الخطبة : 0617 - أحاديث شريفة - ما من مسلم 1 - العلاقة الطيبة مع المسلمين من علامات الإيمان - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0617 - أحاديث شريفة - ما من مسلم 1 - العلاقة الطيبة مع المسلمين من علامات الإيمان


1997-06-06

الخطبة الأولى:
 الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنـا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته وإرغامـاً لمن جحد به وكفر. وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر أو سمعت أذن بخبر. اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين. اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرِنا الحــق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممــــن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

البحث عن حرفة تتوافق مع مصالح المسلمين :

 أيها الأخوة الكرام: في كتب الحديث الصحاح التسعمئة أحاديث شريف تبدأ بقوله صلى الله عليه وسلم: ما من مسلم، وقبل أن أعرض عليكم بعضاً من هذه الأحاديث لابد من أن أضع بين أيديكم حقيقة (من).. ما من مسلم.. قال علماء اللغة: إنها تفيد استغراق أفراد النوع، أيْ أيُّ مسلم على الإطلاق، يقول عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي ورد في صحيح البخاري عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِي اللَّه عَنْه:

((مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا فَيَأْكُلُ مِنْهُ طَيْرٌ أَوْ إِنْسَانٌ أَوْ بَهِيمَةٌ إِلَّا كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ))

[متفق عليه عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ]

 لأنه حقق ما يُسمى اليوم بالأمن الغذائي، أحياناً يحقق الإنسان مصلحته الفردية، ولكن مع تحقيق هذه المصلحة الفردية تتحقق مصلحة الجماعة، تتحقق مصلحة المسلمين، فالعمل الذي تعمله إذا كان حلقة في سلسلة تحقق مصالح الأمة، فهذا العمل ينبغي أن تلزمه وينبغي أن تحرص عليه.
أيها الأخوة الكرام:

((كاد الفقر أن يكون كفراً..))

[أحمد عن أنس بن مالك أو الحسن البصري ]

 ما ذهب الفقر إلى بلد إلا قال الكفر: خذني معك.. الإنسان كما ورد " إذا أحرزت النفس قوتها اطمأنت " فالذي يضع بين أيدي الناس محاصيل زراعية، خضار، فواكه، أشياء تعينهم على قوام حياتهم، فضلاً عن أنه حقق مصلحته الشخصية بأن كسب رزقاً حلالاً هو حقق مصلحة الجماعة، فإذا أردت أن تعرف مقامك فانظر فيم استعملك؟ هناك من يعيش على ما يناقض مصلحة الجماعة، هناك من يكسب رزقه على ما يناقض مصلحة الجماعة، وهناك إنسان يكسب رزقه وفي الوقت نفسه يحقق مصلحة الجماعة، الجماعة المؤمنة..

((مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا فَيَأْكُلُ مِنْهُ طَيْرٌ أَوْ إِنْسَانٌ أَوْ بَهِيمَةٌ إِلَّا كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ))

[متفق عليه عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ]

 حديث ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي:

(( إن روح القدس نفث في روعي أن نفسا لن تموت حتى تستكمل رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب واستجملوا مهنكم ))

[ابن أبي الدنياعن ابن مسعود]

 ابحث عن حرفة ترضي الله، ابحث عن حرفة تحقق مصالح المسلمين، ابحث عن حرفة قوامها العطاء لا الأخذ، ابحث عن حرفة تسهم بها في بناء الإنسان لا في هدمه، في تطمينه لا في إخافته، في إغنائه لا في إفقاره. يد الله مع الجماعة، ويد الله على الجماعة، ومن شَذَّ شذَّ في النار، ومن لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم، وهذا الحديث الصحيح في صحيح البخاري:

((مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا فَيَأْكُلُ مِنْهُ طَيْرٌ أَوْ إِنْسَانٌ أَوْ بَهِيمَةٌ إِلَّا كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ))

[متفق عليه عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ]

