الخطبة : 0630 - الفقر4 - معالجة الفقر في المجتمع الإسلامي عن طريق العمل 2 - الكسب المشروع - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0630 - الفقر4 - معالجة الفقر في المجتمع الإسلامي عن طريق العمل 2 - الكسب المشروع


1997-09-12

الخطبة الأولى:
 الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنـا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته وإرغامـاً لمن جحد به وكفر. وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر أو سمعت أذن بخبر. اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين. اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرِنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممــــن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

طرق معالجة الفقر :

 أيها الأخوة الكرام: لازلنا في الموضوع المتسلسل كيف عالج الإسلام الفقر، وقد ورد في الأثر أنه:" كاد الفقر أن يكون كفراً".. والمال كما وصفه القرآن الكريم جعل الله به قوام الحياة.
 في خطب سابقة بيَّنت أن التكافل الأُسَري أحد الوسائل التي اعتمدها الإسلام في معالجة الفقر، ثم بيَّنت أنَّ التكافل الجغرافي – الجوار- أن يرعى كل جار جاره، وسيلة أخرى من وسائل معالجة الفقر في الإسلام، ثم بيَّنت في خطبة سابقة أنَّ العمل هو السلاح الأول الذي يُحارب به الفقر، وقد كان موضوع الخطبة كيف أن توهم التوكل على الله بالمفهوم المغلوط الذي ما أراده الله عز وجل قد يدفع الإنسان إلى الكسل وإلى ترك العمل، لكنَّ التوكل محله القلب، والعمل محله الأعضاء.
 نتابع هذا الموضوع وفق الخطبة السابقة، من الناس من يدع العمل بحجة التبتل لطاعة الله عز وجل، والانقطاع الكامل لعبادته التي من أجلها خُلق الإنسان، فلا يجوز في نظر هؤلاء أن يشتغل الإنسان بحظ نفسه عن عبادة ربه، ولابد عندهم من أداء حقه من التفرغ التام لعبادته كالرهبان في الأديرة، والعبَّاد في الخلوات. هؤلاء الذين يفهمون هذا الفهم الخاطئ، ويظنون أن الإسلام قعود وكسل، هؤلاء غاب عنهم أنَّه قال عليه الصلاة والسلام:

(( لا رهبانية في الإسلام ))

[ أحمد عن طاوس]

 وأن العمل الدنيوي، العمل الحرفي إذا أُتقن، وصحت فيه النية، وروعيت فيه أحكام الإسلام، هو عبادة في نفسه، وأن سعي الإنسان على معاشه؛ ليعفَّ نفسه، أو يعول أهله، أو يُحسن إلى أرحامه وجيرانه، أو يعاون على عمل الخير، ونصرة الحق، إنما ذلك ضرب من الجهاد في سبيل الله، ولهذا قرن الله بينهما في قوله تعالى:

﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآَنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآَخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآَخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً﴾

[ سورة المزمل : 20]

حثّ المسلمين على الكسب المشروع و التجارة الصادقة :

رفع الله جل جلاله طلب الكسب الحلال إلى مستوى الجهاد في سبيل الله.
 عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال:" ما من حال يأتيني عليها الموت بعد الجهاد في سبيل الله، أحب إلي من أن يأتيني وأنا ألتمس من فضل الله ثم تلا هذه الآية:

﴿وَآَخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآَخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾

 " النبي عليه الصلاة والسلام الذي لا ينطق عن الهوى، وهو المشرع الذي أمرنا الله أن نأخذ منه، وأن ندع ما نهانا عنه، يقول عليه الصلاة والسلام فيما رواه الترمذي بإسناد حسن، حاثَّاً على العمل ولاسيما التجارة، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخدري رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((قَالَ: التَّاجِرُ الصَّدُوقُ الْأَمِينُ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ قَالَ أَبو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ ))

[الترمذي عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخدري ]

