الخطبة : 0629 - الفقر3 - معالجة الفقر في المجتمع الإسلامي طريق العمل 1 - العمل الحل الأمثل للفقر - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0629 - الفقر3 - معالجة الفقر في المجتمع الإسلامي طريق العمل 1 - العمل الحل الأمثل للفقر


1997-09-05

الخطبة الأولى:
 الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنـا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته وإرغامـاً لمن جحد به وكفر. وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر أو سمعت أذن بخبر. اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين. اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرِنا الحــق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممــــن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

العمل هو الحلّ الأمثل لمعالجة الفقر :

 أيها الأخوة الكرام: في خطبتين سابقتين تحدثت عن أن الفقر يُعالج بكفالة الأسر بعضها لبعض، وهو ما يُسمى بالضمان الأسري، ويُعالج الفقر جغرافياً بحقوق الجوار، والحقيقة أنني عرضت الحلول عرضاً تصاعدياً، لكن الحل الأول، والحل الأكبر لمعالجة الفقر هو العمل. إن كل إنسان أيها الأخوة في مجتمع المسلمين مطالب أن يعمل، وقد ورد عن سيدنا عمر رضي الله عنه أنه قال:" إني أرى الرجل ليس له عملٌ فيسقط من عيني"
 وقد بينت لكم كثيراً أن عمل الإنسان- حرفته، مهنته- إن كان في الأصل مشروعاً، ومارسه المسلم وفق المنهج الإلهي، لا كذب، ولا غش، ولا خداع، ولا تدليس، ولا احتكار، ولا استغلال، ومارسه المسلم وفق منهج الله عز وجل، وابتغى به كفاية نفسه وأهله، وابتغى به خدمة المسلمين، ولم يصرفه هذا العمل لا عن فريضة دينية، ولا عن طلب علم، ولا عن عمل صالح.. حرفتك، مهنتك، وظيفتك، عيادتك، مكتبك الهندسي، قاعة التدريس، انقلب إلى عبادة، لأن العبادة في فهمها العميق هي أن تؤدي الواجب الذي أناطه بك، وهو أن تقوم بما وكلك الله به خير قيام.
 لذلك إن كل إنسان في مجتمع المسلمين مطالب أن يعمل، مأمور أن يمشي في مناكب الأرض، وأن يأكل من رزق الله، قال تعالى:

﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ﴾

[ سورة تبارك: 15]

 في آية أخرى يقول الله عز وجل:

﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ﴾

[ سورة تبارك: 15]

 مهيأة لكسب الرزق.

﴿ فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ﴾

[ سورة تبارك: 15]

تعريف العمل :

 من تعريف العمل أيها الأخوة أنه ذلك المجهود الذي يقوم به الإنسان وحده أو مع غيره، لإنتاج سلعة، أو تقديم خدمة، إن هذا العمل هو السلاح الأول لمحاربة الفقر. سيدنا عمر رضي الله عنه كان في جولة تفقدية، فإذا بلدة إسلامية كل أصحاب النشاطات الاقتصادية ليسوا مسلمين، فتألم أشدّ الألم وعنفهم أشدّ التعنيف، وقال لهم: كيف بكم إذا أصبحتم عبيداً عندهم؟ والحقيقة الصارخة أن العالم اليوم منقسم لا إلى شرق وغرب، ولا إلى شمال وجنوب، ولا إلى يمين ويسار، ولكن العالم اليوم منقسم إلى منتج ومستهلك، فالمنتج قوي متحكم، والمستهلك ضعيف مُستَحكم. إن العمل هو السلاح الأول لمحاربة الفقر، هو السبب الأول في جلب المال، هو العنصر الأول في عمارة الأرض، التي استخلف الله فيها الإنسان، وأمره أن يعمرها، قال تعالى:

﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ ﴾

[ سورة هود: 61]

 أمركم أن تُعمروها، لتتخذوا هذه العمارة مطيةً إلى الجنة.