 هنيئاً لمن كانت حرفته تتوافق مع مصالح المسلمين، هنيئاً لمن كانت حرفته تبني ولا تهدم، تطمئن ولا تخيف، تعطي ولا تأخذ، تصلح ولا تفسد، كم من إنسان يكسب رزقه على إفساد الشباب؟! كم من إنسان يبني رزقه على إفساد دين الناس؟! كم من إنسان يبني رزقه على إشاعة المنكرات بين الناس؟! إذا أردت أن تعرف مقامك فانظر فيم استعملك؟ شيئان لصيقان بك، زوجتك وحرفتك، يجب أن تختار حرفتك بعناية فائقة، لأنها سبب رقيك عند الله، أو سبب حجابك عن الله عز وجل.

الشدائد كفارات للذنوب :

 وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يُوعَكُ فَقُلْتُ:

((يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ لَتُوعَكُ وَعْكًا شَدِيدًا؟ قَالَ: أَجَلْ إِنِّي أُوعَكُ كَمَا يُوعَكُ رَجُلَانِ مِنْكُمْ، قُلْتُ ذَلِكَ أَنَّ لَكَ أَجْرَيْنِ؟ قَالَ: أَجَلْ ذَلِكَ كَذَلِكَ مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصِيبُهُ أَذًى شَوْكَةٌ فَمَا فَوْقَهَا إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا سَيِّئَاتِهِ كَمَا تَحُطُّ الشَّجَرَةُ وَرَقَهَا ))

[متفق عليه عَنْ عبد الله ]

 كل ما يزعج المسلم، كل ما يؤلم المسلم، كل ما يحرج المسلم، كل ما يضيق به المسلم كفارات لذنوبه، حتى يلقى الله كيوم ولدته أمه.

 لا تضجر من مصيبة حلت بك، لا تضجر من تضييق ضيقه الله عليك، لا تضجر من همّ تسرب إلى قلبك، اعلم علم اليقين أن هذه المزعجات مكفرات، اعلم علم اليقين أن هذه الشدائد تشدك إلى الله، فما من شدة إلا وراءه شَدَّةً إلى الله. قَالَ عُثْمَانُ:

((حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ انْصِرَافِنَا مِنْ صَلَاتِنَا هَذِهِ قَالَ مِسْعَرٌ أُرَاهَا الْعَصْرَ فَقَالَ مَا أَدْرِي أُحَدِّثُكُمْ بِشَيْءٍ أَوْ أَسْكُتُ فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ كَانَ خَيْرًا فَحَدِّثْنَا وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ فَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَتَطَهَّرُ فَيُتِمُّ الطُّهُورَ الَّذِي كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ فَيُصَلِّي هَذِهِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ إِلَّا كَانَتْ كَفَّارَاتٍ لِمَا بَيْنَهَا))

[متفق عليه عَنْ عثمان ]

 وهذه بشارة أيضاً أيها الأخوة الصلاة إلى الصلاة، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان كفارات لما بينها إذا اجتنبت الكبائر.

 

الدعاء عند المصيبة :

 أيها الأخوة الكرام، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

((مَا مِنْ مُسْلِمٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ فَيَقُولُ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ ( إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ) اللَّهُمَّ أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا أَخْلَفَ اللَّهُ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا قَالَتْ فَلَمَّا مَاتَ أَبُو سَلَمَةَ قُلْتُ أَيُّ الْمُسْلِمِينَ خَيْرٌ مِنْ أَبِي سَلَمَةَ أَوَّلُ بَيْتٍ هَاجَرَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ إِنِّي قُلْتُهَا فَأَخْلَفَ اللَّهُ لِي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ أَرْسَلَ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَاطِبَ بْنَ أَبِي بَلْتَعَةَ يَخْطُبُنِي لَهُ فَقُلْتُ إِنَّ لِي بِنْتًا وَأَنَا غَيُورٌ فَقَالَ أَمَّا ابْنَتُهَا فَنَدْعُو اللَّهَ أَنْ يُغْنِيَهَا عَنْهَا وَأَدْعُو اللَّهَ أَنْ يَذْهَبَ بِالْغَيْرَةِ ))

[مسلم عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ]

 هكذا علمنا النبي عليه الصلاة والسلام.. إذاً الدعاء الذي علَّمنا إيَّاه النَّبي عليه الصلاة والسلام: ما من مسلم دعا به عند المصيبة إلا آجره الله عزَّ وجل وأخلفه خيراً منها.

