الخطبة : 0636 - الاقتصاد الإسلامي قال تعالى، وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس...... - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0636 - الاقتصاد الإسلامي قال تعالى، وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس......


1997-10-31

الخطبة الأولى:
 الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنـا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته وإرغامـاً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر أو سمعت أذن بخبر، اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، أمناء دعوته وقادة ألويته وارض عنا وعنهم يا رب العالمين. اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرِنا الحــق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

الاقتصاد الإسلامي :

 أيها الأخوة الكرام، من أوسع نشاطات الإسلام في حياته الدنيا كسبه للمال، والمال عصب الحياة، والله سبحانه وتعالى جعله للناس قياماً. الإنسان حينما يتحرك لكسب المال وإنفاقه، لابد من أن ينطلق من مبادئ، من قيم، وهذا الذي يفرق بين كسب المال إنسان شاردٍ عن منهج الله، بعيد عن معرفة الحق، وبين إنسان يعرف الله جل جلاله، ويعرف المنهج الذي ينبغي أن يسير عليه. لذلك يصح أن نقول: هناك اقتصاد أساسه الإسلام، أساسه قيم الإسلام، أساسه المقصد البعيد للمسلم، يبتغي وجه الله عز وجل والدار الآخرة، وهناك اقتصاد أساسه تجميع الأموال وإنفاقها، فيا أيها الأخوة الكرام: حينما يتحرك الدارسون لاستخدام مصطلحات الاقتصاد الوضعي الذي هو رؤية بشرية ليبنوا عليه اقتصاداً إسلامياً، هذا الاقتصاد ليس إسلامياً وليس وضعياً. الإسلام أيها الأخوة نظام متكامل، منهج قويم، لا يحتاج أن يتكئ على أي منهج، ولا أن يعتمد على أي مصطلح، إنه بناء قائم بذاته.
 أهم شيء في هذا الاقتصاد الإسلامي على مستوى فرد وعلى مستوى مجموع أنه متوازن. قال الله جل جلاله:

﴿وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾

[ سورة القصص: 77]

 فيما آتاك الله من حظوظ، والمال أحد هذه الحظوظ، والمؤمن يبتغي من المال الذي آتاه الله إياه الدار الآخرة، ولا ينسى نصيبه من الدنيا، ربنا عز وجل يقول:

﴿ وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾

[ سورة القصص: 77]

 لعل هذه الآية تنظم العلاقة بين الإنسان وأخيه، وبين الإنسان وربه، اقتصاد ليس اقتصاداً تبذيرياً، وليس اقتصاداً تقنينياً، قال تعالى:

﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً ﴾

[ سورة الفرقان: 67]

﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً ﴾

[ سورة الإسراء: 29]

النظرة الصحيحة للمال أن تبتغي به الدار الآخرة و توظفه للحق :

 أيها الأخوة الكرام، هناك خطأ ارتُكب في التاريخ الإسلامي هو أن العلماء درسوا الفلسفة الإغريقية، وأرادوا أن يبنوا عليها فلسفةً إسلامية، فهذه الفلسفة التي جاؤوا بها ليست إسلامية وليست إغريقية، إنها هجين، الإسلام له فلسفة خاصة، لا يحتاج الإسلام إلى منطق أرسطو، لا يحتاج إلى فلسفة أخرى ليعتمد عليها، هذا الشأن في العقيدة، والشأن في الاقتصاد.
 أيها الأخوة الكرام، الإحسان إلى البائسين والمحتاجين جزء من نشاط المؤمن، الله جل جلاله جعل المجتمع الإنساني مجتمعاً متكاملاً، يأخذ بعضه بيد بعض، لذلك النظرة الصحيحة للمال أن تبتغي به الدار الآخرة، أن توظفه للحق، لذلك المال الذي تؤدى زكاته، ويوظف للحق لا يُسمى كنزاً بلغ ما بلغ، أما المال الذي لا تؤدى زكاته، ويحرم منه الضعفاء والمحتاجون فيُسمى كنزاً.

