الخطبة : 0426 - الدعاء - دعاء المضطر. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0426 - الدعاء - دعاء المضطر.


1993-02-05

الخطبة الأولى:
 الحمد لله نحمده ، ونستعين به ونسترشده ، ونعوذ به من شرور أنفسنـا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته وإرغامـاً لمن جحد به وكفر ، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر ، ما اتصلت عين بنظر ، أو سمعت أذن بخبر ، اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرِنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

الدعاء مخ العبادة :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ بعد أيام قليلة تأتي ذكرى النصف من شعبان ، والموضوع الذي يتناسب مع هذه الذكرى هو موضوع الدعاء ، وموضوع الدعاء أيها الأخوة يحتل مكانة مرموقة في الدين ، فقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال :

(( الدعاء مخ العبادة ))

[ الترمذي عن أنس ]

 الدعاء علامة معرفة الله
أي أعلى درجات العبادة هو الدعاء ، الصلاة عبادة ، والصيام عبادة ، والحج عبادة ، وتأدية الزكاة عبادة ، ومخ العبادة هو الدعاء ، لأن العبادة في الأصل اتصال بالله عز وجل ، والعبد يكون في أعلى درجات اتصاله بالله عز وجل حينما يدعو ربه ، لذلك قال عليه الصلاة والسلام :

(( الدعاء مخ العبادة ))

[ الترمذي عن أنس ]

 وقد روى الإمام أحمد في مسنده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :

(( ليس شيء أكرم على الله من الدعاء ))

[ أحمد عن أبي هريرة]

 كيف لا وفي أواخر سورة الفرقان يقول الله جل جلاله :

﴿ قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ ﴾

[سورة الفرقان: 77]

 الدعاء علامة معرفة الله ، والدعاء علامة الإيمان به ، والدعاء علامة الإيمان بقربه ، والدعاء علامة الإيمان بقدرته ، والدعاء علامة الإيمان برحمته .
 فلولا دعاؤكم لأهلككم ، ولولا دعاؤكم ما عبئ بكم ، ولولا دعاؤكم لأخرجكم من دائرة المعالجة إلى دائرة :

﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ﴾

[سورة الأنعام: 44]

الإيمان بوجود الله و برحمته عند الدعاء :

 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ أنت في حياتك الدنيا ، وأنت في علاقاتك الاجتماعية ، وفي علاقاتك الحرفية ، أنت في حياتك الدنيا من تسأل ؟ تسأل من تؤمن بوجوده ، تسأل من تؤمن بأنه يملك مفاتيح مشكلتك ، وتسأل بمن تثق بحبه لك ، فأنت حينما تدعو الله لابد أنك مؤمن بوجوده ، ومؤمن بقدرته ، ومؤمن بكماله ، أسماء الله الحسنى بعضها يتجه إلى قدرة الله عز وجل ، وبعضها يتجه إلى كماله ، فأنت مؤمن بوجوده ، مؤمن بقدرته على كل شيء قدير ، لا يعجزه شيء في السموات ولا في الأرض ، مؤمن برحمته .

﴿ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ﴾

[ سورة الأعراف: 156 ]

 فإن لم تؤمن بوجوده ، وإن لم تؤمن بقدرته ، وإن لم تؤمن برحمته فلن تدعوه ، إن دعوته حقاً فأنت مؤمن ورب الكعبة ، وإن أردت أن تدعوه ينبغي أن تؤمن بوجوده ، وبقدرته، وبكماله .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ شيء دقيق هو أنك إذا دعوت الله بالهداية ينبغي أن تسلك طريق الهداية ، لأن الله سبحانه وتعالى حينما كون الكون ، وحينما قنن القوانين ، وحينما سنّ السنن ، وحينما شرع الشرائع ، أراد من عباده المؤمنين أن يتأدبوا معها ، فمن دعا الله تعالى بالهداية ولم يسلك سبل الهداية فهذا نوع من الاستهزاء ، إذا أردت أن تدعوه بالهداية فعليك أن تسلك السبيل التي رسمها الله للهداية ، وإذا أردت أن تدعوه باتساع الرزق عليك أن تأخذ بأسباب اتساع الرزق .
 تحدثنا في خطبة سابقة على أن الرزق يزداد بالصدق ، وبالأمانة ، وبالإتقان ، وبصلة الرحم ، فإذا أردت أن تأخذ بأسباب اتساع الرزق فأنت في الدعاء الصحيح ، أما هذا الذي يدعو ربه ولا يأخذ بالأسباب التي رسمها الله عز وجل فهذا الدعاء لا يُقبل ، أو دعاء بني على أساس باطل .

