الخطبة : 0624 - مولد الرسول صلى الله عليه وسلم - أهمية طلب العلم - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0624 - مولد الرسول صلى الله عليه وسلم - أهمية طلب العلم


1997-08-01

الخطبة الأولى:
 الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنـا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته وإرغامـاً لمن جحد به وكفر. وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر أو سمعت أذن بخبر. اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين. اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرِنا الحــق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممــــن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

حقيقة الاحتفال بذكرى مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم :

 أيها الأخوة الكرام: لا زلنا في شهر مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا زلت ألح وأكرر على أن حقيقة الاحتفال بذكرى مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نتبع سنته، وأن نقتفي أثره، وأن نجعله قدوةً ومثلاً.. إن فعلنا ذلك فقد احتفلنا بذكرى مولده صلى الله عليه وسلم.
 لم تعرف البشرية ديناً مثل الإسلام، عني بالعلم أبلغ العناية وأتمها، دعوةً إليه، وترغيباً فيه، وتعظيماً لقدره، وتنويهاً بأهله، وحثاً على طلبه، ودعوةً إلى تعلمه وتعليمه، وبياناً لآدابه، وتوضيحاً لآثاره، وترهيباً من القعود عنه، والازورار عن أصحابه، أو المخالفة بهدايته، أو الازدراء بأهله. إن أخص خصائص هذا الدين العظيم العلم.. إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم.
 في القرآن الكريم قريب من ألف آية تتحدث عن العلم ومشتقاته: علم، يعلم، يعلمون، اعلموا، عليم، علام.. في القرآن الكريم ما يقرب من ألف آية تتحدث عن العلم ومشتقاته، والعقل ومرادفاته: كأولي الألباب، وأولي النهى، والفكر، والفقه، والحكمة، والبرهان، والحجة، والنظر والتفكر.. قريب من ألف آية في كتاب الله، تتحدث عن العلم، وعمَّا يتبع العلم من فقه، وحجة، وبرهان، وتفكر، وتأمل، ويقين ومعرفة. وفي السنة الصحيحة ما يقابل هذا العدد، ولا سيما في كل كتب الحديث الصحيحة، أول باب أو ثاني باب بعد باب الإيمان باب العلم.

طلب العلم من أخصّ خصائص سنة النبي :

 ذكرت هذا من أجل أن تعلموا أن من أخصّ خصائص سنة النبي عليه الصلاة والسلام طلبَ العلم، والمؤمن ما لم يطلب العلم، وما لم يبذل وقتاً في سبيل طلب العلم، وما لم يحرص على طلب العلم، وما لم يقلب هذا العلم إلى واقع، فإنه بعيد عن روح الإسلام وعن جوهر الإيمان. في الحديث المتفق عليه بين البخاري ومسلم رحمهما الله تعالى عن مُعَاوِيَةَ قال: سمعتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

((مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ.. ))

[متفق عليه عن مُعَاوِيَةَ]

 ربنا عز وجل أعطى المال لمن لا يحب، وأعطاه لمن يحب، أعطاه لسيدنا عبد الرحمن بن عوف، وأعطاه لقارون، إذاً ليس مقياساً. أعطى القوة لمن يحب، لسيدنا سليمان وهو نبي كريم، وأعطاها لمن لا يحب لفرعون، إذاً ليست مقياساً. أما مقياس محبة الله عز وجل فهو حينما يؤتي عبداً العلم والحكمة، قال تعالى:

﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آَتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴾

[سورة القصص: 14]

أحاديث صحيحة تدل على فضل العلم وخاصة فضل العلم بالدين :

 في صحيح مسلم يقول عليه الصلاة والسلام:

((.. وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ (نتابع الحديث) وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ - المكان بيت من بيوت الله، الموضوع تلاوة القرآن الكريم، ومدارسة معانيه وأحكامه- إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ - في قلب طالب العلم من السكينة والطمأنينة ما لو وزع على أهل بلد لكفتهم- وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ - أنت في حفظ الملائكة، أنت في رعاية الملائكة، الملائكة تحفك، الملائكة تسدد خطاك- وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ- رحمة من الله تغشى طالب العلم، وسكينة من الله وهي أساس السعادة النفسية، تستقر في قلبه، وحفظ من الملائكة بأمر من الله عز وجل، كل ذلك لأنك أردت أن تعرف الله، أردت أن تطلب العلم- وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ ))

