الخطبة : 0620 - الأخوة الإيمانية. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0620 - الأخوة الإيمانية.


1997-06-27

الخطبة الأولى:
 الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنـا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته وإرغامـاً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله، سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر أو سمعت أذن بخبر، اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرِنا الحــق حقاً، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً، وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

التّوافق والحب والألفة بين المؤمنين :

 أيها الأخوة الكرام، إن أثمن شيء في الحياة الدنيا هذه الأخوة الإيمانية التي تربط بين المؤمنين، ففي كل شخصية واحد منَّا سمات، وصفات، وتطورات، وقيم، ومبادئ، وأهداف، وطباع، وأخلاق، وعادات، وتقاليد، وعواطف، ومشاعر، وميول، ورغبات، ونوازع، واتجاهات.. هذه مكونات شخصية الإنسان، ويمكن أن ينطوي أيها الأخوة تحت كل بند من هذه البنود بضع عشرات من الفروع والأقسام، وما شخصية الإنسان إلا مجموع هذه الملامح والصفات..
 الآن الإيمان الحقيقي يطبع الإنسان بطابع عميق، وطابع راسخ، وصارخ، ومتميز، في تطوراته، ومبادئه، وأهدافه، وقيمه، وأخلاقه، وطباعه، وعاداته، وعواطفه، ومشاعره، وميوله، ورغباته، ونوازعه، واتجاهاته، وكلما كثرت الصفات المشتركة، والملامح المتوافقة بين شخصيتين ازدادت الألفة بينهما، لأن كلاً منهما يرى ذاته، وصفاته في أخيه، لذلك قالوا: في حياة كل منَّا شخصية تكون، وهي شخصيتنا، وشخصية نحبها، وهي التي تتوافق صفاتها مع شخصيتنا، وشخصية نتمنى أن نكونها، وهي الشخصية القدوة التي نصبو إليها.. في شخصية الإنسان ملامح كثيرة، كلما اتحدت الملامح في شخصيتين، كان التوافق، والحب، والألفة بينهما..
 الإيمان يطبع الإنسان بطابع عميق، وسمات دقيقة، واضحة، متميزة، لذلك من الطبيعي جداً أن تجد هذا التوافق والحب والألفة بين المؤمنين، القرآن الكريم أيها الأخوة أثار هذه الحقيقة فقال:

﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ * وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾

[سورة الأنفال: 62-63]

 هذه المودة، وهذا الحب بين المؤمنين، وهذا التواصل، وهذا التزاور، وهذا التباذل - من البذل- لن تجد له مثيلاً في غير المؤمنين. في الأحاديث الصحيحة إشارات دقيقة جداً من رسول الله صلى الله عليه وسلم لهذه الحقيقة القرآنية، ففي سنن أبي داود عن عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ لَأُنَاسًا مَا هُمْ بِأَنْبِيَاءَ وَلَا شُهَدَاءَ، يَغْبِطُهُمُ الْأَنْبِيَاءُ وَالشُّهَدَاءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِمَكَانِهِمْ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ تُخْبِرُنَا مَنْ هُمْ ؟ قَالَ: هُمْ قَوْمٌ تَحَابُّوا بِرُوحِ اللَّهِ عَلَى غَيْرِ أَرْحَامٍ بَيْنَهُمْ، وَلَا أَمْوَالٍ - لأنه من الطبيعي أن يتواصل الناس على أرحام بينهم، ومن الطبيعي أن يتواصل الناس على مصالح مشتركة بينهم، لكنَّ هؤلاء الذين ليسوا أنبياء يغبطهم الأنبياء على مكانهم من الله، هؤلاء- تَحَابُّوا بِرُوحِ اللَّهِ عَلَى غَيْرِ أَرْحَامٍ بَيْنَهُمْ، وَلَا أَمْوَالٍ يَتَعَاطَوْنَهَا، فَوَاللَّهِ إِنَّ وُجُوهَهُمْ لَنُورٌ، وَإِنَّهُمْ عَلَى نُورٍ، لَا يَخَافُونَ إِذَا خَافَ النَّاسُ، وَلَا يَحْزَنُونَ إِذَا حَزِنَ النَّاسُ، وَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ:﴿ أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾))