 

كلّ عمل مخالف لمنهج الله ممنوع في مجتمع المسلمين :

 المؤمن يبتغي وجه الله، يبتغي خدمة المسلمين، يبتغي تحقيق مصالحهم، قال تعالى:

﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾

[ سورة المائدة: 2]

 قال علماء التفسير: البر والتقوى صلاح الدنيا وصلاح الآخرة.. صلاح الدنيا بتأمين بيوت للشباب المتزوجين، صلاح الدنيا بتأمين الأعمال..
 يا فلان - سيدنا عمر - ماذا تفعل إذا جاءك الناس بسارق أو ناهب؟ قال: أقطع يده، قال: إذاً فإن جاءني من رعيتك من هو جائع أو عاطل فسأقطع يدك، إن الله قد استخلفنا عن خلقه، لنسد جوعتهم، ونستر عورتهم، ونوفر لهم حرفتهم، فإن وافيناهم ذلك تقاضيناهم شكرها، إن هذه الأيدي خُلقت لتعمل، فإذا لم تجد في الطاعة عملاً التمست في المعصية أعمالاً، إن من أجلّ الأعمال أن توفر فرص العمل للشباب المسلم، هذا الشاب إن أمنت له عملاً فكر بالزواج، فكر في تأسيس أسرة، فكر بخطبة فتاة، دخل في عالم العمل، في عالم الإبداع، في عالم المنافسة الشريفة، في عالم اليد العليا لا اليد السفلى، في عالم النشاط.. والعمل الشريف يشغله عن آلاف الانحرافات.
 هناك حقائقُ أضعها بين أيديكم: إن الإسلام يفتح أبواب العمل أمام المسلم على مصاريعها، ليختار منها، تؤهله كفايته، وخبرته، وميوله، ولا يُفرض عليه عمل معين إلا إذا تعين ذلك لمصلحة المسلمين.
 ولا يُسدُّ باب العمل في وجه مسلم إلا إذا كان عملاً يحقق ضرراً للفرد أو المجتمع، وكل الأعمال المحرمة في الإسلام من هذا القبيل لا تستطيع أن تفتتح دكاناً لبيع الخمر، لا يسمح لك الإسلام أن تفتتح ملهى وتجلب الراقصات، لا يسمح لك الإسلام أن تتاجر بالطريق الربوي، كل عمل مخالف لمنهج الله ممنوع في مجتمع المسلمين.

 

إعطاء الأجير جزاء عمله و ثمرة جهده قبل أن يجف عرقه :

 حقيقة ثانية: لا يُحرم عامل في الإسلام جزاء عمله، وثمرة جهده، بل يُعطى أجره قبل أن يجفَّ عرقه، الحديث الشريف:

(( أَعْطُوا الْأَجِيرَ أَجْرَهُ قَبْلَ أَنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ ))

[ابن ماجه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ]

 لو أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: أعطوا الأجير أجراً، أي أجر، قد يكون هذا الأجر ليس في مستوى عمله، ولكن أعطوا الأجير أجره أي الأجر الذي يستحقه، الأجر الذي يكافئ عمله، الأجر الذي يكافئ جهده، الأجر الذي يكافئ إتقانه.

(( أَعْطُوا الْأَجِيرَ أَجْرَهُ قَبْلَ أَنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ ))

[ابن ماجه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ]

 كما أمر الإسلام أن يُعطى المسلم الأجر المناسب لجهده، وكفايته، وخبرته النادرة، وحاجته بالمعروف، فلا بخس ولا شطط، لأنه إذا أعطي أقل مما يستحق فقد ظلم، والظلم من أشد المحرمات في الإسلام، كما أن المسلم لا يُحرم من التملك، إذا توافر معه من النقود ما يشتري عقاراً، أو منقولاً، يدر عليه دخلاً يرفع من مستوى معيشته، أو ينفقه في مرضه، أو شيخوخته، أو تنتفع به ذريته من بعده.

