الخطبة : 0611 - ثما ر الإيمان - الرحمة - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0611 - ثما ر الإيمان - الرحمة


1997-04-25

الخطبة الأولى:
 الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنـا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته وإرغامـاً لمن جحد به وكفر. وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر أو سمعت أذن بخبر. اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين. اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرِنا الحــق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممــــن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

الإنسان قلب غلافه الجسم :

 أيها الأخوة الكرام: موضوع الخطبة اليوم الرحمة، و هي أثر من آثار الإيمان، تبدو جلية واضحة في المجتمع الإسلامي.
 الإنسان أيها الأخوة من غير قلب رحيم أشبه بالآلة الصماء والحجر الصلد، حقيقة الإنسان ليست في هذا الغلاف الطيني، من لحم ودم وعظم، إنما هي تلك اللطيفة الربانية، والجوهرة الروحية، التي بها يحسُّ، ويشعر، وينفعل، ويتأثر، ويتألم، ويرحم، إنها القلب، ليس الإنسان جسماً بعضه القلب، ولكنَّ الإنسان قلب غلافه الجسم، حينما قالوا: المرء بأصغريه؛ قلبه ولسانه، رفعوا من شأن اللسان إذ قرنوه بالقلب، ووضعوا من قيمة القلب إذ قرنوه باللسان، إن القلب به يعقل الإنسان، قال تعالى:

﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آَذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ﴾

[سورة الأعراف: 179]

 إن القلب ليقرأ ما رسمه الله على السماء والأرض، ولا يسمح منها للسان إلا بالقليل القليل، لعلك أيها الأخر الكريم إن فتشت عن أعجب ما خلق الله في السماء والأرض، لن تجد أعجب ولا أروع ولا أدق ولا أجمل من قلب الإنسان.. تصلح أوتاره، فيفيض رحمة، وشفقة، وحباً، وحناناً، ومعاني لطافاً، وشعوراً رقيقاً، حتى يتجاوز في سموه الملائكة المقربين، وتفسد أوتاره، فينضح قسوةً، ولؤماً، وسوءاً، حتى يهوي بصاحبه إلى أسفل سافلين. هذا القلب الصغير، قلب النفس، حوى على دقته كنه العالم، فما أدقه وما أجلّه، وما أصغره وما أعظمه، يكبر القلب لا نرى كبره فيتضاءل أمامه كل كبير، ويصغر القلب ولا نرى صغره، فيتعاظم عليه كل حقير، اتحد شكل القلب، واختلفت معانيه.. قلب كالجوهر الكريم صفا لونه، وراق ماؤه، وقلب كالصخر، قوي متين، ينفع ولا يلمع، وقلب هواء خفَّ وزنه، وحال لونه، وقلوب مما لا يحصيها إلا خالقها.
 يموت القلب، ثم يحيا، ويحيا ثم يموت، ويرتفع إلى الأوج ويهبط إلى الحضيض، وبينما يساوي النجوم رفعة، إذ به يلامس القاع ضعةً، إن من وجد كل شيء، وفقد قلبه لم يجد شيئاً، وإن من جُرد من قلبه لا ينطوي على إيمان، ولا يعرف صداقةً، ولا أخوةً، ولا رحمة، ولا يشعر بحنان.

 

الفرق بين خصائص المؤمن و صفات الكافر :

 من أدق خصائص المؤمن الرحمة، ومن أبرز صفات الكافر قسوة القلب، ربنا سبحانه تعالى يقول:

﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾

[سورة الزمر: 22]

 من أدق صفات المؤمن رحمة استقرت في قلبه، يقول الله عز وجل يصف النبي صلى الله عليه وسلم:

﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ﴾

[سورة آل عمران: 159]