[مسلم عن أبي هريرة ]

 بالمقابل: وما جلس قوم مجلساً لم يذكروا الله فيه، إلا قاموا عن أنتن من جيفة حمار.
 هل هناك من مؤمن ليس له أقارب وأصدقاء وجيران وزملاء وأصحاب؟ ألا يلتقي بهم في الأسبوع مرةً أو مرتين؟ ما منا واحد إلا وله لقاءات عدة في الأسبوع، عن ماذا تتحدثون في هذه اللقاءات؟ إن كان الحديث عن الله عز وجل، نزلت عليكم السكينة، وحفتكم الملائكة، وغشيتكم الرحمة، وذكركم الله فيمن عنده.
 وإن كان موضوع الأحاديث عن الدنيا، والموضوع الفلاني والعلاني وفلان وعلان، قاموا عن أنتن من جيفة حمار. وفي حديث الإمام أحمد الذي رواه في مسنده عن أبي الدرداء قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

((مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَبْتَغِي فِيهِ عِلْمًا سَلَكَ اللَّهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضَاءً لِطَالِبِ الْعِلْمِ، وَإِنَّ الْعَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ حَتَّى الْحِيتَانُ فِي الْمَاءِ، وَفَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ، إِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا، إِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَ بِهِ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ ))

[ الترمذي عن أبي الدرداء]

 هذه الأحاديث الصحيحة الشريفة تدل على فضل العلم، وبخاصة فضل العلم بالدين؛ لأن العلم مطلقاً حرفة من الحرف، قد تكون في أعلى درجة من اختصاص نادر، ولست مطيعاً لله عز وجل، فأنت ذكي ولست عاقلاً.. قد تكون في أعلى اختصاص من الاختصاصات النادرة، من التي يُعول عليها في الدنيا، ومع ذلك قد لا تتصل بالله وقد لا تذوق حلاوة القرب منه، فأنت ذكي في اختصاصك، ولست عاقلاً؛ لأنك ما اهتديت إلى أصل الوجود، وإلى الحقيقة العظمى، وإلى غاية السعادة والتوفيق. هذه الأحاديث الصحيحة، التي تدل على فضل العلم، وبخاصة العلم بالدين، أو الفقه في الدين، بل إن النبي عليه الصلاة والسلام ذكر الفقه في الدين فقال:

(( من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين))

[البخاري عن حميد بن عبد الرحمن]

الفقه في الدين أخصّ وأعمق من العلم بالدين :

 الحقيقة أن الفقه في الدين أخص وأعمق من مجرد العلم بالدين، فالعلم معرفة بالظاهر فحسب، والفقه معرفة بالظاهر واللب معاً، العلم أكثر ما يتصل بالعقل وحده، والفقه يتصل بالعقل والقلب معاً. مجرد العلم بالأحكام الشرعية الجزئية، كأحكام الطهارة والنجاسة، والرضاع والطلاق، والبيع والشراء، كما هو مدلول الفقه في اصطلاح الخلف، لا يُنشئ الفقه المراد بالحديث الذي هو دليل إرادة الله الخير لصاحبه، لذلك حينما سأل أعرابي النبي فقال: يا رسول الله: عظني وأوجز؟ فتلا عليه النبي صلى الله عليه وسلم قوله تعالى: " فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره " قال الأعرابي: قد كفيت، فقال عليه الصلاة والسلام: فَقُهَ الرجل، لم يقل فَقِه، بل قال: فَقُه، أي صار فقيهاً حسب هذا العلم فضلاً أن مجالسه تحفها الملائكة- ملائكة الله - وتنزل عليها السكينة، وتغشاها الرحمة، ويذكرها الله في الملأ الأعلى، هذه الملائكة التي تحرس مجالس العلم تضع أجنحتها لطالبيه، فالوضع تواضع، وتوقير، وتبجيل، الملائكة تضع أجنحتها تواضعاً لطالب العلم، وتوقيراً لطالب العلم.
 والحفُّ: حفظ، وحماية، وصيانة.. وتعظيم الملائكة له، وحبها إياه، وحمايتها له، وكفى بهذا شرفاً وفضلاً.
 هذه الأحاديث، ومثلها كثير، بجوار ما جاء في القرآن الكريم من آيات عزيزة، وغزيرة، ووفيرة، جعلت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن تبعهم بإحسان على مرّ القرون يشيدون بشأن العلم، وينوهون بقدر العلماء، تحريضاً على طلب العلم، والزيادة منه وتحذيراً من الجهل، وما يجره على أهله من شؤم في الدنيا والآخرة. سيدنا عمر، يقول:" أيها الناس! عليكم بطلب العلم، فإن لله رداء محبة، فمن طلب باباً من العلم رداه الله بردائه ذاك". وسأل رجل ابن عباس رضي الله عنهما عن الجهاد، فقال له ": ألا أدلك على ما هو خير لك - خاص بالسائل- من الجهاد؟ تبني مسجداً تعلم فيه القرآن، وسنة النبي عليه الصلاة والسلام، والفقه في الدين."