[ أبو داود عن عمر بن الخطاب ]

الأخوة الإيمانية أثمن شيء في الحياة الدنيا :

 إن أثمن شيء في الحياة الدنيا هذه الأخوة الخالصة بين المؤمنين، ليس هناك أرحام تجمع، ولا مصالح تغري، اجتمعوا على الله وتفرقوا عليه، من هنا ورد في الحديث القدسي:

((وجبت محبتي للمتحابين فيَّ، والمتجالسين فيّ، والمتباذلين فيَّ والمتزاورين فيّ، والمتحابون في جلالي على منابر من نور، يغبطهم عليها النبيّون يوم القيامة))

[الترمذي ومالك عن معاذ بن جبل]

 وفي لفظ:

((وَجَبَتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَحَابِّينَ فِيَّ، وَالْمُتَجَالِسِينَ فِيَّ، وَالْمُتَزَاوِرِينَ فِيَّ، وَالْمُتَبَاذِلِينَ فِيَّ))

[الترمذي ومالك عن معاذ بن جبل]

 وفي سنن النسائي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ، الْإِمَامُ الْعَادِلُ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ، وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ، اجْتَمَعَا عَلَيْهِ، وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ أَخْفَى حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ))

[متفق عليه عن أبي هريرة]

 لا زلنا في المحبة الخالصة بين الأخوة المؤمنين، وهي أثمن شيء في الحياة الدنيا.. وفي صحيح الإمام مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

((أَنَّ رَجُلًا زَارَ أَخًا لَهُ فِي قَرْيَةٍ أُخْرَى فَأَرْصَدَ اللَّهُ لَهُ عَلَى مَدْرَجَتِهِ مَلَكًا، فَلَمَّا أَتَى عَلَيْهِ قَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ ؟ قَالَ: أُرِيدُ أَخًا لِي فِي هَذِهِ الْقَرْيَةِ، قَالَ: هَلْ لَكَ عَلَيْهِ مِنْ نِعْمَةٍ تَرُبُّهَا ؟ قَالَ: لَا، غَيْرَ أَنِّي أَحْبَبْتُهُ فِي اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، قَالَ: فَإِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكَ بِأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَبَّكَ كَمَا أَحْبَبْتَهُ فِيهِ))

[مسلم عن أبي هريرة]

 إذاً أن تحب أخاً في الله، هذا يوجب محبة الله لك، أن تحب أخاً في الله، من غير أرحام بينك وبينه، ومن غير مصالح مشتركة، تحبه لا تحبه إلا لله، للتوافق بينكما، للتصورات المشتركة، والمبادئ المشتركة، والقيم المشتركة، والأنماط السلوكية المشتركة، هذه تدعو إلى أن يحبنا الله جميعاً.

 

من تعامل مع أخيه و تفوق عليه في العمل الصالح كان أفضل منه :

 وفي مسند الإمام أحمد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((خَيْرُ الْأَصْحَابِ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرُهُمْ لِصَاحِبِهِ وَخَيْرُ الْجِيرَانِ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرُهُمْ لِجَارِهِ))

[الترمذي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرو]

 وخير تعني الأفضلية.. أي إذا تعاملت مع أخيك، وتفوقت عليه في العمل الصالح، فأنت خير منه، إن تعاملت مع أخيك، وعفوت عنه فأنت خير منه، إن تعاملت مع أخيك وأعطيته من مالك فأنت خير منه.. وفي مسند الإمام أحمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((لَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا، الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ، وَلَا يَخْذُلُهُ، وَلَا يَحْقِرُهُ، التَّقْوَى هَاهُنَا، وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ، كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ))

[متفق عليه عن أبي هريرة]

 ما هذا الحديث الجامع المانع؟؟ لو طبقه المسلمون والله الذي لا إله إلا هو لأغلقت المحاكم أبوابها.. ولهذه الحقيقة وقفة تاريخية ؛ سيدنا عمر - رضي الله عن عمر - تولى القضاء في عهد سيدنا الصديق، سنتان كاملتان ولم يطرق بابه أحد !.. قاضٍ ينتظر من الناس أن يأتوا إليه ؛ ليتحاكموا عنده، لم يطرق بابه أحد..

((لَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا، الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ، وَلَا يَخْذُلُهُ، وَلَا يَحْقِرُهُ، التَّقْوَى هَاهُنَا، وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ، كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ))

[متفق عليه عن أبي هريرة]

 التناجش أيها الأخوة أن يشتري الإنسان شراء صورياً ليحمل أخاه على الشراء بسعر مرتفع.

 

الإيمان شيء و الاقتناع بحقائق الإيمان شيء آخر :

 وفي مسند الإمام أحمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ:

((مَنْ أَحَبَّ - وَقَالَ هَاشِمٌ - مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَجِدَ طَعْمَ الْإِيمَانِ فَلْيُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ))

[أحمد عن أبي هريرة]

 الإيمان له منطق، وله طعم، منطقه شيء، وطعمه شيء آخر، أن تقتنع بحقائق الإيمان شيء، وأن تعيش حالة الإيمان شيء آخر، أن تقتنع بمبادئ الإسلام شيء، وأن تذوق طعم القرب من الله شيء آخر، لذلك ورد في أحاديث كثيرة إشارات عن حلاوة الإيمان، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ:

((مَنْ أَحَبَّ - وَقَالَ هَاشِمٌ - مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَجِدَ طَعْمَ الْإِيمَانِ فَلْيُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ))

[أحمد عن أبي هريرة]

 يؤكد هذا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِي اللَّه عَنْه عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ ؛ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ))

[متفق عليه عن أنس بن مالك]

الولاء و البراء :

 وفي مسند الإمام أحمد عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ:

((أَيُّ عُرَى الْإِسْلَامِ أَوْسَطُ؟ قَالُوا: الصَّلَاةُ، قَالَ: حَسَنَةٌ، وَمَا هِيَ بِهَا، قَالُوا: الزَّكَاةُ، قَالَ: حَسَنَةٌ، وَمَا هِيَ بِهَا، قَالُوا: صِيَامُ رَمَضَانَ، قَالَ حَسَنٌ، وَمَا هُوَ بِهِ، قَالُوا: الْحَجُّ، قَالَ: حَسَنٌ، وَمَا هُوَ بِهِ، قَالُوا: الْجِهَادُ، قَالَ: حَسَنٌ، وَمَا هُوَ بِهِ، قَالَ: إِنَّ أَوْسَطَ عُرَى الْإِيمَانِ أَنْ تُحِبَّ فِي اللَّهِ، وَتُبْغِضَ فِي اللَّهِ ))

[أحمد عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ]

 العروة هي التي تربطك بالإسلام، هي التي تشدك إليه، هي التي تدفعك إلى التمسك به، هي التي تثبتك على منهجه.. الشيء الذي يثبتك ويشدك ويربيك..
 إن أكثر شيء، إن أقوى شيء يشدك إلى الدين، أن تحب لله، وأن تبغض لله، الولاء والبراء، أن تنتمي إلى مجموع المؤمنين، أن تكون معهم، قال تعالى:

﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً ﴾

[ سورة الكهف: 28]

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾

[ سورة التوبة: 119]

 أوثق عرى الإسلام أن تحب لله، وأن تبغض لله، هذا هو الولاء، وذاك هو البراء..
 يا رب فعلت كذا وكذا من أجلك - ورد في بعض الأحاديث فيما معناه- يقول: " أما زهدك فقد تعجلت فيه الراحة لقلبك، أما كذا ففعلته لمصلحتك، ولكن ماذا فعلت من أجلي؟ قال يا رب وماذا أفعل من أجلك؟ قال: هل واليت فيَّ ولياً؟ هل عاديت فيَّ عدوا؟"ً... الذي يشدك في الدين الولاء، أن توالي المؤمنين، أن تكون معهم في خندق واحد، أن ترى مصلحتك مصلحتهم..
 أيها الأخوة الكرام، إن أوثق عرى الإيمان أن تحب لله وأن تبغض لله..

