الخطبة : 0401 - سلسلة الأخلاق6 ، الأمانة2 - أمانة النفس - قصة أبو لبابة. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0401 - سلسلة الأخلاق6 ، الأمانة2 - أمانة النفس - قصة أبو لبابة.


1992-07-24

الخطبة الأولى:
 الحمد لله ثم الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا ، و ما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ، و ما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكُّلي إلا على الله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إقراراً بربوبيته ، وإرغاماً لمن جحد به وكفر ، وأشهد أن سيدنا محمداً صلَّى الله عليه وسلم رسولُ الله سِّيدُ الخلق والبشر ، ما اتَّصلت عينٌ بنظر ، أو سمعت أذنٌ بخبر ، اللهم صلِّ وسلِّم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وعلى ذرِّيته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين ، اللهمَّ ارحمنا فإنك بنا راحم ، و لا تعذِّبنا فإنك علينا قادر ، والطف بنا فيما جرت به المقادير إنك على كل شيء قدير .

أخطر أمانة يحملها الإنسان نفسه التي بين جنبيه :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ كان موضع الخطبة السابقة الأمانة ، ووعدتكم في هذه الخطبة أن أعالج أكبرَ أمانة يحملها الإنسان ، أعظم أمانة يحملها الإنسان ، أخطر أمانة يحملها الإنسان ، إنها نفسُه التي بين جنبيه .
 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ ربُّنا سبحانه و تعالى يقول في القرآن الكريم :

﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ﴾

[ سورة الأحزاب: 72 ]

 أيها الأخوة الأكارم ؛ الإنسانُ هو المخلوق الأول ، هو المخلوق المكرَّم الذي سخَّر الله له ما في السموات والأرض ، لماذا سخر له ما في السموات و الأرض ؟ لأنه حمل الأمانة، ورضي أن تكون نفسُه و هي أثمنُ ما يملك عنده أمانة ، فإن عرَّفها بربها ، وإن حملها على طاعته ، وإن جعلها تتقرَّب إليه فقد زكَّاها ، و إن زكاها أسعدها إلى أبد الآبدين ، وإن أبقاها جاهلةً سمح لها أن تخالف منهج الله عز وجل ، أساءت إلى الخلق ، وإن دسَّاها شقيت ، وشقي بها إلى أبد الآبدين ، هذه أخطر أمانة ، بل هي الأمانة الوحيدة ذات العلاقة المصيرية ، إن أدَّيتها ، وحفظتها سعدت بها إلى الأبد ، وإن حِدتَ عن طريق الله عز وجل ، ودسَّيتها شقيت بها إلى الأبد .
 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ من خان أمانة نفسه كان ظلوماً جهولاً ، ظلوماً لها و سبب ظلمه لها جهلُه ، إذًا يتَّضح من هذه الآية أن أعدى أعداء الإنسان على الإطلاق من دون استثناء جهلُه ، و أن الطريق الوحيدة إلى الله عز وجل هي العلم ، بالجهل نشقى ، بالجهل نهلك ، و بالعلم نرقى ، إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم ، و إذا أردت الآخرة فعليك بالعلم ، و إذا أردتهما معًا فعليك بالعلم .

 

الوقت أثمن ما يملكه الإنسان :

 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ بادئ ذي بدء اللهُ جل وعلا جاء بك إلى الدنيا وأعطاك عمراً ، هذا العمر هو في حدِّ ذاته أمانة ، فمن استهلكه في غير ما يرضي الله عز وجل فقد خان الأمانة ، فعَنْ أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

((لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ ؟ وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ ؟ وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ ؟ وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ ؟))

[الترمذي عَنْ أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ ]

 بادئ ذي بدء عمرك أمانة بين يديك ، كيف تنفق هذا الوقت ؟ إنك وقت ، إن أثمنَ ما تملكه هو الوقت ، إنك زمن ، إنك بضعةُ أيام ، كلما انقضى منك يومٌ انقضى بضعٌ منك ، فأولُ شيء نفسُك أمانة ، ومن فروع هذه الأمانة حياتُك ، عمرك ، الزمن الذي سمح الله لك به أن تقضيه في الدنيا هو في حدِّ ذاته أمانة ، كيف تمضي الوقت ؟ هذا السؤال الكبير، إذا استهلكتَ الوقت فيما يغضب اللهَ عز وجل فقد أهلكت نفسك ، و إن استهلكت الوقت في المباحات فقط ، فيما لا يغضب الله عز وجل و لكن لا يرقى بك في الجنة فقد خسرت خسراناً مبيناً ، و هذا معنى قول الله عز وجل :

﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ ﴾

[ سورة العصر: 1-2]

 مضيُّ الزمن وحده إن لم يُنفق في معرفة الله ، إن لم يُنفق في الأعمال الصالحة، إن لم يُنفق فيما يقرِّبك إلى الله عز وجل ، مضيُّ الزمن وحده خسارة محقَّقة ، لأنه يستهلك الإنسان ، الإنسان بضعة أيام كلما انقضى يومٌ انقضى بضعٌ منه ، الإنسان في رحلة و في هذه الرحلة محطَّة أخيرة ، فالحركة تعني الاقتراب من المحطة الأخيرة ، إذًا الحركة تعني أنك تستهلك نفسك .

