الخطبة : 0637 - الرأي والوحي. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0637 - الرأي والوحي.


1997-11-07

الخطبة الأولى:
 الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنـا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغامـاً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر، أو سمعت أذن بخبر، اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، أمناء دعوته، وقادة ألويته، وارض عنا وعنهم يا رب العالمين. اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرِنا الحــق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

للإنسان اتجاهان لا ثالث لهما الاستجابة لله أو اتباع الهوى :

 أيها الأخوة الكرام، موضوع الخطبة اليوم موضوع أساسي جداً في الدين، هناك أناس يمكن أن يسموا أهل الرأي، أي أن رأيهم هو دينهم، وأن النصوص في خدمتهم، وأنهم يتخيرون من النصوص ما يروق لهم، فيعتمدون بعضها ويرفضون بعضها الآخر، لأن الأصل رأيهم. ينحرف الدين عن مساره الصحيح، وتشوه حقائقه، حينما يدلي الإنسان الجاهل برأي في أمور الدين دون أن يتخذ الدليل من كتاب الله وسنة رسوله.
 فموضوع الخطبة اليوم أنه لا يجوز أن يكون لنا رأي فيما قطع الله به، فيما قضى الله بها، مسار الخطبة أيها الأخوة الآيات العظيمة الكريمة التي تبين بوضوح أن الوحي هو الأصل، والأحاديث الشريفة، وأقوال بعض الصحابة الكبار أمثال سيدنا أبي بكر وعمر.
 أيها الأخوة الكرام، يقول الله عز وجل:

﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾

[ سورة القصص: 50]

 هناك خطان لا ثالث لهما، هناك طريقان لا ثالث لهما، هناك اتجاهان لا ثالث لهما، إما أن تستجيب لرسول الله، والاستجابة له عين استجابتك لله، وإما أن تتبع الهوى، فالذي يقابل الاستجابة لرسول الله هو الهوى:

﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾

[ سورة القصص: 50]

 إن لم تكن على خط السنة فأنت مع الهوى حتماً، إن لم تكن على منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق بالهوى فأنت على منهج الهوى. قال تعالى:

﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾

[ سورة القصص: 50]

 الذي يتبع هواه بغير منهج الله عز وجل هو ظالم لنفسه، وما من ظلم أشدّ من أن تظلم نفسك وتحرمها سعادة الآخرة الأبدية. من هذه الآية الكريمة أن الأمر قسم إلى أمرين لا ثالث لهما، إما أن تستجيب إلى الله وإلى رسوله وما جاء به، وإما أن تتبع الهوى، فكل ما لم يأت به رسول الله من الهوى. سؤال محرج يضع الإنسان في زاوية ضيقة، إما أنك مستجيب لسنة النبي، وإما أنك متبع للهوى، والله عز وجل يقول:

﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾

[ سورة القصص: 50]

 لن ترى أشد ضلالاً من الذي يتبع هواه بغير هدى من الله عز وجل.
 أيها الأخوة الكرام هذه الآية الأولى، الآية الثانية:

﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ ﴾

[سورة ص: 25]

 إما أن تحكم بين الناس بالحق الذي جاء به النبي عليه الصلاة والسلام وإما أن تحكم بالهوى.

 

الحق لا يتعدد فإن لم تكن على الحق فأنت على الباطل قطعاً :

 ربنا عز وجل بهذه الآيات يضعنا في مفترق طرق، الحق لا يتعدد، الحق واحد، فإن لم تكن على الحق - لا سمح الله ولا قدر - فأنت على الباطل قطعاً، إن لم تتبع الهدى أنت متبع للهوى وليس هناك موقف ثالث. بل إن الله جل جلاله لم يقبل دعوى محبته إلا بالدليل، لم يقبل دعوى محبته إلا بالدليل، والدليل اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ربنا عز وجل يقول:

﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾

[سورة آل عمران: 31]

 الآية الثالثة:

﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾

[ سورة الجاثية: 18]

 إن كنت تعلم تتبع شريعة الله عز وجل الذي كان النبي عليها وأصحابه، وإن كنت لا تعلم فتتبع الهوى:

﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ * إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ ﴾

[ سورة الجاثية: 18-19]

 قسم الله جل جلاله الأمر بين أن تكون على منهج الله وبين أن تتبع الهوى.
 آية رابعة:

﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ ﴾

[سورة الأعراف: 3]

 الآية الرابعة تؤكد المعنى نفسه، الأمر خطير لذلك وردت تسع آيات في هذا الموضوع:

﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ ﴾

[سورة الأعراف: 3]

 إن لم تتبع ما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم من تشريع فأنت تتخذ أولياء من دون الله وهذا هو عين الشرك. سيدنا الصديق في أول خطبة خطبها قال:" إنما أنا متبع ولست بمبتدع"، وقال بعضهم: ثلاث نصائح لإيجازها تُكتب على ظفر:" اتبع لا تبتدع، اتضع لا ترتفع، الورع لا يتسع" أما الآية التي فيها تفاصيل كثيرة فهي قوله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ﴾

[ سورة النساء: 59]

طاعة الله و رسوله و أولي الأمر :

 أولاً: أطيعوا الله، أجمع العلماء على أن طاعة الله عز وجل هي تنفيذ أوامره في القرآن الكريم.. أطيعوا الله. وأطيعوا الرسول: تنفيذ سنته المطهرة بعد موته وفي حياته. وأولي الأمر منكم: قال الشافعي: أولي الأمر هم العلماء، الذين يعرفون أمر رسول الله، وأولي الأمر هم الأمراء الذين ينفذون أمر رسول الله. الله جل جلاله أمر بطاعته وأمر بطاعة رسوله، ولكن هناك شيئاً في الآية دقيقاً جداً، قال:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ﴾

[ سورة النساء: 59]

 أعاد الفعل، ما قال أطيعوا الله والرسول، قال:

﴿أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾

 إعلاناً لنا بأن طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم تجب استقلالاً من غير عرضها على ما أمر الله في كتابه، لأنه معصوم، ولأنه مشرع، ولأنه لا ينطق عن الهوى.
 أنت مع أي أمر من بني البشر أنت ينبغي أن تعرض هذا الأمر على كتاب الله وعلى سنة رسوله، فإن وافقه تطيعه، وإن خالفه لا تطيعه، أما إذا أمرك النبي عليه الصلاة والسلام بأمر فيجب أن تطيعه استقلالاً، لأن الله قال:

﴿أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾

 أعاد الفعل إعلاماً لنا بأن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم تجب استقلالاً من غير عرضها على ما في كتاب الله، بل إذا أمر وجبت طاعته مطلقاً، سواءً ما أمر به كان في الكتاب أو لم يكن في الكتاب، لأنه مشرع، ولأنه لا ينطق عن الهوى، ولأنه معصوم، ولأنه مُكلف أن يبين ما في الكتاب. النبي عليه الصلاة والسلام يقول: " أوتيت الكتاب ومثله معه " مثله معه السنة، فهو مشرع.. كما أن القرآن الكريم فيه كليات الدين، النبي عليه الصلاة والسلام أعطى التفصيلات وبيّن ووضح.

 

لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق :

 أما طاعة أولي الأمر

﴿أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾

 فهذه الطاعة ضمن طاعة رسول الله إيذاناً لأنهم إنما يطاعون تبعاً لطاعة الرسول فمن أمر منهم بطاعة رسول الله وجبت طاعته، ومن أمر منهم بخلاف ذلك فلا سمع له ولا طاعة، كما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:

((لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ))

[متفق عليه عن علي]

 لو أن أباك وهو الذي أنجبك ورباك، أمرك أن تأكل الربا، الجواب: لا طاعة المخلوق في معصية الخالق.. سيدنا سعد بن أبي وقاص أمرته أمه وأعظم النساء حقاً على الرجل أمه، أمرته أن يكفر بمحمد، أو تدع الطعام والشراب حتى تموت، قال: " يا أمي لو أن لك مئة نفس فخرجت واحدة واحدةً ما كفرت بمحمد، فكلي إن شئت أوْ لا تأكلي " لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، والآمر ضامن..

