الخطبة : 0632 - الضرورات تبيح المحظورات 2 - الأصل في الأشياء الإباحة. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0632 - الضرورات تبيح المحظورات 2 - الأصل في الأشياء الإباحة.


1997-09-26

الخطبة الأولى :

الحمد لله نحمده ، ونستعين به ونسترشده ، ونعوذ به من شرور أنفسنـا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده ولا شريك له ، إقراراً بربوبيته وإرغامـاً لمن جحد به وكفر ، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر ، ما اتصلت عين بنظر أو سمعت أذن بخبر ، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد ، وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريته ومن والاه ، ومن تبعه إلى يوم الدين .
اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علمنا ، وأرِنا الحــق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً ، وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا من يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

الضرورات تبيح المحظورات :

الشريعة عدل كلها
أيها الإخوة الكرام ؛ لازلنا في موضوع القاعدة الأصولية :
الضرورات تبيح المحظورات .
ونظراً لأن هذه القاعدة ساحت و ماعت وسالت ، حتى قُصد منها عكس أصلها ، فلذلك أردت أن تكون بفضل الله عز وجل وتوفيقه مجموعة خطب تبين حدود الضرورة .
فنحن في الخطبة السابقة وصلنا إلى أن الشريعة مبناها ، وأساسها ، على الحكم ومصالح العباد ، في المعاش والمعاد ، وهي عدل كلها ، ورحمة كلها ، ومصالح كلها ، وحكمة كلها ، فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور ، وعن الرحمة إلى ضدها ، وعن المصلحة إلى المفسدة ، وعن الحكمة إلى العبث ، فليست من الشريعة وإن أُدخلت عليها بألف تأويل وتأويل ، فالشريعة عدل الله بين عباده ورحمته بين خلقه ، وظله في أرضه ، وحكمته الدالة عليه وعلى صدق رسوله أتم دلالة وأصدقها .
قال هذا ابن القيم في إعلام الموقعين عن رب العالمين .

الأصل في الأشياء الإباحة والآيات الدالة على ذلك :

الأصل في الأشياء الإباحة ما لم يرد نص يحرمها
أيها الإخوة الكرام ؛ وصلنا في الخطبة السابقة إلى حقيقة أساسية شُرحت بإيجاز شديد وجدت من المناسب أن أبسط هذه القاعدة في هذه الخطبة تمهيداً للحديث عن الضرورات تبيح المحظورات .
وصلنا إلى أن الأصل في المعاملات الإباحة ما لم يرد نص في التحريم ، وأن الأصل في العبادات الحظر ما لم يرد نص بالوجوب .
هذه شرحتها شرحاً مقتضباً ووجدت من المناسب جداً أن أفصلها في هذه الخطبة .
قال بعض الشافعية : الأصل في الأشياء النافعة الإباحة ، وفي الأشياء الضارة التحريم ، والأرجح أن كل الأشياء والأفعال التي لم يرد نص بشأنها حكمة الإباحة ، ولا يُحرم شيء إلا بنص صريح واضح الدلالة صحيح .
والأدلة ، دققوا في هذه الآيات الكريمة :

الآية الأولى :

﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾

[ سورة البقرة الآية : 29]

لغير العاقل تفيد التعميم والشمول .

﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ﴾

ولكم : تفيد الاختصاص ، أي ما في الأرض جميعاً خُلق خصيصاً لكم هذه الأدلة أصل القاعدة .

الآية الثانية :

قال تعالى :

 

﴿ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾

[ سورة الأعراف الآية : 32]

هذه من استفهام إنكاري ، أي إنكار التحريم ، وإنكار التحريم يعني إثبات الإباحة :

﴿ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾

[ سورة الأعراف الآية : 32]

الآية الثالثة :

الطيبات ما تستطيبه النفس ويستحسنه الطبع

 

﴿ الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آَتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾

 

[ سورة المائدة الآية : 5]

﴿ لَكُمُ ﴾

خصيصاً لكم .

﴿ الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ ﴾

الطيبات كما قال العلماء مخصصة بنا ، والطيبات ما تستطيبه النفس ويستحسنه الطبع .

