الخطبة : 0618 - أحاديث شريفة - ما من مسلم2 - ثعبان الماء الكهربائي والأسماك المولدة للكهرباء - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0618 - أحاديث شريفة - ما من مسلم2 - ثعبان الماء الكهربائي والأسماك المولدة للكهرباء


1997-06-13

الخطبة الأولى:
 الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنـا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته وإرغامـاً لمن جحد به وكفر. وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر أو سمعت أذن بخبر. اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين. اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرِنا الحــق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممــــن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

الاستعاذة بالله عز وجل تقي الإنسان من أشرار الخلق :

 أيها الأخوة الكرام: في الأسبوع الماضي تحدثت عن بضعة أحاديث لرسول الله صلى الله عليه وسلم تبدأ بقوله: ما من مسلم، ووعدتكم أن أتابع هذا الموضوع في هذه الخطبة، فعَنْ خَوْلَةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((مَنْ نَزَلَ مَنْزِلًا فَقَالَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّةِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ حَتَّى يَظْعَنَ مِنْهُ ))

[مسلم عَنْ خَوْلَةَ]

 الاستعاذة بالله باب كبير من أبواب السلامة، وسبب عظيم للنجاة من أخطار الدنيا، ومن مطباتها، ومن المواقف التي يشتد فيها الألم، ويعظم فيها المصاب.
 الدعاء مخ العبادة، والدعاء أعلى درجة من درجات الاتصال بالله عز وجل، والله سبحانه وتعالى يقول:

﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾

[سورة البقرة: 186]

 إن الله يحبُّ من عبده أن يسأله ملح طعامه، إن الله يحب من عبده أن يسأله شسع نعله إذا انقطع، إن الله يحبُّ من عبده أن يسأله حاجته كلها، إن الله يحبُّ الملحين في الدعاء، من لا يدعني أغضب عليه، الدعاء مخ العبادة، والدعاء أقوى سلاح بيد الإنسان، إذا كان الله معك فمن عليك؟ وإذا كان الله عليك فمن معك؟
 الإنسان في الأصل ضعيف، وفقير، وجاهل، فإذا استعان بالله عز وجل صار أقوى الأقوياء، وإذا استلهم من علم الله عز وجل صار أعلم العلماء، يقول عليه الصلاة والسلام:

(( مَنْ نَزَلَ مَنْزِلًا فَقَالَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّةِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ حَتَّى يَظْعَنَ مِنْه..))

[مسلم عَنْ خَوْلَةَ]

 قد تنام في فندق، قد تنام عند صديق لا تدري ما في هذا البيت من مشكلة، أيها الأخوة الكرام الاستعاذة بالله عز وجل تقي الإنسان أشرار الخلق.

 

غض البصر :

 وفي حديث آخر عن أبي أمامة، عن النبي صلى الله عليه وسلم- ما من مسلم وتشتد الحاجة في هذه الأيام إلى هذا الحديث-:

((مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَنْظُرُ إِلَى مَحَاسِنِ امْرَأَةٍ أَوَّلَ مَرَّةٍ ثُمَّ يَغُضُّ بَصَرَهُ إِلَّا أَحْدَثَ اللَّهُ لَهُ عِبَادَةً يَجِدُ حَلَاوَتَهَا ))

[أحمد عن أبي أمامة]

 نكاد نقول: إن هناك عبادة هي عبادة غض البصر، وليس في قوانين الأرض قانون ينهاك عن النظر، إلا أن هذا الأمر الإلهي متميز عن كل أمر وضعي، فإذا فعلته كنت مخلصاً لله عز وجل، لو أن نهياً ينهى عنه القرآن الكريم، أو تنهى عنه سنة النبي عليه الصلاة والسلام، والقوانين الوضعية تنهى عنه، أنت إذا تركت ذلك لا ندري أفعلت هذا طاعة لله؟ أم رغبة فيما عنده؟ أم تجنباً لمتاعب مع الخلق؟ لكنك حينما تغض بصرك عن محاسن امرأة لا تحل لك إنما تفعل هذا ابتغاء رضوان الله وحده، لأنه ليس في الأرض كلها إنسان يأمرك أن تغض البصر، على العكس، الناس يأمرونك أن تطلق البصر ويعدون هذا من سمات العصر.