 أي بسبب رحمة استقرت في قلبك، لنت لهم، كنت ليناً، كنت رحيماً، كنت عطوفاً، كنت مسامحاً.. اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون، كذبوه في الطائف، وسخروا منه، وأغروا سفهاءهم أن يضربوه، وجاءه جبريل، وقال: أمرني ربي أن أكون طوع إرادتك، لو شئت لأطبقت عليهم الجبلين، فقال: " اللهم اهد قومي إنهم لا يعلمون، لعل الله يخرج من أصلابهم من يوحده".
 من أخص أوصاف المؤمن أنه يتميز بقلب حيّ، مرهف لين رحيم، يتجاوب مع الأحداث والأشخاص، هذا القلب يرق للضعيف، ويألم للحزين، ويحنو على المسكين، ويمدُّ يده إلى الملهوف، بهذا القلب الرحيم ينفر من إيذاء الآخرين، وينبو عن إيقاع الأذى بهم، هذا القلب الرحيم يصبح مصدر خير وبرٍّ وسلام لما حوله، ولمن حوله.
 المؤمن إنسان ذو قلب رحيم، لأن مثله الأعلى أن يكون له حظ من أسماء الله الحسنى، ولعل اسم الله الأعظم هو الرحمن، فرحمته وسعت كل شيء، وشملت المؤمن والكافر، والبر والفاجر، واستوعبت الدنيا والآخرة، وقد قرَّب النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه هذا المعنى حينما رأى امرأة ترضع وليدها، فعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِي اللَّه عَنْه:

(( قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبْيٌ فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنَ السَّبْيِ قَدْ تَحْلُبُ ثَدْيَهَا تَسْقِي إِذَا وَجَدَتْ صَبِيًّا فِي السَّبْيِ أَخَذَتْهُ فَأَلْصَقَتْهُ بِبَطْنِهَا وَأَرْضَعَتْهُ، فَقَالَ لَنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَتُرَوْنَ هَذِهِ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِي النَّارِ؟ قُلْنَا: لَا، وَهِيَ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ لَا تَطْرَحَهُ؟! فَقَالَ: لَلَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا ))

[متفق عليه عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ]

 حتى إن أرحم الخلق بالخلق على الإطلاق هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد وصفه الله عز وجل فقال:

﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ﴾

[سورة آل عمران: 159]

 جاءت كلمة الحرمة نكرة.

﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ﴾

 أما حينما وصف ذاته العلية فقد قال:

﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلاً ﴾

[سورة الكهف: 58]

من أراد رحمة الله فليرحم عباده :

 هناك مئة وثلاث عشرة سورة من القرآن الكريم مفتتحة ببسم الله الرحمن الرحيم، وأنت في الصلاة تردد الرحمن الرحيم أربعاً وثلاثين مرة، في اليوم والليلة، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، إذا بدأت الفاتحة بالبسملة ترددها فوق السبعين مرة، ما معنى ذلك ؟..
 أيها الأخوة الكرام: الإمام الغزالي يقول: حظ المؤمن من هذا الاسم- الرحمن- أن يرحم عباد الله الغافلين، أن يصرفهم عن طريق الغفلة إلى الله جل جلاله بالموعظة الحسنة، وباللطف دون العنف، وأن ينظر إلى العصاة نظرة رحمة، يعينهم على الشيطان، ولا يعين الشيطان عليهم.
 وحظ العبد من اسم الرحيم، ألا يدع فاقة لمحتاج إلا ويسدها بقدر طاقته، ولا يدع فقيراً في جواره، أو في بلده، إلا ويقوم بتعهده، ودفع فقره، إما بماله، أو جاهه، أو الشفاعة إلى غيره، فإن عجز عن جميع ذلك يعينه بالدعاء، ويظهر الرحمة رقةً عليه وعطفاً.
 من أخص خصائص المؤمن هذه الرحمة التي تشع منه. من لا يَرحم لا يُرحم، يقول عليه الصلاة والسلام:

((... وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ ))

[متفق عليه عن أسامة بن زيد]

 ويقول في حديث آخر: عن جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((مَنْ لَا يَرْحَمُ لَا يُرْحَمُ ))

[متفق عليه عن جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ]

 وفي حديث ثالث، عنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ ارْحَمُوا مَنْ فِي الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ الرَّحِمُ شُجْنَةٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَمَنْ وَصَلَهَا وَصَلَهُ اللَّهُ وَمَنْ قَطَعَهَا قَطَعَهُ اللَّهُ قَالَ أَبو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ))

[الترمذي عنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ]

 وفي الحديث القدسي:

(( إن كنتم تحبون رحمتي فارحموا خلقي ))

[ الديلمي عن أبي بكر]

 إن أردت رحمة الله التي هي عطاء الله، تبدأ من الماديات وتنتهي بالأحوال الراقية، إن أردت رحمة الله فارحم عباد الله.