 لماذا؟.. لأنه يحقق للناس مصالحهم، ويؤمِّن لهم حاجاتهم، بطريقة شريفة، وبصدق شديد، وبإخلاص تام، وبإتقان، وبمعاملة طيبة، فهو داعية إلى الله من دون أن يدري، لذلك يُعد أكبر قطر إسلامي على الإطلاق (إندونيسيا) الذي يعد مئة وخمسين مليوناً، هذا القطر الإسلامي وصلت إليه الدعوة عن طريق التجَّار فقط، ولم يُفتح بالسيف، لذلك التَّاجِرُ الصَّدُوقُ الْأَمِينُ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ يوم القيامة، وقد قال عليه الصلاة والسلام:

(( استقيموا يُستقم بكم ))

[ الطبراني عن سمرة ]

 استقامتك دعوة، عفتك دعوة، صدقك دعوة، أمانتك دعوة، إخلاصك دعوة وأنت ساكت، هذا الذي لا يُحسن أن ينطق بكلام فصيح، ولا أن يأتي بالحجج الدامغة، ولا أن يأتي بأقوال متعددة يؤكد بها رأيه، هذا الذي لا يُحسن أن يقول هو داعية من دون أن يدري.
 صعد أحد الخلفاء الراشدين وأظنه سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه المنبر، فأُرتج عليه، فقال:" أنتم إلى إمام عامل، أحوج منكم إلى إمام قائل " لغة العمل أبلغ من لغة القول..
 ورد في الأثر: "أن خير الكسب كسب التجَّار، الذين إذا حدَّثوا لم يكذبوا، وإذا وعدوا لم يخلفوا، وإذا ائتمنوا لم يخونوا، وإذا اشتروا لم يذموا، وإذا باعوا لم يطروا، وإذا كان لهم لم يعسِّروا، وإذا كان عليهم لم يُمطلوا ".
 فالنبي عليه الصلاة والسلام حثنا على الكسب المشروع، وعلى التجارة الصادقة، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخدري رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((التَّاجِرُ الصَّدُوقُ الْأَمِينُ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ قَالَ أَبو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ ))

[الترمذي عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخدري ]

 وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِي اللَّه عَنْه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا فَيَأْكُلُ مِنْهُ طَيْرٌ أَوْ إِنْسَانٌ أَوْ بَهِيمَةٌ إِلَّا كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ ))

[متفق عليه عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ]

 صدقة.. مادام قد زرع زرعاً عمَّ الرخاء، وتوافرت حاجات الناس، ورخصت الأسعار، ومن كان في خدمة المسلمين كان في عبادة عالية جداً.
 وقد ورد في الجامع الصغير، ورمز له السيوطي بعلامة الصحة:" من بات كالاً في طلب الحلال بات مغفوراً له".
 وسئل إبراهيم النخعي أحد أئمة التابعين عن التاجر الصدوق أهو أحبُّ إليك أم المتفرغ للعبادة؟ فقال: التاجر الصدوق أحبُّ إلي؛ هو في جهاد، يأتيه الشيطان عن طريق المكيال والميزان، ومن قِبل الأخذ والعطاء فيجاهده. والنبي عليه الصلاة والسلام حثَّ على الصناعات والحرف، فقال:

((مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ وَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ ))

[البخاري عَنِ الْمِقْدَامِ]

العمل الحلال عبادة :