 

السجود لله رفع للدرجات و حطّ للخطايا :

 عن ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

((مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْجُدُ لِلَّهِ سَجْدَةً إِلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَةً وَحَطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةً ))

[ابن ماجة عن ثوبان]

 أنت لا تبالي، تقول: أصلي ركعتين نفلاً.

((مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْجُدُ لِلَّهِ سَجْدَةً إِلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَةً وَحَطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةً ))

[ابن ماجة عن ثوبان]

 السجود.. أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد.
 يا أيها الأخوة الكرام: الصلاة عماد الدين، من أقامها فقد أقام الدين، ومن تركها فقد هدم الدين، إنها غرة الطاعات، وسيدة القربات، ومعراج المؤمن إلى رب الأرض والسموات، إنها نور، تملأ قلبك نوراً، إنها طهور، إنها حبور، إنها ميزان، فمن وفَّى استوفى، إنها عقل، " ليس للمرء من صلاته إلا ما عقل منها" ، قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُباً إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوّاً غَفُوراً﴾

[سورة النساء: 43]

 فالذي لا يعلم ما يقول هو في حكم السكران.. الصلاة مناجاة.

((مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْجُدُ لِلَّهِ سَجْدَةً إِلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَةً وَحَطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةً ))

[ابن ماجة عن ثوبان]

حسن علاقة الإنسان بالمؤمنين جزء من عبادته :

 وعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((مَا مِنْ مُسْلِمَيْنِ يَلْتَقِيَانِ فَيَتَصَافَحَانِ إِلَّا غُفِرَ لَهُمَا قَبْلَ أَنْ يَفْتَرِقَا ))

[الترمذي عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ]

 إن لقيت أخاك المسلم، سلم عليه بسلام الإسلام، وصافحه بمودة بالغة، وابتسم له، وقابله بوجه طلق، إن هذا من العمل الصالح، إن هذا يزيد العلاقة بين المؤمنين متانة، إن هذا يجعل المؤمنين صفاً واحداً، لأن يد الله مع الجماعة، ومن شذَّ شذَّ في النار، وحسن علاقة المؤمن مع أخوانه من عبادته؛ وما من شيء يقرِّب بين المؤمنين، ويمتِّن العلاقة بينهم، ويجعلهم صفاً واحداً، وجسداً واحداً إلا أمر به النبي، أمرك أن تعود المريض، أمرك أن تطرح السلام على أخيك، أمرك أن تشيعه إذا مات، أن تعوده إذا مرض، أن تعاونه إذا طلب، نهاك أن تغتابه، نهاك أن تنقل إليه ما قاله الناس فيه، من أجل ألا تقع فرقة بين المؤمنين، ما من شيء يقرِّب ويمتِّن إلا و أمرك به ، وما من شيء يفتت العلاقة بين المؤمنين إلا نهانا النبي عنه، نهى عن الغيبة، وعن النميمة، وعن السخرية، وعن المحاكاة، وأن تنظر إلى أخيك نظرة ازدراء..

((كفى بالمرء إثماً أن يحقر أخاه المسلم))

[ مسلم عن أبي هريرة]

 نهى وأمر من أجل أن يكون المؤمنون صفاً واحداً، أن يكونوا كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.
 مرةً ثانية أيها الأخوة: إن حسن علاقتك بالمؤمنين جزء من عبادتك، لذلك كل شيء أمرك النبي أن تفعله افعله، كل شيء نهاك أن تفعله لا تفعله، تجد نفسك مع المؤمنين وكأنك في الجنة، بل إن حسن العلاقة بالمؤمنين ينسي مصاعب الحياة، ينسي متاعب الحياة، أجمل شيء في الحياة الدنيا أن يكون لك أخ في الله، تنصحه وينصحك، تكرمه ويكرمك، تأخذ بيده ويأخذ بيدك، تبثه شكواك ويبثك شكواه، هذا الأخ في الله لا يُقدر بثمن.
 أيها الأخوة الكرام:

((مَا مِنْ مُسْلِمَيْنِ يَلْتَقِيَانِ فَيَتَصَافَحَانِ إِلَّا غُفِرَ لَهُمَا قَبْلَ أَنْ يَفْتَرِقَا ))

[الترمذي عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ]

 احرص على طرح السلام، احرص على إجابة السلام، احرص على أن تلقى أخاك بوجه طلق، احرص على أن تكلمه أحسن الكلام، قال تعالى:

﴿ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ ﴾

[ سورة البقرة: 83 ]

 فكيف للمؤمنين؟؟ الحديث المشابه عن البراء بن عازب قَالَ:

((إِنَّهُ لَقِيَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَفَعَلَ بِي مِثْلَ الَّذِي فَعَلْتُ بِكَ فَسَأَلَنِي فَقُلْتُ مِثْلَ الَّذِي قُلْتَ لِي، فَقَالَ: مَا مِنْ مُسْلِمَيْنِ يَلْتَقِيَانِ فَيُسَلِّمُ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ وَيَأْخُذُ بِيَدِهِ لَا يَأْخُذُهُ إِلَّا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لَا يَتَفَرَّقَانِ حَتَّى يُغْفَرَ لَهُمَا ))

[أحمد عن البراء بن عازب ]

 يسلم عليه ويأخذ بيده بمودة بالغة، لا يتفرقان إلا وقد غُفر لهما.

 

المرض نافذة العبد إلى السماء :

  و عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((مَا مِنْ مُسْلِمٍ وَلَا مُسْلِمَةٍ وَلَا مُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ يَمْرَضُ مَرَضًا إِلَّا حَطَّ اللَّهُ عَنْهُ مِنْ خَطَايَاهُ ))

[أحمد عَنْ جَابِرٍ]

 وهذه بشارة لمرضى المؤمنين، عَنْ جَابِرٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((مَا مِنْ مُسْلِمٍ وَلَا مُسْلِمَةٍ وَلَا مُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ يَمْرَضُ مَرَضًا إِلَّا حَطَّ اللَّهُ عَنْهُ مِنْ خَطَايَاهُ ))

 معنى ذلك أن المرض يقرب العبد من الله، المرض نافذة إلى السماء، يأخذ الله بعض صحة المؤمن ليعوضه أضعافاً مضاعفة من القرب منه، لذلك ورد في الحديث:
 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: يَا بْنَ آدَمَ مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي؟ قَالَ: يَا رَبِّ كَيْفَ أَعُودُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلَانًا مَرِضَ فَلَمْ تَعُدْهُ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ، يَا بْنَ آدَمَ اسْتَطْعَمْتُكَ فَلَمْ تُطْعِمْنِي؟ قَالَ: يَا رَبِّ وَكَيْفَ أُطْعِمُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ: قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّهُ اسْتَطْعَمَكَ عَبْدِي فُلَانٌ فَلَمْ تُطْعِمْهُ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ أَطْعَمْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي، يَا بْنَ آدَمَ اسْتَسْقَيْتُكَ فَلَمْ تَسْقِنِي؟ قَالَ: يَا رَبِّ كَيْفَ أَسْقِيكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ قَالَ: اسْتَسْقَاكَ عَبْدِي فُلَانٌ فَلَمْ تَسْقِهِ أَمَا إِنَّكَ لَوْ سَقَيْتَهُ وَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي))

[مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

حسن الجوار :

 ثم هذا الحديث الذي يدعونا إلى حسن الجوار فعن أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَمُوتُ فَيَشْهَدُ لَهُ أَرْبَعَةُ أَهْلِ أَبْيَاتٍ مِنْ جِيرَانِهِ الْأَدْنَيْنَ أَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ إِلَّا خَيْرًا إِلَّا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى قَدْ قَبِلْتُ عِلْمَكُمْ فِيهِ وَغَفَرْتُ لَهُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ))

[أبو يعلى وأحمد في مسنده عَنْ أَنَسٍ]

 هؤلاء الجيران إذا أثنوا عليك، وشهدوا لك بالصلاح، الله سبحانه وتعالى أجلُّ وأكرم من أن يرد شهادتهم، يغفر لك، ويغفر ما لا يعلمون عنك، هل هناك من حديث يدعونا إلى حسن الجوار كهذا الحديث؟ عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّه عَنْهَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((مَا زَالَ يُوصِينِي جِبْرِيلُ بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ ))

[متفق عليه عَنْ عَائِشَةَ]

 والجار مطلق الجار، له عليك حق الجوار، والجار المسلم له عليك حقان، حق الجوار وحق الإسلام، والجار المسلم القريب له عليك ثلاثة حقوق، حق الجوار، وحق الإسلام، وحق القرابة، وأربعون داراً من جهة اليمين من الجوار، وأربعون داراً من جهة الشمال من الجوار، وأربعون داراً من الجهات الأربع من الجوار، ولعله أربعون داراً نحو الأعلى والأسفل من الجوار.. لو أن الجيران المؤمنين تعاونوا وتكاتفوا لكان المسلمون في حال غير هذا الحال.
 أتدرون ما حق الجار؟ اذا استعان بك أعنته، وإن استنصرك نصرته، وإن استقرضك أقرضته، وإن مرض عدته، وإن مات شيعته، ولا تستطل عليه بالبناء فتحجب عنه الريح إلا بإذنه، وإذا اشتريت فاكهة فأهد له منها، فإن لم تفعل فأدخلها سراً، ولا يخرج بها ولدك ليغيظ ولده، ولا تؤذه بقتار قدرك إلا أن تغرف له منها.