 

التوكل على الله لا ينافي العمل واتخاذ الأسباب :

 الإسلام وهو دين الله عز وجل عالج كل البواعث النفسية والمعوقات العملية، التي تثبط الناس عن العمل، والسعي، والمشي في مناكب الأرض.
 المرض الأول، المتفشي بين المسلمين - وهو محور هذه الخطبة وفي خطبة قادمة إن شاء الله أعالج بعض الأمراض الأخرى- أن من الناس من يعرض عن العمل والسعي بدعوى التوكل على الله، بشكل صريح أو مبطن، بشكل واضح أو غير واضح، وانتظار الرزق من السماء، وهؤلاء قد خطأهم الإسلام، فإن التوكل على الله لا ينافي العمل واتخاذ الأسباب، وشعار المسلم ما قاله:

(( النبي صلى الله عليه وسلم للأعرابي الذي ترك ناقته سائبة، وجاء النبي فسأله يا رسول الله: أأعقلها أم أتوكل على الله؟ - وكأنه تصور هذا الأعرابي أن عقلها يتناقض مع التوكل - فقال عليه الصلاة والسلام اعقلها وتوكل ))

[الترمذي عن أنس]

 هذا هو الموقف الكامل:

(( اعقلها وتوكل ))

[الترمذي عن أنس]

 سيدنا عمر رأى جماعة يتكففون الناس في موسم الحج، قال: من أنتم ؟ قالوا: نحن المتوكلون، قال: كذبتم المتوكل من ألقى حبةً في الأرض ثم توكل على الله.
 قصة طريفة، تُروى عن شفيق البلخي أحد الصالحين، أنه ذهب في رحلة تجارية، يضرب في الأرض، ويبتغي من فضل الله، وقبل سفره ودّع العالم الزاهد المعروف ابراهيم بن الأدهم، ولم تمض أيام قليلة حتى عاد شفيق، ورآه إبراهيم في المسجد، فقال له متعجباً: ما الذي عجل في عودتك يا شفيق؟ قال: رأيت في سفري عجباً، وعدلت عن الرحلة. قال إبراهيم: خيراً ماذا رأيت ؟ قال شفيق: أويت إلى مكان لأستريح فيه من وعثاء السفر، فوجدت في هذا المكان طائراً كسيحاً أعمى، فعجبت، وقلت في نفسي كيف يعيش هذا الطائر في هذا المكان النائي وهو لا يُبصر ولا يتحرك؟ ولم ألبث قليلاً حتى أتى طائر آخر يحمل له الطعام في اليوم مرات، حتى يكتفي، فقلت في نفسي: إن الذي رزق هذا الطير في هذا المكان قادر على أن يرزقني، وعدت من توي وألغيت رحلة التجارة. فقال إبراهيم بن الأدهم متعجباً: عجبت لك يا شفيق، لماذا رضيت لنفسك أن تكون ذلك الطائر الكسيح الأعمى الذي يعيش على معونة غيره ولم ترض لها أن تكون ذلك الطائر الآخر الذي يسعى على نفسه وعلى غيره من العميان والمقعدين؟ لماذا اخترت هذا الطائر مثلاً أعلى لك ولم تختر الطائر الثاني الذي يسعى ويكسب رزقه ويطعم هذا الطائر الأعمى الكفيف ؟.. أما علمت أن اليد العليا خير من اليد السفلى.
 فقام شفيق وقبّل يده وقال: أنت أستاذنا يا إبراهيم، وعاد إلى تجارته.
 ليس في حياة المؤمن إثنينية، فيها توحد، زواجه عبادة، عمله عبادة، تأديبه لأولاده عبادة، إكرامه للضيف عبادة، تعليمه عبادة، أن يدخل الفرح على قلب أهله وأولاده عبادة، أن يرتدي ثوباً يستر نفسه أمام الناس عبادة. المؤمن الصادق الذي عرف الله عز وجل، وطبق منهجه، كل حركاته وسكناته، وكل نشاطاته ضمن عبادة ربه.
 أيها الأخوة الكرام: استدل بعض القاعدين بحديث النبي صلى الله عليه وسلم:

((لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَوَكَّلُونَ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرُزِقْتُمْ كَمَا يُرْزَقُ الطَّيْرُ تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا ))

[الترمذي عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ]

 لعل هذا الحديث في ظاهره يدعو إلى عدم السعي، لأنه لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصاً – جائعة- وتروح بطاناً، وفي اللغة غدا بمعنى ذهب إلى عمله قبل الشمس.