 

عيادة المريض طاعة لله عز وجل :

 أيها الأخوة الكرام: لازلنا في الأحاديث الصحيحة التي تبدأ بكلمة ما من مسلم.
 عن عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ:

((سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَعُودُ مُسْلِمًا غُدْوَةً إِلَّا صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ حَتَّى يُمْسِيَ وَإِنْ عَادَهُ عَشِيَّةً إِلَّا صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ حَتَّى يُصْبِحَ وَكَانَ لَهُ خَرِيفٌ فِي الْجَنَّةِ ))

[الترمذي عن عَلِيٍّ ]

 عيادة المريض طاعة لله عز وجل، عيادة المريض عبادة من أجلّ العبادات، سنة من أجلّ السنن، لماذا ؟.. لأنك إن عدت مريضاً اقتربت أنت من الله، وقربته من الله، وقد ورد في الحديث القدسي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَا بْنَ آدَمَ مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي؟ قَالَ: يَا رَبِّ كَيْفَ أَعُودُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلَانًا مَرِضَ فَلَمْ تَعُدْهُ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ، يَا بْنَ آدَمَ اسْتَطْعَمْتُكَ فَلَمْ تُطْعِمْنِي؟ قَالَ: يَا رَبِّ وَكَيْفَ أُطْعِمُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّهُ اسْتَطْعَمَكَ عَبْدِي فُلَانٌ فَلَمْ تُطْعِمْهُ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ أَطْعَمْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي، يَا بْنَ آدَمَ اسْتَسْقَيْتُكَ فَلَمْ تَسْقِنِي؟ قَالَ: يَا رَبِّ كَيْفَ أَسْقِيكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ قَالَ: اسْتَسْقَاكَ عَبْدِي فُلَانٌ فَلَمْ تَسْقِهِ أَمَا إِنَّكَ لَوْ سَقَيْتَهُ وَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي))

[ مسلم عن أبي هريرة]

 أي إذا سلب الله من إنسان بعض صحَّته عوَّضه عليها قُرباً، وإشراقاً، وطمأنينة، وسعادة أضعاف الذي أخذه منه، فإن زرت مريضاً هذه الزيارة تقربك من الله عز وجل، وإن عدَّته أيضاً هذه العيادة ترفع من معنوياتك، فمن عاد مريضاً فكأنما يخوض في الرحمة خوضاً.

 

ستر عورات المسلمين :

 وعن ابن عباس قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

((مَا مِنْ مُسْلِمٍ كَسَا مُسْلِمًا ثَوْبًا إِلَّا كَانَ فِي حِفْظٍ مِنَ اللَّهِ مَا دَامَ مِنْهُ عَلَيْهِ خِرْقَةِ))

[الترمذي عن ابن عباس]

 إذاً من الأعمال الطيِّبة أن تستر عورات المسلمين، أن تستر عوراتهم بإهدائهم كسوةً، أن تلبسهم ثوباً، أن تجعلهم يفرحون بما عليهم من ثياب.