 

العناية بالدعاء لأنه مخ العبادة :

 وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَدْعُو بِدَعْوَةٍ لَيْسَ فِيهَا إِثْمٌ وَلَا قَطِيعَةُ رَحِمٍ إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ بِهَا إِحْدَى ثَلَاثٍ؛ إِمَّا أَنْ تُعَجَّلَ لَهُ دَعْوَتُهُ، وَإِمَّا أَنْ يَدَّخِرَهَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ، وَإِمَّا أَنْ يَصْرِفَ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَهَا، قَالُوا: إِذًا نُكْثِرُ؟ قَالَ: اللَّهُ أَكْثَرُ ))

[ أحمد عن أبي سعيد]

 فمعنى ذلك أن أي دعاء من مسلم بإخلاص واضطرار هذا الدعاء مستجاب ما لم تكن هذه الدعوة قطيعة رحم أو ارتكاب إثم.
 شيء آخر متعلق بهذا الدعاء. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"

((ما من مسلم ينصب ...))

 أي يصلي الليل ويناجي ربه، يسأله شيئاً من خيري الدنيا والآخرة، شيء وفق المنهج لا خلاف المنهج:

((ما من مسلم ينصب وَجْهَهُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي مَسْأَلَةٍ إِلَّا أَعْطَاهَا إِيَّاهُ إِمَّا أَنْ يُعَجِّلَهَا لَهُ وَإِمَّا أَنْ يَدَّخِرَهَا لَهُ ))

[أحمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 فيا أيها الأخوة الكرام: هذا يدعونا إلى أن نعتني بالدعاء لأنه كما قال عليه الصلاة والسلام مخُّ العبادة.

 

العمل لا يُقبل إلا بشرطين الإخلاص و الصواب :

 شيء آخر في سلسلة هذه الأحاديث، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَتَصَدَّقُ بِصَدَقَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ، وَلَا يَصْعَدُ إِلَى السَّمَاءِ إِلَّا طَيِّبٌ، إِلَّا كَأَنَّمَا يَضَعُهَا فِي كَفِّ الرَّحْمَنِ عَزَّ وَجَلَّ فَيُرَبِّيهَا كَمَا يُرَبِّي الرَّجُلُ فَلُوَّهُ، أَوْ فَصِيلَهُ، حَتَّى إِنَّ التَّمْرَةَ لَتَعُودُ مِثْلَ الْجَبَلِ الْعَظِيمِ ))

[متفق عليه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 أعيد عليكم هذا الحديث:

(( مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَتَصَدَّقُ بِصَدَقَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ وَلَا يَصْعَدُ إِلَى السَّمَاءِ إِلَّا طَيِّب ))

[متفق عليه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 بإخلاص واستقامة، الكسب طيب والعمل مخلص، لأن الفضيل بن عياض يقول: العمل لا يُقبل إلا بشرطين، إلا إذا كان خالصاً وصواباً، خالصاً ما ابتغي به وجه الله، وصواباً ما وافق السنة، فإن كنت مخلصاً، ولم يأت عملك مطابقاً للسنة، هذا العمل لا يُقبل، إن كان عملك مطابقاً للسنة، ولم تكن به مخلصاً فإن هذا العمل أيضاً لا يُقبل، لا يُقبل إلا بشرطين، الإخلاص، وموافقة المنهج الإلهي.

(( مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَتَصَدَّقُ بِصَدَقَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ وَلَا يَصْعَدُ إِلَى السَّمَاءِ إِلَّا طَيِّبٌ إِلَّا كَأَنَّمَا يَضَعُهَا فِي كَفِّ الرَّحْمَنِ عَزَّ وَجَلَّ فَيُرَبِّيهَا كَمَا يُرَبِّي الرَّجُلُ فَلُوَّهُ أَوْ فَصِيلَهُ حَتَّى إِنَّ التَّمْرَةَ لَتَعُودُ مِثْلَ الْجَبَلِ الْعَظِيمِ يوم القيامة ))

[متفق عليه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 لذلك يعجب الإنسان من هؤلاء الذين ينفقون أموالهم تبذيراً وإسرافاً، وقد أتيح لهم أن يصلوا بهذه الأموال إلى أعلى درجات الجنَّة، وإلى أن تغدو التمرة كجبل أحد، ينفقون أموالهم بلا طائل، لك أن تأكل، ولك أن تشرب، ولك أن تسكن، ولك أن تنفق بالمعروف، لذلك وصف الله المؤمنين بأنهم:

﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً ﴾

[سورة الفرقان: 67]

 فالمسرفون في المباحات، والمبذرون في المعاصي هؤلاء سيندمون أشد الندم يوم القيامة؛ لأن هذا المال الذي أنفقوه جزافاً ربما نقلهم إلى أعلى مراتب الجنة. وعن عَبْد اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَسُلِّطَ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْحِكْمَةَ فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا ))

[متفق عليه عن عَبْد اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ]

الإحسان إلى البنات :

 أيها الأخوة الكرام، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ:

((كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ بِالْمَدِينَةِ فَمَرَّ شَيْخٌ يُقَالُ لَهُ شُرَحْبِيلُ أَبُو سَعْدٍ، فَقَالَ: يَا أَبَا سَعْدٍ مِنْ أَيْنَ جِئْتَ؟ فَقَالَ: مِنْ عِنْدِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ حَدَّثْتُهُ بِحَدِيثٍ، فَقَالَ: لَأَنْ يَكُونَ هَذَا الْحَدِيثُ حَقًّا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِي حُمْرُ النَّعَمِ، قَالَ: حَدِّثْ بِهِ الْقَوْمَ؟ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا مِنْ مُسْلِمٍ تُدْرِكُ لَهُ ابْنَتَانِ فَيُحْسِنُ إِلَيْهِمَا مَا صَحِبَتَاهُ أَوْ صَحِبَهُمَا إِلَّا أَدْخَلَتَاهُ الْجَنَّةَ ))

[أحمد وابن ماجة عَنْ عِكْرِمَةَ]

 أي بيت من بيوتكم إذا كان فيه ابنتان، أحسنت إليهما، وربيتهما تربية إسلامية، وحملتهما على طاعة الله، وعلى تلاوة القرآن، وعلى غض البصر، وحملتهما على الالتزام الكامل، هاتان البنتان ضمان لوالديهما بدخول الجنة، هل هناك من بشارة قريبة كهذه البشارة؟..
أي بيت إذا كان فيه ابنتان، هاتان البنتان وسيلتا أبويهما لدخول الجنة.
 يقول سيدنا عمر:

((لَأَنْ يَكُونَ هَذَا الْحَدِيثُ حَقًّا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِي حُمْرُ النَّعَمِ قَالَ حَدِّثْ بِهِ الْقَوْمَ قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا مِنْ مُسْلِمٍ تُدْرِكُ لَهُ ابْنَتَانِ فَيُحْسِنُ (والإحسان إليهما بهدايتهما إلى الله، وحملهما على طاعة الله وتربيتهما التربية الإسلامية) فيحسن إِلَيْهِمَا مَا صَحِبَتَاهُ أَوْ صَحِبَهُمَا إِلَّا أَدْخَلَتَاهُ الْجَنَّةَ))

[أحمد وابن ماجة عَنْ عِكْرِمَةَ]

حسن العلاقة بين المؤمنين :

 و:

((عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا مِنْ مُسْلِمٍ عَادَ أَخَاهُ فَيَدْخُلَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَحْضُرْ أَجَلُهُ ......))

[ الترمذي عن ابن عباس ]

 دققوا في هذا الحديث الذي يبين أن العلاقة بين المؤمنين لها قيمة عند الله عز وجل، يرعاها، ويحفظها، ويلبي دعوة أحدهما بالآخر .