 وكان الإمام الشعراني وهو من دعاة التصوف، كان يفضل الصناع على العبَّاد، لأن نفع العبادة مقصور على صاحبها، وأما نفع أصحاب الحرف، فنفعها لعامة الناس، بشرط أن ينوي بها صاحبها خدمة المسلمين، وتحقيق مصالحهم، والتخفيف من أعبائهم وتبعاتهم، وكان يقول:" ما أجمل أن يجعل الخياط إبرته سبحته، وأن يجعل النجار منشاره سبحته "
 إذاً من كان عمله وفق منهج الله، وفي طاعة الله، ولخدمة المسلمين، وإتقان صنعتهم، وتحرير نواياهم، وطلب خدمة الآخرين، هذه عبادة من أجلِّ العبادات. ومن الناس من يدع العمل استهانة به، واحتقاراً له، كما كان الحال عند العرب في الجاهلية، الذي يحتقرون الحرف والعمل اليدوي، حتى أن أحد الشعراء كان يهجو غريمه بأن أحد أجداده كان حداداً، فكأنما وضع بهذا وصمة عار على جبين القبيلة إلى الأبد، وربما يُفضل أحدهم سؤال الناس عن أن يعمل بيده عملاً، يعدُّه غير لائق به، فلما جاء الإسلام بدل هذه المفاهيم المغلوطة، ورفع من قيمة العمل. سيدنا ابن مسعود كان يعمل بيده، وكانت يده خشنة من عمله القاسي رفعها النبي يوماً أمام أصحابه وقال:

(( إن هذه اليد يحبها الله ورسوله ))

[ ورد في الأثر ]

 وكان عمر بن الخطاب يقول:" إني لأرى الرجل لا عمل له فيسقط من عيني، فلما جاء الإسلام أيها الأخوة بدل هذه المفاهيم المغلوطة، ورفع من قيمة العلم أياً كان نوعه، وحقَّر من شأن البطالة، والاتكال على الآخرين، وبيّن لهم أن كسب الحلال عمل شريف، وأن نظرة بعضهم إلى العمل، تلك النظرة التي تنطوي على الاستهانة، هذه نظرة خاطئة، ولا أصل لها. روى الإمام البخاري عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ رَضِي اللَّه عَنْه عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((لَأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ أَحْبُلًا فَيَأْخُذَ حُزْمَةً مِنْ حَطَبٍ فَيَبِيعَ فَيَكُفَّ اللَّهُ بِهِ وَجْهَهُ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ أُعْطِيَ أَمْ مُنِعَ ))

[البخاري عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ ]

 بيّن النبي عليه الصلاة والسلام بهذا الحديث الشريف أن حرفة الاحتطاب، على ما فيها من مشقة، وعلى ما يَحوطها من نظرات الازدراء، وعلى ما يُرجى منها من ربح ضئيل، خير ألف مرة من البطالة وتكفف الناس. يقول عليه الصلاة والسلام فيما رواه الإمام البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْه عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا إِلَّا رَعَى الْغَنَمَ فَقَالَ أَصْحَابُهُ وَأَنْتَ فَقَالَ نَعَمْ كُنْتُ أَرْعَاهَا عَلَى قَرَارِيطَ لِأَهْلِ مَكَّةَ))

[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]

 سيد الخلق وحبيب الحق، سيد ولد آدم المبعوث رحمة للعالمين، عمل عملاً لا يرضى الآن أحد أن يعمل به، عمل راعي غنم. وعَنِ الْمِقْدَامِ رَضِي اللَّه عَنْه عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ وَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ ))

[البخاري عَنْ المقدام]

 وذكر الحاكم من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن سيدنا داود كان زرَّاداً، - يصنع الزرد والدروع - وكان آدم حرَّاثاً، وكان نوح نجَّاراً، وكان إدريس خياطاً، وكان موسى راعياً، هذه الحرف جزء من العبادة.

