما لا تعلمون ، أن يلقِيَ الإنسان الكلام على عواتمه ، أن يُسيء الظنّ بِرَبِّه ، أن يُدْلِيَ بِدَلْوِهِ في العقيدة وهو لا يدري ، أمور العقيدة خطيرة جدًّا ، لأنّ أيَّ خطأ في العقيدة ينقلبُ إلى خطأ فاحشٍ في السُّلوك ، أرأيْتُم إلى الطيار الذي يخطئ في إلْقاء القنبلة ، إن أخطأ على طائرته ميلي مترًا واحدًا ربَّما انقلبَ هذا الخطأ إلى عشرات الكيلو مترات على الأرض ، فالخطأ الطفيف في عقيدة الإنسان ينقلب إلى عملٍ فاحشٍ ، أو سُلوكٍ خطير ، أو انحراف كبيرٍ ، في حيِّز الواقع .

2 ـ العقيدة القدريّة و هي متطرفة أيضاً :

 أيها الأخوة الكرام ؛ هذه العقيدة عقيدة أهل الجبر ، عقيدةٌ زائغة ، وعقيدة ضالَّة ، وعقيدة ليْسَ لها أصْلٌ في الكتاب والسنّة ، وأما العقيدة المتطرِّفة الأخرى فهي عقيدة القدريَّة ، الذين يزْعمون أنّ الإنسان سيِّدُ قدره ، وأنَّه خالقُ أفعاله ، وأنّه يفعَلُ ما يشاء

العقيدة القدريَّة عقيدة متطرفة حيث يزعم الإنسان أنه سيّد قدره

إنّ هذا عُدْوانٌ على مقامِ رُبوبيّة الله عز وجل ، أيضًا هذه العقيدة مَنْفِيَّة في أصل الكتاب والسنّة ، اعْتَقدَ بها بعض المعتزلة ، وسُمِّيَتْ في علم العقائد بالقدريّة .

 

3 ـ عقيدة أهل السنة و الجماعة و هي العقيدة الصحيحة :

 ولكن ما العقيدة الصحيحة ؟ ما عقيدة أهل السنّة والجماعة ؟ أنَّ الاختيار ثابتٌ في عقيدة أهل السنّة والجماعة ، الإنسان مُخَيَّر ، وذو مشيئة ، ولكنّ الفِعل فعْلُ الله عز وجل ، رُوِيَ عن أبي حنيفة النّعمان رضي الله عنه أنَّه سأل الإمام جعفر بن محمّد الصادق ، قال له: يا إمام ، هل فوَّض الله الأمر إلى العباد ؟ أيْ هل أعطى العباد قوَّةً ؟ هذه عقيدة الغربيِّين ، فهُمْ يعتقدون أنّ الله خلاَّق وليس فعَّالاً ، الفِعْلُ فِعْلُهُ ، هذه عقيدة أهل الزَّيْغ ، هذه عقيدة العلمانيِّين من المعتدلين ، أنَّ الإنسان خالقُ أفعاله ، وأنَّ الله أوْدَعَ في الإنسان قوَّةً يتحرَّك بها وفْق مشيئته ، هذه العقيدة ما أنزل الله بها من سُلطان ، قال له: يا إمام ، هل فوَّض الله الأمر إلى العباد ؟ فقال الإمام جعفر رضي الله عنه : الأمْر أجلُّ من أن يُفَوِّض الله الرُّبوبِيَّة إلى العباد هذا شأنُ الربوبيّة ، الأفعال أفعال الله عز وجل ، قال تعالى :

﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾

[ سورة الأنفال: 17 ]

 قال تعالى :

﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ ﴾

[ سورة الأنفال: 17 ]

 القرآن الكريم يؤكِّدُ أنَّ كلّ فِعْلٍ لا يقعُ في الكون إلا بِقُدرة الله تعالى ومشيئتِهِ ، قال : الأمْر أجلُّ من أن يُفَوِّض الله الرُّبوبِيَّة إلى العباد ، فقال : يا إمام ، فهل أجْبرَهُم الله على ذلك ؟ فقال الإمام جعفر بن محمّد الصادق : الله أعْدَلُ من أن يُجْبرهم على ذلك ، ثمّ يُعَذِّبهم ، فقال : وكيف ذلك ؟ قال الإمام جعفر : الأمر بين بينَ ، لا جبْرَ ، ولا تفويض ، ولا إكراه ، ولا تسليط ، الاختيار اختيارُك والفِعْل فِعْل الله عز وجل ، الأفعال أفعال الله ، وأما أسباب هذه الأفعال فهي مِن كَسْب الإنسان ، لِقَول الله تعالى :

﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ﴾

[سورة البقرة : 141]