((مَا مِنْ مُسْلِمٍ عَادَ أَخَاهُ فَيَدْخُلَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَحْضُرْ أَجَلُهُ فَقَالَ: أَسْأَلُ اللَّهَ الْعَظِيمَ رَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ أَنْ يَشْفِيَ فُلَانًا مِنْ وَجَعِهِ سَبْعًا إِلَّا شَفَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْهُ ))

[ الترمذي عن ابن عباس ]

 أي إذا أخ مؤمن صادق زار أخاً مريضاً، وكان هذا المريض لم يحضر أجله، ودعا بهذا الدعاء الذي علمنا إياه رسول الله صلى الله عليه وسلم، أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفي فلاناً من وجعه سبعاً إلا شفاه الله عز وجل منه إكراماً لأخيه، وتأكيداً على حسن العلاقة بين المؤمنين.
 كل هذه الأحاديث تبعث على التفاؤل، كل هذه الأحاديث مبشرة، كل هذه الأحاديث تضع المسلم أمام فهم دقيق لما يجري حوله.

 

على الإنسان أن يكون مع الله في حركاته و سكناته :

 عَنْ فَاطِمَةَ ابْنَةِ الْحُسَيْنِ عَنْ أَبِيهَا الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((مَا مِنْ مُسْلِمٍ وَلَا مُسْلِمَةٍ يُصَابُ بِمُصِيبَةٍ فَيَذْكُرُهَا وَإِنْ طَالَ عَهْدُهَا، قَالَ عَبَّادٌ: قَدُمَ عَهْدُهَا فَيُحْدِثُ لِذَلِكَ اسْتِرْجَاعًا إِلَّا جَدَّدَ اللَّهُ لَهُ عِنْدَ ذَلِكَ، فَأَعْطَاهُ مِثْلَ أَجْرِهَا يَوْمَ أُصِيبَ بِهَا ))

[أحمد عَنْ فَاطِمَةَ ابْنَةِ الْحُسَيْنِ عَنْ أَبِيهَا الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ]

 طال عهدها: قدم عهدها، استرجاعاً: أي أصابته مصيبة قبل عشرين عاماً، فلما ذكرها قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، هذا هو الاسترجاع عند المصيبة. كلما ذكرت- لا سمح الله ولا قدر- مصيبة ألمت بك، فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون، ربنا جل جلاله يعطيك أجر المصيبة عند وقوعها عند قولك إنا لله وإنا إليه راجعون، العبرة أن تكون مع الله دائماً، في السرَّاء شاكراً، وفي الضراء صابراً، وفي الدعاء منيباً، وفي كل حركاتك وسكناتك.

 

ما ينبغي على الإنسان قوله قبل السفر :

 عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِي اللَّه عَنْه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهِ يُرِيدُ سَفَرًا أَوْ غَيْرَهُ فَقَالَ حِينَ يَخْرُجُ: بِسْمِ اللَّهِ، آمَنْتُ بِاللَّهِ، اعْتَصَمْتُ بِاللَّهِ، تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، إِلَّا رُزِقَ خَيْرَ ذَلِكَ الْمَخْرَجِ، وَصُرِفَ عَنْهُ شَرُّ ذَلِكَ الْمَخْرَجِ ))

[أحمد عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ]

 لذلك كان عليه الصلاة والسلام إذا سافر يدعو ويقول: " اللهم أنت الرفيق في السفر والخليفة في الأهل والمال والولد" أرأيتم؟!
 أيها الأخوة: هذا المنهج القويم، هذا المنهج الإلهي الذي بيّنه النبي صلى الله عليه وسلم يدور معك في كل شؤون حياتك، في إقامتك، وفي سفرك، في أفراحك، وفي أتراحك، في علاقاتك، وفي زياراتك، وفي كل شيء، وأي موقف يقفه المسلم يكون هذا الموقف سبب سعادته وسلامته في الدنيا والآخرة.
 هذه الأحاديث الصحيحة التي ذكرتها في هاتين الخطبتين ينبغي أن ترفع من قوة إيمان المؤمن، وتجعله قادراً على تطبيق السنة، لأن فيها نجاته وسعادته في الدنيا والآخرة.
 حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، وعلموا أن ملك الموت قد تخطانا لغيرنا، وسيتخطى غيرنا إلينا، الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني.