 

تمتين عرى الدين الإسلامي بالمحبة و الألفة :

 وفي مسند الإمام أحمد عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((أَحَبَّ عَبْدٌ عَبْدًا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إِلَّا أَكْرَمَ رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ))

[أحمد عَنْ أَبِي أُمَامَة]

 إنك إن أحببت أخاك، فقد كرَّمت هذا الدين، فقد متنت عرى هذا الدين، فقد ثبّت قواعد هذا الدين، أما إذا رأيت بين المسلمين العداوة، والبغضاء، والحسد، والخصومات، والطعن والشتم، هؤلاء مسلمون؟ هؤلاء في مستوى أن يحبهم الله عز وجل؟.. هؤلاء الذين يتحاسدون، ويتناجشون، ويتباغضون، ويتلاسنون، هؤلاء ليسوا عند الله في المستوى الذي يريد.. وفي مسند الإمام أحمد عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ رَضِي اللَّه عَنْه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((دَبَّ إِلَيْكُمْ دَاءُ الْأُمَمِ قَبْلَكُمُ، الْحَسَدُ وَالْبَغْضَاءُ، وَالْبَغْضَاءُ هِيَ الْحَالِقَةُ، حَالِقَةُ الدِّينِ، لَا حَالِقَةُ الشَّعَرِ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَفَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِشَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ))

[أحمد عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ]

 شيء خطير جداً هذه البغضاء بين المؤمنين، هذا الحسد، هذه الشحناء، هذا الطعن المتبادل، هذه المهاترات، هذه هي الحالقة، ليست حالقة الشعر، ولكنْ هي حالقة الدين.. تصور كيف كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 

المؤمن مع من أحبّ :

 وفي صحيح مسلم عن أَنَس بْنِ مَالِكٍ رَضِي اللَّه عَنْهم قَالَ:

((بَيْنَمَا أَنَا وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَارِجَانِ مِنَ الْمَسْجِدِ فَلَقِيَنَا رَجُلٌ عِنْدَ سُدَّةِ الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَتَى السَّاعَةُ ؟ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا أَعْدَدْتَ لَهَا ؟ فَكَأَنَّ الرَّجُلَ اسْتَكَانَ، ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا أَعْدَدْتُ لَهَا كَبِيرَ صِيَامٍ، وَلَا صَلَاةٍ، وَلَا صَدَقَةٍ، وَلَكِنِّي أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، قَالَ: أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ))

[متفق عليه عن أنس بن مالك ]

 إذا كنت تحب الله ورسوله فأنت مع من أحببت، وفي مسند الإمام أحمد عَنْ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيِّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِجَدِّهِ يَزِيدَ بْنِ أَسَدٍ:

((أَحِبَّ لِلنَّاسِ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ))

[أحمد عَنْ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيِّ عَنْ أَبِيهِ]

 وفي حديث آخر:

((أَتُحِبُّ الْجَنَّةَ قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ فَأَحِبَّ لِأَخِيكَ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ))

[أحمد عَنْ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيِّ عَنْ أَبِيهِ]

 لو أن المسلمين طبقوا هذين الحديثين:

((أَحِبَّ لِأَخِيكَ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ))

 أو الحديث المشهور:

((لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ))

[ متفق عليه عن أنس ]

 ولو طبق المسلمون الحكمة القائلة: (عامل الناس كما تحب أن يعاملوك) لانتهت كل مشاكلهم.
 أيها الأخوة الكرام، وفي مسند الإمام مالك عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((تُفْتَحُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ، فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا، إِلَّا رَجُلًا كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ، فَيُقَالُ: أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا، أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا، أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا))

[ مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 ما دام بين أخوين شحناء وبغضاء، فالمغفرة محجوبة عنهما معاً. وفي سنن الترمذي عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((مَا مِنْ مُسْلِمَيْنِ يَلْتَقِيَانِ فَيَتَصَافَحَانِ إِلَّا غُفِرَ لَهُمَا قَبْلَ أَنْ يَفْتَرِقَا))

[ الترمذي وابن ماجة عن البراء بن عازب]

 وفي صحيح مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِحَدِيثٍ يَرْفَعُهُ قَالَ:

((النَّاسُ مَعَادِنُ كَمَعَادِنِ الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ، خِيَارُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِي الْإِسْلَامِ إِذَا فَقُهُوا، وَالْأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ، فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ، وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ))

[ متفق عليه عن أبي هريرة]

الأخوة الإيمانية تشدّ الإنسان إلى الدين و تعينه على طاعة الله :