 

العلاقة الطيبة مع المسلمين من علامات الإيمان :

 عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((مَا مِنْ مُسْلِمَيْنِ يَلْتَقِيَانِ فَيَتَصَافَحَانِ إِلَّا غُفِرَ لَهُمَا قَبْلَ أَنْ يَفْتَرِقَا ))

[الترمذي عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ]

 هذه المودَّة، وهذه الطَّلاقة، وهذه البشاشة، وهذا السلام، وهذه المصافحة تمتن ما بين المسلمين، تجعلهم كتلة واحدة، تبعد عنهم الشيطان.
 من علامة الإيمان أن تكون علاقتك طيبةً جداً بإخوانك المؤمنين؛ لا حسد، ولا حقد، ولا ضغينة، ولا طعن، ولا نميمة، ولا بغض:

((كفى بالمرء إثماً أن يحقر أخاه المسلم))

[ مسلم عن أبي هريرة]

(( مَا مِنْ مُسْلِمَيْنِ يَلْتَقِيَانِ فَيَتَصَافَحَانِ إِلَّا غُفِرَ لَهُمَا قَبْلَ أَنْ يَفْتَرِقَا ))

[الترمذي عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ]

من قرأ سورة من القرآن وكّل الله به ملكاً يحميه :

 و عَنْ رَجُلٍ مَنْ بَنِي حَنْظَلَةَ قَالَ: صَحِبْتُ شَدَّادَ بْنَ أَوْسٍ رَضِي اللَّه عَنْهم فِي سَفَرٍ فَقَالَ: أَلَا أُعَلِّمُكَ مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعَلِّمُنَا أَنْ نَقُولَ:

((اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الثَّبَاتَ فِي الْأَمْرِ، وَأَسْأَلُكَ عَزِيمَةَ الرُّشْدِ، وَأَسْأَلُكَ شُكْرَ نِعْمَتِكَ وَحُسْنَ عِبَادَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ لِسَانًا صَادِقًا وَقَلْبًا سَلِيمًا، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا تَعْلَمُ، وَأَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ مَا تَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ مِمَّا تَعْلَمُ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ، قَالَ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَأْخُذُ مَضْجَعَهُ يَقْرَأُ سُورَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ إِلَّا وَكَّلَ اللَّهُ بِهِ مَلَكًا فَلَا يَقْرَبُهُ شَيْءٌ يُؤْذِيهِ حَتَّى يَهُبَّ مَتَى هَبَّ ))

[الترمذي وأحمد عَنْ رَجُلٍ مَنْ بَنِي حَنْظَلَةَ]

 إن أردت أن تنام ليلاً مريحاً، نوماً سليماً، نوماً آمناً، نوماً معافى من كل مشكلة، فاقرأ سورةً من القرآن الكريم، عندئذ يوكل الله لك ملكاً يحفظك وأنت نائم.

 

الاستمرار على طاعة الله :

 الآن حديث من سلسلة هذه الأحاديث: عن شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((لَا تَنْتِفُوا الشَّيْبَ، مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَشِيبُ شَيْبَةً فِي الْإِسْلَامِ قَالَ عَنْ سُفْيَانَ إِلَّا كَانَتْ لَهُ نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ))

[الترمذي عن شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ]

 القصد من هذا الحديث الثبات، أي تعرف إلى الله، وعاهده على الطاعة، واستمر على هذه الطاعة، إلى أن شاب شعره.. الثبات الديمومة:

(( أَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ ))

[ متفق عليه عن عائشة ]

 أن تشيب على طاعة الله، أن تموت على طاعة الله، أن تُحشر على طاعة الله، الاستمرار، العامة يقولون: "الثبات نبات" والثبات في الإيمان هو الذي يملأ الوعاء، نقطة من حين لآخر لا تملأ وعاءً، سرعان ما تجف، لابد من الديمومة، لابد من الثبات.

 

إكرام ذي الشيبة المسلم :

 وعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((إِنَّ مِنْ إِجْلَالِ اللَّهِ إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ، وَحَامِلِ الْقُرْآنِ غَيْرِ الْغَالِي فِيهِ وَالْجَافِي عَنْهُ، وَإِكْرَامَ ذِي السُّلْطَانِ الْمُقْسِطِ ))

[ أبو داود عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ]

 أي نشأ وترعرع، ونما وشبَّ، واكتمل وشاخ وهو في طاعة الله:

((إِنَّ مِنْ إِجْلَالِ اللَّهِ إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ))

[ أبو داود عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ]