 

 

الآية الرابعة :

 

﴿ قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾

[ سورة الأنعام الآية : 145]

فالأصل الإباحة ، والاستثناء هو التحريم .
هذه الآيات تؤكد أن الأصل في الأشياء الإباحة ، ما لم يرد نص في التحريم ، وأما السنة المطهرة الصحيحة ، فقد روى الإمام البخاري ومسلم وأحمد من حديث سعد بن أبي وقاص ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :

((إِنَّ أَعْظَمَ الْمُسْلِمِينَ جُرْمًا مَنْ سَأَلَ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يُحَرَّمْ فَحُرِّمَ مِنْ أَجْلِ مَسْأَلَتِهِ))

وفي حديث آخر أخرجه الترمذي وابن ماجة عن سلمان الفارسي قَالَ : سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ السَّمْنِ وَالْجُبْنِ وَالْفِرَاءِ فَقَالَ :

(( الْحَلالُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ ، وَالْحَرَامُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ ، وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ مِمَّا عَفَا عَنْهُ))

حكمة الذي سكت عنه لا تقل عن حكمة الذي أمر به ، حكمة الذي سكت عنه لا تقل عن حكمة الذي نهى عنه ، فأمر بأشياء لحكمة بالغة مطلقة ، ونهى عن أشياء لحكمة بالغة مطلقة ، وسكت عن أشياء لحكمة بالغة مطلقة .
أو أي شيء أمر به يقربنا إلى الله وإلى الجنة ، وأي شيء نهانا عنه يبعدنا هذا الشيء عن الله وعن جنته ، أو يقربنا إلى النار ، أما الذي سكت عنه فهو حيادي ، ليس له قيمة إيجابية ولا سلبية ، هذا مما سكت عنه .
شيء آخر في هذا الموضوع .

((الْحَلالُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ ، وَالْحَرَامُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ ، وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ مِمَّا عَفَا عَنْهُ))

يعني يكفي أن تعرف ما حرم الله عز وجل ، وما سواه مباح .
حديث آخر ، قال عليه الصلاة والسلام :

(( إن الله فرض فرائضَ فلا تُضيِّعوها ، وحدَّ حُدودا فلا تعتدُوها ))

الفرائض يجب أن تأخذها ، أما الحدود يجب أن تقف بعيداً عنها مسموح إلى هذا الحد

(( وحدَّ حُدودا فلا تعتدُوها ، وحرَّم أشياء فلا تقْرَبُوها ، وترك أَشياء - عن غيْرِ نِسيان - فلا تبحثوا عنها ))

[ أخرجه الدارقطني في سننه ]

وفي رواية أخرى :

(( إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها ، ونهى عن أشياء فلا تنتهكوها ، وحد حدوداً فلا تعتدوها ، وغفل عن أشياء من غير نسيان فلا تبحثوا عنها ))

[ أخرجه الطبراني في المعجم الكبير ]

ما سكت عن الشارع فهو مباح :

فدل على أن المسكوت عنه مباح معفو عنه .
أيها الإخوة الكرام ؛ لو ناقشنا الموضوع مناقشة عقلية ، الانتفاع بما سكت عنه الشارع الحكيم انتفاع بما لا ضرر فيه على المالك ولا على المنتفع .
الانتفاع بالمسكوت عنه كالانتفاع بضوء الطريق
لو أن مصباحاً في الطريق متألق ، ودخل هذا الضوء إلى غرفتك فقرأت على مصباح الطريق ، هل تضرر المالك ، انتفعت ولم يتضرر هذا مما سكت عنه الشارع .
لو أنك استظللت بظل جدار ، هل يتضرر صاحب البيت ؟ لا يتضرر فالشيء الذي لا يؤذي المالك وينفع المملوك سكت عنه الشارع الحكيم .
شيء آخر قال تعالى :

﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ ﴾

[ سورة الأنبياء الآية : 16]

والآية الثانية :

﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ ﴾

[ سورة المؤمنون الآية : 115]