عمر الإنسان أمانة عليه استغلاله لسعادته :

 فيا أيها الأخوة الأكارم ؛ المحافظة على الجسد ، والعناية به ، وصيانته مما يؤذيه أو يضعفه من أجل أن تنفق وقتك الذي سمح اللهُ لك به فيما أراد الله عز وجل من الأمانة ، وإهمالُ الجسد ، وعدم العناية ، و تعريضه للأخطار بحيث تتعطَّل عن إنفاق الوقت فيما أراد الله عز وجل هو من الخيانة ، لذلك عمرك أمانة ، واللهُ جل جلاله أقسم بعمر النبي عليه الصلاة و السلام فقال :

﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾

[ سورة الحجر : 72]

 هناك عمرٌ تافه ، هناك عمر يمضي في القيل و القال ، وإضاعة المال ، وكثرة السؤال ، هناك عمر يمضي في التُّرهات و الأباطيل و الضلالات ، هناك عمر يمضي في إيذاء الناس ، وغصب أموالهم ، و العدوان على أعراضهم ، هذا عُمرٌ - و العياذ بالله - سيسبِّب لصاحبه شقاءً في الدنيا ، و إلى أبد الآبدين .
 فيا أيها الأخ الكريم ؛ عمرك أمانة ، حياتك أمانة ، فهذا الذي يعتدي على حياته و يزهق روحه بيده خالد مخلَّد في النار ، الذي يعتدي على حياته و يزهق روحه بيده يلقى الله عز وجل وهو عليه غضبان ، لأنه خان الأمانة ، عمَّره الله عمراً ليسعد ، ليكون له فرصة لسعادته .

 

الحواس الخمس فرعٌ من فروع الأمانة :

 شيء آخر أيها الأخوة ، الحواس الخمس فرعٌ من فروع الأمانة ، هذه العين التي وهبك الله إياها ، التي ترى بها الأشياء بأحجامها ، و بألوانها ، وبحركاتها ، وبسكناتها ، و لا يعلم إلا الله كم فيها من الدقَّة ، وكم فيها من الإعجاز ، وكم فيها من الروعة ، هذه العين إن استخدمتها في تتبُّع عورات المسلمين ، أو النظر إلى ما لا يحلُّ لك من النساء الأجنبيات فقد خُنت الأمانة ، إنها أمانة بين يديك ، وإن نظرت بها إلى آلاء الله ، إن نظرت بها إلى نعم الله، إن نظرت بها إلى ما بثَّ اللهُ في السموات و الأرض من آيات دالة على وجوده ، وعلى وحدانيته ، و على كماله فقد حفظت الأمانة ، قال تعالى :

﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً﴾

[سورة الإسراء: 36]

 هذه الأذن إن استمعت بها إلى كتاب الله ، إلى حديث رسول الله ، إلى دروس العلم، إن استمعت بها إلى أمر بالمعروف أو نهي عن المنكر ، إن استخدمت السمع ليزداد علمُك ، وليزداد قربُك فقد حفظت أمانة السمع ، و إن أصغيتَ إلى ما لا يرضي الله من كذب وغيبة و نميمة وفحش و بذاءة ، و إن أصغيت إلى الغناء فقد خنت الأمانة .

 

القوة الإدراكية التي أودعها الله في الإنسان فرع من فروع الأمانة :