 لازلنا في الأخوة الإيمانية، التي هي أثمن شيء في الحياة، والتي هي أوثق عرى الإسلام، والتي تشدك إلى الدين، والتي تعينك على طاعة الله. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((الرَّجُلُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ))

[الترمذي عن أبي هريرة]

 أنت على دين من تخالل، من تصاحب، من تحب، فإذا أحببت أناساً مؤمنين كنت معهم، إن أحببت أهل الحق كنت معهم، إن أحببت أهل الفضل كنت مع الفضل. عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ: قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((يَا بُنَيَّ، إِنْ قَدَرْتَ أَنْ تُصْبِحَ وَتُمْسِيَ لَيْسَ فِي قَلْبِكَ غِشٌّ لِأَحَدٍ فَافْعَلْ، ثُمَّ قَالَ لِي: يَا بُنَيَّ وَذَلِكَ مِنْ سُنَّتِي، وَمَنْ أَحْيَا سُنَّتِي فَقَدْ أَحَبَّنِي، وَمَنْ أَحَبَّنِي كَانَ مَعِي فِي الْجَنَّةِ))

[ مسلم عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ]

 وهذا حديث خطير..
 أيها الأخوة الكرام، والله الذي لا إله إلا هو، لا يسعدني شيء كأن أرى الأخوة المؤمنين متحابين، متعاونين، متسامحين، متناصرين، متكاتفين، متزاورين، متباذلين، ولا يؤلم المسلم شيئاً كأن يرى الأخوة المؤمنين متباغضين، متحاسدين، يحقر بعضهم بعضاً، يطعن بعضهم ببعض، هذا الذي يفتتنا، وهذا الذي يضعفنا، وما من وقت نحن في أمسِّ الحاجة إلى هذه الأخوة الصادقة، إلى أن نتعاون، إلى أن نتضامن كهذا الوقت، لأن أعداء المسلمين ينتظرون هذه الفرصة، ينتظرون هذا التشرذم، ينتظرون هذا البغض، بأخطائنا ينالون منا، بالشرخ الذي بين المسلمين يسيطرون علينا. عن عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((إِنَّ أَرْوَاحَ الْمُؤْمِنِينَ لَتَلْتَقِيَانِ عَلَى مَسِيرَةِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَمَا رَأَى وَاحِدٌ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ))

[ أحمد عن عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ]

إصلاح النفس بالإقبال على الله و إصلاح ذات البين :

 هذه الأحاديث الكثيرة التي عرضتها على مسامعكم لا تحتاج إلى شرح، واضحة وضوح الشمس، لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "تركتكم على بيضاء نقية، ليلها كنهارها" هذه الأحاديث، أين نحن منها؟ هذا الموقف الجاد، إن أردت النجاة في الدنيا والآخرة قل: أين أنا من هذه الأحاديث؟.. ما علاقاتي مع أخوتي المؤمنين؟.. الله جل جلاله يقول:

﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة الأنفال: 1]

 قال بعض العلماء: أصلحوا أنفسكم بالإقبال على الله، هذا المعنى الأول، والمعنى الثاني: أصلحوا كل علاقة بينكم وبين الآخرين، والمعنى الثالث: أصحلوا كل علاقة بين مؤمنين، مهمة المؤمنين الإصلاح، إصلاح ذات البين، الآية الكريمة:

﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾

[سورة الحجرات: 10]

 فإن لم يكن المؤمنون كذلك فأصلحوا بين أخويكم:

﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾

[سورة الحجرات: 10]

 أيها الأخوة الكرام، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وسيتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا، الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني، والحمد لله رب العالمين.