فربنا عز وجل في هاتين الآيتين نفى العبثية ، أي كل شيء خلقه له مقصد عظيم ونفع كبير ، فالإنسان حينما ينتفع بما خلق الله عز وجل يحقق أمر الله عز وجل .
ثمة شيء دقيق جداً في الموضوع ؛ إن تكليف الناس من دون بيان أو أمر ، أو تحريم أشياء من دون بيان أو تحريم ، هذا لا يُطاق ، واللهُ جل جلاله منزه عن ذلك .
تحريم الأشياء دون بيان أمر لا يطاق
أنت كموظف في مؤسسة ، أعطاك المدير الأوامر والنواهي وقال لك هناك أوامر لن أذكرها لك ، وهناك نواهي لن أذكرها لك فاحذر أن تقع في ما نهيتك عنه مما لم أذكره لك ، وإياك أن تقصر فيما أمرتك به مما لم أذكره لك ، هذا ظلم شديد ، لا يليق بالله عز وجل ، وهو منزه عن أن يأمرنا بأمر لم يرد في الكتاب والسنة ، وعن أن ينهانا عن شيء لم يرد في الكتاب والسنة ، يؤكِّد هذا قوله تعالى :

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾

[ سورة التوبة الآية : 115]

لا يُحكم على الضال أنه ضال إلا إذا ترك شيئاً قد كُلف به ، لا يُحكم على الضال بالضلال إلا إذا وقع في شيء نهي عنه ، أما من دون نهي ومن دون أمر لا يكون هناك ضلال ولا معصية .
المسكوت عنه في الشريعة مباح حلال ، سواء كان في الأشياء أو الأعيان أو الأفعال أو التصرفات ، فالأصل فيها عدم التحريم ، قال تعالى:

﴿ وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيراً لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ ﴾

[ سورة الأنعام الآية : 119]

لا تشرع عبادة إلا بشرع الله
أما العبادات فلها صفة دينية محضة ، لا يُشرع شيء إلا بما يرضى به المشرع الحكيم ، ومن هنا قال العلماء هذه القاعدة : لا تُشرع عبادة إلا بشرع الله .
دققوا في هذا الكلام ، أنت مكلف أن تعبد الله وفق ما أمر الله لا أن تخترع عبادات من عندك ما أنزل الله بها من سلطان ، تكلف الناس مالا يطيقون ، تحملهم على ترك الدين ، على النفور من أحكام الشريعة .
أنت مُكلف أن تعبد الله ، والأهم من ذلك مكلف أن تعبده وفق ما يريد وفق ما شرع ، لذلك القاعدة الدقيقة :
لا تُشرع عبادة إلا بشرع الله ، ولا تُحرم عادة إلا بتحريم الله .
العادة ما اعتاده الناس ، في حياتهم مما يحتاجون إليه ، لكن ما ثبت ضرره فهو حرام ، فعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ :

(( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى أَنْ لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَار))

[أخرجه ابن ماجة وأحمد]

تروي كتب السيرة أن الذين عصوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في موقعة أحد ، صلى عليهم النبي ، العلماء ماذا قالوا :
قالوا هؤلاء عصوا أمراً تنظيمياً ، ولم يعصوا أمراً تشريعياً ، لأن الحلال ما أحله الله والحرام ما حرمه الله .

 

الشريعة الإسلامية مبدئها اليسر والاعتدال ودفع الحرج :

أيها الإخوة الكرام ؛ من الأصول المقطوع بها ، والمبادئ الأساسية في الشريعة الإسلامية مبدأ اليسر والتسهيل والتسامح والاعتدال ، ودفع الحرج والمشقة في الأحكام التشريعية ، فخاصية الإسلام السماح ، وشأن هذه الشريعة بالناس الرفق ، هذا هو الأصل ، اليسر والرفق ، ودفع الحرج ، والحرج والتضييق والمشقة ، هذا أصل في الشريعة كبير .
الأدلة على ذلك ، قال تعالى :

﴿ وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ ﴾

[ سورة الحج الآية : 78]

﴿ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾

[ سورة البقرة الآية : 185]

﴿ يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً ﴾

[ سورة النساء الآية : 28]

الرابع :

﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا ﴾

[سورة البقرة الآية : 286 ]

إلا أن هذا الوسع يحدده الله لا أنت ، كل من أراد أن يخفف عن نفسه شيئاً يقول لك يا أخي :

﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا ﴾

[سورة البقرة الآية : 286 ]