 

أئمة الإسلام وأكابر علمائه نسبوا إلى حرفهم وصناعاتهم لا إلى آبائهم وأجدادهم :

 أيها الأخوة الكرام: لا عجب إن رأينا أئمة الإسلام، وأكابر علمائه، الذين سارت بذكرهم الركبان، والذين خلدتهم آثارهم، ومؤلفاتهم، كانوا يُنسبون لا إلى آبائهم وأجدادهم، بل إلى حرفهم وصناعاتهم، التي كانوا يتعيشون منها، ولم يجدوا هم كما لم يجد مجتمعهم الإسلامي على مرّ العصور أية غضاضة في ذلك، أو أية مهانة في الانتساب إلى تلك الحرف والصناعات- البزَّاز، الجصاص، الخواص، الخياط، الصبان، القطان - كلهم من كبار العلماء، الذين سارت بذكرهم الركبان، وخلدتهم مؤلفاتهم، وإنتاجهم العلمي، ولعل من السلف الصالح من علماء دمشق من كان نجاراً، ومن كان قصَّاباً وهو من أئمة القرَّاء، ومن كان حداداً، هذا شيء يرفع من قيمة العلم، بل إن الإمام أبا حنيفة النعمان كان تاجر أقمشة.
 و من الناس أيضاً من يدع العمل والسعي في مناكب الأرض اعتماداً على مساعدات الآخرين.

من أعظم الأعمال الصالحة أن تُفرِّغ طالب العلم ليتعلم العلم المتين :

 لكنْ يجب أن أوضح لكم أن طلاَّب العلم الذين يتعلمون ليعلموا، يجتهدون ليكونوا دعاةً إلى الله، طلاب العلم مستثنون من هذا الموضوع، لأن الذي يطلب العلم، يطلبه لنفع الآخرين ويجب أن يُفرَّغ، يجب أن تُؤمن له حاجاته، ولعل من أعظم الأعمال الصالحة أن تُفرِّغ طالب العلم ليتعلم العلم المتين، وليكون حصناً للمسلمين، هذا الإنسان الذي يطلب العلم، مستثنى من هذا الموضوع وهذا كلام دقيق.. شكا رجل إلى النبي عليه الصلاة والسلام شريكه طالب العلم، شكا إليه قلةَ جهده، فقال عليه الصلاة والسلام: " لعلك تُرزق به" .
 وكنت أقول دائماً: يا أيها الأخوة الذين أنعم الله عليهم بالمال؛ إما أن تكون داعيةً إلى الله، وإما أن تتبنى داعية، هذا الذي جاء بلدنا يطلب العلم، لو فرَّغته، لو أكرمته، لو هيأت له مسكناً، لو هيأت له راتباً شهرياً، لو أرحته من طلب الرزق، ليتفرغ كلياً لطلب العلم، أنت شريكه في الأجر، وكل من اهتدى عن طريقه في صحيفتك أيها الأخ الكريم، فهذا الأمر مستثنى من هذا الموضوع، أنا أتحدث عن أولئك الذين لا يعملون، كما أنهم لا يطلبون العلم، رأوا أن في أخذ أموال الناس راحةً لهم، لماذا يعملون ؟ هناك من يعطيهم، هناك من يدع العمل والسعي في مناكب الأرض اعتماداً على مساعدات الآخرين، التي تُجبى إليهم، من دون تعب ولا عناء، وفي سبيل ذلك يستبيح مسألة الغير ومدّ يده إليه، على ما فيها من ذل النفس، وإراقة ماء الوجه، هذا مع أنه قوي البنية، سليم الأعضاء، قادر على الكسب، كأكثر الذي نشاهدهم من المتسولين، وكأكثر الذين نجدهم عند الملوك والأثرياء يتضعضعون أمامهم، ليكسبوا من أموالهم، من المستجدين، والمدَّاحين، وطالبي المنح والعطايا، هؤلاء قد بيّن الإسلام أنهم ليسوا أهلاً للزكاة ولا لغيرها من الصدقات، ما داموا أقوياء مكتسبين، أو مستطيعين للكسب.