 من فروع الأمانة حياتُك التي وهبك الله إياها ، من فروع الأمانة حواسُّك الخمس ، وهذه القوة الإدراكية التي أودعها الله فيك ، الإدراك أرقى من الإحساس ، الإحساس بالحواس الخمس ، الإدراك يعني الفهم ، قد ينطبع على الشبكية صورةُ الأفعى و لكنك بحكم خبراتك السابقة تفقه و تعلم و تدرك ما معنى الأفعى ، الإدراك ، التذَّكر ، المحاكمة ، التصوُّر ، هذا الدماغ الذي يزيد عن مئة وأربعين مليار خلية سمراء لم تُعرف وظيفتُها بعد ، وفيه أربعة مليار خلية قشرية تتمُّ فيها المحاكمة ، و تتمُّ فيها إدراك المحيط الخارجي ، مركز الرؤيا ، مركز السمع، مركز الشمِّ ، مركز الطعم ، هذا الدماغ ، هذه القوة الإدراكية ، انظُر إلى من فقدَ عقلَه كيف يعيش بين الناس ؟ أين مكانه الطبيعي ؟ من يسوقه إلى المستشفى ؟ أهلُه وأقرب الناس إليه ، نعمة العقل كان عليه الصلاة و السلام يدعو الله عز وجل ، فعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : قَلَّمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُومُ مِنْ مَجْلِسٍ حَتَّى يَدْعُوَ بِهَؤُلَاءِ الدَّعَوَاتِ لِأَصْحَابِهِ :

((اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ مَا يَحُولُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعَاصِيكَ ، وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ ، وَمِنْ الْيَقِينِ مَا تُهَوِّنُ بِهِ عَلَيْنَا مُصِيبَاتِ الدُّنْيَا ، وَمَتِّعْنَا بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا وَقُوَّتِنَا مَا أَحْيَيْتَنَا ، وَاجْعَلْهُ الْوَارِثَ مِنَّا و، َاجْعَلْ ثَأْرَنَا عَلَى مَنْ ظَلَمَنَا ، وَانْصُرْنَا عَلَى مَنْ عَادَانَا ، وَلَا تَجْعَلْ مُصِيبَتَنَا فِي دِينِنَا ، وَلَا تَجْعَلْ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا وَلَا مَبْلَغَ عِلْمِنَا ، وَلَا تُسَلِّطْ عَلَيْنَا مَنْ لَا يَرْحَمُنَا))

[الترمذي عن ابْنِ عُمَرَ]

 هذا الفكر كيف أعملته ؟ هل أعملتَه في الإيقاع بين الناس ؟ في العدوان عليهم ؟ في اغتصاب ممتلكاتهم ؟ أم أعملته في التفكُّر في خلق السموات و الأرض ؟ هل هذا العقل ، وهذا الفكر ، أو تلك القوة الإدراكية ، وما فيها من مفاهيم متراكمة ، وما فيها من قدرات خاصَّة، و ما فيها من محاكمة ، وما فيها من استقراء ، وما فيها من استنتاج ، وما فيها من تذكُّر ، وما فيها من تصوُّر ، هذه القدرات الفكرية التي ميَّزك اللهُ بها و خصَّك بها كيف تستهلكها ؟ فيما يرضي الله ؟ في معرفة الله ؟ في معرفة أمره و نهيه ؟ في خدمة الخلق ؟ في تيسير حاجات الناس ؟ في إسداء النصح إليهم ؟ في تيسير دنياهم وأخراهم ؟ أم تستهلك هذه القدرة الفكرية العالية في سبيل الشيطان وفي سبيل جمع الدرهم والدينار من طريق مشروع أو غير مشروع ؟ في سبيل أن تفرِّق بين الناس لتسود عليهم ؟
 أيها الأخوة الأكارم ؛ سمعُك و بصرك و عقلك الذي تتميز به عن بقية المخلوقات أمانة .

 

اللسان الذي في فمك أمانة عليك أن تحسن استخدامه :

 شيء آخر ، قال الله عز وجل :

﴿الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآَنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾

[سورة الرحمن: 1-4]

 هذا مما اختص به الإنسان أن تعبِّر عن مشاعرك ، أن تعبِّر عن أفكارك ، أن تعبِّر عن قيمك ، أن تتَّصل بالآخرين أرقى اتِّصال ، اتِّصال لغوي ، أن تطلب منهم حاجات دون أن تمسكهم ، وتوقعهم عليها ، تطلب منهم بلسانك ، أداة اتصال ، أداة تعبيرية عن مشاعرك وعن أفكارك ، هذا البيان الذي وهبك الله إياه ، كيف تستخدمه ؟ إن اغتبت أو نممت أو سخرت أو كان الكلامُ بذيئا أو فاحشاً أو لعنت فقد خنت الأمانة ، و إن كان هذا اللسانُ رطباً بذكر الله عز وجل فقد حفظت الأمانة ، إن ذكرت الله عز وجل لنفسك فقد حفظت الأمانة، إن ذكرت اللهَ عز وجل لغيرك فقد حفظت الأمانة ، إن دعوت إلى الله عز وجل فقد حفظت الأمانة ، إن تلوت كتاب الله عز وجل فقد حفظت الأمانة ، إن أمرت بالمعروف و نهيت عن المنكر فقد حفظت الأمانة ، إن تودَّدت إلى أقرب الناس إليك أو إلى أبعد الناس عنك بهذا اللسان ، إن قلت للناس حسناً فقد حفظت الأمانة ، و اللسان الذي في فمك أمانة ، يا لسان نحن بك ، تقول الجوارح : يا لسان نحن بك إن استقمت استقمنا ، وإن اعوججت اعوججنا ، قال الشاعر :