 

كيفية الإحسان إلى البائسين :

 أيها الأخوة الكرام، قد نفهم نحن أحياناً أن الإحسان إلى البائسين إطعامهم فقط، والحقيقة الإحسان له معنى شمول، يجب أن تحسن إليه بتعريفه بالله عز وجل، يجب إذاً أن تعتني بالتعليم، يجب أن تعتني بطلبة العلم، يجب أن تعتني بهؤلاء الذين ينشرون الحق في الآفاق، فالإنسان إذا أطعمته وبقي جاهلاً ما قيمة هذا الإطعام؟ لابد من أن تحسن إليه من كل الزوايا، أن تهدي عقله إلى الله، أن تهدي روحه إلى ذكر الله، أن تغذي جسمه بالطعام والشراب،

﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ﴾

 لا تعني أن تطعمه فقط، أناس كثيرون لا يعنيهم من الفقير إلا إطعامه، يجب أن تعلمه، يجب أن تعلم أولاده، يجب أن تعرفهم بالله عز وجل، يجب أن تسعده في الدنيا والآخرة، إن أطعمته بالدنيا انتهى الأمر؟ لم ينته الأمر، هذا الإنسان لم يشكرك حق الشكر إلا إذا دللته على الله، لعلك تطعمه من أجل أن تدله على الله، لعلك تعاونه من أجل أن تأخذ بيده إلى الله.

 

على الإنسان أن يوظف حظوظه للآخرة و لخدمة الخلق :

 أيها الأخوة الكرام، هذه الآية على إيجازها ترسم حدوداً للاقتصاد الإسلامي:

﴿وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾

[سورة القصص:77]

 هذا الاقتصاد يتنافى مع التبذير، هناك في عقلية بعض الناس أنه إذا جمع المال الكثير عليه أن ينفقه على شهواته، وعلى حظوظه، هذه العقلية عقلية بعيدة عن منهج الله عز وجل:

﴿وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾

[ سورة القصص: 77]

 الله جل جلاله وعز نواله خلق الإنسان ليسعده في الدنيا والآخرة، أعطاك نعمة الوجود، وأعطاك نعمة الإمداد، وأعطاك نعمة الهدى والرشاد، أنت في التعريف المختصر من إحسان الله إليك: إحسان الله إليك تمثل بوجودك، وإحسان الله إليك تمثل بإمدادك بما تحتاج، وإحسان الله إليك تمثل بهدايتك، فما عساك أن تفعل؟.. عليك أن تحسن كما أحسن الله إليك، ولا تبغ الفساد في الأرض، لعل الغني البعيد عن معرفة الله، البعيد عن منهج الله، البعيد عن الرؤية الصحيحة من لوازمه الطغيان، طغيان فردي وطغيان جماعي، الدول العظمى حينما تغتني تطغى، وتتحكم بالدول الصغرى، الإنسان حينما يغتني يتكبر، قال تعالى:

﴿أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى ﴾

[ سورة العلق: 7]

 لذلك عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ سَبْعًا هَلْ تَنْتَظِرُونَ إِلَّا فَقْرًا مُنْسِيًا، أَوْ غِنًى مُطْغِيًا، أَوْ مَرَضًا مُفْسِدًا، أَوْ هَرَمًا مُفَنِّدًا، أَوْ مَوْتًا مُجْهِزًا، أَوِ الدَّجَّالَ فَشَرُّ غَائِبٍ يُنْتَظَرُ، أَوِ السَّاعَةَ فَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ قَالَ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ ))

[الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 يجب أن توظف ما آتاك الله من حظوظ - والمال في مقدمة هذه الحظوظ - للآخرة، ولخدمة الخلق، ولإطعامهم، ولهدايتهم، وللأخذ بيدهم، ولتعريفهم بربهم، ولحل مشكلاتهم، هذه فلسفة المال في الإسلام، المال قوة، والمنصب قوة، والعلم قوة، و:

(( المؤمن القويُّ خيْر وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف ))