(( لا حظ للزكاة والصدقة فيها لغني ولا لقوي مكتسب ))

[أحمد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو]

 هكذا قال عليه الصلاة والسلام، فيما رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي..
 وفي حديث آخر عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ وَلَا لِذِي مِرَّةٍ سَوِيٍّ ))

[الترمذي عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو]

 المرة: هي القوة، والسوي: سوي الأعضاء .
 لذلك لم يجعل النبي عليه الصلاة والسلام المتبطل الكسول، لم يجعل له حقاً من صدقات المسلمين، وذلك ليدفع القادرين إلى الكسب والعمل الشريف. روى الشيخان عن ابن عمر رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

(( مَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَسْأَلُ النَّاسَ حَتَّى يَأْتِيَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَيْسَ فِي وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ))

[ متفق عليه عن ابن عمر]

 وروى ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه:

(( مَنْ سَأَلَ النَّاسَ أَمْوَالَهُمْ تَكَثُّرًا فَإِنَّمَا يَسْأَلُ جَمْرًا فَلْيَسْتَقِلَّ أَوْ لِيَسْتَكْثِرْ ))

[ مسلم عن أبي هريرة]

 معنى سأل الناس تكثراً: أي ليكثر ماله، لا لضرورة ألجأته إلى السؤال.

 

المؤمنون متضامنون متعاونون :

 أقول لكم هذه الحقيقة: إنسان طيب، كريم، عزيز النفس، مرضت زوجته يحتاج إلى استعمال جهاز، كلفة هذا الجهاز خمسة آلاف ليرة، لا يملك هذا المبلغ، فرفض المعالجة، بعد حين تبين أن زوجته مصابة بمرض خبيث وصل إلى الكبد، لو أنه عالجها في الوقت المناسب، وكان في الأمعاء - استئصال الأمعاء سهل جداً، ويبقى المرض في مكانه - هذا الإنسان يجب أن يسأل، فإن لم يسأل فقد أثم، لأن المسلمين متضامنون متعاونون، أقول هذا لا لأجعل الذين يحتاجون إلى المال حاجة قصوى وبالغة يكفون عن السؤال، إنهم خاطئون، هذا الإنسان باختياره نقل زوجته من مرض يمكن أن يُعالج إلى مرض لا يمكن أن يُعالج بدعوى أنه عفيف ولا يسأل أحداً، لا.. إن كنت في ضرورة فينبغي أن تسأل وأنت مستثنى من هذا الموضوع، إن كنت في ضرورة ملحة، وحاجة ملجئة..

((مَنْ سَأَلَ النَّاسَ أَمْوَالَهُمْ تَكَثُّرًا فَإِنَّمَا يَسْأَلُ جَمْرًا فَلْيَسْتَقِلَّ أَوْ لِيَسْتَكْثِرْ ))

[ مسلم عن أبي هريرة]

 ليتوسع في بيته، ليشتري الأثاث، هذا الذي نهى عنه النبي، تكثراً ليكثر ماله، لا لضرورة ألجأته إلى السؤال، والله تقطع القلب على هذه المرأة، من أجل خمسة آلاف انتقل مرضها من مرض يُعالج إلى مرض لا يُعالج، يجب أن يسأل زوجها إخوته المؤمنين الموسرين، يجب أن يسأل وهو عزيز النفس ولا شيء عليه، وهناك آلاف المؤمنين الصادقين، يدفعون مئات الألوف لإنقاذ حياة إنسان، فهذا ليس تعففاً وليس عدةً بل هو اجتهاد خاطئ.
 أيها الأخوة الكرام، في الصحيحين عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِي اللَّه عَنْهمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَذَكَرَ الصَّدَقَةَ وَالتَّعَفُّفَ وَالْمَسْأَلَةَ:

((الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى فَالْيَدُ الْعُلْيَا هِيَ الْمُنْفِقَةُ وَالسُّفْلَى هِيَ السَّائِلَةُ))

[ متفق عليه عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عمر]

 وفي صحيح مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

((لَأَنْ يَغْدُوَ أَحَدُكُمْ فَيَحْطِبَ عَلَى ظَهْرِهِ فَيَتَصَدَّقَ بِهِ وَيَسْتَغْنِيَ بِهِ مِنَ النَّاسِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ رَجُلًا أَعْطَاهُ أَوْ مَنَعَهُ ذَلِكَ فَإِنَّ الْيَدَ الْعُلْيَا أَفْضَلُ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ))