 

الأخذ بالأسباب والدعاء كل منهما شرط لازم غير كاف :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ حقيقة دقيقة ، وحقيقة خطيرة ، وهي أنك إذا أخذت بالأسباب واعتمدت عليها ولم تدعه فقد أشركت ، وإن دعوته بإخلاص ولم تأخذ بالأسباب فقد عصيت لابد من الأخذ بالأسباب
فالأخذ بالأسباب والدعاء كل منهما شرط لازم غير كاف ، ينبغي أن تدعوه بإخلاص، وإيمان ، وثقة بقدرته ، وبكماله ، وبرحمته ، وبحبه لك ، وينبغي أن تأخذ بالأسباب ، شأن العبد التأدب مع الله . فهذا الذي لا يأخذ بالأسباب لو أن عزيزاً عليه مرض ، ودعا الله بالشفاء ولم يسلك سبل الشفاء من زيارة الطبيب ، ومن تطبيق تعليمات الطبيب ، ومن أخذ الدواء فهذا دعاء ناقص ، هذا دعاء لا يكمله إلا الأخذ بالأسباب .
 أعيد أيها الأخوة هذه الحقيقة : من دعا الله أن ينجح في الامتحان ، ومن دعا الله أن يشفيه من مرض عضال ، ومن دعا الله أن يوفقه في عمل ، ومن دعا الله أن يرزقه ، هذا الدعاء شرط لازم غير كاف . للرزق أسباب :

(( كتب عليكم السعي فاسعوا ))

[أحمد عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ]

 للهداية أسباب ، تدعو الله بالهداية ولا تسخو بساعة لحضور مجلس علم ؟ ما معنى هذا الدعاء ؟ إذاً إن أخذت بالأسباب واعتمدت عليها ولم تدع الله فقد أشركت ، وإن دعوت الله ولم تأخذ بالأسباب فقد عصيت ، فلا بد من أن تأخذ بالأسباب وأن تدعو رب الأرباب ، كما فعل النبي الكريم حينما هاجر إلى المدينة المنورة ، أخذ بكل الأسباب وعندئذ دعا الله رب الأرباب .

 

انعدام الوسيط بين العبد و ربه :

 أيها الأخوة الكرام ؛ مما يلفت النظر في القرآن الكريم أن مجموعة آيات وردت بهذه الصيغة :

﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ ﴾

[ سورة البقرة: 189 ]

﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ﴾

[ سورة البقرة: 215]

﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ﴾

[ سورة البقرة: 217]

﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾

[ سورة البقرة: 219]

﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ ﴾

[ سورة البقرة: 219]

﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾

[ سورة البقرة: 220]

﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ ﴾

[ سورة البقرة: 222 ]

﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾

[سورة المائدة: 4]

﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ﴾

[سورة الأعراف : 187]

﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ ﴾

[سورة الأنفال : 1]

﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً ﴾

[سورة الإسراء: 85]

﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً ﴾

[ سورة الكهف: 83]

﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً ﴾

[ سورة طه: 105]

 يسألونك ـ قل . . إلا في آية واحدة :

﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾

[سورة البقرة: 186]