أفضل العبادات العبادة التي تناسب وقتها وتناسب صاحبها :

 بعض العلماء تساءلوا فيما بينهم، أي العبادات أفضل ؟ أهي الأشد مشقةً ؟ أهي الأكثر نفعاً ؟ أم هي الأكثر اتساعاً مكاناً وزماناً ؟ ثم استقر رأي هؤلاء على أن أعظم العبادات العبادة التي تناسب وقتها، وتناسب صاحبها، فإذا مرض الأب، فالعبادة تمريضه، وإذا جاءك ضيف فالعبادة إكرامه، وإذا كنت ذا مال، فالعبادة إنفاق المال، وإذا كنت ذا جاه، فالعبادة إنصاف الناس بجاهك، وإذا كنت ذا حكم، فالعبادة أن تعدل بين الناس. سيدنا خالد بن الوليد، لم يرو عنه أي حديث شريف، لكنه خاض مئة معركة أو زهاءها، وما في بدنه موطن شبر إلا وفيه ضربة بسيف، أو طعنة برمح. سيدنا أبو هريرة روى عن رسول الله آلاف الأحاديث. سيدنا عمر حكم بين الناس بالعدل. العبادة المقيدة مرفوضة أما العبادة المطلقة فكل بحسب حاله وبحسب ما أقامه الله عز وجل، طبعاً مع تأدية العبادات التي هي فرائض، هذه أصل في الدين، لكن بعد أن تؤدي ما عليك من فرائض كفرض عين الآن تحرك وفق ما أقامك الله عز وجل. الذي أوتي علماً عبادته إنفاق هذا العلم، والذي أوتي مالاً عبادته إنفاق هذا المال، والذي أوتي حكمةً عبادته التوفيق بين الناس، والذي أوتي جاهاً عبادته إنصاف المظلوم، والذي أوتي مكانةً أو سلطةً عبادته الحكم بين الناس بالعدل. ألم يقل الله عز وجل:

﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً ﴾

[ سورة الفرقان: 52]

 والهاء تعود على القرآن الكريم، أي إن الله جل جلاله جعل من تعلم القرآن وتعليمه بإخلاص شديد، ودقة متناهية، جعله جهاداً كبيراً بل إنه جهاد متاح الآن في هذه الأيام. ابن مسعود رضي الله عنه يقول:" نعم المجلس مجلس تُنشر فيه الحكمة، وتُنشر فيه الرحمة".