[ متفق عليه عن أبي هريرة]

 من الأدعية التي أدعو بها على المنبر: "اللهم صن وجوهنا باليسار، ولا تبذلها بالإقتار، فنسأل شرار خلقك ونُبتلى بحمد من أعطى وذم من منع، وأنت وحدك من فوقهم ولي العطاء، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء". روى الإمام أحمد عَنْ ثَوْبَانَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((مَنْ سَأَلَ مَسْأَلَةً وَهُوَ عَنْهَا غَنِيٌّ كَانَتْ شَيْئًا فِي وَجْهِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ))

[ أحمد عن ثوبان ]

 وروي أيضاً من حديث عبد الرحمن بن عوف:

(( وَلَا يَفْتَحُ عَبْدٌ بَابَ مَسْأَلَةٍ إِلَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ بَابَ فَقْرٍ ))

[أحمد عن عبد الرحمن بن عوف ]

 أي الإنسان إذا كان مخيراً بين أن يعمل وبين أن يسأل ليعمل، أما إذا كان لا يستطيع أن يعمل فليسأل، ولا شيء عليه، وإن لم يسأل فهو آثم، أما إذا كان بإمكانه أن يعمل، وترك العمل فعندئذ يأثم.

((عَنْ عَائِذِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَهُ فَأَعْطَاهُ فَلَمَّا وَضَعَ رِجْلَهُ عَلَى أُسْكُفَّةِ الْبَابِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَوْ تَعْلَمُونَ مَا فِي الْمَسْأَلَةِ مَا مَشَى أَحَدٌ إِلَى أَحَدٍ يَسْأَلُهُ شَيْئًا))

[النسائي عَنْ عَائِذِ بْنِ عَمْرٍو]

 القصة التي تعرفونها جميعاً، أن الصديق رضي الله عنه كان يركب ناقته وقد وقع زمامها على الأرض، فنزل من على ظهر الناقة ـ وليس من السهل أن تنزل عن ظهر الناقة ـ ليتناول زمام ناقته، وحوله أصحابه فتعجبوا، نكفيك ذلك !! قال سمعت حبيبي رسول الله يقول: " لا تسألوا الناس شيئاً":

لا تسألـــن بني آدم حاجــة  وسل الذي أبوابه لا تُحجبُ
الله يغضب إن تركت سؤاله  وبني آدم حين يُسأل يغضب
***

مسألة الناس ظلم في حق الربوبية وفي حق المسؤول وفي حق السائل :

 أيها الأخوة الكرام، روى أبو داود والنسائي والترمذي عَنْ سَمُرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((الْمَسَائِلُ كُدُوحٌ يَكْدَحُ بِهَا الرَّجُلُ وَجْهَهُ فَمَنْ شَاءَ أَبْقَى عَلَى وَجْهِهِ وَمَنْ شَاءَ تَرَكَ إِلَّا أَنْ يَسْأَلَ الرَّجُلُ ذَا سُلْطَانٍ - لأن الله وكله بالرعية، وكله بالإنفاق عليه، وكله بمعالجة مرضاهم، وكله بتأمين الأعمال لهم، أولي الأمر يُسألون لأن هذه مهمتهم- إلا أَنْ يَسْأَلَ الرَّجُلُ ذَا سُلْطَان أَوْ فِي أَمْرٍ لَا يَجِدُ مِنْهُ بُدًّا ))

[أبو داود والنسائي والترمذي عَنْ سَمُرَةَ]