احفظ لسانك أيها الإنســــــــــانُ  لا يلدغنَّـــــــــــــــــك إنه ثعبـــانُ
كم في المقابر من قتيل لسانه  كانت تهابُ لقاءه الشجعانُ
***

 عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ :

((كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ فَأَصْبَحْتُ يَوْمًا قَرِيبًا مِنْهُ وَنَحْنُ نَسِيرُ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ وَيُبَاعِدُنِي عَنْ النَّارِ قَالَ : لَقَدْ سَأَلْتَنِي عَنْ عَظِيمٍ وَإِنَّهُ لَيَسِيرٌ عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ ، تَعْبُدُ اللَّهَ ، وَلَا تُشْرِكْ بِهِ شَيْئًا ، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ ، وَتَحُجُّ الْبَيْتَ ، ثُمَّ قَالَ : أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى أَبْوَابِ الْخَيْرِ؟ الصَّوْمُ جُنَّةٌ ، وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِئُ الْمَاءُ النَّارَ ، وَصَلَاةُ الرَّجُلِ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ قَالَ ثُمَّ تَلَا : تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنْ الْمَضَاجِعِ حَتَّى بَلَغَ يَعْمَلُونَ ، ثُمَّ قَالَ : أَلَا أُخْبِرُكَ بِرَأْسِ الْأَمْرِ كُلِّهِ وَعَمُودِهِ وَذِرْوَةِ سَنَامِهِ ؟ قُلْتُ : بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : رَأْسُ الْأَمْرِ الْإِسْلَامُ وَعَمُودُهُ الصَّلَاةُ وَذِرْوَةُ سَنَامِهِ الْجِهَادُ ، ثُمَّ قَالَ : أَلَا أُخْبِرُكَ بِمَلَاكِ ذَلِكَ كُلِّهِ ؟ قُلْتُ : بَلَى يَا نَبِيَّ اللَّهِ فَأَخَذَ بِلِسَانِهِ قَالَ : كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا ، فَقُلْتُ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ ؟ فَقَالَ : ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ أَوْ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ))

[ الترمذي عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ]

 عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

((لَا يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ وَلَا يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ وَلَا يَدْخُلُ رَجُلٌ الْجَنَّةَ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ))

[ أحمد عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ]

الشهوات أمانة في عنق كل إنسان :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ أودع الله فينا العقل ، أعطانا الحواس ، أعطانا البيان ، و فوق ذلك أودع فينا الشهوات ، وهي أمانة ، أودع فيك الميلَ إلى النساء ، في كل مخلوق ، من آدم و إلى يوم القيامة ، قال تعالى :

﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ﴾

[سورة آل عمران: 14]

 هذا الميل كيف تتصرف به ؟ أتصرفه في قناة نظيفة شرعية مسموح بها ؟ قال تعالى :

﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾

[سورة المؤمنون: 5-6]

 أم تصرف هذه الشهوة التي أودعها الله فيك فيما لا يحلُّ لك ؟ إنك إن حفظت فرجك وابتغيت الطريق النظيف والشرعي فقد حفظت الأمانة ، وإلا فقد خنت الأمانة ، ويجب أن تعلم أيها الأخ الكريم أن هذه الشهوات ما أودعها الله فيك إلا لترقى بها إلى رب الأرض و السموات ، أودعها الله فيك لتكون قوى محرِّكة ، إن الإنسان من دون شهوة جامد هامد ، لا يتحرك ، ما أودع الله فيه من شهوات من حبٍّ للنساء ، من حب للمال ، من حبٍّ للبنين ، من حبٍّ للخيل المسوَّمة ، من حبٍّ للأنعام ، من حبٍّ للحرث ، هذه الشهوات يرقى بها إلى الله عز وجل ، لأنها بمثابة القوى المحركة ، تماماً كهذا الوقود السائل الذي في السيارة إن وُضِع في مستودَعه المحكَم ، وسار في قنواته المحكمة ، و انفجر في الوقت المناسب ، و في المكان المناسب ، ولَّد حركةً نافعة مسعِدة ، و إن سال خارج الأنابيب و أصابته شرارةٌ أحرقت المركبة ومن فيها ، ولعمري تلك هي الشهوات ، إما أن تكون قوى مدمِّرة ، وإما أن تكون قوى دافعة ، فالشهوات أودعها الله فيك أمانة في عنقك ، قال تعالى :

﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾

[سورة المؤمنون: 5-6]

 و ما من شهوة أودعها الله في الإنسان إلا جعل لها قنوات نظيفة يمكن أن يحقِّقها وهو مطمئن البال ، طائع لله عز وجل .