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أمثلة عن الأخوة الحقيقية بين المؤمنين :

 أيها الأخوة الكرام، من أمثلة الأخوة الحقيقية بين المؤمنين، التي تنعدم فيها الفوارق الكبيرة بين الطبقات التي كانت سائدة في المجتمع الجاهلي ما فعله سيدنا أبو بكر الصديق- رضي الله عنه - حين مرّ بأمية بن خلف وهو يعذب بلالاً الحبشي، قال له: ألا تتقي الله عز وجل في هذا المسكين إلى متى تعذبه ؟ فقال أمية: أنقذه مما ترى، قال أبو بكر: أفعل، خذ أكثر من ثمنه واتركه حراً. نقَدَ أبو بكر أمية الثمن، وحرر بلالاً من رق العبودية، وتأبط ذراعه إشعاراً بالمساواة بينهما. قال أبو بكر: أذن لنا يا بلال؟ قال بلال: إن كنت أعتقتني لأكون لك فليكن ما تريد، وإن كنت أعتقتني لله فدعني وما أعتقتني له، فقال أبو بكر: بل أعتقتك لله يا بلال، فامض لما أردت.
 وتتجلى أيها الأخوة الكرام الأخوة الحقيقية بين المؤمنين مع البون الشاسع بين مراكزهم الاجتماعية، فقد كان لسيدنا الصديق جيران عجائز، مات أزواجهن، أي استشهدوا في سبيل الله، وكان رضي الله عنه يؤم بيوتهم فيحلب لهن الشياه، وهو أعلى صحابي بين أصحاب رسول الله، ولمَّا آلت الخلافة إليه، تناهى إلى سمع هؤلاء العجائز أنه صار خليفة المسلمين، وأنه لن يحلب لهن الشياه بعد اليوم، ولكنه أخلف ظنونهن، وفي اليوم التالي من توليه الخلافة يُقرع باب إحدى تلك الدور، وتسارع فتاة صغيرة لتفتح الباب، ولا تكاد ترى أبا بكر الصديق حتى تصيح: يا أماه، جاء حالب الشاة.. من هو حالب الشاة؟ سيدنا الصديق خليفة المسلمين..
 هذه أمثلة للأخوة الحقيقية بين المؤمنين، ولقد وصف الله المؤمنين بأنهم يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، وخير ما يجسد هذا الوصف القرآني للمؤمنين ما رواه حذيفة العدوي قال:" انطلقت يوم اليرموك أطلب ابن عم لي في القتلى، ومعي شيء من الماء، وأنا أقول: إن كان به رمق سقيته، فإذا أنا به بين القتلى فقلت له: أسقيك، فأشار إليّ أن نعم، فسمع رجلاً يقول: آه.. فأشار إليّ ابن عمي أن انطلق واسقه، فإذا هو هشام بن العاص، قلت: أسقيك فأشار إليّ أن نعم، فسمع هشام آخر يقول: آه.. فأشار إليَّ أن انطلق إليه فجئته فإذا هو قد مات، رجعت إلى هشام فإذا هو قد مات، رجعت إلى ابن عمي فإذا هو قد مات".
 والجريح أيها الأخوة لا شيء يحرص عليه كشربة ماء، هكذا كان أصحاب رسول الله، وحينما نكون كذلك ينظر الله إلينا بعين العطف، وينصرنا، ويقوينا، ويأخذ بيدنا.
 ما من وقت المسلمون في أشدّ الحاجة إلى هذا التعاون، وهذا التكاتف، وهذا التناصر، وهذا الحب، وهذا التسامح، وذاك التزاور، والتباذل، وأن يضحي كل منا لأخيه بشيء من الدنيا كهذا الوقت..
 أيها الأخوة الكرام ـ هكذا كان حال أصحاب رسول الله، الذين شرفهم الله عز وجل بنصرة نبيه.. لمثل هذا فليعمل العاملون، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون..

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شرّ ما قضيت، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك. اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك، ومن اليقين ما تهون علينا مصائب الدنيا، ومتعنا اللهم بأسماعنا، وأبصارنا، وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا، مولانا رب العالمين. اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، ودنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين. اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك. اللهم لا تؤمنا مكرك، ولا تهتك عنا سترك، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين. اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا، وآمنا في أوطاننا، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً، وسائر بلاد المسلمين. اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك، ومن الفقر إلا إليك، ومن الذل إلا لك، نعوذ بك من عضال الداء، ومن شماتة الأعداء، ومن السلب بعد العطاء. اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب. اللهم صن وجوهنا باليسار، ولا تبذلها بالإقتار، فنسأل شر خلقك، ونبتلى بحمد من أعطى، وذم من منع، وأنت من فوقهم ولي العطاء، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء.
 اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين. اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام، وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى، إنك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018