هذه تشبه الضرورات تبيح المحظورات ، تُتخذ هذه الآية حجةً لتخفيف التكاليف التشريعية فيما لا مسوغ له ، هذه لها موضوع آخر ، من يحدد وسع الإنسان هو الله الواحد الديان لا أنت ، أنت بدافع من أهوائك ومصالحك ورغباتك وميولك تقول : هذا فوق طاقتي ، أما الذي يحدد أنه فوق طاقتك هو الشرع الحكيم ، فما حسنه الشرع فهو حسن وما قبحه الشرع فهو قبيح ، يقول الإمام الشاطبي : إن الأدلة على رفع الحرج في هذه الأمة بلغت مبلغ القطع .
يعني أعلى درجة للصحة ، عندنا :
الوهم : يساوي ثلاثين في المائة .
الشك : يساوي خمسين في المئة .
الظن : يساوي ثمانين في المئة .
غلبة الظن : يساوي تسعين في المئة .
القطع : يساوي مئة بالمئة .
يقول هذا الإمام الكبير : إن الأدلة على رفع الحرج في هذه الأمة بلغت مبلغ القطع .
هذه أدلة كتاب الله ، فما أدلة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟
أخرج الإمام أحمد في مسنده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :

(( بُعث بالحنفية السمحة))

فيها سماح ويسر ، وفيها رفع حرج ، وقد ورد من أفعال النبي عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّه عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ :

((مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا أَخَذَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا ، فَإِنْ كَانَ إِثْمًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ ، وَمَا انْتَقَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِنَفْسِهِ إِلَّا أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللَّهِ فَيَنْتَقِمَ لِلَّهِ بِهَا))

[رواه البخاري ومسلم وأبو داود وأحمد ومالك]

وفي حديث ثالث :

(( إن الله يحب أن تُؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه))

[عن ابن مسعود موقوفا]

وحديث رابع ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ ، فَسَدِّدُوا ، وَقَارِبُوا ، وَأَبْشِرُوا ، وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ))

[أخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجة وأحمد]

وعَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ مُعَاذًا وَأَبَا مُوسَى إِلَى الْيَمَنِ قَالَ :

(( يَسِّرَا وَلا تُعَسِّرَا ، وَبَشِّرَا وَلا تُنَفِّرَا ، وَتَطَاوَعَا وَلا تَخْتَلِفَا))

[رواه البخاري ومسلم والنسائي وأبو داود وابن ماجة وأحمد]

أما الذي يخص الدعاة فهو :

(( تَطَاوَعَا وَلا تَخْتَلِفَا ))

تعاونوا ولا تنافسوا
تطاوعا ، ليطع كل منكما الآخر ، يعني أطعه أنت وليطعك هو ، يعني تعاونوا ولا تنافسوا ، يعني تعاونوا على نشر الحق ، لا تنافسوا الحق ، الحق لا يحتمل تنافس لا يحتمل حظوظ نفسية ، لا يحتمل مصالح شخصية ، وكل الذي يفضل مصلحته الخاصة على مصلحة الأمة فهذا دليل نقص في إيمانه وإخلاصه وكل من يفضل مصلحة المسلمين العامة على مصلحته الخاصة فهذا دليل إيمانه وإخلاصه .

(( تَطَاوَعَا وَلا تَخْتَلِفَا ))

هذه نصيحة النبي صلى الله عليه وسلم لسيدنا معاذ بن جبل وأبي موسى الأشعري ، ولو أن الدعاة أخذوا بهذه الكلمة ، بهاتين الكلمتين من رسول الله .

(( تَطَاوَعَا وَلا تَخْتَلِفَا ))

لا تكثر الاتجاهات فإنها تمزق الأمة
أطعه تارة ، وليطعك تارةً ، ولا تحدثا في الإسلام انشقاقاً ، ولا تحدثا في الإسلام انهداماً ، ولا تحدثا في الإسلام عداوةً ، ولا تكثرا الاتجاهات فإنها تمزق الأمة ، وتضعف قوتها ، قال تعالى :

﴿ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾

[ سورة الأنفال الآية : 46]