(( بورك لأمتي في بكورها ))

[رواه أبو يعلى والطبراني في الكبير عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ]

 وراح عاد إلى بيته بعد الغروب. الحديث نفسه يرد على هؤلاء، إن النبي عليه الصلاة والسلام حينما قال: تغدو خماصاً، وتروح بطاناً، لم يضمن لهم الرواح - والطيور بطان ملأى البطون- إلا بعد أن غدت ساعيةً على رزقها، غدت خرجت من عشها، خرجت من أعشاشها، تسعى وتطلب الرزق، عادت ملأى شبعانة، إذاً هي تحركت، ذهبت والله جل جلاله أكرمها ورزقها.
 قيل لأحمد بن حنبل رحمه الله تعالى ما تقول فيمن جلس في بيته أو في المسجد وقال: لا أعمل شيئاً حتى يأتيني رزقي؟ فقال أحمد: هذا رجل جهل العلم، أما سمع قول النبي صلى الله عليه وسلم يقول:

(( جُعل رزقي تحت ظل رمحي ))

[ البخاري وأحمد عن ابن عمر]

 كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يتَّجرون في البر والبحر، ويعملون في نخيلهم، والقدوة بهم أليق.

 

تقنين الله عز وجل تقنين تأديب لا تقنين عجز :

 شيء آخر في هذا الموضوع: الله جلّ جلاله، وعزّ نواله، حين خلق الأرض بارك فيها، وقدر فيها أقواتها، وأودع في بطنها وعلى ظهرها من البركات المذخورة، والخيرات المنشورة، ما يعيش به العباد في رغد، كما قال تعالى.
 أقول لكم هذه الكلمة: إن رأيتم ربكم يقنن عليكم، هذا تقنين تأديب لا تقنين عجز، الإنسان يقنن تقنين عجز، لكن الله جلّ جلاله يقنن تقنين تأديب، قال تعالى:

﴿ وألَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً ﴾

[سورة الجن: 16]

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾

[سورة الأعراف: 96]

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ * وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ ﴾

[ سورة المائدة:65- 66]

 ونقيس على ذلك القرآن.. الله جلّ شأنه حين خلق الأرض، بارك فيها، وقدر فيها أقواتها، وأودع في بطنها وعلى ظهرها من البركات المذخورة، والخيرات المنشورة، ما يعيش به العباد في رغد كبير، قال تعالى:

﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ ﴾

[سورة الأعراف: 10]

 ما معنى المعايش؟ هي أسباب لكسب الرزق. آية ثانية:

﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً ﴾

[سورة الإسراء: 70]

 آية ثالثة:

﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَاراً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾

[ سورة غافر: 64]

 آية رابعة:

﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾

[ سورة هود: 6]

 آية خامسة:

﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ﴾

[ سورة الذاريات: 56-58]

الرزق مضمون و مكفول و لكن ثمنه السعي :

 ولكنْ اقتضت سنة الله في الخلق، أن هذه الأرزاق التي ضمنها الله عز وجل، الرزق مضمون، الرزق مكفول، ولكنْ له ثمن هو السعي. هذه الأرزاق التي ضمنها، والأقوات التي قدرها، والمعايش التي يسرها، لا تُنال إلا بجهد يبذل، وعمل يُؤدى، ولهذا رتب الله الأكل من رزقه بعد المشي في مناكب أرضه، قال تعالى:

﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ﴾

[ سورة تبارك: 15]