 هذه الآية الوحيدة ليس فيها كلمة قل ، استنبط علماء التفسير أنه ليس بينك وبين الله وسيط ، ليس بينك وبين الله حجاب ، ليس بينك وبين الله إنسان ، قال تعالى :

﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ ﴾

[ سورة النمل: 62]

﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾

[سورة البقرة: 186]

أفضل إيمان المرء أن يعلم أن الله معه حيثما كان :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ من قوله تعالى : فإني قريب ، ينبغي أن نستنبط أن الإنسان لا يصح دعاؤه إذا لم يشعر أن الله قريب ، سميع ، مجيب ، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ، يعلم السر وأخفى ، أقرب إلى الإنسان من حبل الوريد ، يحول بين المرء وقلبه، إن الله حاضر ناظر .

﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾

[ سورة النساء : 1]

﴿إن رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾

[سورة الفجر : 14]

(( اعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك ))

[ متفق عليه عن أبي أيوب من حديث جبريل]

 لذلك قال عليه الصلاة والسلام :

(( أفضل إيمان المرء أن يعلم أن الله معه حيثما كان ))

[ البيهقي في شعب الإيمان عن عبادة بن الصامت]

 إذا كنت تشعر أنه قريب ، قريب ، سميع ، مجيب ، يعلم خائنة الأعين ، يعلم ما تنطوي عليه ، يعلم خواطرك ، يعلم حركاتك ، يعلم سكناتك ، إن لم تكن في هذا المستوى فأغلب الظن أنك لن تدعوه ، لن تدعوه إلا إذا رأيته قريباً سميعاً بصيراً .
 في الآية أيها الأخوة إشارة أخرى :

﴿ فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ﴾

[سورة البقرة: 186]

 قد ندعو الله عز وجل وآمالنا معلقة على زيد أو عبيد ، قد ندعو الله عز وجل وثقتنا بالمال كبيرة ، قد ندعو الله عز وجل وثقتنا بمركزنا كبيرة ، إن لم تتخلَّ عن هذه الأقنعة المزيفة ، إن لم تتخلَّ عن المال الذي تزهو به ، وعن الصحة التي تتمتع بها ، وعن المكانة التي تحتلها ، وعن القوة التي تملكها ، وأتيت الله مفتقراً فإن الدعاء لا يصح أو لا يُستجاب .
 فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان .

ضعف الإخلاص في الدعاء مؤشر على ضعف الإيمان :

 إذا قطع آماله من الخلق واتجه إلى الحق ، إذا لم يعتمد على ماله ، ولا على نسبه ، ولا على جاهه ، ولا على قوته ، ولا على مكانته ، واعتمد على الله الواحد الديان . إذا أردت أن تكون أقوى الناس فتوكل على الله ، وإذا أردت أن تكون أغنى الناس فكن بما في يدي الله أوثق منك بما في يديك ، وإذا أردت أن تكون أكرم الناس فاتق الله .
 يا أيها الأخوة الأكارم ؛

((ما من مخلوق يعتصم بي دون خلقي ، أعرف ذلك من نيته ، فتكيده أهل السموات والأرض إلا جعلت له من بين ذلك مخرجاً ، وما من مخلوق يعتصم بمخلوق دوني أعرف ذلك من نيته إلا جعلت الأرض هوياً تحت قدميه ، وقطعت أسباب السماء بين يديه ))

[ ابن عساكر عن كعب بن مالك ]

 ورد في الحكم العطائية أن القلب المشترك لا أقبل عليه ، وأن العمل المشترك لا أقبله . العمل المشترك لا يقبله الله عز وجل ، والقلب المشترك لا يقبل الله عليه ، وأن تدعو الله وأنت معتمد على زيد وعلى عبيد فالله أغنى الأغنياء عن الشرك ، أن تدعو الله وأنت معتمد على قوتك فالله أغنى الأغنياء عن الشرك ، أن تدعو الله وأنت معتمد على مالك فالله أغنى الأغنياء عن الشرك .
 أيها الأخوة المؤمنون ؛ إذا ضعف الإخلاص في الدعاء فهذا مؤشر على ضعف الإيمان .