وعن أبي هريرة رضي الله أَنَّ أَعْرَابِيًّا بَالَ فِي الْمَسْجِدِ فَثَارَ إِلَيْهِ النَّاسُ ليَقَعُوا بِهِ ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( دَعُوهُ ، وَأَهْرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ أَوْ سَجْلًا مِنْ مَاءٍ ، فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ ، وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ ))

[أخرجه البخاري والترمذي والنسائي وأبو داود وابن مادة وأحمد]

الداعية الصادق يعتمد على حاجات الإنسان الأساسية ، ويوظفها في دعوة الناس إلى الله .
بين للناس ؛ أنك إذا استقمت على أمر الله يرزقك الله ، ائته بالدليل :

﴿ وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً ﴾

[ سورة الجن الآية : 16]

بين لهم أن المؤمن وحده يتمتع بالأمن ، قال تعالى :

﴿ الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾

[ سورة الأنعام الآية : 82]

أيها الإخوة الكرام ؛ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِي اللَّه عَنْهمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا سَمْحًا إِذَا بَاعَ ، وَإِذَا اشْتَرَى ، وَإِذَا اقْتَضَى ))

[أخرجه البخاري والترمذي وابن ماجة وأحمد ومالك]

شيء آخر :
ما ثبت من مشروعية الرخص ، في قصر الصلاة والجمع بين الصلاتين ، والفطر في رمضان في حال السفر والمرض ، وتناول المحرمات حال الضرورة ، هذا يدل قطعاً على أن الشريعة الإسلامية رفعت الحرج عن المؤمنين .
قال بعض العلماء محللاً الحكمة البالغة التي من أجلها رُفع الحرج عن المؤمنين :

أولاً :

رُفع الحرج عن المؤمنين خوف أن يسقط المرء وهو في طريقه إلى الله .
لو أن التكليف فوق طاقته ربما سقط في طريق الإيمان ، ونحن نريده أن لا يسقط ، نريده أن يصل إلى الله .

ثانياً :

خوف أن تصبح الشريعة بغيضة ومكروهة .
الإنسان إذا مرض ، وكان يقتضي أن يأكل ، أو أن يأخذ الدواء ، ومنعته الشريعة أن يأخذ الدواء أصبحت الشريعة بغيضةً في نظره ، خوف أن تكون الشريعة بغيضة ومكروهة .
وخوف إدخال الفساد على المكلف في جسمه أو ماله أو حاله .
وخوف التقصير في وظائف العبد الأساسية ، كرعايته أهله وأولاده وإتقانه لعمله ، المراد من الإنسان أن يقوم بجميع وظائفه وأعماله على وجه لا يُخل بواحدة منها ولا بحال من أحواله .
روى البخاري ومسلم عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّه عَنْهَا :

(( أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَحْتَجِرُ حَصِيرًا بِاللَّيْلِ فَيُصَلِّي عَلَيْهِ وَيَبْسُطُهُ بِالنَّهَارِ فَيَجْلِسُ عَلَيْهِ فَجَعَلَ النَّاسُ يَثُوبُونَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيُصَلُّونَ بِصَلاتِهِ حَتَّى كَثُرُوا فَأَقْبَلَ فَقَالَ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ خُذُوا مِنَ الْأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا وَإِنَّ أَحَبَّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ مَا دَامَ وَإِنْ قَلَّ))

[أخرجه البخاري ومسلم والنسائي وأبو داود وأحمد ومالك]

أحب الأعمال إلى الله أدومها ، داومت على مجلس علم ألزمه ، داومت على صلاة جماعة ألزمها ، داومت على صدقة تابعها ، داومت على دعوة إلى الله تابعها .

(( وَإِنَّ أَحَبَّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ مَا دَامَ وَإِنْ قَلَّ ))

تغيير الحرف لا يجدي والتزام حرفة واحدة يراكم الخبرة
حتى في المهن في الحرف ، من حرفة إلى حرفة ، هذا لا يفلح ولا في حرفة أما الذي يبدأ صغيراً في حرفة ، تتنامى خبراته ، وتعلوا معلوماته هذا يتفوق في نهاية المطاف .
وفي حديث رواه الإمام مسلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم :

(( إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق ، فإن المنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى))