[مسلم عن أبي هريرة ]

 لكن هذا المؤمن إذا قوي بالمال عليه أن يتحرك تحركاً سليماً، عليه أن يوظفه لحياة أبدية لا تنقضي، عليه أن يجعله في نفع المسلمين جميعاً، لذلك المؤمن القوي لكل المؤمنين، والمؤمنون كلهم لواحد، الواحد للكل والكل لواحد:

﴿وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾

[ سورة القصص: 77]

 الموقف الأساسي، والموقف المبدئي والثابت في حركتك في حياتك الدنيا أن تحسن إلى خلق الله عز وجل، كما أنك حسنة من حسنات الله عز وجل، كما أن وجودك إحسان، وإمدادك إحسان، وهدايتك إلى الله إحسان،

﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ﴾

.

 

الفرق بين المؤمن و غير المؤمن :

 لذلك المؤمن ينطلق من ذاته لخدمة الخلق، بينما غير المؤمن يتمحور حول ذاته، المؤمن غيري وغير المؤمن أناني، ذاتي، مصلحته فوق كل مصلحة، تحقيق شهواته فوق كل شيء، نيل مطالبه فوق كل شيء، يبحث عن هدف محدود في الدنيا ولا يعبأ بالوسيلة.
 أيها الأخوة الكرام، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِي اللَّه عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا فَيَأْكُلُ مِنْهُ طَيْرٌ أَوْ إِنْسَانٌ أَوْ بَهِيمَةٌ إِلَّا كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةَ ))

[ متفق عليه عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ]

 إذا تحرك المؤمن نحو الزراعة، يبتغي منها وجه الله عز وجل، عجيب أمر المؤمن الحركة الطبيعية التي لابد منها، الحركة الاعتيادية التي لابد منها تنقلب عند المؤمن إلى عبادة، إن أراد أن يزرع فزراعته عبادة، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِي اللَّه عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا فَيَأْكُلُ مِنْهُ طَيْرٌ أَوْ إِنْسَانٌ أَوْ بَهِيمَةٌ إِلَّا كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةَ ))

[ متفق عليه عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ]

 أيها الأخوة الكرام، لأن توافر السلع في السوق يخفض أسعارها، ويحقق مصالح المسلمين، من هنا حرم الإسلام أن يلد المالُ المالَ، المال يجب أن يولد من الأعمال لا من الأموال، إن ولد المالُ المالَ تجمع المال في أيدٍ قليلة، وحُرمت منه الكثرة الكثيرة، أما الأعمال إذا ولدت المال فهذه الكتلة النقدية توزعت بين معظم الناس. ولا أدل على ذلك من قول النبي عليه الصلاة والسلام:

((إِنْ قَامَتْ السَّاعَةُ وَبِيَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ فَإِنْ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا يَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَفْعَلْ))

[ أحمد عن أَنَس بْن مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه]

الاقتصاد الإسلامي حضاري و بنائي :

 لا ينبغي أن تعرف الإسلام من خلال المسلمين، هذا خطأ فادح، وخطأ قاتل، إذا أردت أن تعرف الإسلام من خلال المسلمين المقصرين الشاردين عن دينهم وجدت الإسلام نظاماً متهافتاً، أما إن عرفت الإسلام من أصوله، من الكتاب والسنة، وقست به واقع المسلمين وجدت البون شاسعاً بين حقيقة الإسلام الذي هو منهج الله عز وجل، وبين واقع المسلمين الذين ما تخلفوا إلا لأنهم تركوا منهج الله عز وجل، أرادوا أن يقلدوا الغرب فلم يحسنوا، ولم يحسنوا العودة إلى أصل دينهم، فضاعوا بين هؤلاء وهؤلاء، لا هم أحسنوا أن يكونوا مع القيم المادية المتقنة ولا مع القيم الروحية الحيوية.
 أيها الأخوة الكرام:

﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾

[ سورة البقرة: 30]

 الإنسان خليفة الله في الأرض، لذلك على المسلم أن يقوم بهذا الدور الخطير والفعال، لتحقيق خلافته في الأرض، عليه أن يكون بنّاءً لا مخرباً، عليه أن يكون في خدمة الخلق لا عبئاً على الخلق، عليه أن يكون عنصراً نافعاً لا عنصراً ضاراً، عليه أن يعطي لا أن يأخذ، عليه أن يبث كل فضيلة لا أن يفسد في الأرض. الاقتصاد الإسلامي إن صح التعبير حضاري، بنائي، قيمي.