 ابن القيم رحمه الله تعالى يرى أن مسألة الناس ظلم في حق الربوبية، وظلم في حق المسؤول، وظلم في حق السائل، أما التفاصيل فهي كما يلي: إما أنها ظلم في حق الربوبية، فلأن السائل بذل سؤاله وعرض فقره وعرض ذله واستعطاءه لغير الله، وهذا نوع من العبودية وضعها في غير موضعها، وأنزلها بغير أهلها، وظلم توحيده وإخلاصه.
 وأما أن السؤال ظلم في حق المسؤول فقد عرضه لمشقة البذل، أو للوم المنع، فإن أعطاه أعطاه على كراهة، وإن منعه منعه على استحياء وإغماط وقد ظلم المسؤول.
 وأما أنها ظلم في حق السائل فهو ظلمه لنفسه، فلأنه أراق ماء وجهه وذله لغير خالقه، وأنزل نفسه أدنى المنزلتين، ورضي لها بأبخس الحالين، ورضي بإسقاط شرف نفسه، وعزة تعففه، وباع صبره ورضاه وتوكله واستغناءه عن الناس بسؤالهم، وهذا عين ظلمه لنفسه.

 

المنهج الإلهي ليس فيه ازدواج :

 أيها الأخوة الكرام: هذه الخطبة معالجة لمشكلة الفقر:" كاد الفقر أن يكون كفراً".
 والمال الذي وصفه القرآن الكريم بأنه قوام الحياة، يجب أن نكسبه من طريق مشروع، ويجب أن نسأل الله من فضله، ويجب ألا نقعد وأن نعمل، لأن المنهج الإلهي ليس فيه ازدواج، إن عملت العمل المشروع، وسلكت به الطرق المشروعة، ونويت به خدمة نفسك، وكفاية أهلك، وخدمة المسلمين، ولم يمنعك من طاعة، ولا طلب علم، ولا بذل معروف، انقلب العمل إلى عبادة، فلو أن كل المسلمين فهموا العمل هذا الفهم لكنا في حال غير هذا الحال.
 أيها الأخوة الكرام: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وتخطى غيرنا إلينا فلنتخذ حذرنا، الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني، والحمد لله رب العالمين.

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

حاجة المسلمين إلى العمل المتقن :

 أيها الأخوة الكرام:

((عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُهُ (قصة دقيقة جداً، ويُستنبط منها أحكام فقهية كثيرة) فَقَالَ أَمَا فِي بَيْتِكَ شَيْءٌ قَالَ بَلَى حِلْسٌ نَلْبَسُ بَعْضَهُ وَنَبْسُطُ بَعْضَهُ وَقَعْبٌ نَشْرَبُ فِيهِ مِنَ الْمَاءِ (فقط ليس في بيته إلا حلس وقعب) قَالَ ائْتِنِي بِهِمَا قَالَ فَأَتَاهُ بِهِمَا فَأَخَذَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ وَقَالَ مَنْ يَشْتَرِي هَذَيْنِ قَالَ رَجُلٌ أَنَا آخُذُهُمَا بِدِرْهَمٍ قَالَ مَنْ يَزِيدُ عَلَى دِرْهَمٍ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا (استنبط العلماء أنه يجوز أن تبيع حاجة بمزايدة علنية، أو أن تشتري بمناقصة، وكلاهما جائز)قَالَ رَجُلٌ أَنَا آخُذُهُمَا بِدِرْهَمَيْنِ فَأَعْطَاهُمَا إِيَّاهُ وَأَخَذَ الدِّرْهَمَيْنِ وَأَعْطَاهُمَا الْأَنْصَارِيَّ وَقَالَ اشْتَرِ بِأَحَدِهِمَا طَعَامًا فَانْبِذْهُ إِلَى أَهْلِكَ (لماذا ؟.. الإنسان لا يستطيع أن يعمل إذا كان أهله في ضائقة، إذا كان مضطرباً عليهم، إذا كان مشوشاً على وضعهم فمن أجل أن تُبدع، أو أن تنجز، أو أن تعمل، لابد من أن تكون مطمئناً على أهلك) وَاشْتَرِ بِالْآخَرِ قَدُومًا فَأْتِنِي بِهِ فَأَتَاهُ بِهِ فَشَدَّ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُودًا بِيَدِهِ ثُمَّ قَالَ لَهُ اذْهَبْ فَاحْتَطِبْ وَبِعْ وَلَا أَرَيَنَّكَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا فَذَهَبَ الرَّجُلُ يَحْتَطِبُ وَيَبِيعُ فَجَاءَ وَقَدْ أَصَابَ عَشْرَةَ دَرَاهِمَ فَاشْتَرَى بِبَعْضِهَا ثَوْبًا وَبِبَعْضِهَا طَعَامًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تَجِيءَ الْمَسْأَلَةُ نُكْتَةً فِي وَجْهِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَصْلُحُ إِلَّا لِثَلَاثَةٍ لِذِي فَقْرٍ مُدْقِعٍ أَوْ لِذِي غُرْمٍ مُفْظِعٍ أَوْ لِذِي دَمٍ مُوجِعٍ ))