هذا المسرع ، لأن تصل متأخراً خير لك من أن لا تصل ، فإن المنبت الذي أرهق الناقة فوق طاقتها ، لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى .
وفي حديث آخر رواه الإمام مسلم عن عبد اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِي اللَّه عَنْهما قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( إِنَّكَ لَتَصُومُ الدَّهْرَ ، وَتَقُومُ اللَّيْلَ ، فَقُلْتُ : نَعَمْ ، قَالَ : إِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ هَجَمَتْ لَهُ الْعَيْنُ ، وَنَفِهَتْ لَهُ النَّفْسُ ، لَا صَامَ مَنْ صَامَ الدَّهْرَ ، صَوْمُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ صَوْمُ الدَّهْرِ كُلِّهِ ، قُلْتُ : فَإِنِّي أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ ، قَالَ : فَصُمْ صَوْمَ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَام ، كَانَ يَصُومُ يَوْمًا ، وَيُفْطِرُ يَوْمًا ، وَلَا يَفِرُّ إِذَا لَاقَى))

[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وأبو داود وابن ماجة وأحمد والدارمي]

هذا ليس بصيام ..
ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن صوم الوصال ، وعن قيام الليل كله وعن الترهب .
كنت قرأت قصةً عن سيدنا عمر ، جاءه رسول من أذربيجان ، وصل المدينة في منتصف الليل ، كره أن يطرق باب أمير المؤمنين ليلاً فذهب إلى المسجد ، فإذا برجل يصلي ويقول : رب هل قبلت توبتي فأهنئ نفس أم رددتها فأعزيها ، قال من أنت يرحمك الله ، طبعاً في ظلام ، قال أنا عمر ، قال أمير المؤمنين ؟ .. يا أمير المؤمنين ألا تنام الليل ، قال : إني إن نمت ليلي أضعت نفس أمام ربي ، وإن نمت نهاري أضعت رعيتي .
معنى ذلك أنه لا ينام أبداً .. والله أيها الإخوة أحجمت عن هذه القصة سنوات طويلة ، إلى أن عثرت على رواية لهذه القصة ، إني إن نمت ليلي كله أضعت نفس أمام ربي ، وإن نمت نهاري أضعت رعيتي . معقول ..
التبتل والامتناع عن الزواج رهبانية نهى عنها الإسلام
شيء آخر ، نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن صيام الوصال وعن قيام الليل كله وعن الترهب ..
فهذه التي تمتنع عن الزواج بدافع أنها تريد أن تتبتل لله عز وجل وأن تقوم الليل وأن تحفظ القرآن ، هذه دعوة إلى الرهبنة والإسلام منها بريء ، إذْ لا رهبانية في الإسلام ، فالتي تمتنع عن الزواج بحجة انقطاعها إلى الله ، وإلى تلاوة القرآن ، وإلى قيام الليل ، وتخالف منهج الله عز وجل ، وتخالف التصميم الإلهي للأنثى أنها زوجة ، هذه تبتعد .
اعلمي أيتها المرأة ، وأعلمي من دونك من النساء أن حسن تبعل المرأة زوجها يعدل الجهاد في سبيل الله .
مجاهدة ، والجهاد ذروة سنام الإسلام ، ومن تحسن تبعل زوجها والعناية في أولادها ، وتقيم في بيتها شرع ربها فهي كالمجاهدة في سبيل الله .
إذاً نهى عليه الصلاة والسلام عن صوم الوصال ، وعن قيام الليل كله وعن الترهب .
ويقول في حديث صحيح رواه البخاري ومسلم عن أَنَس بْن مَالِكٍ رَضِي اللَّه عَنْه قال :

(( جَاءَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا فَقَالُوا وَأَيْنَ نَحْنُ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ قَالَ أَحَدُهُمْ أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا وَقَالَ آخَرُ أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلَا أُفْطِرُ وَقَالَ آخَرُ أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلَا أَتَزَوَّجُ أَبَدًا فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ أَنْتُمُ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي))

[أخرجه البخاري ومسلم والنسائي وأحمد]

رأى رجلاً يقف في الشمس وهو صائم ، سأل عن حاله قيل له نذر أن يقف في الشمس ونذر أن يصوم ، فقال عليه الصلاة والسلام :