 

حركة الإنسان و قوته أمانة مسؤول عنها :

 شيء آخر ، يبدو لك - وهذا موضوع يطول في علم التوحيد - أن الله جلّ و علا أودع فيك قوة ، هذه القوة تتحرك ، وتنتقل ، و تحمل ، وتضرب ، هذه القوة التي أودعها الله فيك كيف استخدمتها ؟ وقف النبي عليه الصلاة و السلام وقد أرسل خادماً له فغاب كثيراً ، فغضب النبي عليه الصلاة و السلام ، ولما عاد كان بيده سواك ، فقال عليه الصلاة و السلام :

((لولا خشية القصاص لأوجعتك بها السواك))

[ورد في الأثر]

 الإيمان قيدُ الفتك ، المؤمن مقيَّد بشرع الله عز وجل ، قال تعالى :

﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ﴾

[ سورة الأحزاب: 36]

 أبداً ، فهذه القوة التي أودعها الله فيك كيف استخدمتها ؟ في الحق أم في الباطل ؟ في الخير أم في الشر ؟ فيما يقرِّبك بها من الله أم فيما يبعِدك عنه ؟ انظر إلى من هو طريح الفراش ، من شُلَّت أعضاؤه ، كتلة هامدة تتحرك ، أنت تنطلق و تمشي ، الحركة إلى أين ؟ إلى بيوت الله ؟ إلى مجلس علم ؟ إلى سهرة تذكر الله فيها ؟ إلى لقاء ؟ إلى الله عزوجل ؟ أم إلى سهرة مختلطة ؟ أم إلى مكان لهو ؟ أو إلى مكان يُعصى اللهُ فيه ؟ هذه الحركة ، و تلك القوة التي أودعها اللهُ فيك إنها أمانة .

 

حرية الاختيار تثمين لعمل كل إنسان :

 شيء آخر وهو خطير ، أعطاك الله الحرية ، أعطاك حرية الاختيار ليُثمَّن عملُك ، ما قيمة العمل لو أنت مكرَهٌ عليه ؟ لو أن الله أجبر عبادَه على الطاعة لبطل الثوابُ ، لو أجبرهم على المعصية لبطل العقاب ، لو تركهم هملاً لكان عجزاً في القدرة ، أعطاك حرية الاختيار ، قال تعالى :

﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾

[سورة الإنسان: 3]

 و قال تعالى :

﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾

[ سورة البقرة: 148 ]

 هذه الحرية التي منحك الله إياها ، كيف استخدمتها ؟ و كيف استعملتها ؟

 

محاسبة الإنسان عن كل نعمة أنعمها الله عليه :

 لذلك قال عز وجل :

﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ * كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ * ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾

[سورة التكاثر: 1-8]

 قال علماء التفسير : نعيم الحرية التي استمتعت بها ، نعيم الفراغ الذي منحك الله إياه ، نعيم المأوى الذي سكنت فيه ، نعيم الزوجة و الولد ، نعيم الغنى ، نعيم الأمن ، نعيم الصحة ، كلُّ هذه النعم سوف تُسأل عنها ، بل إن مما ورد في بعض كتب التفسير أن الإنسان سيُسأل عن شربة الماء الباردة التي شربها .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ كما قال بعض الشعراء :

ذو العقل يشقى في النعيم بعقله  و أخو الجهالة في الشقاوة ينعمُ
***

 الإنسان إذا عرف من هو ، و لماذا هو في الدنيا ، و ما المهمة الخطيرة التي حُمِّلها لكان إنساناً آخر ، فو الذي نفس محمد بيده - كما قال عليه الصلاة و السلام :

(( لو تعلمون ما أنتم عليه بعد الموت ما أكلتم طعاماً عن شهوة ، ولا دخلتم بيتاً تستظلون فيه ، لذهبتم إلى الصعدات تبكون على أنفسكم ))

 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ حينما يأتي ملَكُ الموت ، ويعرف الإنسانُ أنه خاسر خسر نفسَه ، وخسر الآخرة ، وخسر الحياة الأبدية التي خُلق لها ، يصيح صيحةً لو سمعها أهلُ الأرض لصعقوا ، قال تعالى :