المبيت طاهراً على ذكر :

 ما من مسلم يبيت على ذكر طاهراً، ما أكثر الحاجات التي يحتاجها الإنسان، ما أكثر الأزمات التي يعيشها الإنسان، ما أكثر الأخطار التي قد يتعرض لها الإنسان، ما أكثر ما تحتاج الله عز وجل، إنك تحتاجه في كل شيء. عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَبِيتُ عَلَى ذِكْرٍ طَاهِرًا فَيَتَعَارُّ مِنَ اللَّيْلِ فَيَسْأَلُ اللَّهَ خَيْرًا مِنَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ ))

[أبو داود عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ]

الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم :

 وعن عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصَلِّي عَلَيَّ إِلَّا صَلَّتْ عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ مَا صَلَّى عَلَيَّ فَلْيُقِلَّ الْعَبْدُ مِنْ ذَلِكَ أَوْ لِيُكْثِرْ ))

[ابن ماجة عن عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنْ أَبِيهِ]

 من معاني الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تذكره دائماً، أن تذكر فضله، أن تذكر شمائله، أن تذكر كمالاته، أن تذكر سنته، أن تقتفي أثره، أن تطيعه فيما أمر، أن تطبق ما أعطاك، أن تنتهي عما عنه نهاك، هذا مما تعنيه الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 

النية بوفاء الدين تجلب التيسير :

 الآن الحديث لمن عليه دين، عَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ مَيْمُونَةَ قَالَتْ:

((كَانَتْ تَدَّانُ دَيْنًا فَقَالَ لَهَا بَعْضُ أَهْلِهَا لَا تَفْعَلِي وَأَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهَا قَالَتْ: بَلَى، إِنِّي سَمِعْتُ نَبِيِّي وَخَلِيلِي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَدَّانُ دَيْنًا يَعْلَمُ اللَّهُ مِنْهُ أَنَّهُ يُرِيدُ أَدَاءَهُ إِلَّا أَدَّاهُ اللَّهُ عَنْهُ فِي الدُّنْيَا ))

[ابن ماجة عَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ مَيْمُونَةَ]

 إن كان عليك دين انوِ أن تؤدّيه لصاحبه، هذه النية وحدها تجلب لك التيسير، تجلب لك وفاء الدين، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْه عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ وَمَنْ أَخَذَ يُرِيدُ إِتْلَافَهَا أَتْلَفَهُ اللَّه))

[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

إقراض الناس :

 شيء آخر متعلق بالذي يقرض الناس:

((عَنْ قَيْسِ ابْنِ رُومِيٍّ قَالَ: كَانَ سُلَيْمَانُ بْنُ أُذُنَانٍ يُقْرِضُ عَلْقَمَةَ أَلْفَ دِرْهَمٍ إِلَى عَطَائِهِ فَلَمَّا خَرَجَ عَطَاؤُهُ تَقَاضَاهَا مِنْهُ وَاشْتَدَّ عَلَيْهِ فَقَضَاهُ فَكَأَنَّ عَلْقَمَةَ غَضِبَ فَمَكَثَ أَشْهُرًا ثُمَّ أَتَاهُ فَقَالَ أَقْرِضْنِي أَلْفَ دِرْهَمٍ إِلَى عَطَائِي قَالَ نَعَمْ وَكَرَامَةً يَا أُمَّ عُتْبَةَ هَلُمِّي تِلْكَ الْخَرِيطَةَ الْمَخْتُومَةَ الَّتِي عِنْدَكِ فَجَاءَتْ بِهَا فَقَالَ أَمَا وَاللَّهِ إِنَّهَا لَدَرَاهِمُكَ الَّتِي قَضَيْتَنِي مَا حَرَّكْتُ مِنْهَا دِرْهَمًا وَاحِدًا قَالَ فَلِلَّهِ أَبُوكَ مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا فَعَلْتَ بِي قَالَ مَا سَمِعْتُ مِنْكَ قَالَ مَا سَمِعْتَ مِنِّي قَالَ سَمِعْتُكَ تَذْكُرُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُقْرِضُ مُسْلِمًا قَرْضًا مَرَّتَيْنِ إِلَّا كَانَ كَصَدَقَتِهَا مَرَّةً قَالَ كَذَلِكَ أَنْبَأَنِي ابْنُ مَسْعُودٍ))