 

رحمة المؤمن رحمة عامة :

 أيها الأخوة الكرام: دققوا فيما سأقول: رحمة المؤمن لا تقتصر على إخوانه المؤمنين، وإن كان دافع الإيمان المشترك يجعلهم أولى الناس بها، إنما رحمته ينبوع يفيض على الناس جميعاً، وقد قال عليه الصلاة والسلام:

(( لن تؤمنوا حتى ترحموا، قالوا يا رسول الله: كلنا رحيم، قال عليه الصلاة والسلام: إنه ليس برحمة أحدكم صاحبه ولكنها رحمة العامة ))

[الطبراني عن ابن مسعود]

 كلٌ منَّا يرحم أولاده، كلٌ منا يرحم من يلوذ به، كلٌ منا يرحم من أودع الله في فطرته رحمة له، أية أم على الإطلاق ترحم أولادها، أي أبٍ على الإطلاق ـ عدا فئة قليلة شاذة لا تنقض الحكم العام، أي أب يرحم أولاده ولكنَّ رحمة المؤمن هي رحمة عامة..
 أيها الأخوة الكرام: قال عليه الصلاة والسلام:

((.. ولكنها رحمة عامة ))

[الطبراني عن ابن مسعود]

 إن كنت في عمل، وفي هذا العمل أحد أولادك، وفي هذا العمل شابٌّ غريب، فهل ترحم هذا الشابُّ كما ترحم ابنك؟ إذاً أنت مؤمن، أما إذا خصصت ابنك بالرحمة، وقسوت على الغريب، فليست هذه الرحمة التي أرادها الله منك، وليست هذه الرحمة التي ميزك الله بها على بقية العباد إنها رحمة عامة، أن ترحم الناس جميعاً. رحمة المؤمن تتجاوز الإنسان الناطق إلى الحيوان الأعجم، فالمؤمن يرحمه، ويتقي الله فيه، ويعلم أنه مسؤول أمام ربه، عن هذه العجماوات، وقد أعلن النبي صلى الله عليه وسلم أن بغياً سقت كلباً فغفر الله لها..
 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْه عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((غُفِرَ لِامْرَأَةٍ مُومِسَةٍ مَرَّتْ بِكَلْبٍ عَلَى رَأْسِ رَكِيٍّ يَلْهَثُ قَالَ: كَادَ يَقْتُلُهُ الْعَطَشُ فَنَزَعَتْ خُفَّهَا فَأَوْثَقَتْهُ بِخِمَارِهَا فَنَزَعَتْ لَهُ مِنَ الْمَاءِ فَغُفِرَ لَهَا بِذَلِكَ ))

[متفق عليه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]

 شرَّاح الحديث وقفوا عنده وقفةً متأنية، سقته في الصحراء، لا أحد يعلم بها، إذاً عامل إظهار العمل الصالح قد انتهى، أبدت رحمة وأبدت إخلاصاً، غفر الله لها. وامرأة أخرى دخلت النار في هرة حبستها، لا هي أطعمتها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض.. لو أننا تصورنا إحساناً يشمل أكثر من الكلب العطش، لو أن الإنسان أحسن إلى خلق الله جميعاً، أحسن إليهم، دلهم على الله، مدّ لهم يد المساعدة، خفف الآلام عنهم، وفق بين متخاصميهم، هذا الذي يفعل الخير له عند الله مقام كبير، وهذا الذي يسيء إلى ما فوق الهرة، له حساب عند الله شديد.

(( عن قُرَّة بن إياس أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي لَأَذْبَحُ الشَّاةَ وَأَنَا أَرْحَمُهَا أَوْ قَالَ: إِنِّي لَأَرْحَمُ الشَّاةَ أَنْ أَذْبَحَهَا، فَقَالَ: وَالشَّاةُ إِنْ رَحِمْتَهَا رَحِمَكَ اللَّهُ ))

[ أحمد عن قرة بن إياس]

أمثلة عن رحمة الصحابة الكرام :