(( أتمم صومك ولا تقف في الشمس ))

[رواه البخاري]

العلماء استنبطوا قاعدة مهمة جداً ، المشقة في الإسلام ليست مقصودةً بذاتها ، لكنها مشروعة إذا كانت سبيلاً وحيداً لطاعة أو أداء لواجب .
مشقة الطواف لابد منها أما أن تذهب للحج ماشيا فمشقة مفتعلة
طواف الحج ، من أركان الحج ولاسيما طواف الإفاضة وقد يكون هناك ازدحام شديد ، هذه مشقة لابد منها ، أما أن أذهب إلى الحج ماشياً هذا لا مبرر له ، هذه مشقة افتعلتها أنت ، المشقة في الإسلام ليست مطلوبةً لذاتها ، أما حينما تفرضها علينا الطاعة ، أو القيام بالواجب يا مرحباً بها .
عَنِ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ ، قَالَهَا ثَلَاثًا))

[أخرجه مسلم وأبو داود وأحمد]

المتنطعون : المتشددون في غير موضع الشدة .
يعطي عن الدين صورةً غير مقبولة ، يعطي عن الدين صورة منفرة والنبي عليه الصلاة والسلام حكم بعصيان من تمسك بالعزيمة وترك العمل بالرخصة ، ولاسيما وقت الشدة ، فعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِي اللَّه عَنْهمَا قال :

(( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ عَامَ الْفَتْحِ إِلَى مَكَّةَ فِي رَمَضَانَ فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ كُرَاعَ الْغَمِيمِ فَصَامَ النَّاسُ ثُمَّ دَعَا بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ فَرَفَعَهُ حَتَّى نَظَرَ النَّاسُ إِلَيْهِ ثُمَّ شَرِبَ فَقِيلَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ إِنَّ بَعْضَ النَّاسِ قَدْ صَامَ فَقَالَ أُولَئِكَ الْعُصَاةُ أُولَئِكَ الْعُصَاةُ ))

[أخرجه مسلم والترمذي والنسائي]

خذ برخصة الإفطار في السفر
من هم الذين صاموا في السفر ، سماهم النبي عصاةً ، لأنهم أبوا رخصة الله عز وجل .
أيها الإخوة قاعدة أصولية ، في الرخاء خذ بالأحوط ، وفي الشدة خذ بالأسهل ، أما الذي يأخذ بالأسهل في وقت الرخاء فهذا رقة في دينه وضعف في ورعه .
في الرخاء خذ بالأحوط ، وفي الشدة خذ بالأسهل .
أيها الإخوة الكرام ، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، وسيتخطى غيرنا إلينا ، فلنتخذ حذرنا ، الكيس من دان نفسه ، وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها ، وتمنى على الله الأماني ، والحمد لله رب العالمين .

* * *

الخطبة الثانية :

 

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله صاحب الخلق العظيم.

مَا أَنْزَلَ اللَّهُ دَاءً إِلَّا أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً

أيها الإخوة الكرام ؛ روى الإمام البخاري بَاب :

(( مَا أَنْزَلَ اللَّهُ دَاءً إِلَّا أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً ))

وفي حديث آخر عَنْ أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ قَالَ :

(( قَالَتِ الْأَعْرَابُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا نَتَدَاوَى ؟ قَالَ : نَعَمْ يَا عِبَادَ اللَّهِ تَدَاوَوْا ، فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلَّا وَضَعَ لَهُ شِفَاءً ، أَوْ قَالَ دَوَاءً إِلَّا دَاءً وَاحِدًا ، قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُوَ ؟ قَالَ : الْهَرَمُ ))

[أخرجه الترمذي وأبو داود وابن ماجة]

علامات الهرم إشارات لطيفة من الله أن اللقاء قد اقترب
الهرم يشيب شعرك ، ينحني الظهر ، يضعف البصر تضع نظارة تتلف الأسنان فتضع الأسنان الاصطناعية ، تتأذى المفاصل ليس بالإمكان أن تسرع على الدرج المرتفع ، تشعر بآلام معينة ، هذه الأعراض ؛ ضعف البصر ، وضعف السمع ، وانحناء الظهر ، وشيب الشعر ، هذه من رحمة الله ، هذه إشارات لطيفة من الله ، أن يا عبدي قد اقترب اللقاء ، ممهدات اللقاء فهل أنت مستعد له ، هل حاسبت نفسك قبل أن تحاسب ، فهذا الهرم يعني إشعار من الله أن اللقاء اقترب .
شيء آخر ، روى ابن ماجة عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال :

(( ما خلق الله من داء إلا وخلق له شفاءً ، علمه من علمه وجهله من جهله ))

هذه ( من ) تفيد استغراق كل الأمراض .
ما أنزل الله من داء إلا وله دواء
يعني إذا قال الطبيب : هذا المرض لا دواء له ، هذا نقص في علمه ، فابحث عن الدواء ، النبي هو الصادق المصدوق ، هذا تقصير في العلم ابحث عن الدواء ، وكم من داء مستعصٍ كشف له دواء .

(( ما خلق الله من داء إلا وخلق له شفاءً ، علمه من علمه وجهله من جهله ))

إن الطبيب له علم يدل بــه إن كان للناس في الآجال تأخير
حتى إذا ما انقضت أيام رحلته حــار الطبيب وخانته العقاقير

هذه سنته القولية ، أما سنته العملية .

(( فإنّ النبي عليه الصلاة والسلام احتجم وهو محرم في رأسه ، من شقيقة انتابته ))

[ رواه البخاري عن ابن عباس]

احتجم من شقيقة كانت في رأسه ، من ألف في رأسه وهو محرم والتداوي أيها الإخوة سنة ، لأن عموم هذه الأحاديث يرفعها إلى الندب والندب ما كان فوق المباح وأقل من الفرض ، هذا حكم الفقهاء في التداوي .
لكن بعضهم قال : التداوي ينسحب على كل الأحكام ، فهو مباح إذا لم يغلب على الظن فائدته ، ومندوب إذا غلب على الظن فائدته ، وواجب تجاه الأدوية القطعية في فائدتها ، بإفادة طبيب مسلم حاذق ورع .
إذا علم الشفاء في المداواة وجبت
وإذا خاف المريض أو طبيبه أن يقعد الإنسان عن القيام بواجباته الشرعية ، أو خافوا على حياته ، أو تلف بعض أعضائه ، يرتفع أمر التداوي إلى الواجب ، وهو مكروه عند استعمال الأدوية المكروهة مع توافر الأدوية المباحة ، والتداوي محرم عند استعمال الأدوية المحرمة دون الاضطرار إليها ، وهذا موضوع الخطبة القادمة إن شاء الله .
الآن الحكم المستخلص ؛ المريض إذا علم يقيناً أو بغلبة الظن بحصول الشفاء من المداواة ، وقد حكم الأطباء بأن حالته خطرة ، وأن حاجته إلى الدواء أصبحت أمراً ضرورياً كحاجته إلى الطعام والشراب ، بحيث لو تركه فقد جعل نفسه معرضاً للهلاك ، فإن إقدامه على المداواة يُعتبر واجباً شرعياً يأثم بتركه .
والإمام البغوي يقول : إذا عُلم الشفاء في المداواة وجبت .
وبعض الأئمة الكبار يقول : وقد يكون منه ما هو واجب ، وهو ما يُعلم أنه يحصل به بقاء النفس لا بغيره ، فإنه واجب عند الأئمة الأربعة وجمهور الفقهاء .
هذه سنة النبي عليه الصلاة والسلام .

 

الدعاء :

اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ، ولا يُقضى عليك ، إنه لا يذل من واليت ، ولا يعز من عاديت تباركت ربنا وتعاليت ، لك الحمد على ما قضيت ، نستغفرك ونتوب إليك .
اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك .
اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا أرضنا ، وارض عنا ، اقسم لنا من خشيتك ، ما تحول به بيننا وبين معصيتك ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ، ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين .
اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، ودنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير واجعل الموت راحة لنا من كل شر ، مولانا رب العالمين .
اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك .
اللهم لا تؤمنا مكرك ، ولا تهتك عنا سترك ، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين .
اللهم استر عوراتنا ، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً ، وسائر بلاد المسلمين .
اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام المسلمين ، وأعز المسلمين ، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018