[ ابن ماجة عَنْ قَيْسِ بْنِ رُومِيٍّ]

 إن أقرضته مرتين إحدى المرتين صدقة، وفي بعض الأحاديث نصف قيمة القرض لك صدقة تُكتب عند الله، هذا كلام النبي صلى الله عليه وسلم، ولا ينطق عن الهوى.
 ما كل إنسان يأخذ منك صدقة، هناك إنسان لا يأخذ إلا دين، فإذا أُغلق باب الدين وقع أناس كثيرون في صعوبات كثيرة، يجب أن تفتح باب الدين، وباب الصدقة، أن تفتح باب الزكاة، وباب الصدقة، وباب الدين، هناك نفقات تُحسب من الزكاة، وهناك نفقات ترضي الله عز وجل، ولكنها تُحسب من الصدقات، وهناك نفقات هي دين، نصف قيمته تُحسب صدقةً لك.

 

ما يقوله الإنسان حين يصبح و حين يمسي :

 و عَنْ أَبِي سَلَّامٍ خَادِمِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((مَا مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ إِنْسَانٍ أَوْ عَبْدٍ يَقُولُ حِينَ يُمْسِي وَحِينَ يُصْبِحُ: رَضِيتُ بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا، إِلَّا كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُرْضِيَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ))

[ابن ماجه عَنْ أَبِي سَلَّامٍ]

 رضيت بمحمد نبياً أي وسعته السنة ولم تستهوه البدعة، رضي بالقرآن منهجاً، رضي بالسنة الشريفة منهجاً تفصيلياً، رضي بالإسلام ديناً، ملأ الإسلام قلبه، رضي بالله رباً، جعل صلاته وصيامه وكل نسكه لله عز وجل..

((مَا مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ إِنْسَانٍ أَوْ عَبْدٍ يَقُولُ حِينَ يُمْسِي وَحِينَ يُصْبِحُ: رَضِيتُ بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا إِلَّا كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُرْضِيَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ))

[ابن ماجه عَنْ أَبِي سَلَّامٍ]

 أنت رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولاً، وحق على الله عز وجل أن يرضيك يوم القيامة..

 

ما يجب على الإنسان فعله عندما يذنب :

 لو أن الإنسان أذنب ذنباً ماذا يفعل؟ عَنْ أَسْمَاءَ بْنِ الْحَكَمِ الْفَزَارِيِّ قَال سَمِعْتُ عَلِيًّا يَقُولُ:

((إِنِّي كُنْتُ رَجُلًا إِذَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثًا نَفَعَنِي اللَّهُ مِنْهُ بِمَا شَاءَ أَنْ يَنْفَعَنِي بِهِ، وَإِذَا حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ اسْتَحْلَفْتُهُ فَإِذَا حَلَفَ لِي صَدَّقْتُهُ، وَإِنَّهُ حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ وَصَدَقَ أَبُو بَكْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: مَا مِنْ رَجُلٍ يُذْنِبُ ذَنْبًا ثُمَّ يَقُومُ فَيَتَطَهَّرُ ثُمَّ يُصَلِّي ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ إِلَّا غَفَرَ اللَّهُ لَهُ ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ ﴾إِلَى آخِرِ الْآيَةِ ))

[الترمذي عَنْ أَسْمَاءَ بْنِ الْحَكَمِ الْفَزَارِيِّ]

الحق لا يتعدد :

 بقي حديث أخير، هذا الحديث الأخير يقصم الظهر، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((مَا مِنْ مُسْلِمَيْنِ الْتَقَيَا بِأَسْيَافِهِمَا إِلَّا كَانَ الْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ ))