[أبو داود عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ]

 معنى ذلك أن الإنسان حينما يسأل الله من فضله، وحينما يرجوه في قيام الليل:" إذا كان ثلث الليل الأخير، نزل ربكم إلى السماء الدنيا فيقول: هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من طالب حاجة فأقضيها له؟ هل من تائب فأتوب عليه؟ حتى ينفجر الفجر " فلو سألت الله مباشرةً أن يرزقك طيباً وأن يستعملك صالحاً، الله جل جلاله أجلّ وأكرم من أن يخيب ظنك :" أنا عند ظن عبدي بي، فليظن بي ما يشاء" شاب في مقتبل العمر، لو سأل الله من فضله، لو سأل الله عملاً يدر عليه بعض المال يتزوج به، لو سأل الله حرفة، لو سأل الله وظيفةً، لو سأل الله عملاً يرتزق منه، الله يسمعه، ويستجيب له، ويكرمه بشرط أن يوحده، وأن يقطع أمله من الناس.
 فكل إنسان يشكو من ضيق ذات يده، عليه أن يراجع نفسه، عليه أن يستقيم مع ربه، وعليه أن يسأل الله وحده، فالله جل جلاله لا يخيب ظنه، ويُعاب أن تشكو الرحيم إلى الذي لا يرحم.
 أيها الأخوة الكرام، ما أشدّ حاجة المسلمين إلى العمل المتقن، الذي تعمر به أرضهم، وترقى به همتهم، ويصلحون من شأن دنياهم، وفي الدعاء الصحيح:
 " اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، ودنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير واجعل الموت راحة لنا من كل شر".
 أيها الأخوة الكرام، السلاح الأول في معالجة الفقر هو الزكاة، هذا موضوع آخر يُترك إلى شهر رمضان إن شاء الله تعالى.
 فأول معالجة للفقر التضامن الأسري، وثاني معالجة تضامن الجوار، وثالث معالجة العمل، ورابع معالجة أداء الزكاة، والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه..

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك. اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك، ومن اليقين ما تهون علينا مصائب الدنيا، ومتعنا اللهم بأسماعنا، وأبصارنا، وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا، مولانا رب العالمين. اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، ودنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين. اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك. اللهم لا تؤمنا مكرك، ولا تهتك عنا سترك، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين. اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا، وآمنا في أوطاننا، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً، وسائر بلاد المسلمين. اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك، ومن الفقر إلا إليك، ومن الذل إلا لك، نعوذ بك من عضال الداء، ومن شماتة الأعداء، ومن السلب بعد العطاء. اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب.
 اللهم صن وجوهنا باليسار، ولا تبذلها بالإقتار، فنسأل شر خلقك ونبتلى بحمد من أعطى وذم من منع، وأنت من فوقهم ولي العطاء، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء.
 اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين.
 اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام، وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى، إنك على ما تشاء قدير وبالإجابة جدير.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018