الخطبة : 0619 - أسلوب المثل في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم - نصائح بليغة . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0619 - أسلوب المثل في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم - نصائح بليغة .


1997-06-20

الخطبة الأولى:
 الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنـا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته وإرغامـاً لمن جحد به وكفر. وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر أو سمعت أذن بخبر. اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين. اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرِنا الحــق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممــــن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

أمثلة عن أسلوب المثل عند النبي صلى الله عليه وسلم :

1 ـ تشبيه صاحب القرآن بصاحب الإبل المعقّلة :

 أيها الأخوة الكرام: العلم شيء، والتعليم شيء آخر.. النبي عليه الصلاة والسلام كان سيد المربين، وإمام المعلمين، فلو استنبطنا من أساليبه العالية في نقل الحقائق للناس، وفي تبيان حقائق هذا الدين العظيم، لنجحنا في دعوتنا إلى الله.
 النبي عليه الصلاة والسلام أوتي جوامع الكلم، وأوتي الأساليب الحكيمة، والأطر الدقيقة والفعالة في توضيح الحقائق.
 محور الخطبة اليوم أسلوب المثل عند النبي صلى الله عليه وسلم من خلال بضعة أحاديث من صحيح البخاري، فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول: عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِي اللَّه عَنْهمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((إِنَّمَا مَثَلُ صَاحِبِ الْقُرْآنِ كَمَثَلِ صَاحِبِ الْإِبِلِ الْمُعَقَّلَةِ إِنْ عَاهَدَ عَلَيْهَا أَمْسَكَهَا، وَإِنْ أَطْلَقَهَا ذَهَبَتْ ))

[متفق عليه عَن ابْنِ عُمَرَ]

 أي إن أردت أن تحافظ على حفظك لكتاب الله، يجب أن تتعاهد محفوظاتك، كمن يملك إبلاً معقلة، إن عقلها وحافظ على تعقيلها أبقاها معه، وإن أطلقها ذهبت، فلابد من تعهد حفظ القرآن الكريم، حتى تبقى محفوظاتك معك.

2 ـ تشبيه من يقرأ القرآن بالأترجة :

 و عَنْ أَبِي مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((الْمُؤْمِنُ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيَعْمَلُ بِهِ كَالْأُتْرُجَّةِ طَعْمُهَا طَيِّبٌ، وَرِيحُهَا طَيِّبٌ، وَالْمُؤْمِنُ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيَعْمَلُ بِهِ كَالتَّمْرَةِ طَعْمُهَا طَيِّبٌ، وَلَا رِيحَ لَهَا، وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَالرَّيْحَانَةِ رِيحُهَا طَيِّبٌ، وَطَعْمُهَا مُرٌّ، وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَالْحَنْظَلَةِ طَعْمُهَا مُرٌّ أَوْ خَبِيثٌ وَرِيحُهَا مُرٌّ ))

[متفق عليه عَن أبي موسى]

 الأترجة ثمرة طيبة الرائحة والمذاق.
 هذا نموذج من أمثلة النبي صلى الله عليه وسلم، شبه المؤمن الذي يقرأ القرآن بالأترجة، الذي لا يقرؤه بالتمرة، شبه المنافق الذي يقرأ القرآن بالريحانة، الذي لا يقرؤه بالحنظلة.. فالتشبيه أسلوب من أساليب النبي صلى الله عليه وسلم في توضيح الحقائق، ينبغي أن ننتبه إلى الأساليب النبوية التي استخدمها النبي صلى الله عليه وسلم في تبيان الحقائق، وتوضيحها، وتقريبها، فالقدرة على بيان الحقائق شيء، ومعرفة الحقائق شيء آخر، هو سيد المربِّين وإمام المعلمين.