﴿ فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ ﴾

[ سورة الزخرف: 83]

أيُّ شيء ميَّز الله به الإنسان أمانة في عنقه :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ معنى آخر من معاني الأمانة ، كلُّ شيء وضعه اللهُ تحت تصرُّفك فهو أمانة ، ابنك أمانة ، و زوجتك أمانة ، المريض ، وأنت الطبيب أمانة ، الموكِّل ، وأنت المحامي أمانة ، الشاري ، وأنت البائع أمانة ، المراجع ، وأنت الموظف أمانة ، هل أدَّيت له حقَّه ؟ هل نصحته ؟ هل أعطيته ما ينبغي ؟ هل ذكرت له الحق أم كذبت عليه أم احتلت عليه ؟ إنها أمانة .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ و اللهُ سبحانه و تعالى يقول :

﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾

[سورة النساء: 58]

 الحِرف و المهن و الخبرات و العلم ، هذه كلها القدرات الخاصة ، القدرة البيانية ، القدرة الفكرية ، و القدرة العضلية ، أيُّ شيء ميَّزك الله به أمانة في عنقك ، و سوف يستردّه الله عز وجل ، واللهُ عز وجل يريد أن ينظر كيف تفعل ، لينظر كيف تعملون ، قال تعالى :

﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾

[ سورة التوبة : 105 ]

بعض الأحاديث الشريفة التي تتعلَّق بعِظم الأمانة :

 إليكم بعض الأحاديث الشريفة تتعلَّق بعِظم الأمانة ، الإمام مسلم روى عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ : قُلْتُ :

((يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا تَسْتَعْمِلُنِي- أي في وظيفة - ؟ قَالَ : فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى مَنْكِبِي ثُمَّ قَالَ : يَا أَبَا ذَرٍّ إِنَّكَ ضَعِيفٌ وَإِنَّهَا أَمَانَةُ وَإِنَّهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ خِزْيٌ وَنَدَامَةٌ إِلَّا مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا وَأَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ فِيهَا ))

[ مسلم عَنْ أَبِي ذَرٍّ ]

 و روى الإمام البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ :

((بَيْنَمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَجْلِسٍ يُحَدِّثُ الْقَوْمَ جَاءَهُ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ مَتَى السَّاعَةُ فَمَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحَدِّثُ فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ سَمِعَ مَا قَالَ فَكَرِهَ مَا قَالَ وَقَالَ بَعْضُهُمْ بَلْ لَمْ يَسْمَعْ حَتَّى إِذَا قَضَى حَدِيثَهُ قَالَ أَيْنَ أُرَاهُ السَّائِلُ عَنْ السَّاعَةِ قَالَ هَا أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ فَإِذَا ضُيِّعَتْ الْأَمَانَةُ فَانْتَظِرْ السَّاعَةَ قَالَ كَيْفَ إِضَاعَتُهَا قَالَ إِذَا وُسِّدَ الْأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرْ السَّاعَةَ ))

[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]

 تضييع الأمانة من علامات قيام الساعة ، و روى الحاكم أن النبي عليه الصلاة و السلام يقول :

(( من استعمل رجلاً من عصابة وفيهم من هو أرضى لله منه فقد خان الله ورسوله والمؤمنين ))

[الحاكم في المستدرك عن ابن عباس]

 و الإمام البخاري و مسلم رويا في صحيحيهما عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( لَا تَسْأَلْ الْإِمَارَةَ فَإِنَّكَ إِنْ أُعْطِيتَهَا مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا وَإِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إِلَيْهَا وَإِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ ))

[متفق عليه عن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ ]

 و الإمام البخاري في صحيحه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((إِنَّكُمْ سَتَحْرِصُونَ عَلَى الْإِمَارَةِ وَسَتَكُونُ نَدَامَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَنِعْمَ الْمُرْضِعَةُ وَبِئْسَتْ الْفَاطِمَةُ))

[البخاري عن أبي هريرة]

 طعم الحليب لذيذ ، لكن عند الفطام شيئاً مرّاً مؤلماً ، و روى البخاري و مسلم عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ :

((دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَا وَرَجُلَانِ مِنْ قَوْمِي فَقَالَ أَحَدُ الرَّجُلَيْنِ أَمِّرْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ وَقَالَ الْآخَرُ مِثْلَهُ ، فَقَالَ : إِنَّا لَا نُوَلِّي هَذَا مَنْ سَأَلَهُ وَلَا مَنْ حَرَصَ عَلَيْهِ))