﴿قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى ﴾

[ سورة طه: 45]

 أحد ولاة البصرة كان عنده سيد التابعين الحسن البصري، جاءه توجيه من يزيد، يبدو أن هذا التوجيه لا يرضي الله عز وجل، وقع في حيرة من أمره ماذا يفعل؟ إن نفذ هذا التوجيه أغضب الله عز جل، وإن لم ينفذه أغضب يزيد، فاستشار الحسن البصري، فقال كلمة تُكتب بماء الذهب، قال له الحسن البصري : إن الله يمنعك من يزيد ولكن يزيد لا يمنعك من الله. عَنْ عَلِيٍّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ))

[متفق عليه عن علي]

 وعَنْ عَلِيٍّ رَضِي اللَّه عَنْه:

((أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ جَيْشًا وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ رَجُلًا فَأَوْقَدَ نَارًا وَقَالَ ادْخُلُوهَا فَأَرَادُوا أَنْ يَدْخُلُوهَا وَقَالَ آخَرُونَ إِنَّمَا فَرَرْنَا مِنْهَا فَذَكَرُوا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لِلَّذِينَ أَرَادُوا أَنْ يَدْخُلُوهَا لَوْ دَخَلُوهَا لَمْ يَزَالُوا فِيهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَقَالَ لِلْآخَرِينَ: لَا طَاعَةَ فِي مَعْصِيَةٍ إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ))

[متفق عليه عن علي]

 فيما جاء عن رسول الله من سنة مطهرة هذا هو المعروف، فالطاعة في معروف، أي إذا أمرك أبوك أن تصلي وجبت طاعته، لأن طاعته من طاعة رسول الله، إذا أمرك أن تكون صادقاً وجب أن تكون صادقاً، إذا أمرك أن تكون أميناً وجب أن تكون أميناً، إنك تطيع رسول الله صلى الله عليه وسلم من خلال أمر أبيك.

 

من موجبات الإيمان إرجاع أي موضوع خلافي إلى كتاب الله وسنة رسوله :

 أيها الأخوة الكرام، شيء آخر ؛ قد يتنازع المؤمنون

﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ﴾

  إذا تنازعتم فيما بينكم، أو تنازعتم مع علمائكم، أو أمرائكم، ما هي المرجعية التي ترجعون إليها؟ إذا تنازعتم فيما بينكم حول قضية في الدين، حول قضية في السلوك، حول قضية في المجتمع، حول قضية في كسب المال، حول قضية في إنفاق المال، إذا تنازعتم فيما بينكم حول قضية من قضايا الدين، أو من قضايا الدنيا، ما المرجعية التي ترجعون إليها؟ ما المآل الذي تؤولون إليه؟.

﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ﴾

 وهذا الشيء نكرة، جاءت في سياق الشرط، وعند علماء الأصول النكرة التي تأتي في سياق الشرط

﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ﴾

 تفيد الشمول، أي في أي شيء من قضايا الدنيا والدين، صغيره وكبيره، جليله وحقيره، جليه وخفيه، في أي قضية إذا تنازعتم في شيء..

﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ﴾

.
 أيها الأخوة الكرام: يُستنبط من هذا حقيقة خطيرة جداً، لو لم يكن في كتاب الله وفي سنة رسوله بيان حكم ما تنازعتم فيه، أو لم يكن البيان كافياً لم يأمر الله عز وجل بالرد إليه، إله عظيم يقول: أيها المؤمنون إلى يوم القيامة إن تنازعتم في أي شيء فردوه إلى الله وإلى الرسول، معنى ذلك أن الله جل جلاله أمرنا أن نرد كل موضوع مختلف فيه إلى كتاب الله وإلى سنة رسوله.
 لو أن كتاب الله أو سنة رسوله ليس فيهما حكم فصل بهذا الموضوع، ليس فيهما جواب شافٍ لهذا الموضوع، كان هذا الأمر من الله لا معنى له، وهذا لا يليق بجلاله ولا بكماله ولا بكلامه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. مستحيل أن يأمر الله المؤمنين بالرد عند النزاع إلى من لا يوجد عنده فصل النزاع. ألم يقل الله عز وجل:

﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾

[ سورة المائدة : 3]

 الإكمال نوعي، والإتمام عددي، أي أن القضايا التي عالجها الدين تامة من حيث العدد، كاملة من حيث طريقة المعالجة. أجمع العلماء على أن الرد إلى الله هو الرد إلى كتابه، وعلى أن الرد إلى رسوله هو الرد إلى نفسه في حياته، وإلى سنته بعد وفاته، وإنما جُعل هذا الرد من موجبات الإيمان، من موجبات الإيمان أن ترجع أي موضوع خلافي إلى كتاب الله وإلى سنة رسوله، هذا من موجبات الإيمان، فإذا انتفى الرد انتفى الإيمان. أي إذا حكمت مذهباً وضعياً، إذا حكمت إنساناً بعيداً عن الدين في قضية خلافية في الدين فأنت لست مؤمناً إطلاقاً. إذا نفيت رد الأمر المتنازع فيه إلى كتاب الله وسنة رسوله فقد نُفي عنك الإيمان أصلاً.
 أيها الأخوة الكرام، هذا الرد هو خير لكم، وعاقبته هي العاقبة الحسنة لكم، ذلك خير وأحسن تأويلاً. استنبِطَ شيء آخر من هذه الآية أن تنازع المؤمنين فيما بينهم في بعض الأحكام لا يخرجهم بذلك عن الإيمان، شيء طبيعي.

﴿فَإْنْ تَنَازَعْتُمْ﴾

 أثبت الله لهم الإيمان، ووصف بأنهم إذا تنازعوا في شيء فيما بينهم، أو مع أولي الأمر العلماء والأمراء حول قضية في الدين فالمرجعية إلى كتاب الله وسنة رسوله، ولو لم يكن في كتاب الله وسنة رسوله الحكم الفيصل في أي موضوع فهذا الأمر بالرد إلى كتاب الله لا معنى له، ولا يليق بالله عز وجل أن يأمر بأمر لا معنى له.

 

على المؤمن ألا يتخير بعد قضاء الله وقضاء رسوله شيئاً آخر :

 أيها الأخوة الكرام، آية أخرى في هذا الموضوع، يقول الله عز وجل:

﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾

[سورة القصص: 68]

 ليس للمؤمن أن يتخير بعد قضاء الله وقضاء رسوله شيئاً آخر، أي إذا قال الله عز وجل:

﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ﴾

[ سورة النور: 30]

 لا يجوز أن تدلي برأي آخر، أننا في زمن صعب، الإنسان لا يستطيع أن يستقيم، هذه الآية غير واقعية، ليست لهذه الأيام.

﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُبِيناً ﴾

[سورة الأحزاب: 36]

 يا أيها الأخوة الكرام يقول الله عز وجل:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا آَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً بَعِيداً ﴾

[سورة النساء: 136]

 الذي يأتي برأي موازٍ لما في القرآن الكريم، والذي يأتي بحكم يخالف حكم الله عز وجل ذلك كما يقول الله عز وجل:

﴿ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُبِيناً ﴾

[سورة الأحزاب: 36]

 آية أخرى، يقول الله عز وجل:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾

[سورة الحجرات: 1]

 أي لا تقولوا شيئاً خلاف ما يقول، لا تقولوا حتى يقول، ولا تأمروا حتى يأمر، ولا تفتوا حتى يفتي، ولا تقطعوا أمراً حتى يكون هو الذي يحكم فيه ويمضيه، ولا تقولوا خلاف الكتاب والسنة، نهوا عن أن يتكلموا بين يدي كلامه. إذا كان خالق الكون قد أمر، أو نهى، أو حكم انتهى الأمر. عُقِدت ندوة حول تعدد الزوجات، سئلت امرأة على مستوى رفيع من الثقافة: ما رأيك في تعدد الزوجات ؟ قالت: أنى يكون لي رأي وقد سمح الله به؟
 المؤمن الصادق إذا كان هناك حكم في كتاب الله، أمر، أو نهي، أو وصف، أو حكم في سنة رسول الله، انتفى رأيك الشخصي:

يقولون هذا عندنا غير جائزٍ  فمن أنتم حتى يكون لكم عندُ؟
***

 أنت مشرع؟! الله هو المشرع، هل هناك في الأرض إنسان يحق له أن يشرع؟ المشرع هو الله عز وجل.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾

[سورة الحجرات: 1]

 أي لا تقدموا رأياً، ولا حكماً، ولا وصفاً خلاف وصف الله عز وجل.
 الإله وصف إنساناً أنه فاسق، لا تقل أنت عنه هذا إنسان لبق، لا تقل: هذا إنسان مرن، إذا قلت ذلك وهو فاسق، إذا قلت عنه: إنه لطيف وهو منحرف، فهذا وصف يناقض وصف الله تعالى.

 

أسباب إحباط العمل :

 أيها الأخوة الكرام، استنباط لطيف، قال الله عز وجل:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾

[سورة الحجرات: 2]

 إذا كان رفع أصوات الصحابة الكرام وهم على ما هم فيه من رفعة القدر فوق صوت النبي سبباً لحبوط عملهم، فيكف إذا قدمت أمته من بعده آراء وعقائد وأذواق ومعارف تعلو على ما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام؟ هذا سبب أكبر لإحباط العمل، إذا كان رفع صوتك العادي، إذا قلت له: يا رسول الله بصوت عالٍ حبط عملك، فكيف إذا جئت بآخر الزمان بأفكار وبمعارف وبأساليب في الحياة خلاف سنة النبي عليه الصلاة والسلام؟ هذا سبب أوجه لإحباط العمل.

 

اعتماد أهل الرأي على الرأي وتقديمه على النص و الوحي :

 ثم إن هناك استنباطاً لطيفاً آخر:

﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾

[سورة النور: 62]

 فكيف إذا ذهبوا بعقيدتهم وسلوكهم وأنماط أفراحهم وأنماط أحزانهم وتجارتهم وبيعهم وشرائهم وسفرهم وإقامتهم وترويج سلعهم مذهباً آخر لا يرضي رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ إذا كانوا معه على أمر جامع لا يستطيع الصحابي أن يذهب مذهباً إلا أن يستأذن النبي، أين ذهبت أمته من بعده؟ ذهبوا مذاهب شك، ما بقي من الإسلام إلا اسمه، ولا بقي من القرآن إلا رسمه، الإسلام يجب أن يكون في بيوتنا، وفي أعمالنا، وفي أسواقنا، وفي تجارتنا، وفي بيعنا وشرائنا، وفي سفرنا، وفي إقامتنا، أما أن يبقى الإسلام في المساجد صلوات تؤدى، وشعائر تقام، وحياتنا بعيدة عن منهج الله كل البعد.
 أيها الأخوة الكرام، هذه الآيات، فماذا قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح عن عَبْد اللَّهِ بْن عَمْرٍو؟ قال:

((إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْزِعُ الْعِلْمَ بَعْدَ أَنْ أَعْطَاكُمُوهُ انْتِزَاعًا وَلَكِنْ يَنْتَزِعُهُ مِنْهُمْ مَعَ قَبْضِ الْعُلَمَاءِ بِعِلْمِهِمْ فَيَبْقَى نَاسٌ جُهَّالٌ يُسْتَفْتَوْنَ فَيُفْتُونَ بِرَأْيِهِمْ فَيُضِلُّونَ وَيَضِلُّونَ))

[متفق عليه عن عَبْد اللَّهِ بْن عَمْرٍو]

 " يُسْتَفْتَوْنَ فَيُفْتُونَ بِرَأْيِهِمْ فَيُضِلُّونَ وَيَضِلُّونَ" ، يفكر قليلاً ويقول لك: لا شيء، هذا مسموح به، المنطق يقول ذلك، اعتمد على عقله وعلى منطقه ولم يعتمد على سنة رسوله، "يُسْتَفْتَوْنَ فَيُفْتُونَ بِرَأْيِهِمْ فَيُضِلُّونَ وَيَضِلُّونَ " ، وفي حديث آخر يقول عليه الصلاة والسلام:

((تفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة أعظمها فتنةً قوم يقيسون الدين برأيهم، يحرمون به ما أحل الله، ويحلون ما حرم الله))

[البزار عن عوف بن مالك]

 هذه أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في موضوع أهل الرأي الذين يعتمدون الرأي ويقدمونه على النص وعلى الوحي.