 

الإيمان بقدرة الله عز وجل :

 شيء آخر في الدعاء : الإنسان أيها الأخوة قد تنزل به نازلة ، وقد تصيبه مصيبة يتوهم خطأً أنه لا يمكن أن تحل ، وأن هذا المرض لا يمكن أن يشفى ، وأن هذه المعضلة لا يمكن أن تزول ، وأن هذه العقبة لا يمكن أن تزحزح ، هذا أيضاً ضعف في الإيمان، ضعف في الإيمان بالله عز وجل ، قدرة الله لا يعجزها شيء ، الله جلّ جلاله ضرب لكم مثلاً في القرآن الكريم ، نبي كريم فجأة رأى نفسه في بطن الحوت في ظلمات ثلاث ، ظلمة بطن الحوت ، وظلمة البحر ، وظلمة الليل . .

﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنْ الظَّالِمِينَ ، فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنْ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾

[سورة الأنبياء : 88 ]

 فيا أيها المؤمن ، هل مشكلتك أكبر أم مشكلة هذا النبي الكريم ؟ ومع ذلك نجاه الله ، يوسف عليه السلام وضعه إخوته في الجب . .

﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴾

[سورة يوسف : 15]

 وصار عزيز مصر . . سيدنا موسى وضع في التابوت وألقي في اليم .

﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴾

[ سورة القصص : 7]

 سيدنا النبي عليه الصلاة والسلام وهو في غار ثور ، قال الصديق رضي الله عنه: يا رسول الله لو نظر أحدهم إلى موطئ قدمه لرآنا ، قال : يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما ؟ ثم قال : يا رسول الله لقد رأونا - وقعت عين أحدهم على عين الصديق - قال : يا رسول الله لقد رأونا ؟ قال : يا أبا بكر ألم تقرأ قوله تعالى :

﴿وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ ﴾

[سورة الأعراف : 198]

الاستجابة أساسها الإيمان بالله :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ الدعاء مخ العبادة ، إنك إن دعوت الله فهذه علامة إيمانك، علامة إيمانك بوجوده ، علامة إيمانك بقدرته ، علامة إيمانك برحمته ، علامة إيمانك بحبه لك، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام قال :

(( إذا دعا أحدكم فلا يقل : اللهم اغفر لي إن شئت ، اللهم ارحمني إن شئت ، اللهم ارزقني إن شئت ، وليعزم مسألته ، إنه يفعل ما يشاء ولا مكره له ))

[ متفق عليه ، وأخرجه أحمد في الدعوات عن أنس ]

 استجابتك لله أساسها الإيمان به
تسأل عظيماً ، تسأل مقتدراً ، تسأل غنياً ، تسأل رحيماً ، تسأل محباً .
 لكن أيها الأخوة قوله :

﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾

[سورة البقرة: 186]

 لن تستجيب له إلا إذا آمنت به ، ولن تستطيع أن تدعوه إلا إذا كنت له مستجيباً، واستجابتك أساسها الإيمان به ، لذلك قال عليه الصلاة والسلام :

(( يقول العبد : يا رب يا رب ومطعمه حرام ، ومشربه حرام ، وغذي بالحرام فأنى يُستجاب له ؟ ))

[ أحمد ومالك والترمذي عن أبي هريرة]

 التعامل مع الله أيها الأخوة تعامل واضح جداً ، التعامل أساسه آيات القرآن الكريم .