 

العلم هو الخاصة التي يتميز بها الإنسان عن سائر المخلوقات :

 وقال معاذ بن جبل وهذا النص موقوف على سيدنا معاذ بن جبل:" تعلموا العلم، فإن تعلمه لله خشية، وطلبه عبادة، ومدارسته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة، وبذله لأهله قربة، وهو الأنيس في الوحدة، والصاحب في الخلوة، والدليل على الدين، والنصير في السراء والضراء، والوزير عند الأخلاء، والقريب عند الأقرباء، ومنار سبيل الجنة، يرفع الله به أقواماً فيجعلهم في الخير قادةً وسادةً يُقتدى بهم، أذلة في الخير، تُقتفى آثارهم، ترمق أفعالهم، ترغب الملائكة في صحبتهم، كل رطب ويابس يستغفر لهم، حتى حيتان البحر وهوامه، وسباع البر وأنعامه، والسماء ونجومها- إلى أن  قال سيدنا معاذ- به يُطاع الله، وبه يُعبد، وبه يوحد، وبه يمجد، وبه يتورع، وبه توصل الأرحام، وبه يُعرف الحلال والحرام، وهو إمام والعمل تابعه، يُلهمه السعداء، ويحرمه الأشقياء ".
 الحسن رضي الله عنه يقول:" لولا العلم لصار الناس مثل البهائم " أي أن العلم يخرج الناس من حدّ البهيميّة إلى حدّ الإنسانيّة.
 يحيى بن معاذ يقول:" العلماء أرحم بأمة محمد من آبائهم وأمهاتهم قيل: كيف ؟ قال: ذلك بأن الآباء والأمهات يحفظون أبناءهم من نار الدنيا، والعلماء يحفظون أتباعهم من نار الآخرة، لهذا قيل لك: الآباء ثلاثة؛ أب أنجبك، وأب زوجك، وأب دلك على الله. " سئل ابن المبارك: من الناس ؟ قال: العلماء، قيل: فمن الملوك، قال: الزهَّاد.
 الإمام الغزالي رحمه الله تعالى، شرح هذه المقولة، قال:" لم يجعل ابن المبارك غير العالم من الناس، لأن الخاصة التي يتميز بها الإنسان عن سائر المخلوقات هي العلم، فالإنسان إنسان بما هو شريف لأجله، وليس لشيء آخر، ليس هو شريفاً بقوة جسمه، فالجمل أقوى منه، ولا بعظمته، فالفيل أعظم منه، ولا ليجامع فإن أخس العصافير أقوى على الفساد منه، بل لم يُخلق إلا للعلم، فأنت لست إنساناً إلا إذا طلبت العلم، أنت شريف بما أنت خُلقت له".
 أحمد ابن حنبل يقول:" حاجة الإنسان إلى العلم أكثر من حاجته إلى الطعام والشراب".
 يقول سيدنا علي كرم الله وجهه:" يا بني العلم خير لك من المال لأن العلم يحرسك، وأنت تحرس المال، والمال تُنقصه النفقة، والعلم يزكو على الإنفاق، يا بني، مات خزَّان المال وهم أحياء، والعلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة، وأمثالهم في القلوب موجودة" .
 ويقول الإمام علي كرم الله وجهه:" قوام الدين والدنيا أربعة رجال؛ عالم مستعمل علمه، وجاهل لا يستنكف أن يتعلم، وغني لا يبخل بماله، وفقير لا يبيع آخرته بدنياه، فإذا ضيّع العالم علمه، استنكف الجاهل أن يتعلم، وإذا بخل الغني بماله، باع الفقير آخرته بدنيا غيره" .
 العلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً، ويظل الإنسان عالماً ما طلب العلم، فإذا ظن أنه قد علم فقد جهل.. طالب العلم يؤثر الآخرة على الدنيا فيربحهما معاً، والجاهل يؤثر الدنيا على الآخرة فيخسرهما معاً. هذا جانب كبير ومهم جداً من جوانب شخصية النبي عليه الصلاة والسلام، فإذا أردنا أن نحتفل بذكرى مولده - ونحن في شهر المولد - فليكن احتفالنا اقتفاءً لسنته، وهي طلب العلم.

 

طلب العلم أخطر شيء في حياة كل إنسان :

 اطلب العلم، إن أخطر شيء تفعله في حياتك طلب العلم.. إن طلب العلم لا يعلو عليه شيء في حياتك، لأن طلب الحلال فريضة بعد الفريضة، وطلب العلم فريضة على كل مسلم، أي على كل شخص مسلم.
 أيها الأخوة الكرام، هل تصدقون أن علة وجودنا أن نعرف الله..

﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً﴾

[ سورة الطلاق : 12]

 أيها الأخوة الكرام: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا، الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني، والحمد لله رب العالمين.

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

الفرق بين العلم الديني والدعوة إلى الله :

 أيها الأخوة الكرام: تنبيه بسيط هو أن العلم الديني شيء، والدعوة إلى الله شيء آخر، العلم تتبع لجزئيات الاختصاص، وبحث عن الأدلة والبراهين، وتقييم لهذه الأدلة والبراهين، والبحث في أدلة الطرف الآخر وتقييمها وتفنيدها.. هذا هو العلم، لكنَّ الدعوة إلى الله يجب أن تستند إلى علم غزير، ولكنها شيء آخر، نقل هذه الحقائق، عرض هذه الحجج بأسلوب رشيد، بطريقة مؤثرة، بتقريب عن طريق مثل، أو قصة، أو مشهد، أو وصف، من أجل أن نوجد عند الناس قناعة بحقائق الدين، هذه القناعة إذا تمكنت وترسخت انقلبت إلى مواقف. لذلك أيها الأخوة العالم عمله مخبري، لكنَّ الداعية إلى الله عز وجل عمله دعائي، بمعنى أنه يأخذ حقائق الدين ويعرضها بثوب قشيب، بأسلوب محبب، بطريقة مثيرة، بعرض رائع، حتى يقنع الناس بحقائق الدين أولاً، فإذا أقنعهم قناعةً متينة قوية، حملتهم قناعتهم تلك على أخذ مواقف، على تغيير سلوك، على قلب العادات والتقاليد التي ألفوها إلى سنن نبوية يطبقونها.
أيها الأخوة الكرام: كل مؤمن يجب أن يدعو إلى الله، أنا لا أقصد مشاهير الدعاة، أنا أقول: كل مؤمن يجب أن يدعو إلى الله، والدليل قال تعالى:

﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾

[ سورة يوسف: 108]

 فإن لم تدع على بصيرة فلست متبعاً لرسول الله، هذه واحدة.
 الشيء الثاني، حينما قال الله عز وجل:

﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾

[ سورة العصر: 1-3]

 التواصي بالحق أحد أركان النجاة من الخسارة المحققة، فهذه الدعوة إلى الله أشار النبي إليها، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً، وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ ))

[البخاري عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ]

 ماذا سمعت في خطبة الجمعة ؟.. ماذا سمعت في درس الحديث الشريف ؟.. ماذا سمعت في درس الفقه ؟ ماذا سمعت في درس السيرة ؟ هذا الذي سمعته يجب أن تنقله لأقرب الناس إليك، لخاصة نفسك، هذه هي الدعوة إلى الله المبسطة، التي هي فرض عين، عن ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

((نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا شَيْئًا فَبَلَّغَهُ كَمَا سَمِعَ فَرُبَّ مُبَلِّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ ))

[ الترمذي عن ابن مسعود]

 كفى بالذي يدعو إلى الله، وإن أردتم أن تحتفلوا حقيقة بذكرى مولد نبيكم، نبينا عليه الصلاة والسلام دعانا إلى طلب العلم، وإلى تعليم العلم، وهل تصدقون أن النبي عليه الصلاة والسلام جعل الخيرية المطلقة في تعلم القرآن وتعليمه؛ لأنه منهج الإنسان في الحياة، بل إن الله عز وجل يقول:

﴿ الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآَنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ﴾

[ سورة الرحمن: 1-4]

 لماذا قدم تعليم القرآن على خلق الإنسان ؟ قال علماء التفسير: ليس هذا التقديم تقديماً زمنياً بل هو تقديم رتبي، أي أن وجود الإنسان لا معنى له من دون منهج يسير عليه.لدع

الدعاء :

 اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، اقسم لنا من خشيتك، ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك، ومن اليقين ما تهون علينا مصائب الدنيا، ومتعنا اللهم بأسماعنا، وأبصارنا، وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا، مولانا رب العالمين.
 اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك. اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام، وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى، إنك على ما تشاء قدير وبالإجابة جدير..

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018