الدين في الأصل نقل و وحي و نص عن الله :

 أيها الأخوة الكرام، بكلمة جامعة مانعة الدين في الأصل نقل، نقل عن الله، لك أن تقول: وحي، ولك أن تقول: نقل، ولك أن تقول: نص، هذا هو الدين خطاب السماء للأرض، وحي عن الله، نقل عن الله، نص عن الله، ونص النبي وحي ثانٍ، لأن هناك وحيين؛ عندنا وحي متلو ووحي غير متلو هو السنة، عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ:

((أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ أَلَا يُوشِكُ رَجُلٌ شَبْعَانُ عَلَى أَرِيكَتِهِ يَقُولُ عَلَيْكُمْ بِهَذَا الْقُرْآنِ فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَلَالٍ فَأَحِلُّوهُ وَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَرَامٍ فَحَرِّمُوهُ أَلَا لَا يَحِلُّ لَكُمْ لَحْمُ الْحِمَارِ الْأَهْلِيِّ وَلَا كُلُّ ذِي نَابٍ مِنَ السَّبُعِ وَلَا لُقَطَةُ مُعَاهِدٍ إِلَّا أَنْ يَسْتَغْنِيَ عَنْهَا صَاحِبُهَا وَمَنْ نَزَلَ بِقَوْمٍ فَعَلَيْهِمْ أَنْ يَقْرُوهُ فَإِنْ لَمْ يَقْرُوهُ فَلَهُ أَنْ يُعْقِبَهُمْ بِمِثْلِ قِرَاهُ))

[الترمذي عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ ]

 وطاعة رسول الله طاعة مستقلة، لأن الله عصمه وأيده بالوحي وأمرنا أن نطيعه، بينما طاعة أي إنسان آخر مقيدة بمنهج الله، فإذا توافق أمره مع منهج الله فعلى العين والرأس، وإلا لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. سيدنا الصديق رضي الله عنه، الذي لو وزن إيمان الخلق بإيمانه لرجح، الذي كان من أول المؤمنين إيماناً، قال النبي عنه: "ما دعوت أحداً إلى الإسلام إلا كانت له كبوة، إلا أخي أبا بكر" هذا الصديق يقول: " أي أرض تقلني، وأي سماء تظلني، إن قلت في آية من كتاب الله برأي، أو بما لا أعلم ؟" وقال العلماء عن هذا الصحابي الصديق :لم يكن أحد أهيب بما لا يعلم من أبي بكر، شيء إذا لم يعلمه تهيبه، ولم يكن أحد بعد أبي بكر أهيب بما لا يعلم من عمر، وإن أبا بكر نزلت به قضية، فلم يجد في كتاب الله منها أصلاً، ولا بسنة نبيه أثراً، فاجتهد برأيه، ثم قال: هذا رأيي فإن يكن صواباً فمن الله، وإن يكن خطأً فمني وأستغفر الله.. أرأيتم إلى هذا الأدب؟ هذا رأيي فإن يكن صواباً فمن الله، وإن يكن خطأً فمني وأستغفر الله.. سيدنا عمر رضي الله عنه، قال: يا أيها الناس، إنما الرأي إنما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم مصيباً، لإن الله كان يريه، وإنما هو منا الظن والتكلف. رأي النبي وحيٌ من الله، معصوم، أما رأي الإنسان فظن وتكلف.. وتلا قوله تعالى:

﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيماً ﴾

[سورة النساء: 105]