 رأى عمر رجلاً يسحب شاة برجلها ليذبحها، فقال له رضي الله عنه: ويلك، قدها إلى الموت قوداً جميلاً.. رأى النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً يذبح شاةً أمام أختها فقال عليه الصلاة والسلام: هلا حجبتها عن أختها؟ أتريد أن تميتها مرتين؟
 يروي المؤرخون أن عمرو بن العاص نزلت حمامة بفسطاطه - أي خيمته- فاتخذت في أعلاه عشاً، وحين أراد عمر الرحيل رآها، فلم يشأ أن يهيجها بتقويض الخيمة، فترك الخيمة، وتكاثر العمران من حول هذه الخيمة، فكانت مدينة الفسطاط. وفي سيرة الخليفة الراشد سيدنا عمر بن عبد العزيز أنه نهى عن إجهاد الفرس إلا لحاجة، وألا يوضع عليها لجاماً ثقيلاً يرهقها، وألا ينخس الفرس بمنخسة في أسفلها حديدة، وكتب إلى واليه على مصر أن إبل النقالات يُحمل عليها ألف رطل، فإذا أتاك كتابي هذا فلا تحملوا عليها أكثر من ستمئة رطل.. هذه رحمة المؤمنين، هذه الرجمة الدافقة الشاملة أثر من آثار الإيمان في النفس والمجتمع..
 سيدنا عمر عملاق الإسلام يقول: لو يعلم الناس ما في قلبي من الرحمة لأخذوا عباءتي هذه. خاطب مرةً بطنه قال: قرقر أيها البطن أو لا تقرقر، فوالله لن تذوق اللحم حتى يشبع منه صبية المسلمين. كان إذا لقي أحد ولاته في الأمصار كان أول سؤال يسأله: كيف الأسعار عندكم ؟
امتحن والياً مرةً فقال: ماذا تفعل إذا جاءك الناس بسارق أو ناهب؟.
 قال: أقطع يده، قال: إذاً فإن جاءني من رعيتك من هو جائع أو عاطل فسأقطع يدك، إن الله قد استخلفنا عن خلقه، لنسد جوعتهم، ونوفر لهم حرفتهم، ونستر عورتهم، فإن وفينا لهم ذلك، تقاضيناهم شكرها، إن هذه الأيدي خُلقت لتعمل، فإذا لم تجد في الطاعة عملاً، التمست في المعصية أعمالاً، فاشغلها بالطاعة، قبل أن تغشلك بالمعصية.
 قال مرةً: لو تعثرت بغلة في العراق لحاسبني الله عنها، لمَ لم تصلح لها الطريق يا عمر؟ سيدنا عمر كان مع عبد الرحمن بن عوف، يتجولان في المدينة يتفقدان أحوال الرعية، فرأيا قافلة حطت في ظاهر المدينة، فقال عمر لعبد الرحمن رضي الله عنهما: تعال نحرس هذه القافلة، سمع غلاماً يبكي، فتوجه إلى أمه، وقال: أرضعيه، فبكى ثانيةً، فتوجه إلى أمه وقال: أرضعيه، بكى ثالثةً فغضب، توجه إلى أمه وقال لها: يا أمة السوء أرضعيه. قالت هذه المرأة: وما شأنك بنا ؟.. إنني أفطمه. قال: ولمَ؟ قالت: لأن عمر لا يعطينا العطاء إلا بعد الفطام..
 يروي كتَّاب السيرة أن عمر ضرب رأسه وصرخ وقال: ويحك يا بن الخطاب، كم قتلت من أطفال المسلمين، وحينما صلى الفجر لم يستطع أصحابه أن يسمعوا قراءته من شدة بكائه، كان يقول: ربِّ هل قبلت توبتي فأهنئ نفسي أم رددتها فأعزيها؟ هذه الرحمة أثر من آثار الإيمان، في الفرد والمجتمع.
 سيدنا الصديق الذي ما طلعت شمس بعد نبي أفضل منه، يودع جيش أسامة بن زيد، ويقول:" لا تقتلوا امرأة، ولا شيخاً، ولا طفلاً، ولا تعقروا نخلاً، ولا تقطعوا شجرةً مثمرةً، وستجدون رجالاً فرَّغوا أنفسهم في الصوامع، فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له:..
 أحد كتاب التاريخ يقول: ما عرف التاريخ فاتحاً أرحم من العرب.