[متفق عليه عن أبي موسى]

 و في رواية :

((لا نستعمل على عملنا أحداً أراده))

مفهوم الأمانة مفهوم واسع يشمل كل شيء :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ مفهوم الأمانة مفهوم دقيق ، نفسك أمانة ، حواسك أمانة ، فكرك أمانة ، عضلاتك و قوتك أمانة ، طلاقة لسانك أمانة ، اختيارك أمانة ، شهواتك أمانة ، قدراك الخاصة ، حرفتك ، خبرتك و علمك أمانة ، زوجتك و أولادك ، أمك و أبوك ، من حولك، كلهم أمانة في عنقك ، قال تعالى :

﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾

[سورة النساء: 58]

 و تحدثت بشكل خاص عن أمانة التولية ، و كيف أن الله سبحانه و تعالى يسأل عنها ، سيدنا عمر عيَّن والياً و قال له : " خذ عهدك ، وانصرف إلى عملك ، واعلم أنك مصروفٌ رأس سنتك ، وأنك تصير إلى أربع خلال ، فاختر لنفسك ، إن وجدناك أميناً ضعيفاً استبدلناك لضعفك ، وسلَّمتك من معرَّتنا أمانتُك ، وإن وجدناك خائناً قوياً استهنا بقوتك ، وأوجعنا ظهرك ، و أحسنا أدبك ، وإن جمعت الجرمين جمعنا عليك المضرتين ، و إن وجدناك قوياً أميناً زدناك في عملك ، و رفعنا لك ذكرك ، و أوطأنا لك عقِبك" ، استنباطاً من قول الله عز وجل :

﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾

[سورة القصص: 26]

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، و زنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، و اعلموا أن ملك الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا ، و سيتخطَّى غيرنا إلينا ، فلنتَّخذ حذرنا ، الكيَّس من دان نفسه و عمل لما بعد الموت ، و العاجز من أتبع نفسه هواها و تمنى على الله الأماني ، و الحمد لله رب العالمين .

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

قصة أبي لبابة :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ من ذهب منكم إلى الحج وزار النبي عليه الصلاة و السلام و صلى في الروضة النبوية ؟ العمود الذي يلي قبرَ النبي عليه الصلاة و السلام ، العمود الثاني كُتِب في أعلاه " سارية أبي لبابة " من أبو لبابة ؟ أبو لبابة صحابي جليل ، له قصة ، و هذه القصة بدأت لما خان يهودُ بني قريظة رسولَ الله والمسلمين في غزوة الأحزاب ، و تواطؤوا مع المشركين على أن ينقضوا عهدهم مع رسول الله ، وينقضُّوا على المسلمين من ظهورهم ، من داخل المدينة ، و قد أفسد اللهُ كيدَهم ، قال تعالى :

﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْراً﴾

[سورة الأحزاب: 25]

 خرج النبي عليه الصلاة و السلام فحاصر يهودَ بين قريظة في حصونهم خمساً وعشرين ليلة حتى جهدهم الحصارُ ، وقذف الله في قلوبهم الرعبَ ، فبعثوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن ابعث إلينا أبا لبابة بن المنذر لنستشيره في أمرنا ، وكان أبو لبابة صديقاً لهم في الجاهلية ، فأرسله النبي عليه الصلاة و السلام إليهم ، فلما رأوه قام الرجالُ إليه ، وأجهشت النساءُ بالبكاء ، والصبيان يبكون في وجهه ، فرقَّ لهم ، وقالوا له : يا أبا لبابة أترى أن ننزل على حكم محمد ؟ فقال أبو لبابة بلسانه : نعم ، وأشار بيده إشارة كشف بها سرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يقول أبو لبابة : واللهِ ما زالت قدماي من مكانهما حتى عرفتُ أني خنتُ رسول الله ، إشارة هكذا ، ما تكلم كلمة ، نصحهم أن ينزلوا على حكم النبي ، لكنه أشار إشارةً ، وقال : واللهِ ما زالت قدماي من مكانهما حتى عرفت أني خنت الله و رسوله ، حالة حرب ، و كشف السر في الحرب خيانة عظمى ، و قد قال كتَّابُ السيرة : ليس بأبي لبابة نفاق و لكنه راعى الصداقة بينه وبينهم في الجاهلية ، ثم انطلق أبو لبابة على وجهه هائماً ، شعر بأنه سقط، لقد خان اللهَ و رسوله ، والإنسان يعلم أيها الأخوة ، قال تعالى :

﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾

[سورة القيامة: 14-15]