 فلم يكن له رأي غير ما أراه الله جل جلاله..
 كتب كاتب لعمر رضي الله عنه قال: هذا ما رأى الله ورأى عمر، فقال: بئس الكاتب أنت، قل: هذا ما رأى عمر فإن يكن صواباً فمن الله وإن يكن خطأً فمن عمر.
 ولعمر رضي الله عنه وهو عملاق الإسلام أقوال رائعة في هذا الموضوع، يقول:" السنة ما سنه الله ورسوله، ولا تجعلوا خطأ الرأي سنةً لأمة "
 أصحاب الرأي أعداء السنن، أدعيتهم الأحاديث التي يحفظونها، وتفلتت منهم أن يعوها، واستحيوا حين سئلوا أن يقولوا: لا نعلم، فعارضوا السنن برأيهم، فإياكم وإياهم.

 

إصلاح مجتمعنا لا يكون إلا بمنهج الله و سنة رسوله :

 أيها الأخوة الكرام، الإنسان مخلوق ضعيف محدود العلم، محدود التجربة، محدود الرؤية، محدود البصيرة، كيف نقيسه بكلام الله عز وجل الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ؟
 أردت من هذه الخطبة أن ينتفي عن الإنسان كل وهم أو كل تفكير بأن رأياً كائناً من كان يصلح لمجتمعنا، لا يصلح لمجتمعنا إلا منهج الله، لا يصلح لمجتمعنا إلا كتاب الله وسنة رسوله، خالق الكون أنزل هذا الكتاب، والمعصوم سنّ هذه السنن، فنحن نفلح إذا اتبعنا القرآن والسنة ونخطئ خطأً جسيماً، ونرتكب إثماً عظيماً، ونقع في ظلم شديد حينما نحيد عن منهج الله كتاباً وسنةً، ونتبع الهوى، وكما قلت في مطلع الخطبة: ليس هناك حل وسط، إن لم نكن على الوحي فنحن على اتباع الهوى:

﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيماً ﴾

[سورة النساء: 105]

 أيها الأخوة، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وسيتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا، الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني، والحمد لله رب العالمين.

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

حاجة الإنسان إلى معرفة الأمر والنهي حاجة مصيرية :

 أيها الأخوة الكرام، بعد معرفة الله عز وجل، بعد أن تستقر حقيقة الإيمان في نفس الإنسان ليس هناك أعظم وأجلّ من أن يعرف أمره ونهيه، تطبيقاً لموضوع الخطبة الأولى، ليس هناك عمل أجلّ وأخطر وأعظم فائدة للمؤمن بعد أن استقرت حقيقة الإيمان في قلبه من أن يتعرف إلى الأمر والنهي، لأن حاجة الإنسان إلى معرفة الأمر والنهي حاجة مصيرية.
 قلت لكم قبل خطبتين: المظلي قد يجهل شكل المظلة، مربع أم دائري، وقد يجهل نوع قماشها، وقد يجهل لونها، وقد يجهل نوع تركيب خيوطها، وقد يجهل نوع الحبال وأقطار الحبال وعدد الحبال، وينزل سالماً، أما إذا جهل طريقة فتح المظلة فينزل ميتاً، فمعرفة طريقة فتحها معرفة أساسية وضرورية، وينبغي أن تُعلم بالضرورة، هذا هو الحلال والحرام، وهذا هو الأمر والنهي، وهذا معنى قول بعض العلماء: افعل أو لا تفعل، فأنت بعد أن تعرف الله من خلال الكون لابد من أن تنفذ منهجه، كيف تنفذ منهجاً لا تعرفه؟ إذاً ما من عمل أعظم للمؤمن بعد معرفة الله من أن يعرف الحكم الشرعي في كل شيء، إذاً طلب الفقه فريضة بعد الفريضة.