﴿ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾

[سورة البقرة: 186]

 إلى الدعاء الصحيح .
 قد يسأل سائل : قد تتوافر شروط الدعاء كلها من إيمان به ، من إخلاص له ، ومن استجابة لأمره ، ومع ذلك لا يستجاب الدعاء ؟ عندئذ يجب أن تؤمن أن هذا الدعاء إذا استجيب ليس في صالحك ، مضمون الدعاء ليس في صالحك لماذا ؟ لأن الله حيي كريم يستحي من عبده أن يبسط إليه يديه ثم يردهما خائبتين ، فاتقوا عباد الله فيما تدعوه ، فأنت تدع كريماً إن الله يستحيي منك إن دعوته ولم يستجب لك ، لكن إن دعوته وسألته شيئاً يؤذيك في الدنيا والآخرة لا يستجيب لك رحمة بك ، فإذا توافرت شروط الدعاء ولم يستجب لك فاعلم أنك لم تحسن أن تدعوه ، لم تطلب منه شيئاً فيه خير لك في دينك ودنياك ، سألته شيئاً يبعدك عنه لذلك لم يستجب لك .

 

تعلق إرادة الله عز وجل بالحكمة المطلقة :

 هناك معنى آخر ، هو أنك إذا دعوته وهو يريد أن يستجيب لك ، ولكن لو استجاب لك في هذا الوقت ليس هذا في صالحك ، استجاب لك مع وقف التنفيذ ، قال عليه الصلاة والسلام :

(( ما قال عبد قط يا رب ثلاثاً إلا قال الله : لبيك يا عبدي ، فيعجل ما يشاء ويؤخر ما يشاء ، وإن الله ليحمي صفيه من الدنيا كما يحمي أحدكم مريضه من الطعام))

[ورد في الأثر]

﴿ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾

[سورة البقرة: 216]

 كان عليه الصلاة والسلام يقول :

((اللهم اجعلنى أخشاك حتى كأنى أراك أبدًا حتى ألقاك وأسعدنى بتقواك ولا تشقنى بمعصيتك وخر لى فى قضائك وبارك لى فى قدرك حتى لا أحب تعجيل ما أخرت ولا تأخير ما عجلت))

[الطبراني عن أبي هريرة]

 لو كشف الغطاء لاخترتم الواقع ، يقول الإمام علي كرم الله وجهه : " والله لو كشف الغطاء ما ازددت يقيناً " .
 هذا الذي يدعو ربه ويقول : يا رب هل أنت راض عني ؟ كان وراءه الإمام الشافعي قال : يا هذا هل أنت راض عن الله حتى يرضى عنك ؟ قال : سبحان الله كيف أرضى عنه وأنا أتمنى رضاه ؟ فأجابه الإمام الشافعي : إذا كان سرورك بالنقمة كسرورك بالنعمة فقد رضيت عن الله . لهذا قالوا : الرضا بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين . لأن كل شيء وقع أراده الله ، وكل ما أراده الله وقع ، وإرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة ، وحكمته متعلقة بالخير المطلق .

 

لا يرد القضاء إلا الدعاء :

 شيء آخر هذا الشيء أخطر ما في الدعاء .
 أيها الأخوة الأكارم ؛

(( الدعاء يرد القضاء ))

[ الحاكم عن ثوبان ]

 هكذا قال عليه الصلاة والسلام لماذا ؟ إنسان توقفت كليته عن العمل ، صورها فكانت متورمة ، متوزمة ، منتفخة ، اتخذ الطبيب قراراً باستئصالها وفق معطيات صحيحة ، بعد أيام ثمانية في يوم إجراء العملية قال الطبيب : صوروها مرةً ثانية ، فلما صوروها وجدوها تعمل فهل يُعقل أن يستأصلها ؟ اتخذ قراراً ، ولو اتخذ قراراً إذا عملت ألغي القرار . . حينما يسوق الله لعبد شيئاً ليعالجه به فالعبد إذا دعا الله عز وجل ، واتصل به ، واصطلح معه ، وتاب إليه توبةً نصوحاً أيلغي القدر ؟ لا يرد القضاء إلا الدعاء . حديث آخر :