 

العمل الصالح علة وجود الإنسان في الدنيا :

 أيها الأخوة الكرام:

﴿ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾

[ سورة القصص: 77]

 الإنسان الشارد البعيد عن الدين متمحور حول ذاته، يعبد شهواته من دون الله، والشهوات تحتاج إلى مال وفير، والمال الوفير قد لا يعبأ بطريقة كسبه، قد يأخذه حلالاً أو حراماً ليحقق شهواته التي يسعى من أجلها، أما المؤمن فيتحرك ليحقق الهدف الذي من أجله خلق:

﴿ وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾

[ سورة القصص: 77]

 أيها الأخوة، علة وجودك في الحياة الدنيا أن تعمل عملاً صالحاً يصلح للعرض على الله، يصلح أن تلقى الله به، يصلح أن تسعد في الآخرة إلى أبد الآبدين بهذا العمل الصالح. قارون كما وصفه الله عز وجل:

﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآَتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ ﴾

[سورة القصص: 76]

 ينبغي أن تفرح بفضل الله، ينبغي أن تفرح بتوفيق الله، ينبغي أن تفرح أنك حققت الهدف من وجودك، ينبغي أن تفرح بحجم العمل الصالح الذي أناطه الله بك، ينبغي أن تفرح بحجم الأعمال التي تقربك من الله عز وجل:

﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ * فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ ﴾

[ سورة القصص: 79-81]

ربط الإيمان بالإنسانيّة :

 أيها الأخوة الكرام، الاقتصاد الوضعي، المنطلقات النظرية بكسب المال وإنفاقه بعيداً عن منهج الله لها هدف واحد هو الغنى، والغنى من لوازمه الطغيان، كما حذر النبي عليه الصلاة والسلام من الغنى المطغي، والآية الكريمة تؤكد هذه الحقيقة:

﴿أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى ﴾

[ سورة العلق: 7]

 إذا رأى نفسه قد استغنى يطغى، والطغيان من لوازم الغنى بعيداً عن معرفة الله عز وجل. منطلق المسلم إصلاح الأرض وليس إفسادها، إصلاح الأرض وما عليها من مخلوقات، لذلك حركة المؤمن حركة نافعة خيرة في كل شؤون حياته. المسلم يسعى لبناء الأفراد بناءً صحيحاً، بناءً متوازناً، بناءً حضارياً بناءً خيراً، بناءً تحكمه القيم، تحكمه المبادئ، بناءً يهدف إلى خيري المجتمع، وخير المجتمعات كلها، لذلك في الحديث الصحيح عَنْ أَنَسٍ رَضِي اللَّه عَنْه عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ))

[ متفق عليه عن أنس ]

 لمجرد أن تغتني على حساب الناس، وأن تعيش لشهواتك فهذا فساد وأي فساد، ينبغي أن تحب لأخيك، وعلماء الحديث لهم عند هذا الحديث وقفة متأنية، المطلق على إطلاقه، وأوسع أنواع الأخوة هي الأخوة الإنسانية، وقد نجد بعض الشعوب تعتني بأفرادها عناية بالغة، بل تعتني بكلاب أفرادها عناية تفوق الخيال، على حساب بقية الشعوب، هذا الحديث يحل هذه المشكلة.

((لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ))

[ متفق علبه عن أنس ]

 وكأن النبي عليه الصلاة والسلام ربط الإيمان بأن تكون إنسانياً، هذا الذي أمامك بصرف النظر عن انتمائه هو إنسان، هو مخلوق من مخلوقات الله، تنطلق إلى مساعدته، وإلى العناية به، وإلى أن تحب له ما تحب لنفسك، لك أن تنصره ظالماً أو مظلوماً، تنصره ظالماً بأن تأخذ على يده، وتنصره مظلوماً بأن تعيد إليه حقه.

 

الكلمة الطيبة صدقة :

 أيها الأخوة الكرام، الإنسان أخٌ للإنسان أحب أم كره:

﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوّاً مُبِيناً ﴾

[ سورة الإسراء: 53]

﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلاً مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ ﴾

[ سورة البقرة : 83 ]

﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ ﴾

[ سورة فاطر: 10]

 الوصف الإلهي وصف جامع مانع، قال تعالى:

﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴾

[سورة إبراهيم: 24-25]

 الكلمة الطيبة، ما معنى كلمة طيبة؟ قال بعض العلماء: هي كلمة الحب، هي كلمة العلم، هي كلمة المواساة، هي كلمة النصيحة وصفت بوصف جامع مانع، كلمة الحب تطيب النفس، إن قلت لأخ كريم: والله إني أحبك في الله تطمئنه، ويأنس بك وتأنس به.
 كلمة الحب كلمة طيبة، وكلمة العلم كلمة طيبة، وكلمة المواساة كلمة طيبة، وكلمة النصيحة كلمة طيبة، قال تعالى:

﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ﴾

[سورة إبراهيم:26]

 بماذا جاء الأنبياء؟ هل جاؤوا بالمخترعات؟ جاؤوا بالصواريخ، جاؤوا بالكومبيوتر، جاؤوا بكلمة طيبة، كانت سبب سعادة الشعوب التي آمنت بهم، الكلمة الطيبة صدقة، ولكن الواقع حينما انفصل عن الكلمة كفر الناس بالكلمة، إن كان الواقع لا يؤيد هذه الكلمة تفقد الكلمة مدلولها، تفقد معناها، تفقد قوة تأثيرها، تفقد روعتها، تفقد فضائلها، فضائل الكلمة أن تكون مطابقةً للواقع، فضائل الكلمة أن يؤكدها الواقع، فضائل الكلمة أن تعبر عن شيء حقيقي لا عن شيء وهمي.

 

تحكم القيم الأخلاقية والمبادئ الدينية في كسب المال و إنفاقه :

 أيها الأخوة الكرام، كسب المال عند المسلم يخضع لقيم أخلاقية لا لقيم مادية، هناك ألف سبيل وسبيل لكسب المال ولكن على حساب دينك، على حساب قيمك، على حساب مبادئك، هذا المال الذي يأتيك من مخالفة منهج الله عز وجل لا خير فيه ولا بركة فيه، وهذا المال يُدمر لأن الله سبحانه وتعالى يؤدب الإنسان في الدنيا قبل الآخرة.
 أيها الأخوة الكرام، المال الذي يكسبه المؤمن لا ينفقه إنفاقاً تبذيرياً، كما أنه لا ينفقه إنفاقاً تقنينياً، ولكنه ينفقه إنفاقاً يهدف منه إلى إرضاء الله عز وجل، يقول الله عز وجل:

﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً﴾

[سورة الفرقان: 67]

 إن كل القيم الأخلاقية والمبادئ الدينية تتحكم في كسب المال وفي إنفاقه، إذاً هو اقتصاد منضبط، وليس اقتصاداً متفلتاً يتحرك حركة عشوائية يستهدف إلى تجميع أكبر كتلة نقدية في أيدي الناس.
 أيها الأخوة الكرام، من الآيات الكريمة التي تشير إلى حقيقة كسب المال، قال تعالى:

﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾

[سورة الحشر: 9]

 أي الحركة الأساسية في المؤمن أنه يؤثر أخاه المؤمن ولا يؤثر ذاته، والآية الثانية يقول الله عز وجل:

﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾

[سورة المائدة:2]

 أي قوام الاقتصاد الإسلامي التعاون، وقوامه المؤاثرة، وقوامه الاعتدال في الإنفاق، الاعتدال والتعاون والمؤاثرة، هذه المبادئ الثلاثة تنظم حركة الإنسان في كسب ماله وفي إنفاقه.