3 ـ تشبيه مجتمع المؤمنين بالجسد الواحد :

 عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى ))

[متفق عليه عَن النعمان بن بشير]

 مجتمع المؤمنين، علاقاتهم، تعاونهم، محبتهم، تزاورهم، تبادلهم، ائتلافهم، هؤلاء المؤمنون كمثل الجسد الواحد، الجسد وحدة متكاملة إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.. لو أن سنَّ أحدنا أصابه خلل، وتبع الخلل ألم، تعطلت كل الأجهزة، وانصرف صاحب السنِّ المريض إلى إصلاح سنه، فالعلاقة بين المؤمنين علاقة ترابطية، علاقة تكافل وتضامن، فالمؤمنون بأكملهم وحدة، إذا اشتكى منهم واحد تداعى سائر المؤمنين لمعاونة هذا الأخ.
 ورد في بعض الأحاديث أن فاطمة ابنة النبي صلى الله عليه وسلم اشتكت شدة تعبها في أعمال البيت، وطلبت منه خادمة، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: والله لا أؤثرك على فقراء المسلمين، جعل النبي نفسه وأهل بيته ومجموع المؤمنين جسداً واحداً، فإذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.

4 ـ تشبيه المؤمن بالشجرة الخضراء :

 و عن ابن عُمَرَ رضي الله عنه قالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((مَثَلُ الْمُؤْمِنِ كَمَثَلِ شَجَرَةٍ خَضْرَاءَ لَا يَسْقُطُ وَرَقُهَا وَلَا يَتَحَاتُّ فَقَالَ الْقَوْمُ هِيَ شَجَرَةُ كَذَا هِيَ شَجَرَةُ كَذَا فَأَرَدْتُ أَنْ أَقُولَ هِيَ النَّخْلَةُ وَأَنَا غُلَامٌ شَابٌّ فَاسْتَحْيَيْتُ فَقَالَ هِيَ النَّخْلَةُ.. وعَنِ ابْنِ عُمَرَ مِثْلَهُ وَزَادَ فَحَدَّثْتُ بِهِ عُمَرَ فَقَالَ لَوْ كُنْتَ قُلْتَهَا لَكَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ كَذَا وَكَذَا ))

[البخاري عَن ابن عمر]

 شبَّه النبي صلى الله عليه وسلم المؤمن بالنخلة، دائمة الأوراق، يانعة الثمار، ثمارها غذاء أساسي في حياة الإنسان، شجرة معمرة، بعض الصفات التي في النخلة شبِّه بها المؤمن، عن ابن عُمَرَ رضي الله عنه قالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((مَثَلُ الْمُؤْمِنِ كَمَثَلِ شَجَرَةٍ خَضْرَاءَ ))

[البخاري عَن ابن عمر]

 عطاؤها دائم، الشجر في فصل الشتاء حطب، وفي فصل الربيع مزهر، وفي فصل الصيف مثمر، وفي فصل الخريف تتساقط أوراقه، أما عطاء المؤمن فثابت ومستمر، من هنا قال عليه الصلاة والسلام: " أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل" فالمؤمن كالنخلة، دائمة الاخضرار، عطاؤها مستمر..

5 ـ تشبيه حرص النبي على الناس برجل استوقد ناراً :

 عن أبي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْه أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

((إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ النَّاسِ كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ جَعَلَ الْفَرَاشُ وَهَذِهِ الدَّوَابُّ الَّتِي تَقَعُ فِي النَّارِ يَقَعْنَ فِيهَا فَجَعَلَ يَنْزِعُهُنَّ وَيَغْلِبْنَهُ فَيَقْتَحِمْنَ فِيهَا فَأَنَا آخُذُ بِحُجَزِكُمْ عَنِ النَّارِ وَهُمْ يَقْتَحِمُونَ فِيهَا ))

[متفق عليه عَن أبي هريرة]

 شدة حرص النبي ورحمته جعلته يبعد أمته عن أسباب دخول النار، هم يقتحمون هذه النار بمعاصيهم، بتقصيرهم، بمخالفاتهم، بخروجهم عن منهج الله، وهو يحرص عليهم ويرحمهم، ويبين لهم، فكأنما يأخذ بحجزهم عن أن يُلقوا أنفسهم بالنار، وهم يقتحمون هذه النار عن طريق المعاصي والآثام..

((إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ النَّاسِ كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ جَعَلَ الْفَرَاشُ وَهَذِهِ الدَّوَابُّ الَّتِي تَقَعُ فِي النَّارِ يَقَعْنَ فِيهَا فَجَعَلَ يَنْزِعُهُنَّ وَيَغْلِبْنَهُ فَيَقْتَحِمْنَ فِيهَا فَأَنَا آخُذُ بِحُجَزِكُمْ عَنِ النَّارِ وَهُمْ يَقْتَحِمُونَ فِيهَا ))

[متفق عليه عَن أبي هريرة]

((عجب ربنا من قوم يقادون إلى الجنة بالسلاسل))

[أحمد والترمذي وابن ماجة وابن حبان عن ابن مسعود]

 تقريب الحقائق، توضيح الحقائق، تبيين الأمور، النبي عليه الصلاة والسلام كان أعلى إنسان في البيان، أرسله الله إلينا ليدلنا على الخير ويقربنا من الجنة.

6 ـ تشبيه المؤمن بخامة الزرع :

 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:

((مَثَلُ الْمُؤْمِنِ كَمَثَلِ خَامَةِ الزَّرْعِ يَفِيءُ وَرَقُهُ مِنْ حَيْثُ أَتَتْهَا الرِّيحُ تُكَفِّئُهَا فَإِذَا سَكَنَتِ اعْتَدَلَتْ - أي نبتة بسيطة، تأتيها الريح فتميل معها، فإذا وقفت الريح اعتدلت -وَكَذَلِكَ الْمُؤْمِنُ يُكَفَّأُ بِالْبَلَاءِ وَمَثَلُ الْكَافِرِ كَمَثَلِ الْأَرْزَةِ صَمَّاءَ مُعْتَدِلَةً حَتَّى يَقْصِمَهَا اللَّهُ إِذَا شَاء))

[متفق عليه عَن أبي هريرة]

 المؤمن يعالجه الله معالجة مستمرة، فهو بين اعتدال وميل، نبتة ضعيفة تأتيها الرياح فتميل بها يمنة أو يسرة، تهدأ الرياح تعود مستقيمةً، بينما الشجرة العظيمة تأتيها رياح عاتية فتقصمها، وتقتلعها من جذورها. لذلك المؤمن يُعالج، المؤمن يُتابع.
 إذا أحب الله عبده ابتلاه، فإن صبر اجبتاه، وإن شكر اقتناه .
 إذا أحب الله عبده عجَّل له بالعقوبة .
 أن يتابعك الله عز وجل على كل كلمة، وعلى كل حركة، وعلى كل سكنة، فهذه نعمة عظمى، أما أن يدعك الله بلا تربية، كقوله تعالى:

﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ * فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾

[سورة الأنعام: 44-45]

 فالمؤمن كالنبات يميل مع الرياح، فإذا سكنت استقام، أما الكافر كالسنديانة - في بعض الأحاديث- تأتيها رياح عاتية فتقتلعها من جذورها، أي ذنوب الكافر تُجمع إلى أن تتراكم، فيستحق عندئذ القصم. لذلك قال بعض العلماء: هناك مصائب قصم، وهناك مصائب ردع، وهناك مصائب دفع، وهناك مصائب رفع، وهناك مصائب كشف. مصائب القصم والردع للعصاة الآثمين، ومصائب الدفع والرفع للمؤمنين، ومصائب الكشف للأنبياء والمرسلين.

7 ـ السعيد والشقي:

 عَنْ أَبِي مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ كَمَثَلِ رَجُلٍ أَتَى قَوْمًا فَقَالَ: يَا قَوْمِ إِنِّي رَأَيْتُ الْجَيْشَ بِعَيْنَيَّ وَإِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْعُرْيَانُ - النذير العريان مصطلح عربي أي أنني صادق فيما أخبركم به- فَالنَّجَاءَ، فَأَطَاعَهُ طَائِفَةٌ مِنْ قَوْمِهِ فَأَدْلَجُوا - أي ساروا ليلاً- فَانْطَلَقُوا عَلَى مَهَلِهِمْ فَنَجَوْا، وَكَذَّبَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ فَأَصْبَحُوا مَكَانَهُمْ فَصَبَّحَهُمُ الْجَيْشُ فَأَهْلَكَهُمْ وَاجْتَاحَهُمْ، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ أَطَاعَنِي فَاتَّبَعَ مَا جِئْتُ بِهِ، وَمَثَلُ مَنْ عَصَانِي وَكَذَّبَ بِمَا جِئْتُ بِهِ مِنَ الْحَقِّ))

