الخطبة : 0033 - الحياء . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0033 - الحياء .


1975-05-02

الخطبة الأولى :

 الحمد اللَّهِ الذي سبحت الكائنات بحمده ، وعنت الوجوه لعظمته ومجده ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه واعترته الطيبين الطاهرين .

الحياء والعلاقة المشتركة بالإيمان :

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ الحياءُ خلقُ المسلم الأول ، وهو بين الخجل الذي يُزري بصاحبه وبين الوقاحة التي تُعدُّ من أخلاق الكفار والفجار ، عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( إِنَّ لِكُلِّ دِينٍ خُلُقًا وَخُلُقُ الإِسْلامِ الْحَيَاءُ ))

[ أخرجه ابن ماجة في الزهد]

 وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم من أرقِّ الناس طبعاً ، وأنبلهم سيرةً ، وأعمقهم شعوراً بالواجب ، ونفوراً من الحرام .
 عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِي اللَّهم عَنْهم قَالَ :

(( كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَشَدَّ حَيَاءً مِنَ الْعَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا , وَكَانَ إِذَا كَرِهَ شَيْئًا عَرَفْنَاهُ فِي وَجْهِهِ ))

[ أخرجه البخاري ومسلم وأحمد ]

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ ما دام الإيمان صلة كريمة بين العبد وربه ، كان الحياء من أوضح آثار هذه الصلة ، فهو تلك العاطفة السامية التي ترتفع بنا عن الخطايا وسفاسف الأمور ، وتزكي النفس ، وتقَّوم الأخلاق ، لذلك كان الحياء من علامات الإيمان ، فإذا رُفع أحدهما رُفع الآخر ، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم :

(( الحياء والإيمان قرنا جميعاً فإذا رُفع أحدهما رُفع الآخر ))

[ أخرجه الحاكم في مستدركه ]

زوال الحياء من الإنسان بداية النهاية :

 وعلة ذلك أيها الإخوة ؛ إن المرء حينما يفقد حياءه يتدرج من سيئ إلى أسوأ ، ويهبط من رذيلة إلى أرذل ، ولا يزال يهوي حتى ينحدر إلى الدرك الأسفل ، وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث يكشف عن مراحل هذا السقوط الذي يبتدئ بضياع الحياء ، وينتهي بشر العواقب ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ عَبْدًا نَزَعَ مِنْهُ الْحَيَاءَ فَإِذَا نَزَعَ مِنْهُ الْحَيَاءَ لَمْ تَلْقَهُ إِلا مَقِيتًا مُمَقَّتًا فَإِذَا لَمْ تَلْقَهُ إِلا مَقِيتًا مُمَقَّتًا نُزِعَتْ مِنْهُ الْأَمَانَةُ فَإِذَا نُزِعَتْ مِنْهُ الأَمَانَةُ لَمْ تَلْقَهُ إِلا خَائِنًا مُخَوَّنًا فَإِذَا لَمْ تَلْقَهُ إِلا خَائِنًا مُخَوَّنًا نُزِعَتْ مِنْهُ الرَّحْمَةُ فَإِذَا نُزِعَتْ مِنْهُ الرَّحْمَةُ لَمْ تَلْقَهُ إِلا رَجِيمًا مُلَعَّنًا فَإِذَا لَمْ تَلْقَهُ إِلَّا رَجِيمًا مُلَعَّنًا نُزِعَتْ مِنْهُ رِبْقَةُ اللإسْلامِ ))( الربقة العروة في الحبل )

[أخرجه ابن ماجة في الفتن ]

 أيها الإخوة ؛ هذا ترتيب دقيق في وصف أمراض النفوس وتتبع عملي لأطوارها ، وكيف تُسلمُ كلُ مرحلة خبيثة إلى أخرى أشد نكراً ، فإن الرجل إذا مَزَّق حجاب الحياء مدَّ يدَ الأذى للناس ، وطغى عليهم , ومثل هذا لن يجد قلباً يعطف عليه بل إنه يغرس الضغائن في القلوب وينميها فإذا صار الإنسان بهذه الحالة ، لم يؤتمن على شيء قط ، إذ كيف يؤتمن على أموال لا يخجل من أكلها ، وكيف يؤتمن على أعراض لا يستحي من فضحها ، وكيف يؤتمن على موعد لا يهمه أن يخلفه ، وكيف يؤتمن على واجب لا يبالي أن يفرَّط فيه ، وكيف يؤتمن على بضاعة لا يتنزه عن الغش فيها .
 ويوم يبلغ المرء هذا الحضيض فقد أفلت من قيود الدين وانخلع من ربقة الإسلام .
 أيها الإخوة المؤمنون ؛ للحياء مواضع يستحب فيها ، فالحياء في الكلام يتطلب من المسلم أن يطهِّرَ فمه من الفحش ، وأن ينزه لسانه عن العيب ، وأن يخجل من ذكر العورات فإنه من سوء الأدب أن تفلت الألفاظ البذيئة من المرء غير عابئ بمواقعها , وآثارها .
 فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( الْحَيَاءُ مِنَ الإِيمَانِ وَالإِيمَانُ فِي الْجَنَّةِ وَالْبَذَاءُ مِنَ الْجَفَاءِ وَالْجَفَاءُ فِي النَّارِ ))( والجفاء هو البعد عن الله )