 من اختار الإيمان لم يَحُلْ الله تعالى بينه وبين اختياره
الإمام الحسن رضي الله تعالى عنه يقول : من لم يُؤْمن بِقَضاء الله وقدره خيْرِهِ وشَرِّه فقد كفَرَ ، ومن حَمَلَ ذنْبَهُ على الله فقد فجَرَ ، والفاجِرُ أكبر إثمًا من العاصي ، العاصي عاصي ، ولكنّ الفاجر يعصي ويحْمِلُ ذنبه على الله تعالى ، يعصي ويقول : الله قدَّر عليّ ذلك:، يعصي ويقول : هذا ترتيب الله عز وجل ، فلذلك ومن حَمَلَ ذنْبَهُ على ربِّه فقد فجَر ، وإنّ الله تعالى لا يُطاعُ اسْتِكراهًا ، ولا يُعْصى بِغَلَبة ، لا يُطاعُ إلا اختِيارًا ، لأنَّه تعالى مالكٌ لما ملَّكهم ، وقادرٌ على ما أقْدرهم ، فإن عملوا بالطاعة لم يَحُلْ بينهم وبين ما عملوا ، وإنْ عَمِلوا بالمعصِيَة فليس هو الذي جبرهُم على ذلك ، وأنّ الله تعالى يرْضى لِعباده الإيمان ، فإن بادروا إلى الإيمان بالله ، وإلى طاعة الله ، وإلى العمل الصالح لا يُعْقَلُ أن يحول الله بينهم وبين أعمالهم الصالحة ، فإن عملوا بالطاعة لم يَحُلْ بينهم وبين ما عملوا ، وإنْ عَمِلوا بالمعصِيَة فليس هو الذي جبرهُم على ذلك ، ولو أنّ الله سبحانه وتعالى أجْبرهم على الطاعة لسقَطَ الثَّواب، لا ثواب ولا جزاء ، ولا جنّة ولا مكافأة ، ولا فَوْز ، ولا تفوّق ، ولا فلاح ، ولا نجاح ، انتهى كلّ شيء ، لو أنّ الله سبحانه وتعالى أجْبرهم على الطاعة لسقَطَ الثَّواب ، ولو أجبرهم على المعصيَة لسقط العقاب ، كيف يُعاقبهم وقد أجبرهم على هذه المعصِية ؟ هذا كلام الإمام الحسن ، كلامٌ واضحٌ كالشمس ، ولو أهملهم لكان عجزًا في القدرة ، لو لم يقدّم لهم العلاج ، لو لم يدْفعهم إلى أبواب طاعته ، ويسوقهم إلى أبواب جنّته لكان عَجْزًا في القُدرة ، إن عملوا الطاعة فلله المِنّة عليهم ، وأنّه يسّرها لهم ، وأقْدرهم على فعلها ، وأنّ الفعل فعلهُ ، وإن عملوا بالمعصيَة فله الحجّة عليهم ، وأنّ هذه القُدرة التي منحهم الله إيّاها بإمكانهم أن يُوجِّهوها نحو الطاعة أو نحو المعصِيَة.

الحظوظ حيادية :

 حظوظ الإنسان حيادية إما أن يوظفها في الحق أو الباطل
وذكرتُ لكم كثيرًا ومِرارًا أنّ الحظوظ التي آتاها الله للإنسان إنّما هي سُلّم ترقى به إلى أعلى عِلِيِّين ، أو دركات تهوي بها إلى أسفل سافلين ، إنّها حظوظ حِيادِيّة ، يمكن أن توظّف في الحق كما يمكن أن توظّف في الباطل ، يمكن أن ترقى بها ، ويمكن أن يهلك بها الإنسان ، هذا النصّ وردَ عن الإمام الحسن يقول : " من لم يُؤْمن بِقَضاء الله وقدره ، خيْرِهِ وشَرِّه فقد كفَرَ ، ومن حَمَلَ ذنْبَهُ على الله فقد فجَرَ ، وإنّ الله تعالى لا يُطاعُ اسْتِكراهًا ، ولا يُعْصى بِغَلَبة ، لأنَّه تعالى مالكٌ لما ملَّكهم ، وقادرٌ على ما أقْدرهم ، فإن عملوا بالطاعة لم يَحُلْ بينهم وبين ما عملوا ، وإنْ عَمِلوا بالمعصِيَة فليس هو الذي أجبرهُم ، لو أنّ الله سبحانه وتعالى أجْبرهم على الطاعة لسقَطَ الثَّواب ، ولو أجبرهم على المعصيَة لسقط العقاب ، ولو أهملهم لكان عجزًا في القدرة ، إن عملوا بالطاعة فله المِنّة عليهم ، وإن عملوا بالمعصِيَة فله الحجّة عليهم " .