(( لن ينفع حذر من قدر ))

[أحمد في مسنده وأبو يعلى في مسنده والطبراني في الكبير من حديث معاذ ]

 مهما اتخذت الأسباب ، مهما اتخذت الاحتياطات ، مهما كنت عاقلاً ذكياً أرباً فطناً ، إذا أراد الله إنفاذ أمر أخذ من كل ذي لب لبه . لا ينفع حذر من قدر ولكن ينفع الدعاء مما نزل ومما لم ينزل ، هذا أخطر ما في الخطبة ، أنت إذا اصطلحت مع الله الشيء الذي يُساق لك لردك إليه يتوقف .

 

المصائب وسائل والاتصال بالله من خلال الدعاء هو الهدف :

 نقطة أخرى في هذا الموضوع ، قد يسأل سائل : الله جل جلاله لا يسوق الخير للعبد إلا إذا دعاه ، و لا يصرف عنه السوء إلا إذا دعاه ؟ ليته يسوق الخير من دون أن ندعوه ويصرف عنا السوء من غير أن ندعوه ، أليس الأب الرحيم يهيئ لأولاده كل خير وهم ساكتون ؟ هذا فهم فيه مغالطة .
 المصائب وسائل والدعاء هو الهدف
يا أيها الأخوة الأكارم ، الله جل جلاله إذا اقترب من الإنسان شبح مصيبة فالقصد أن يدفعه إليه ، القصد أن يدفعه إلى بابه ، القصد من هذه المصيبة أن يسمع صوت عبده اللهفان ، لأن سماع صوت عبده ، واندفاع العبد إلى ربه ، والتجاء العبد إليه ، وأن يلوذ العبد بربه ، هذا هو القصد ، لذلك المصائب وسائل ، والاتصال بالله من خلال الدعاء هو الهدف ، لذلك ما من مصيبة يسوقها الله عز وجل للمؤمن إلا وتنتهي بقفزة نوعية في إيمانه ، يزداد إيماناً بعلم الله ، دعاه فسمع دعاءه .
 يزداد إيماناً بعلم الله أن كل خواطره بعلمه ، ويزداد إيماناً بقدرة الله ، ويزداد إيماناً برحمة الله ، ويزداد حباً لله . قال : مالك يا بنيتي ؟ قالت : حمى لعنها الله ، قال : يا بنيتي لا تلعنيها يقول النبي عليه الصلاة والسلام لابنته فاطمة :

(( لا تلعنيها فو الذي نفس محمد بيده لا تدع المؤمن وعليه من ذنب ))

 فالمصائب إذا جاءت انصرفت وقد ارتقينا إلى الله .

(( يا بن آدم مرضت فلم تعدني ؟ قال : كيف أعودك وأنت رب العالمين ؟ قال: مرض عبدي فلان فلم تعده ، أما علمت لو أنك عدته لوجدتني عنده؟ ))

[ مسلم في كتاب البر باب فضيلة عيادة المريض ،والبيهقي ]

 أي حينما سلب الله صحة زيد أو عبيد عوضه عنها أضعافاً مضاعفة ، عوضه عنها تجلِّياً ، سكينة ، قرباً ، أنواراً ، لذلك قال تعالى :

﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾

[سورة السجدة : 21]

 قال تعالى :

﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ ﴾

[سورة الأنعام: 42]

 التضرع هو الهدف ، والرجوع هو الهدف ، فإذا أردت أن تتصل بالله الاتصال المحكم ، أنت حققت الهدف من دون أن تأتي الدوافع إلى الله عز وجل .

 

الدعاء في الرخاء معرفة للواحد القهار و في الضيق اضطرار :

 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ الدعاء عند الحاجة اضطرار ، والدعاء في الرخاء معرفة للواحد القهار ، وأنت في صحتك ، وأنت في أمنك ، وأنت في بحبوحتك ، وأنت في أهلك ، وأنت في أعلى درجات نجاحك ، إن دعوت الله ، وافتقرت إليه ، وتوسلت إليه فأنت تعرفه ، لكن أي عبد ولو كان بعيداً كل البعد عن ربه إذا وقع في ورطة كبيرة .