[ أخرجه الترمذي وابن ماجة وأحمد]

 ومن الحياء أن يخجل الإنسان من عمل السوء ، وأن يحرص على بقاء سمعته نقية من الشوائب ، بعيدة عن الإشاعات السيئة ، فإن الرجل الذي يخجل من الظهور برذيلة لا تزال فيه بقية من خير ، ولكن على الإنسان أن يخجل من نفسه كما يخجل من الناس ، وقد قيل :
 من عمل في السر عملاً يستحي منه في العلانية فليس لنفسه عنده قدر .
 وفي الأثر :
 ما أحببت أن تسمعه أذناك فأتِه ، وما كرهت أن تسمعه أذناك فاجتنبه .
 أيها الإخوة المؤمنون ؛ إن الحياء ملاك الخير ، وهو عنصر النبل في كل عمل يشوبه .
 عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( مَا كَانَ الْفُحْشُ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلا شَانَهُ وَلا كَانَ الْحَيَاءُ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلا زَانَهُ ))

[ أخرجه الترمذي وابن ماجة وأحمد ]

 ولو كان الحياء رجلاً لكان رجلاً صالحاً ، ولو كان الفحش رجلاً لكان رجلاً سوءاً .
 أيها الإخوة المؤمنون ؛ الحياء في أسمى منازله ، وأكرمها أن يكون من الله عز وجل فنحن نطعم من خيره ، ونتنفس من جوه ، ونمشي على أرضه ، ونستظل بسمائه لقد غمرتنا وتغمرنا نعماؤه ، وآلاؤه ، من المهد إلى اللحد ، لذلك كان حقُّ الله على عباده عظيمٌ ، ولو قدروه حقَّ قدره لسارعوا إلى الخيرات يفعلونها , ولباعدوا عن السيئات خجلاً من مقابلة الإحسان بالإساءة .
 عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( اسْتَحْيُوا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ قَالَ قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا نَسْتَحْيِي وَالْحَمْدُ لِلَّهِ قَالَ لَيْسَ ذَاكَ وَلَكِنَّ الِاسْتِحْيَاءَ مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ أَنْ تَحْفَظَ الرَّأْسَ وَمَا وَعَى وَالْبَطْنَ وَمَا حَوَى وَلْتَذْكُرِ الْمَوْتَ وَالْبِلَى وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ تَرَكَ زِينَةَ الدُّنْيَا فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدِ اسْتَحْيَا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ ))

[ أخرجه الترمذي ]

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ هذا الحديث يستوعب كثيراً من آداب الإسلام ، ومناهج الفضيلة ، فإن على المسلم تنزيه لسانه عن أن يخوض في باطل ، وبصره عن أن ينظر إلى عورة ، وأذنه أن تسترق سراً ، وعليه أن يفطم بطنه عن الحرام ، ثم عليه أن يصرف أوقاته في مرضاة الله ، وإيثار ما لديه من ثواب ، فلا تستخفه نزوات العيش ومتعه .
 وما دام الحياء يستوعب كل هذه الأعمال فهو إذاً شعبة من الإيمان ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً أَفْضَلُهَا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَوْضَعُهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ ))

[ أخرجه النسائي ]

 وقد جاء في الأثر :
 " استحي من الله كما تستحي من أولي الهيبة من قومك "
 وكيف لا نستحي من الله والله يستحي منا ، جاء في الحديث القدسي :
 عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( إِنَّ اللَّهَ حَيِيٌّ كَرِيمٌ يَسْتَحْيِي إِذَا رَفَعَ الرَّجُلُ إِلَيْهِ يَدَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا خَائِبَتَيْنِ ))

[ أخرجه الترمذي ]

 ومجمل القول ، أن الحياء خير كله ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ رضي الله عنه قال : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلامِ النُّبُوَّةِ إِذَا لَمْ تَسْتَحْيِ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ ))

[ أخرجه البخاري وابن ماجة ]

 أو كما قال .
 أيها الأخوة الكرام ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وصلوا ما بينكم وبين ربكم تسعدوا ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، وسيتخطى غيرنا إلينا ، فلنتخذ حذرنا ، الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني .

والحمد لله رب العالمين
***

الخطبة الثانية :
 الحمد لله رب العالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله صاحب الخلق العظيم .

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يقضى عليك ، اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اللهم صن وجوهنا باليسار ولا تبذلها بالإقتار ، فنسأل شر خلقك ، ونبتلى بحمد من أعطى ، وذم من منع ، وأنت من فوقهم ولي العطاء ، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء .
 اللهم اهدنا لصالح الأعمال لا يهدي لصالحها إلا أنت ، واصرف عنا شر الأعمال لا يصرفها عنا إلا أنت .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018