 

الإنسان مُخيَّرٌ بِنَصّ القرآن الكريم فمن شاء فلْيُؤْمن ومن شاء فلْيكفر :

 والإمام عليّ كرَّم الله وجهه يقول :" أمرَ الله تعالى عِبادهُ بالخَير تَخْييرًا ، ونهى عن الشرّ تَحذيرًا ، ولم يُعْصَ مَغلوبًا ، ولمْ يُطَعْ مُكْرهًا ، ولم يُمَلِّك تفويضًا ، فهو أمرٌ بين بين ، لا جبر ولا تفويض " وهناك قصّة دقيقة مُعبّرة ، ذات دلالة عميقة جرَتْ بين الإمام عليّ كرّم الله وجهه ، وبين خَيْشَم من بلاد الشام ، هذا الشيخ الذي من بلاد الشام سأل سيّدنا عليًّا كرَّم الله وجهه بعد الانصراف من بعض المواقع ، قال له :" أكان مسيرنا إلى الشام بِقَضاء الله وقدره ؟ فقال عليّ كرّم الله وجهه - والنصّ دقيق جدًّا - : والذي فلق الحبّ ، وبرأ النسْمة ، ما وَطئنا موْطِئًا ، ولا هبطْنا واديًا ، ولا علَوْنا تلعةً إلا بِقَضاء وقدر ، فقال الشيخ : عندئذٍ أحْتسِبُ خُطايا ما أرى لي من الأجر شيئًا ! فقال الإمام عليّ كرّم الله وجهه - قال له قبل ذلك : عظَّم الله أجركم في مسيركم ، وأنتم سائرون ، وفي منْصرفكم وأنتم منصرفون - : لعلّك أيها الشيخ إنّما ظنَنْتَ قضاءً لازمًا ، وقدرًا حاكمًا ، لو كان كذلك لبطلَ الثواب والعقاب ، وبطل الوعْد والوعيد ، وبطل الأمر والنهي ، فلم تكن لائمةٌ لِمُذْنب ، ولا محْمَدةٌ لِمُحسن ، ليس هناك لوْمٌ على المذنب لأنّه مجبور ، وليس هناك فوزٌ للمحسن لأنّه مقهور الإنسان مخيّر وحر باختياره
لو كان الأمر كذلك لم تكن لائمةٌ لِمُذْنب، ولا محْمَدةٌ لِمُحسن ، ولما كان المحْسن أولى بثواب الإحسان من المسيء ، ولما كان المسيء أولى بِعُقوبة الذنب من المحسن ، لا ينبغي أن يُجاز المحسن ، ولا أن يُعاقب المسيء ، لأنّ كليهما مَقهور مَجبور ، الإمام علي يقول : تلك مقالةُ عبَدَةِ الأوثان- الحقيقة الإنسان حينما ينحرفُ أشدّ الانحراف ، حينما يخرج عن منهج الله ، وحينما يتّبعُ شهواته ، لا يجِدُ عقيدةً تخفّف من روْعه ، وتخفِّفُ من انهياره الداخلي إلا عقيدة الجبر ، يقول : الله قدَّر عليّ ذلك ، كأنّه يُعْفي نفسهُ من هذه المسؤوليّة ، وكأنّه يلقيها على قضاء الله وقدره - وحزب الشيطان ، وشُهود الزور ، وأهل العمى عن الصّواب ، وهم قدَرِيَّة هذه الأمّة ومجوسها ، إنّ الله تعالى أمرَ عبادهُ تَخْييرًا ، ونهى تحذيرًا ، وكلَّف يسيرًا ، ولم يكلّف عسيرًا ، ولم يُعْصَ مغلوبًا ، ولم يُطَع مسْتكرهًا، ولمْ يرْسل الرُّسل إلى خلقه لعبًا ، ولم ينزّل الكتب عبثًا ، ولم يخلق السموات والأرض وما بينهما باطلاً ، ذلك ظنّ الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار" .
 خلاصة هذه النصوص ، وتلك الأفكار ؛ أنّ الإنسان مُخيَّرٌ بِنَصّ القرآن الكريم ، من شاء فلْيُؤْمن ومن شاء فلْيكفر ، قال تعالى :

﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً ﴾

[سورة الإنسان : 3]

 قال تعالى :

﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾

[سورة البقرة : 148]

الإنسان يوجه أفعاله ليرقى بها أو ليهوي بها :