﴿ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ ﴾

[سورة يونس:22]

 أيها الأخوة الأكارم ؛ البطولة أن تدعوه وأنت في الرخاء ، البطولة أن تدعوه وأنت في الصحة ، البطولة أن تدعوه وأنت في بحبوحة ، البطولة أن تدعوه وأنت شاب والدنيا مقبلة عليك ، لكن أي إنسان إذا ألمت به الخطوب لم يجد إلا الله ليدعوه . فدعوة الله عز وجل وأنت في الرخاء معرفة ، وأنت في الضيق اضطرار ، ومع ذلك الدعاء مطلوب . لا ينبغي أن ينصرف ذهنك أيها الأخ الكريم إلى أن الدعاء يجب أن يكون في الموضوعات الخطيرة ، قال عليه الصلاة والسلام :

(( ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها حتى ليسأله شسع نعله إذا انقطع ، حتى ليسأله ملح طعامه ))

[الترمذي والبزار في مسنده وابن حبان عن أنس بن مالك ]

الإلحاح في الدعاء :

 والإلحاح في الدعاء يحبه الله عز وجل .

(( إن الله يحب الملحين في الدعاء ))

[الحكيم الترمذي وابن عدي في نوادر الأصول عن أنس بن مالك رضي الله عنه]

لا تسألن بنيَّ آدم حاجــــــــــة  وسل الذي أبوابه لا تُحجَــــب
الله يغضب إن تركت سؤاله  وبني آدمَ حين يُسأل يغضب
***

 سئل عليه الصلاة والسلام :

(( أي الدعاء أسمع ؟ قال : جوف الليل ودبر الصلوات المكتوبات ))

[ التِّرمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ عن أبي أمامة]

(( إذا كان ثلث الليل الأخير نزل ربكم إلي السماء الدنيا فيقول : هل من تائب فأتوب عليه ؟ هل من سائل فأعطيه ؟ هل من مستغفر فأغفر له ؟ هل من طالب حاجة فأقضيها له ؟ حتى يطلع الفجر ))

[أحمد عن أبي هريرة]

 أيها الأخوة الكرام ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا لغيرنا وسيتخطى غيرنا إلينا ، الكيس من دان نفسه ، وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها ، وتمنى على الله الأماني ..

* * *

الخطبة الثانية :

 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

دعاء المضطر :

 أيها الأخوة الكرام ؛ يقول عليه الصلاة والسلام :

(( لا تدعوا على أولادكم ))

 المضطر دعوته مستجابة
آباء كثيرون كلما أغضبهم ابنهم دعوا عليه .

(( لا تَدْعُوا على أنْفُسِكُمْ ، وَلا تَدْعُوا على أوْلادِكُمْ ، وَلا تَدْعُوا على خَدَمِكمْ ، ولا تَدْعُوا على أمْوَالِكُمْ ، لا تُوافِقُوا مِنَ اللَّهِ ساعَةً نِيْلَ فيها عَطاءٌ فَيُسْتَجابَ مِنْكُمْ ))

[رواه داود بإسناد صحيح عن جابر رضي اللّه عنه]

 هذا من توجيه النبي عليه الصلاة والسلام . بل من توجيه النبي عليه الصلاة والسلام :

(( أنه من لم يدع الله غضب الله عليه ))

 هذا مستغن ومع الاستغناء جهل ، ومع الجهل ضياع ، ومع الضياع شقاء .