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

ثعابين الماء الكهربائية :

 أيها الأخوة الكرام: في مجاري المياه العذبة في البرازيل، وفي حوض نهر الأمازون تعيش وحوش مائية غريبة، تُسمى ثعابين الماء الكهربائية، وهي مشحونة بكهرباء قوية جداً، إذ يكفي أن يلمسها الإنسان مرةً واحدة ليصاب بصدمة كهربائية لا ينساها طوال حياته.
 هذا الثعبان أيها الأخوة طوله يزيد عن مترين، أربعة أخماس جسمه مليء بأجهزة توليد الكهرباء وتخزينها، وتُحشر معدته وأعضاؤه الحيوية في القسم الأمامي من جسمه، له ثلاثة أزواج من المولدات الكهربائية، وكلها مجهزة بألواح تؤدي نفس الوظيفة التي تكون للتخزين في السيارة مرصوفة إلى جانب بعضها بعضاً، كل مولد معه من ثلاثين إلى ستة وثلاثين لوحاً لتخزين الكهرباء.
 قال: ليس في المخلوقات كلها إلا ستة أنواع تولد الطاقة الكهربائية، وجميع هذه الأنواع من الأسماك وثعبان الماء الكهربائي يعطي أقوى تيار كهربائي يصل إلى خمسمئة فولت، وكلكم يعلم أن البيوت فيها 110 أو 220 ومع ذلك تسبب صدمة، وقد تكون قاتلة، بينما هذا الثعبان يطرح تياراً شدته خمسمئة فولت.
 قال: الثعبان الكهربائي يولد أقوى تيار حيث يصل إلى عدة مئات من الفولتات.. أما الشيء الغريب أن هذا الثعبان يتحكم في قوة التيار، فإذا أراد أن يهدد حيواناً بالابتعاد عنه يرسل له تياراً ضعيفاً من أضعف مولداته الكهربائية، و إذا أراد أن يحدد موقع حيوان عدو، يرسل له تياراً ضعيفاً، ويرجع التيار منعكساً عن الحيوان كفعل الرادار تماماً، فمن خلال التيار الضعيف يعرف موقع العدو، أو يحذر العدو، أما إذا أراد قتل العدو فيعطيه تياراً قوياً، فهذا الثعبان يتحكم بشدة التيار.
 قال: صدمة واحدة من التيار القوي تكفي لقتل عدو له بحجم إنسان، وتكفي لإحداث صدمة ربما تكون مميتة بسبب شدة هذا التيار.
 أيها الأخوة الكرام: الإنسان يزعم أنه اخترع الكهرباء، الأنواع الأخرى التي تولد التيار الكهربائي بعض هذه الأسماك لأن جسمها مكهرب، فإذا أمسكه الإنسان أصيب بصدمة كهربائية، فيضطر إلى إطلاقه، هذا نوع من الأسماك، بعض هذه الأسماك لها القدرة على إشعال أضواء وإطفائها، على جسمها مصابيح تتألق وتنطفئ، بعض هذه الأسماك يبعث ضوءاً أحمر تارة، وأبيض تارة، وأزرق تارةً أخرى.
 بعض الحيتان لها شكل غريب على جسمها، صف متصل من المصابيح كبعض الشاحنات التي نراها في الطرقات ليلاً. وبعض هذه الأسماك إطفاء الأضواء أحد وسائل الدفاع عن ذاتها، فإذا اقترب منها عدو أطفأت الأنوار وغابت عن نظره.
 أغرب شيء في هذا الموضوع العلمي أن الإنسان حينما يولد الضوء عن طريق استهلاك الطاقة، يُستهلك جزءاً كبيراً من الطاقة فيشع حرارة، وهذه الحرارة طاقة مهدورة، لذلك ما من تألق مصباح إلا وفيه حرارة كبيرة جداً، هذه الحرارة طاقة مهدورة، إلا أن الأسماك تصدر هذه الأضواء من دون أن يسخن جسمها إطلاقاً، فلو أن الإنسان توصل إلى تصنيع ضوء عن طريق تحويل الطاقة إلى ضوء مباشرة من دون حرارة لكان هذا كسباً كبيراً في صناعة الأضواء.
 أيها الأخوة الكرام:

﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾

[سورة لقمان: 11]

 يقولون: إن في البحار مليون نوع من الأسماك، وإن في البحار تنوعاً في المخلوقات يدهش العقول، وهذا كله من خلق الله، وهذا كله مسخر للإنسان، وهذا الإنسان الذي سخرت له كل هذه المخلوقات في غفلة عن ربه، قال تعالى:

﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً﴾

[سورة الإسراء: 44]

 بينما الإنسان الذي سخرت له كل هذه المخلوقات في غفلة عن ربه من جهة، ومعصية له من جهة أخرى.

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك. اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، ودنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين. اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك. اللهم لا تؤمنا مكرك، ولا تهتك عنا سترك، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين. اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى، إنك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018