 الإنسان يوجه أفعاله ليرقى بها أو ليهوي بها
لو أنّ الله أجْبرَ عباده على الطاعة لبطل الثواب ، لو أنّهم أجبرهم على المعصية لبطل العقاب ، ولو أنّه تركهم لكان عجْزًا في القُدرة ، الفِعْلُ فِعْلُ الله ، والكسبُ كسبهُ ، أوضحُ مثلٍ على ذلك أنّ الإنسان إذا لطم يتيمًا ، هذا اللّطم إن كان بِنِيَّة التأديب ، لأنّ النبي عليه الصلاة والسلام حينما سئل عن ضرب اليتيم قال : اضْرِبُه ممّا تضربُ منه ولدك ، فإذا لطمَ وليّ اليتيمِ اليتيمَ لِذَنْبٍ فاحشٍ اقْترفهُ بِنِيّة تأديبه وإصلاحه فقد كسب الطاعة ، وإذا لطمَ الإنسان اليتيم بِنِيّة إيذائِهِ فقد كسب المعصيَة ، فالفِعْلُ واحد ، والفعل فعلُ الله ، والقدرة التي أوْدعها الله في عضلاتك على لطْم اليتيم هي من الله ، ولكنّ الإنسان باختياره إما أن يجعل من هذا اللّطْم طاعةً يرقى بها ، وإما أن يجعل من هذا اللّطْم معصيَةً يهوي بها ، لو أنّ إنسانًا رأى مبلغًا من المال في الطريق فانْحنى لِيَلْتَقِطَهُ ، هذا الانحناء ، وهذه الحركة ، وهذا الالتقاط من قدرة الله عز وجل ، إذا نوى أن يُعيد هذا المبلغ إلى صاحبه ، هذه طاعة يرْقى بها ، وإذا نوى أن يغتصب هذا المال، فهذه معصيةٌ يهوي بها ، فالفِعْلُ واحد ، والإنسان يوَجِّهُ هذا الفعل الذي هو من خلق الله عز وجل إما إلى الخير ، وإما على الشرّ ، إما لِيَرقى به ، وإما لِيَهوي به .

 

قِصَّة تبْرزُ أنّ الإنسان مخيّر :

 أيها الأخوة الكرام ؛ أحدُ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم هو الطُّفَيْل بن عمرو الدَّوْسي له قِصَّة تبْرزُ أنّ الإنسان مخيّر ، قال هذا الصحابي الجليل : قدِمْتُ مكّة فما إن رآني سادة قريش حتى أقْبلُوا عليّ فرحَّبوا بي أكرم تَرْحيب ، وأنْزلوني فيها أعزّ منزل ، ثمّ اجتمعَ إليّ سادتهم وكُبراؤُهم ، وقالوا : يا طُفَيل ، إنَّك قد قدِمْتَ بلادنا ، وهذا الرجل الذي يزْعمُ أنَّه نبيّ قد أفْسدَ أمرنا ، ومزَّقَ شملنا ، وشتَّتَ جماعتنا ، ونحن إنَّما نخشى أن يحِلّ بِكَ وبِزَعامتك في قومك ما قد حلَّ بنا ، فلا تكلّم الرّجل ولا تسْمَعَنَّ منه ، فإنّ له قولاً كالصّخر ، يفرِّقُ بين الولد وأبيه ، وبين الأخ وأخيه ، وبين الزوجة وزوْجها ، قال الطُّفَيْل : فوالله ما زالوا بي يقصُّون عليّ من غرائب أخباره ، ويُخَوِّفوني على نفسي وعلى قومي بِعَجائبُ أفعاله حتى أجْمعْتُ أمري على ألا أقترب منه ، وألا أكلِّمَهُ أو أسْمَعَ منه شيئًا ، ولمّا غدَوْتُ إلى المسجد للطواف بالكعبة، والتبرّك بأصنامها التي كنّا إليها نحجّ ، وإياها نعظِّم ، حَشَوْتُ في أذني قطنًا خوفًا من أن يُلامسَ سمعي شيئًا من قول ، لكنّي ما إن دخلْتُ المسجد حتى وجدْتهُ صلى الله عليه وسلّم قائمًا يُصلّي عند الكعبة ، صلاةً غير صلاتنا ، ويتعبَّدُ عبادةً غير عبادتنا فسرَّني منظرُهُ ، وهزَّتني عبادته ، ووجدْتُ نفسي أدْنو منه شيئًا فشيئًا على غير قصْدٍ مِنِّي ، حتى أصبحْتُ قريبًا منه ، وأبى الله إلا أن يصل إلى سمعي بعض مِمَّا يقول : وسمعتُ كلامًا حسنًا ، وقلتُ في نفسي - دقِّقوا فالاختيار هنا - : ثكلتْكَ أمّك يا طفيل إنَّك رجلٌ لبيب شاغف ، لا يخفى عليك الحسن من القبيح ، وما يمنعُك أن تسمع من الرجل ما يقول ؟ فإن كان الذي يأتي به حسنًا قبِلْتهُ، وإن كان قبيحًا تركْتهُ ، فقال الطّفيل : ثمّ مكثْتُ حتى انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلّم إلى بيته فتبِعْتُهُ حتى إذا دخل دارهُ دخلْتُ عليه ، فقلتُ : يا محمَّد ، إنَّ قومك قد قالوا لي عنك كذا وكذا .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018