(( من لا يدعني أغضب عليه ))

 لكن آخر شيء في الخطبة أن المضطر مستثنى من كل شروط الدعاء أي إنسان كنت ، في أية حالة متلبس ، بأي وضع كنت ، إذا كنت مضطراً فادع الله عز وجل ، لقوله تعالى :

﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ ﴾

[سورة القصص: 62]

وجدناك مضطراً فقلنا لك ادعنــــــا  نجبك فهل أنت حقـــــــــــاً دعوتنـــــا
دعوناك للخيرات أعرضت نائيـــــاً  فهل تلقى من يحسن لمثلك مثلنا
فيا خجلي منه إذا ما قال لـــــــــي  أيا عبد سوء أما قرأت كتابنــــــــــــا؟
أما تستحي منا ويكفيك ما جــــرى  أما تخشى من عتبنا يوم جمـعنـا؟
أما آن آن تقلع عن الذنب راجـعاً  إلينا وتنظر ما جاء بـــــــــه وعدنــا
***

 فالمضطر إذا دعا الله عز وجل ، ربنا عز وجل يكرمه ليعرفه ، قد تطيعه فيكرمك، هذه حالة استثنائية ، قد يكرمك وأنت تعصيه كي تعرفه ، كي يقربك منه ، ففي حالات نادرة ، العاصي البعيد ، لكنه إذا كان مضطراً وقال : يا رب . . لذلك قالوا : إذا قال العبد يا رب وهو راكع قال الرب : لبيك يا عبدي . فإذا قال العبد : يا رب وهو ساجد ، قال : لبيك يا عبدي . وإذا قال العبد : يا رب وهو عاص ، قال : لبيك ثم لبيك ثم لبيك .
 مناسبة لتقريب العبد من الله إما أن تطيعه ليكرمك في حالات نادرة يكرمك كي تطيعه ، يكرمك كي يقربك إليه ، فأي مخلوق إذا دعا الله عز وجل وهو مضطر فالله يستجيب له ليريه آياته ، يستجيب له ليقربه منه ، يستجيب له ليحمله على الطاعة ، يستجيب له ليذيقه طعم قربه ، لذلك :

﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ ﴾

[سورة القصص: 62]

من أراد أن ينال من الله أكثر من غيره فليشتغل بذكره :

 بقي في الخطبة فكرة أخيرة وهي أنك إذا أردت أن تنال من الله فوق ما يناله الداعون ، إذا أردت أن تنال من الله أضعاف ما يناله الداعون فاشتغل بذكر الله ، لأنه :

(( من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته فوق ما أعطي السائلين ))

[ ابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل عن حذيفة]

 من أصبح وأكبر همه الآخرة جعل غناه في قلبه ، وجمع عليه شمله ، وآتته الدنيا وهي راغمة ، ومن أصبح وأكبر همه الدنيا جعل الله فقره بين عينيه ، وشتت عليه شمله ، ولم يؤته من الدنيا إلا ما قدر له .
 هذا الحديث القدسي يجب أن يبقى في أذهاننا جميعاً :

(( من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته فوق ما أعطي السائلين ))

[ ابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل عن حذيفة]

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شرّ ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك ، إنه لا يذل من واليت ، ولا يعز من عاديت ، تباركت ربنا وتعاليت ، ولك الحمد على ما قضيت ، نستغفرك ونتوب إليك ، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك . اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين . اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، ودنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر ، مولانا رب العالمين . اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك . اللهم لا تؤمنا مكرك ، ولا تهتك عنا سترك ، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين . اللهم استر عوراتنا ، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين . اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك ، ومن الفقر إلا إليك ، ومن الذل إلا لك ، نعوذ بك من عضال الداء ، ومن شماتة الأعداء ، ومن السلب بعد العطاء . اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب ، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب . اللهم صن وجوهنا باليسار ، ولا تبذلها بالإقتار ، فنسأل شرّ خلقك ، ونبتلى بحمد من أعطى ، وذم من منع ، وأنت من فوقهم ولي العطاء ، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء . اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين . اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018