أفضل المعروف على الإطلاق إغاثة الملهوف :

 أيها الأخوة الكرام، كلكم يعلم ماذا أصاب هذه البلدة الطيبة من أمطار غزيرة قبل عدة أيام، هذه الأمطار أتلفت و هدمت بيوتاً كثيرةً جداً، وأصحاب هؤلاء البيوت مشردون ليس لهم مأوى، تهدم بيتهم وطُمِر أثاث البيت، وأصبحوا هم وأولادهم على قارعة الطريق، وهناك مآسٍ لا يعلمها إلى الله، هذه الجمعة اختيرت في كل مساجد دمشق كي نجمع التبرعات لهؤلاء المنكوبين المتضررين بالسيول. اتحاد الجمعيات الخيرية، وبعض إخوتنا الأكارم أعضاء في هذا الاتحاد، ولا أزكي على الله أحداً إن الأموال التي تُجبى لهذا المشروع مشروع إغاثة المتضررين في أيدٍ أمينة، وهذا المشروع خيري وإنساني.

((ومن نفس عن مؤمن كربة نفس الله عنه كربةً من كرب يوم القيامة))

[ابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه]

((...والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه...))

[ابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه]

(( أنفق بلال، ولا تخشَ من ذي العرش إقلالا ))

[الطبراني عن ابن مسعود ]

(( أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ ))

[ متفق عليه عن أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]

 وأفضل المعروف على الإطلاق إغاثة الملهوف.
 تصور أنك في الطريق بلا بيت، بلا مأوى، بلا فراش، أنت وأهلك، بعض الناس يعلمون ماذا حلّ بسكان الجادات العليا، بيوتهم متداعية من الطين، هذه الأمطار الشديدة التي نزلت في عشرين دقيقة هدمت عشرات البيوت، وشردت مئات الأسر، فالله سبحانه وتعالى يحبنا إذا تعاونا، قال:

﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾

[ سورة المائدة: 2]

 أنت مأمور، وقال بعض العلماء: كل أمر في القرآن الكريم يقتضي الوجوب:

﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾

[ سورة المائدة: 2]

 وهذا المسجد المتواضع محسوب عند أولي الأمر من المساجد التي تجبى فيها الأموال بسخاء، وهذا لعمق إيمانكم فيما أعلم، ولحرصكم على العمل الصالح، ولكرمكم في بذل المال.
 تساءلت مرةً: هؤلاء الأخوة المصلون أليس فيهم مئة بإمكان كل واحد منهم أن يدفع ألف ليرة؟ مئة من كل الحضور، بعض الأشخاص الكرام الألف ليرة لا تقدم ولا تؤخر، ولا تغير شيئاً من مصروف البيت، فإن كان في المسجد مئة بإمكانهم أن يدفعوا ألف ليرة جمعنا مئة ألف، وإن كان في المسجد خمسمئة بإمكانهم أن يدفعوا خمسمئة فليدفعوا، وإذا كان بالمسجد خمسمئة أخرى بإمكانهم أن يدفعوا مئتي فليدفعوا، مئة مقبول، خمسون ليرة مقبولة، خمس ليرات مقبولة، رب درهم سبق ألف درهم.. وهذا يمكن أن يكون من مال الزكاة، ولبعض الأخوة الذين يدفعون الزكاة ترتيب رائع، وهو يدفع على مدار العام ويسجل على الزكاة، لأن هناك مناسبات ضرورية جداً، هناك أمور قاهرة، هناك أمور طارئة، فهذه المرة أنا مكلف من قبل هذه اللجنة أن تكون الجباية مضاعفة، وأنا أبدأ بنفسي بدفع ألف ليرة لهذا المشروع الذي لعل الله سبحانه وتعالى أن يرحمنا به، فادفعوا يدفع الله عنكم كل مكروه، والحمد لله رب العالمين.

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، لك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك. اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك، ومن اليقين ما تهون علينا مصائب الدنيا، ومتعنا اللهم بأسماعنا، وأبصارنا، وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا، مولانا رب العالمين. اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا، وآمنا في أوطاننا، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً، وسائر بلاد المسلمين. اللهم لا تؤمنا مكرك، ولا تهتك عنا سترك، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين. اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك، ومن الفقر إلا إليك، ومن الذل إلا لك، نعوذ بك من عضال الداء، ومن شماتة الأعداء، ومن السلب بعد العطاء. اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام والمسلمين، وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى، إنك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018