 يعلم حينما يخون ، يعلم حينما يغش ، يعلم حينما يكذب ، يعلم حينما يتكلَّم خلاف قناعته ، يعلم حينما يتكلم كلاماً يرضي به شخصاً ، و الله لا يرضى عن هذا الكلام ، هذا يعلمه الإنسان ، قال : ثم انطلق أبو لبابة على وجهه و لم يأتِ رسولَ الله بعد الذي كان منه ، حتى أتى المسجدَ فشدَّ نفسه إلى عمود من أعمدته وقال : و اللهِ لا أبرح مكاني هذا حتى يتوب الله عليّ مما صنعت ، و عاهد اللهَ على ألَّا يطأ ديارَ بني قريظة أبداً ، و لا يُرى في بلد خان اللهَ و رسوله فيه أبداً ، وطالت غيبتُه على النبي صلى الله عليه و سلم ، فاستبطأه ، وقال : أين أبو لبابة ؟ فأبلغه المسلمون من خبره ، فقال صلى الله عليه و سلم : أما إنه لو جاءني لاستغفرتُ له ، فأما إذا قد فعل ما فعل فما أنا بالذي أطلقه من مكانه حتى يتوب الله عليه ، و لبث أبو لبابة على هذه الحالة ستَّا أو سبعاً من الليالي ، تأتيه امرأتُه كلَّ وقت صلاة فتحل قيده ليصلي ، ثم يعود لتربطه بالجذع حتى تاب الله عليه و أنزل في كتابه الكريم ، قال تعالى :

﴿وَآَخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحاً وَآَخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

[سورة التوبة: 102]

 فقالت أمُّ سلمة و كانت عند النبي عليه الصلاة و السلام : يا رسول الله أفلا أبشِّره؟ قال : بلى إن شئتِ ، فقامت على باب الحجرة ، وقالت : يا أبا لبابة أبشر فقد تاب اللهُ عليك ، و انطلق الصحابة ليطلقوه من أسره فأبى إلا أن يطلقَه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ، فلما خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى صلاة الصبح أطلقه .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ قال أبو لبابة للنبي عليه الصلاة و السلام : يا رسول الله إني قد نذرتُ أن أنخلع من مالي كلِّه صدقةً لله تعالى ، فقال عليه الصلاة و السلام : يا أبا لبابة يجزيك الثلث أن تصدَّق به ، و نزل قولُه تعالى :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ * وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾

[سورة الأنفال: 27-28]

 هكذا كان أصحابُ النبي يحاسبون أنفسهم حساباً عسيراً ، الإنسان إذا أخطأ ، أو إذا خان ، أو إذا كذب ، أو إذا غشَّ ، أو إذا نافق ، أو إذا تملّق ، أو إذا تكلم كلاماً لا يرضي اللهَ عز وجل يشعر أنه سقط من عين الله ، واللهِ أيها الأخوة سقوط الإنسان من السماء إلى الأرض أهون من أن يسقط من عين الله ، ولئن كنتَ في عين الله طائعاً ، و لئن كنت في عين الله محبًّا أفضلُ لك من الدنيا وما فيها ، الدنيا وما فيها ، لأنها زائلة ، و سوف تلقى اللهَ عز وجل وهو راض عنك ، فلذلك أيها الأخوة لا تخونوا الله و رسوله ، لا تقل كلاماً لست قانعاً به لترضي زيداً أو عُبيداً ، لا تقل خلاف الحق و لو كان في هذا الكلام مصلحة لك و لابنك و لزوجتك ، أو لمن حولك ، لا تقل إلا الحق ، قال تعالى :

﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾

[ سورة المائدة: 8]

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شرّ ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك ، إنه لا يذل من واليت ، ولا يعز من عاديت ، تباركت ربنا وتعاليت ، ولك الحمد على ما قضيت ، نستغفرك ونتوب إليك ، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك . اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين . اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، ودنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر ، مولانا رب العالمين . اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك . اللهم لا تؤمنا مكرك ، ولا تهتك عنا سترك ، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين . اللهم استر عوراتنا ، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين . اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك ، ومن الفقر إلا إليك ، ومن الذل إلا لك ، نعوذ بك من عضال الداء ، ومن شماتة الأعداء ، ومن السلب بعد العطاء . اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب ، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب . اللهم صن وجوهنا باليسار ، ولا تبذلها بالإقتار ، فنسأل شرّ خلقك ، ونبتلى بحمد من أعطى ، وذم من منع ، وأنت من فوقهم ولي العطاء ، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء . اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين . اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018