[متفق عليه عَن أبي موسى]

 النبي عليه الصلاة والسلام أرسله الله نذيراً وبشيراً، فمن صدقه نجا ومن لم يعبأ بهذا الإنذار هلك وأهلك غيره.
 أيها الأخوة الكرام: الدنيا محسوسة، لكنَّ الوعد والوعيد خبر في القرآن الكريم، وفي سنة النبي عليه الصلاة والتسليم، خبر، من صدق الخبر نجا، ومن كذبه هلك. لو أن الوعد والوعيد محسوس كما هي الدنيا محسوسة، لبطل الثواب والعقاب، ولانتفى الوعد والوعيد، لكن الله شاءت حكمته أن تكون الدنيا تحت سمعنا وأبصارنا، أما الوعد والوعيد فخبر تقرؤه في كلام الله عز وجل، وفي سنة النبي عليه الصلاة والسلام، فالسعيد من صدق رسول الله، والشقي من ابتعد عن منهج الله.

8 ـ تشبيه الناس بالأرض التي أصابها الغيث الكثير :

 عَنْ أَبِي مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((مَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ مِنَ الْهُدَى وَالْعِلْمِ كَمَثَلِ الْغَيْثِ الْكَثِيرِ أَصَابَ أَرْضًا - أي علاقة المؤمن مع الهدي المحمدي، والأمثلة الأربعة دقيقة جداً- فَكَانَ مِنْهَا نَقِيَّةٌ قَبِلَتِ الْمَاءَ فَأَنْبَتَتِ الْكَلَأَ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ - هذا نوع من المؤمنين، يستمع إلى الحق فيقبله، ويُعجب به، ويعظمه، ويعمل به، فيعطيه الله عطاء لا نهاية له في الدنيا والآخرة، هذه الأرض قبلت الماء فأنبتت الكلأ، تلقى العلم، وعلم العلم، تعلم الإحسان، وأحسن إلى خلق الله، أي ثمار الإيمان كانت يانعة بين يديه، ونموذج آخر- وَكَانَتْ مِنْهَا أَجَادِبُ أَمْسَكَتِ الْمَاءَ فَنَفَعَ اللَّهُ بِهَا النَّاسَ فَشَرِبُوا وَسَقَوْا وَزَرَعُوا - لا تُنبت، ولكنها قبلت الماء، أصبحت هذه الأرض مستودعاً للماء، هي لم تُنبت، لكنها أمسكت الماء فنفعت الناس "ألا يا رب مبَلغ أوعى من سامع " - َنَفَعَ اللَّهُ بِهَا النَّاسَ فَشَرِبُوا وَسَقَوْا وَزَرَعُوا وَأَصَابَتْ مِنْهَا طَائِفَةً أُخْرَى إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ - أرض ملساء لا تُنبت- لَا تُمْسِكُ مَاءً وَلَا تُنْبِتُ كَلَأً فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ فِي دِينِ اللَّهِ وَنَفَعَهُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ فَعَلِمَ وَعَلَّمَ وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ قَالَ أَبو عَبْد اللَّهِ قَالَ إِسْحَاقُ وَكَانَ مِنْهَا طَائِفَةٌ قَيَّلَتِ الْمَاءَ قَاعٌ يَعْلُوهُ الْمَاءُ وَالصَّفْصَفُ الْمُسْتَوِي مِنَ الْأَرْضِ ))

[متفق عليه عَن أبي موسى]

 أي هذه الأراضي أنواع ثلاثة، نوع قبلت الماء وأنبتت الكلأ، ونوع أمسك الماء فانتفع الناس به، ونوع لم يمسك الماء ولم ينبت الكلأ، فالله سبحانه وتعالى أرسل النبي لينفع الناس بهدايته، والعبرة من هذا المثل أن نكون من الصنف الأول، الذين قبلنا هدى الله عز وجل وانتفعنا به، وانقلب القبول إلى عطاء.