 

الاقتصاد الإسلامي اقتصاد تعبدي :

 ولكن قد نعجب أن الاقتصاد الإسلامي اقتصاد تعبدي، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((إِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا أُجِرْتَ عَلَيْهَا حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فَمِ امْرَأَتِكَ))

[مت

[أخرجه البخاري ومسق عليه عن سعد بن أبي وقاص]

 تصور أن الإنسان ينفق المال وهو يعبد الله ، في كسبه تعبدي، وفي إنفاقه تعبدي، وفي وسطه تعبدي.

 

كسب الرزق تحقيق لمرضاة الله عز وجل :

 شيء آخر: الإنسان حينما يكسب الرزق ليس كسب الرزق مطلباً آنياً لسد مصلحة آنية، بل هو تحقيق لمرضاة الله عز وجل، قال تعالى:

﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُور﴾

[سورة الملك:15]

 طلب الحلال فريضة بعد الفريضة، هذا الذي يعبد الله ولا يعمل...
 سئل من يطعمك؟ قال: أخي، قال: أخوك أعبد منك..

((اليد العليا خير من اليد السفلى...))

[ البخاري عن أبي هريرة]

 أمسك النبي عليه الصلاة والسلام بيد ابن مسعود فرآها خشنة، فقال عليه الصلاة والسلام: "إن هذه اليد يحبها الله ورسوله".
 والإنسان بين حالين، بين أن يكون في المسجد يطلب رحمة الله عز وجل، وبين أن يكون خارجه يطلب فضل الله عز وجل:

﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾

[ سورة الجمعة:10]

 عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ عَنْ أُمِّهِ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْحُسَيْنِ عَنْ جَدَّتِهَا فَاطِمَةَ الْكُبْرَى قَالَتْ:

((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ صَلَّى عَلَى مُحَمَّدٍ وَسَلَّمَ وَقَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ وَإِذَا خَرَجَ صَلَّى عَلَى مُحَمَّدٍ وَسَلَّمَ وَقَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ فَضْلِكَ))

[الترمذي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ عَنْ أُمِّهِ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْحُسَيْنِ عَنْ جَدَّتِهَا فَاطِمَةَ]

 هو بين الفضل والرحمة دائماً.
 وعن الْمِقْدَامِ رَضِي اللَّه عَنْه عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ وَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ))

[ البخاري عن الْمِقْدَامِ ]

 وقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم:

(( يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الْكَسْبِ أَطْيَبُ ؟ قَالَ: عَمَلُ الرَّجُلِ بِيَدِهِ، وَكُلُّ بَيْعٍ مَبْرُورٍ))

[أحمد بن حنبل عن رافع بن خديج ]

 لذلك المؤمن يقمع الهوى، الهوى يدعوك إلى التبذير، الهوى يدعوك إلى أن تتمتع بالمال وحدك، الهوى يدعوك إلى كسب المال بأية طريقة، المؤمن يقمع هوى نفسه، قال تعالى:

﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى ﴾

[سورة النازعات: 40-40]

 شيء آخر: يقمع هوى نفسه ويسارع في الخيرات..

﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾

[سورة الأنبياء: 90]

 أما الرجل الشارد التائه، في كسب ماله وفي إنفاق ماله فيعبد هواه:

﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ﴾

[سورة الجاثية: 23]

الاقتصاد الإسلامي اقتصاد حركي و أخلاقي :

 أيها الأخوة الكرام، والاقتصاد الإسلامي اقتصاد حركي يتعايش وينمو في كل الأزمنة والأمكنة، ويستهدف تحقيق السعادة لأفراد المجتمع الإسلامي والمجتمعات الإنسانية الأخرى، عن طريق تقديس العمل، وعن طريق وضع الحلول المنهجية للمشكلات الطارئة، نضع الحل المنهجي، وليس حلاً مستقىً من مخالفة منهج الله عز وجل.
 أيها الأخوة الكرام، تلمسنا ملامح حركة المال في حياة المسلم، إنه اقتصاد حركي، واقتصاد تعبدي، واقتصاد مقيد بالمبادئ أساسه التعاون، أساسه المؤاثرة، أساسه الاعتدال في الإنفاق، إنه اقتصاد أخلاقي تحكمه القيم الأخلاقية، وليست القيم المادية.
 أحياناً يأتيك ربح وفير من عمل لا يرضي الله عز وجل، فإن كانت تحكمك المبادئ الأخلاقية تركل هذا العمل بقدمك، تجارة المخدرات في العالم تحقق أعلى نسب في الأرباح، لكنها مبنية على إفساد الشعوب، على إفساد المجتمعات، على إنهاء الإنسان.
 حينما تنظر إلى الاقتصاد على أنه قيمة أخلاقية لا تكسب المال إلا من طريق مشروع، إلا من طريق يعود النفع فيه على كل الناس.

الاقتصاد الإسلامي اقتصاد متوازن يوازن بين المادة والروح والدنيا والآخرة :

 وفوق كل هذا وذاك هو اقتصاد متوازن يوازن بين المادة والروح والدنيا والآخرة، هذه بعض الملامح التي يمكن أن ينطلق الإنسان منها في كسب المال، كل إنسان له فلسفة ولو كان جاهلاً، كل إنسان ينطلق من فلسفة، قد تأتيه من حركة الحياة، قد تأتيه ممن حوله، ولكن المؤمن ينطلق في أوسع حركة يتحركها، وهي كسب المال وإنفاقه، من مبادئ، من قيم، من منهج، من قرآن، من سنة، لذلك يوفقه الله عز وجل، ويوظف المال الذي هو قوام الحياة يوظفه توظيفاً للدار الآخرة:

﴿وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾

[ سورة القصص: 77]

 أيها الأخوة الكرام: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وسيتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا، الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني، والحمد لله رب العالمين.

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

الأضرار الناجمة عن النّوم المديد :

 أيها الأخوة الكرام، أثبتت الدراسات الطبية الحديثة أن الإنسان الذي ينام ساعات طويلة على وتيرة واحدة يتعرض للإصابة بأمراض القلب بنسب عالية جداً، تعليل هذه الظاهرة أن شحوم الدم تترسب على جدران الشرايين الإكليلية للقلب بنسبة أكبر إذا طالت ساعات النوم، مما يؤدي إلى تعطيل عمل هذه الشرايين، وفقدها لمرونتها، فلا تصلح بعدئذ لضخ كميات الدم المناسبة لتغذية عضلة القلب، كل شريان قلب فيه مرونة، المرونة كالمطاط، فحينما ينبض القلب يتسع الشريان، وبحكم مرونته يجب أن يعود إلى ما كان عليه، فإذا عاد إلى ما كان عليه دفع الدم إلى القسم الآخر من الشريان، فكل شريان يعاون القلب في ضخ الدم، هذه اسمها المرونة، حينما تترسب الشحوم على جدران الشرايين تفقد الشرايين مرونتها. النوم المديد لساعات طويلة هذا يضعف حركة القلب يجعله بطيئاً، ومع بطء الدم تترسب هذه الشحوم على جدران الشرايين فيفقد الشريان مرونته، وهذه الترسبات الدهنية أيضاً تضيق لمعة الشريان أي قطره، وهذا يؤدي أيضاً إلى نقص التروية على عضلة القلب، وهذا النقص في التروية يؤدي إلى متاعب لا يعلمها إلا الله.
 الآن استمعوا: هؤلاء العلماء الأجانب البعيدون عن منهج الله الذين لا يعرفون عن الإسلام شيئاً ينصح الباحثون أن يقوم الإنسان من نومه بعد أربع أو خمس ساعات لإجراء بعض الحركات الرياضية، أو المشي لربع ساعة، للحفاظ على مرونة الشرايين القلبية ووقايتها من الترسبات الدهنية، وبالتالي لتجنب الإصابة بأمراض القلب.
 إذا نمت أربع أو خمس ساعات يجب أن تستيقظ، وتجري بعض الحركات الرياضية، أي إذا نمت الساعة الحادية عشرة يجب أن تستيقظ الساعة الخامسة لصلاة الفجر، إما أن تمشي ربع ساعة إلى المسجد، وإما أن تؤدي بعض الحركات الرياضية، هي الصلاة.. شيء دقيق عالم غربي قال: الوقاية من الإصابة بتصلب الشرايين ولاسيما الإكليلية بالقلب أن تستيقظ بعد أربع أو خمس ساعات، وأن تجري بعض الحركات الرياضية، أو أن تمشي لربع ساعة. عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِي اللَّه عَنْه قَالَ:

((ذُكِرَ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ فَقِيلَ: مَا زَالَ نَائِمًا حَتَّى أَصْبَحَ مَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ، فَقَالَ: بَالَ الشَّيْطَانُ فِي أُذُنِهِ))

[ متفق عليه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ]

 وفيما رواه الشيخان عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((إِنَّ أَثْقَلَ صَلَاةٍ عَلَى الْمُنَافِقِينَ صَلَاةُ الْعِشَاءِ وَصَلَاةُ الْفَجْرِ وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا وَلَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِالصَّلَاةِ فَتُقَامَ ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيُصَلِّيَ بِالنَّاسِ ثُمَّ أَنْطَلِقَ مَعِي بِرِجَالٍ مَعَهُمْ حُزَمٌ مِنْ حَطَبٍ إِلَى قَوْمٍ لَا يَشْهَدُونَ الصَّلَاةَ فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ بِالنَّارِ))

[ متفق عليه عَنْ أبي هريرة]

(( من صلى الفجر في جماعة فهو في ذمة الله حتى يمسي، ومن صلى العشاء في جماعة فهو في ذمة الله حتى يصبح ))

[ أحمد]

 أرأيتم أيها الأخوة أن قيامك لأداء صلاة الفجر وقاية لقلبك، وقاية لقلبك من الاحتشاء والذبحة وما إلى ذلك، وقاية لشرايينك من التصلب، وقاية لشرايينك من الانسداد.
 هذا يقوله علماء ما عرفوا الإسلام إطلاقاً.
 النوم المديد يدعو إلى بطء حركة القلب، الإنسان في نوم مديد قد ينبض قلبه خمسين نبضة أو ستين نبضة، هذا البطء في النبض يسبب ترسب الشحوم على جدران الشرايين، الترسب يسبب التصلب وضيق اللمعة، وهذا يسبب ضعف التروية والاحتشاء، فالصلاة صحة هي فضلاً عن أنها عبادة وقرب من الله:

﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي ﴾

[ سورة طه: 14]

﴿كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ ﴾

[ سورة العلق: 19]

 فضلاً عن أنها تقرب إلى الله عز وجل هي صحة ما بعدها صحة.
 أيها الأخوة الكرام، هذا منهج الله، هذه تعليمات الصانع، هذا ليس من عند النبي عليه الصلاة والسلام لأنه ما نطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى. ولكن الإنسان يعجب كيف أن عالماً غربياً بعيداً عن الإسلام كل البعد يكتشف بشكل دقيق أن الإنسان يجب ألا ينام نوماً مديداً، بل عليه أن يقطع نومه ليتحرك، أن يقطع نومه ليصلي، والحديث الشريف:

((من صلى الفجر في جماعة فهو في ذمة الله حتى يمسي، ومن صلى العشاء في جماعة فهو في ذمة الله حتى يصبح))

[ أحمد]

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، لك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك. اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، ودنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين. اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك. اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام، وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى، إنك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018