 فمن مشى أكل، ومن كان قادراً على أن يمشي ولم يمش كان جديراً ألا يأكل، هذه سنة الله في خلقه، أما من ليس قادراً على المشي فيجب أن يُطعم. روي عن سيدنا عمر أنه رأى بعد الصلاة قوماً قابعين في المسجد بدعوى التوكل على الله، فعلاهم بدرته، وقال كلمته المشهورة:" لا يقعدن أحدكم عن طلب الرزق، ويقول: اللهم ارزقني، وقد علم أن السماء لا تُمطر ذهباً ولا فضة" وأن الله عز وجل يقول:

﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾

[سورة الجمعة: 10]

ضيافة الله للعبد و هو في المسجد أن يتجلى على قلبه بالأمن و الطمأنينة :

 لذلك أنت إذا دخلت المسجد، هناك دعاء مأثور للنبي عليه الصلاة والسلام:

(( بِسْمِ اللَّهِ، وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي، وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ ))

[ أحمد والترمذي وابن ماجة عن فاطمة]

 وعَنْ أَبِي أُسَيْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلْيَقُلِ اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ وَإِذَا خَرَجَ فَلْيَقُلِ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ ))

[ مسلم عَنْ أَبِي أُسَيْدٍ ]

 أي وأنت تصلي، وأنت تستمع إلى خطبة، إلى درس علم، ترجو الله عز وجل أن يتجلى عليك برحمته، لتكون هذه ضيافتك " إن بيوتي في الأرض المساجد، وإن زوارها هم عمارها، فطوبى لعبد تطهر في بيته ثم زارني، وحُق على المزور أن يكرم الزائر "
 ضيافة الله لكم وأنتم في بيته أن يرحمكم، وكلمة يرحمكم واسعة جداً جداً، تبدأ من السكينة، إلى الطمأنينة، إلى الرضا، إلى الشعور بالأمن، إلى الشعور بالتفوق، إلى الشعور بالفوز، إلى الشعور بالفلاح، إلى التيسير، هم في مساجدهم والله في حوائجهم، إلى التوفيق، إلى التمكين، إلى الدعم، إلى السرور، إلى السعادة، إلى زوجة صالحة، إلى أولاد أبرار، إلى رزق وفير، هذه رحمة الله، شيء يحير، واسعة إلى درجة لا تعقل، يلقي في قلبك السرور من رحمة الله عز وجل، هذه ضيافة الله لمن يأتيه في بيته، إن بيوتي في الأرض المساجد، وإن زوارها هم عمارها، فطوبى لعبد تطهر في بيته ثم زارني، وحق على المزور أن يكرم الزائر..
 أما إذا خرجت من المنزل فهناك دعاء آخر، وَإِذَا خَرَجَ قَالَ:" بِسْمِ اللَّهِ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ فَضْلِكَ ". من الأدعية الجامعة المانعة للنبي عليه الصلاة والسلام الموجزة " اللهم ارزقني طيباً، واستعملني صالحاً " وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ فَقَالَ ( يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ) وَقَالَ ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ) ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ يَا رَبِّ يَا رَبِّ وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ ))

[مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]

 أيها الأخوة الكرام: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا، الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني، والحمد لله رب العالمين.

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

الكلاب و ضررها على الإنسان :

 أيها الأخوة الكرام: اطلعت على بحث علمي متعلق بالكلاب، هذا البحث مصدر بثلاثة أحاديث شريفة، وردت بصحيح الجامع الصغير، يقول عليه الصلاة والسلام:

((مَنِ اتَّخَذَ كَلْبًا إِلَّا كَلْبَ زَرْعٍ أَوْ غَنَمٍ أَوْ صَيْدٍ يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ))

[ متفق عليه عن ابن عمر]

 وفي حديث آخر:

(( مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا لَا يُغْنِي عَنْهُ زَرْعًا وَلَا ضَرْعًا نَقَصَ كُلَّ يَوْمٍ مِنْ عَمَلِهِ قِيرَاطٌ ))