[ابن ماجة عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ]

 هذا الذي نسمعه في أقصى الشرق، عن معارك طاحنة، دامت سنوات طويلة بين المسلمين.. َ

((مَا مِنْ مُسْلِمَيْنِ الْتَقَيَا بِأَسْيَافِهِمَا إِلَّا كَانَ الْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ ))

[ابن ماجة عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ]

 إذاً هما يتخاصمان على الدنيا، لو تخاصما على الآخرة لما تخاصما، لأن المعركة بين حقين لا تكون، الحق لا يتعدد، وبين حق وباطل لا تدوم لأن الله مع الحق، أما إذا طالت وامتدت فهي معركة بين باطلين.

((مَا مِنْ مُسْلِمَيْنِ الْتَقَيَا بِأَسْيَافِهِمَا إِلَّا كَانَ الْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ ))

[ابن ماجة عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ]

 هناك أحاديث أخرى يسأل أصحاب رسول الله نبيهم صلى الله عليه وسلم..
 قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

((إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا الْقَاتِلُ فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ؟ قَالَ: إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ))

[البخاري في الايمان ومسلم في الفتن]

 يظل المسلم بخير ما لم يسفك دماً. لهذا الموضوع تتمة في الأسبوع القادم إن شاء الله..
 حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت، قد تخطانا لغيرنا، وسيتخطى غيرنا إلينا، الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني.

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

صندوق العافية :

 أيها الأخوة الكرام: بفضل الله ورحمته قبل عام أو أكثر تم تأسيس وإنشاء صندوق العافية، وهذا عمل طيب وجليل، بادر إلى إنشائه وتأسيسه أخوة كرام معظمهم من رواد هذا المسجد، هذا الصندوق يعني أن كل فقير في مدينة دمشق حصراً إن أصيب بمرض عضال، هذا الصندوق يتكفل له أن يجري أية عملية في أي بلد على الإطلاق، وفيما أعلم - ولا أزكي على الله أحداً - القائمون على هذا الصندوق ممن يخافون الله عز وجل، إداريون وأطباء، وهذا الصندوق أعطي صلاحيات واسعة بإمكانه أن يأخذ حسومات من معامل الأدوية، ومن شركات الطيران، ومن المؤسسات الاقتصادية، ومن أية جهة رسمية؛ لأنه أسس بمرسوم، وله صلاحيات، وله ضبط دقيق جداً.
 من نشاطات هذا الصندوق أنه يجبي من المساجد، وسوف أبلغكم أن المال الذي تدفعونه إلى الصندوق اليوم يمكن أن يُحسب من الزكاة، ليس لإنشاء مسجد هذا من الصدقة، أما أن تجري عملية جراحية لإنسان مسلم فقير، لا يقوى على إجراء هذه العملية، وهناك عمليات جراحية تكلف الإنسان ثمن بيته، أو ثمن كل ما يملك، فيا أيها الأخوة الكرام أرجو الله سبحانه وتعالى أن تبادر بقية المحافظات في بلدنا الطيب إلى تأسيس مثل هذه الصناديق.
 أخبرني أخ كريم جزاه الله خيراً وهو حاضر معنا أنه تمت في هذه الفترة التي لا تزيد عن سنة مئتا عملية جراحية، فأي إنسان مصاب بمرض عضال، ولا يملك ثمن العملية الجراحية، ما على هذا الأخ الكريم إلا أن يتوجه إلى صندوق العافية في الميدان في اتحاد الجمعيات الخيرية، يقدم طلباً ويحول إلى جمعيته التي يسكن قربها، تؤخذ التحقيقات اللازمة، ويُعرض على الأطباء الاختصاصين، وبعدها يقرر أن تجرى العملية له في أي مكان بحسب مصلحة مرضه.

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك. اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، ودنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين. اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك. اللهم لا تؤمنا مكرك، ولا تهتك عنا سترك، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين. اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى، إنك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018