9 ـ تشبيه التبكير إلى المسجد يوم الجمعة بمن قدم بدنة :

 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((إِذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ وَقَفَتِ الْمَلَائِكَةُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ يَكْتُبُونَ الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ، وَمَثَلُ الْمُهَجِّرِ كَمَثَلِ الَّذِي يُهْدِي بَدَنَةً، ثُمَّ كَالَّذِي يُهْدِي بَقَرَةً، ثُمَّ كَبْشًا، ثُمَّ دَجَاجَةً، ثُمَّ بَيْضَةً، فَإِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ طَوَوْا صُحُفَهُمْ وَيَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ ))

[متفق عليه عَن أبي هريرة]

 مثل النبي عليه الصلاة والسلام بهؤلاء الذين يأتون مبكرين كمن قدَّم بدنة- أي بعيراً- بعد هؤلاء كمن قدم بقرة، بعد هؤلاء كمن قدم شاةً كبشاً، بعد هؤلاء كمن قدم دجاجة، بعد هؤلاء كمن قدم بيضة، فإذا صعد الخطيب المنبر، طووا صحفهم واستمعوا الذكر.

10 ـ تشبيه الجليس الصالح بصاحب المسك :

 أيها الأخوة الكرام: لا زلنا في أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام المتعلقة بالمثل. عن عبد الله بن قيس رَضِي اللَّه عَنْه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالْجَلِيسِ السَّوْءِ كَمَثَلِ صَاحِبِ الْمِسْكِ وَكِيرِ الْحَدَّادِ لَا يَعْدَمُكَ مِنْ صَاحِبِ الْمِسْكِ إِمَّا تَشْتَرِيهِ أَوْ تَجِدُ رِيحَهُ وَكِيرُ الْحَدَّادِ يُحْرِقُ بَدَنَكَ أَوْ ثَوْبَكَ أَوْ تَجِدُ مِنْهُ رِيحًا خَبِيثَةً ))

[متفق عليه عَن عبد الله بن قيس]

 الجليس الصالح خير من الوحدة، إن كنت مع مؤمن، لابد من أن تنتفع به، أن تنتفع بحديثه، أن تنتفع بسمته، أن تنتفع بسلوكه، أن تنتفع بموقفه، لابد من أن تستقي من علمه، من حكمته، من سمته، أما إذا التقيت مع إنسان شارد فلابد من أن يؤذيك، بتعليق خبيث، أو نظرة خبيثة، أو جهل فاضح، أو إغراء بمعصية، أو تزهيد في الآخرة، أو دعوة إلى الدنيا، من هنا قال عليه الصلاة والسلام:

(( لا تُصَاحِبْ إِلَّا مُؤْمِنًا وَلَا يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلَّا تَقِيٌّ ))

[أبو داود والترمذي عن أبي سعيد الخدري ]

11 ـ تشبيه القائم على حدود الله بقوم استهموا على سفينة :

 وعَنِ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ رَضِي اللَّه عَنْهمَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((مَثَلُ الْقَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالْوَاقِعِ فِيهَا كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلَاهَا وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا، فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنَ الْمَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا، فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا وَنَجَوْا جَمِيعًا ))

[البخاري عَن النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ]

 أي المؤمنون في سفينة واحدة، سلامتهم واحدة، وهلاكهم واحد، فإن أخذ بقية المؤمنين على يد من انحرف وشذّ نجا ونجوا، وإن تركوه هلك وهلكوا، لا يوجد مثل أروع من هذا المثل في المسؤولية الجماعية، لذلك حينا يدع القوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يستحقون من الله الهلاك جميعاً، لأن هذه الفريضة السادسة، لذلك قال الله تعالى:

﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾

[سورة الأنفال: 25]

 الإنسان إذا قعد عن الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، هلك قومه وهلك معهم، واستحق الهلاك معهم، لأنه قصَّر في واجبه، بل إن التواصي بالحق فرض عين على كل مسلم، قال تعالى:

﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾

[ سورة العصر: 1-3]

 فالمسلمون في سفينة واحدة، لو أن أحدهم أخذ مكاناً في هذه السفينة، وأراد أن يأخذ الماء مباشرةً، فحفر في حصته، إن تركوه هلك وهلكوا، وإن أخذوا على يديه نجا ونجوا، فهذا الموقف المنسحب من الاهتمام بالجماعة، هذا الموقف لا يرضاه النبي عليه الصلاة والسلام، فإذا تساهلت، لم تأمر بالمعروف، ولم تنه عن المنكر، استشرى الشر، وتوسعت دوائره، وأهلك الناس جميعاً، قال عليه الصلاة والسلام:

(( بَلِ ائْتَمِرُوا بِالْمَعْرُوفِ، وَتَنَاهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ، حَتَّى إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا وَهَوًى مُتَّبَعًا وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ فَعَلَيْكَ بِخَاصَّةِ نَفْسِكَ وَدَعِ الْعَوَامَّ فَإِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامًا الصَّبْرُ فِيهِنَّ مِثْلُ الْقَبْضِ عَلَى الْجَمْرِ لِلْعَامِلِ فِيهِنَّ مِثْلُ أَجْرِ خَمْسِينَ رَجُلًا يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِكُمْ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ وَزَادَنِي غَيْرُ عُتْبَةَ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَجْرُ خَمْسِينَ مِنَّا أَوْ مِنْهُمْ قَالَ بَلْ أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْكُمْ قَالَ أَبو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ ))

[الترمذي عن أبي أمية]

 خاصة نفسك أي أولادك، أهلك، جيرانك، ومن حولك وإخوانك، هؤلاء من خاصة نفسك، وعليك أن تنصحهم، وعليك أن تبين لهم، وعليك أن تأخذ بيدهم، وعليك أن تعظهم، من أجل النجاة جميعاً لهؤلاء المؤمنين.

12 ـ تشبيه حال النبي بالمنقذ للناس من النار :

 وعن أَبي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْه أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

((مَثَلِي وَمَثَلُ النَّاسِ كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَوْقَدَ نَارًا فَجَعَلَ الْفَرَاشُ وَهَذِهِ الدَّوَابُّ تَقَعُ فِي النَّارِ وَقَالَ: كَانَتِ امْرَأَتَانِ مَعَهُمَا ابْنَاهُمَا جَاءَ الذِّئْبُ فَذَهَبَ بِابْنِ إِحْدَاهُمَا، فَقَالَتْ صَاحِبَتُهَا: إِنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكِ، وَقَالَتِ الْأُخْرَى: إِنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكِ، فَتَحَاكَمَتَا إِلَى دَاوُدَ فَقَضَى بِهِ لِلْكُبْرَى فَخَرَجَتَا عَلَى سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ فَأَخْبَرَتَاهُ فَقَالَ: ائْتُونِي بِالسِّكِّينِ أَشُقُّهُ بَيْنَهُمَا فَقَالَتِ الصُّغْرَى: لَا تَفْعَلْ يَرْحَمُكَ اللَّهُ هُوَ ابْنُهَا فَقَضَى بِهِ لِلصُّغْرَى، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَاللَّهِ إِنْ سَمِعْتُ بِالسِّكِّينِ إِلَّا يَوْمَئِذٍ وَمَا كُنَّا نَقُولُ إِلَّا الْمُدْيَةُ ))

[متفق عليه عَن أبي هريرة]

 أيضاً النبي عليه الصلاة والسلام أخبرنا عن حكم قضاه سيدنا داود ووضحه سيدنا سليمان، فكان هذا أيضاً من أمثاله.