[ متفق عليه عن سُفْيَانَ بْنَ أَبِي زُهَيْرٍ الشَّنَئِيَّ]

 وحديث ثالث: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ قَالَ:

(( إِنِّي لَمِمَّنْ يَرْفَعُ أَغْصَانَ الشَّجَرَةِ عَنْ وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَخْطُبُ فَقَالَ: لَوْلَا أَنَّ الْكِلَابَ أُمَّةٌ مِنَ الْأُمَمِ لَأَمَرْتُ بِقَتْلِهَا فَاقْتُلُوا مِنْهَا كُلَّ أَسْوَدَ بَهِيمٍ، وَمَا مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ يَرْتَبِطُونَ كَلْبًا إِلَّا نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِمْ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ إِلَّا كَلْبَ صَيْدٍ أَوْ كَلْبَ حَرْثٍ أَوْ كَلْبَ غَنَمٍ ))

[ مسلم عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ]

 مؤلِف هذا البحث العلمي ذكر ستة وثلاثين مرضاً، ليس لكم شأن أن تستمعوا إلى أسمائها باللغة العربية والأجنبية، هناك ستة وثلاثون مرضاً يسبب الكلب العدوى بها.
 اكتشف العلم أن أمراضاً كثيرةً وهي ستة وثلاثون حتى الآن يكون الكلب هو واسطة نقل العوامل الممرضة لها، وليس من طريقة للتخلص من هذه الأمراض إلا أن نتخلص من الكلاب نفسها، إلا أن هناك مرضاً خطيراً جداً، هو مرض الكَلَب الشهير، الذي يؤدي إلى التهاب دماغي مميت، خلال خمسة أيام من ظهور الأعراض، مرض قاتل والمدة سريعة جداً خمسة أيام.
 طبعاً قد تنتقل بعض هذه الأمراض عن طريق الحيوانات الأخرى كالقطط مثلاً، ولكن النسبة أكثر الحيوانات سبعة بالمئة أو ثلاثة، أو خمسة، إلا الكلب اثنان وتسعون بالمئة.
 في فرنسا وحدها سبعة ملايين كلب عام 1976وعدد سكانها 52 مليوناً، العالم الغربي يعتني بالكلاب إلى درجة غير معقولة إطلاقاً، وكأنه استغنى عن الأولاد بالكلاب. دخل رجل شرقي إلى مجمع للسلع، فلفت نظره المعلبات والأطعمة الشهية، والتي غُلفت بأغلفة راقية، فاشترى كميات كبيرة، وفي أثناء المحاسبة، سُئل: أعندك كلب؟ قال لا، قال: كل هذا طعام الكلاب.
 لهذه الكلاب ذات العدد الكبير في ظل الفراغ الروحي دور قذر في الشذوذ الجنسي في أوروبا وأمريكا. هذا إسلامنا، وهذا ديننا، كلب صيد لا بأس، كلب حراسة لا بأس، لغير هذه الأهداف الثلاثة لا يجوز أن تقتني كلباً.

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك. اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك، ومن اليقين ما تهون علينا مصائب الدنيا، ومتعنا اللهم بأسماعنا، وأبصارنا، وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا، مولانا رب العالمين. اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، ودنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين. اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك. اللهم لا تؤمنا مكرك، ولا تهتك عنا سترك، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين. اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا، وآمنا في أوطاننا، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً، وسائر بلاد المسلمين. اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك، ومن الفقر إلا إليك، ومن الذل إلا لك، نعوذ بك من عضال الداء، ومن شماتة الأعداء، ومن السلب بعد العطاء. اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب. اللهم صن وجوهنا باليسار، ولا تبذلها بالإقتار، فنسأل شر خلقك ونبتلى بحمد من أعطى، وذم من منع، وأنت من فوقهم ولي العطاء، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء. اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين.
 اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام، وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى، إنك على ما تشاء قدير وبالإجابة جدير.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018