13 ـ تشبيه بعثة الأنبياء ببيت بناه رجل فأحسنه و جمّله :

 الحديث الأخير: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((إِنَّ مَثَلِي وَمَثَلَ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى بَيْتًا فَأَحْسَنَهُ وَأَجْمَلَهُ إِلَّا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ مِنْ زَاوِيَةٍ فَجَعَلَ النَّاسُ يَطُوفُونَ بِهِ، وَيَعْجَبُونَ لَهُ، وَيَقُولُونَ: هَلَّا وُضِعَتْ هَذِهِ اللَّبِنَةُ؟ قَالَ: فَأَنَا اللَّبِنَةُ وَأَنَا خَاتِمُ النَّبِيِّينَ ))

[متفق عليه عَن أبي هريرة]

 أي في بعثته صلى الله عليه وسلم اكتملت الشرائع، وبعثته صلى الله عليه وسلم للناس أجمعين.
 أيها الأخوة الكرام: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وتخطى غيرنا إلينا فلنتخذ حذرنا، الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني، والحمد لله رب العالمين.

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

نصائح بليغة :

 أيها الأخوة الكرام: من بعض الحكم، كتب رجل إلى ابن عمر رضي الله عنه يسأله عن العلم، فأجابه: " إن العلم أكثر من أكتب به إليك، ولكنْ إن استطعت أن تلقى الله كافَّ اللسان عن أعراض المسلمين، خفيف الظهر من ظلاماتهم، خميص البطن من أموالهم، لازماً جماعتهم فافعل" .
هذه نصيحة بليغة.
 وقيل: قال حاتم الأصم: " إذا رأيت من أخيك عيباً، فإن كتمت عيبه فقد خنته.." وهذا ما يفعله معظم الناس، لا يتناصحون، لا يتناهون عن منكر فعلوه، لا يعبأ بعضهم بمكانة بعض، قال سيدنا عمر" :أحب ما أهدى إليَّ أصحابي عيوبي" .
 قال حاتم الأصم: "إذا رأيت من أخيك عيباً، فإن كتمت عيبه فقد خنته، وإن قلته لغيره فقد اغتبته، وإن واجهته به أوحشته، قال: ماذا أصنع إذاً؟ قال: تكني عنه، وتعرض به، وتجعله في جملة الحديث ".
 إن أردت أن تنصح أخاك، إن أردت أن تلفت نظره إلى عيب هو فيه، إن أردت أن تنقي أخاك من عيب لازمه، فافعل هذا. شكا رجل إلى جعفر الصادق أذية جاره، فقال: " اصبر عليه، قال: ينسبني إلى الذل - أي يستضعفني- فقال الإمام جعفر الصادق: إنما الذليل من ظلم الناس.. "
 والفضيل يقول: " لو كانت لي دعوة مستجابة لادخرتها لأولي الأمر؛ لأن في صلاحهم صلاح الأمة ".
 أيها الأخوة الكرم: الحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها التقطها.. يقول ابن عمر: " البرُّ شيء هين، وجه طليق، وكلامٌ لين ".
 وقيل لابن سيرين: " ما أشد الورع؟ فقال: ما أيسره.. " إذا شككت في شيء فدعه، هذا هو الورع.. وقال أحدهم: " الأصدقاء ثلاثة ؛ نوع كالغذاء لا يُستغنى عنه، ونوع كالداء لا يُحتاج إليه أبداً، فتوفيق المؤمن في حسن اختياره لأصدقائه، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

(( لا تُصَاحِبْ إِلَّا مُؤْمِنًا وَلَا يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلَّا تَقِيٌّ ))

[أبو داود والترمذي عن أبي سعيد الخدري ]

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك. اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك، ومن اليقين ما تهون علينا مصائب الدنيا، ومتعنا اللهم بأسماعنا، وأبصارنا، وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا، مولانا رب العالمين. اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، ودنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين. اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك. اللهم لا تؤمنا مكرك، ولا تهتك عنا سترك، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين، اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا، وآمنا في أوطاننا، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً، وسائر بلاد المسلمين. اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك، ومن الفقر إلا إليك، ومن الذل إلا لك، نعوذ بك من عضال الداء، ومن شماتة الأعداء، ومن السلب بعد العطاء. اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب. اللهم صن وجوهنا باليسار، ولا تبذلها بالإقتار، فنسأل شر خلقك ونبتلى بحمد من أعطى وذم من منع، وأنت من فوقهم ولي العطاء وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء. اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين. اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام، وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى، إنك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018