 

تدفق الرقة و الرحمة من المجتمع المسلم :

 إذا تراحمنا رحمنا الله عز وجل، أما إذا كنا قساةً على بعضنا، معنى ذلك أن الإيمان ضعيف جداً، وأننا بعيدون عن منهج ربنا. المجتمع المسلم تسوده عواطف كريمة، ومشاعر نبيلة، كلها تفيض بالرقة والرحمة، وتتدفق بالبرِّ والخير، بدافع الرحمة التي قُذفت في قلوب المؤمنين، من خلال اتصالهم بالله عز وجل، ورغبةً منهم ألا ينقطع عملهم الطيب بعد موتهم، فقد وقفوا أموالهم أو بعضها على إطعام الجائع، وسقاية الظمآن، وكسوة العريان، وإيواء الغريب، وعلاج المريض، وتعليم الجاهل، ودفن الميت، وكفالة اليتيم، وإعانة المحروم. ورد في الحديث القدسي:

(( ليس كل مصل يصلي، إنما أتقبل الصلاة ممن تواضع لعظمتي، وكف شهواته عن محارمي، ولم يصرَّ على معصيتي، وأطعم الجائع، وكسا العريان، ورحم المصاب، وآوى الغريب، كل ذلك لي، وعزتي وجلالي إن نور وجهه لأضوأ عندي من نور الشمس، على أن أجعل الجهالة له حلماً، والظلمة نوراً، يدعوني فألبيه، ويسألني فأعطيه، ويقسم عليه فأبرُّه، أكلأه بقربي، وأستحفظه ملائكتي، مثله عندي كمثل الفردوس، لا يُمسُّ ثمرها، ولا يتغير حالها))

[ أخرجه الديلمي عن حارثة بن وهب ]

أمثلة تفصيلية عن الرحمة التي كانت بين المسلمين في العهود السابقة :

 أمثلة تفصيلية عن الرحمة التي كانت بين المسلمين في العهود السابقة؛ كان هناك وقف اسمه وقف الزبادي، أي غلامٍ، أو أي خادم كسر آنيةً ثمينة، ويخاف بطش سيده، يأخذ قطعةً منها، ويعطيها لصاحب هذا الوقف، فيعطيه مكانها إناءً كاملاً، لئلا تقع المشكلات في البيوت، وفي المصانع..
وقف الكلاب الضالة، كان هناك وقف للكلاب الضالة التي لا تجد ما تأكل. كان هناك وقف للأعراس، العروس والعريس الفقيران، يذهبان إلى هذا الوقف، فيأخذان ألبسةً جديدة، يتزينان بها يوم العرس. كان هناك وقف الأزواج؛ المرأة التي تُطلق، وليس لها مأوى، تأوي إلى هذا البيت، فيه كل حاجاتها الأساسية. كان هناك وقف يؤنس المرضى، أصحاب الأصوات العذبة كانوا يؤنسون المرضى طوال الليل، يتقاضون أجرةً من صاحب هذا الوقف. كان هناك وقف لطمأنة المريض، يقف اثنان أمام المريض، ذي المرض الخطير والعضال يطمئنانه، يمثلان دور الممرض، ماذا قال الطبيب، وكيف طمأن الطبيب، هذه الرحمة التي كانت في قلوب المؤمنين تفجرت على شكل أوقاف، ومن هنا سُميت وزارة الأوقاف: الأوقاف الخيرية، حتى إن ساحة الشهداء مركز المدينة كانت أرضاً موقوفةً للدواب المريضة، تأكل وتشرب وتستريح.
 هذه بعض أمثلة الرحمة التي تفجر بها قلب المؤمن في العهود السابقة إن لم نرحم لا نُرحم..

(( إن كنتم تحبون رحمتي فارحموا خلقي ))

[ الديلمي عن أبي بكر]

 الرحمة شعور طبيعي، يحوزه المسلم حينما يتصل بالله عز وجل، اســم الله الأعظم عند بعض العلماء هو الرحمن الرحيم، فإذا كنت رحيماً كنت قريباً من الله عز وجل.

 

الرحمة بالقلب علامة اتصال بالله عز وجل :

 أيها الأخوة الكرام: لنجعل هذه المعاني واقعاً، لنترجم هذه المعاني إلى سلوك يومي..

(( ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء.. ))

[الترمذي عن عبد الله بن عمرو]

 المؤمنون كما وصفهم الله عز وجل:

﴿ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ ﴾

[ سورة المائدة : 54]

 أما إذا كانوا قساةً على بعضهم، لينين مع الآخرين، فهذه حالة مرضية عضالة، ينبغي أن نتراحم، ينبغي أن نتعاون، ينبغي أن نتضامن، ينبغي أن نتناصح. يقول الله عز وجل في الحديث القدسي:

(( وَجَبَتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَحَابِّينَ فِيَّ، وَالْمُتَجَالِسِينَ فِيَّ، وَالْمُتَزَاوِرِينَ فِيَّ، وَالْمُتَبَاذِلِينَ فِيَّ، والمتحابون في جلالي على منابر من نور يغبطهم عليها الأنبياء يوم القيامة ))

[الترمذي عن أبي إدريس الخولاني]

 ملخص الخطبة ؛ المؤمن حينما يتصل بالله يشتق منه الرحمة، فالرحمة التي في قلبه علامة اتصاله بالله، وغير المؤمن حينما ينقطع عن الله عز وجل، يصبح قلبه كالصخر الأصم، لا ينطوي على الرحمة، فالرحمة مؤشر على اتصالك بالله، والقسوة دليل على انقطاع الإنسان عن الله عز وجل، من لا يرحم لا يُرحم..
 أيها الأخوة الكرام: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وتخطى غيرنا إلينا فلنتخذ حذرنا، الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني، والحمد لله رب العالمين.

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

الضغوط العالية تزيد الإنسان قرباً من الله عز وجل :

 أيها الأخوة الكرام: مجلة علمية رصينة عرضت بحثاً عنوانه: الضغوط العالية، وبدأت بتعريف وحدة الضغط، هو الضغط الجوي الذي يساوي ألفاً وثلاثة وثلاثين غراماً على السنتمتر مربع، هو وزن ستة وسبعين سنتمتراً مكعباً من الزئبق على مساحة سنتمتر واحد، هذا الضغط الجوي، هو وحدة قياس الضغط، الإنسان مساحة جسمه من متر إلى مترين، يتحمل ضغطاً فوقه من عشرة إلى عشرين طناً دون أن يشعر، نحن جميعاً في قاع بحر، ماؤه الهواء، فكل إنسان يحمل فوقه من عشرة إلى عشرين طناً من الضغط الجوي، هذه وحدة الضغط.
 العلماء قالوا: ضغط باطن الأرض ثلاثة آلاف وستمئة مليون ضغط جوي، وضغط باطن الشمس مئة بليون ضغط جوي، وهناك نجم نتروني كان بحجم الشمس فصار قطره أربعة عشر كيلو متراً، ضغطه مليون مليون بليون ضغط جوي، هذه الضغوط العالية
 أقسى عنصر في الأرض مضغوط هو الألماس، مضغوط أربعة ملايين ضغط جوي، بل هو أكثر من ضغط مركز الأرض، لكن بعض الهيئات العلمية استطاعت أن تضغط الفحم العادي خمسة آلاف ضغط جو بحرارة ألفي درجة فجعلته ألماساً صناعياً، والألماس الصناعي الذي في الأسواق هو فحم ضُغط خمسة آلاف ضغط جوي بحرارة ألفين. ثم اكتشف علماء الطب أن الأدوية السائلة أنفع من الأدوية المضغوطة لأن الضغط قد يؤثر على بنية المادة بعضها.
 أيها الأخوة الكرام: حقيقة أضعها بين أيديكم نستفيد منها في الأمور النفسية: أكبر جوهرة في العالم، ثمنها مئة وأربعون مليون دولار، لو جئت بفحمة في حجمها، ووازنت بينهما، الضغوط العالية تحيل الفحم إلى ألماس. المؤمن إذا آمن بالله، وآمن برسوله، وعاش لقضية كبرى، وتحمل ضغوطاً عالية، إن هذه الضغوط تحيله إلى إنسان متألق. فحم عادي لا تساوي القطعة منه قرشاً واحداً بالضغوط العالية تصبح قطعة ألماس لا تقدر بثمن.
 الاسترخاء والاستجمام والانسياق وراء الشهوات واللذائذ هذه لا تصنع إيماناً، ولا تصنع بطولة، ولا تصنع تفوقاً، ولكن الضغوط في سبيل الله هي التي تجعل الإنسان متألقاً، يمكن أن نستفيد من هذا المثل الفيزيائي في علاقاتنا مع الله عز وجل.
 النبي عليه الصلاة والسلام عاش حياةً مفعمة بالضغوط، هاجر وذاق كل شيء، وكلما ذاق شيئاً ازداد قرباً من الله عز وجل.

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك. اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، اقسم لنا من خشيتك، ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك، ومن اليقين ما تهون علينا مصائب الدنيا، ومتعنا اللهم بأسماعنا، وأبصارنا، وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا، مولانا رب العالمين. اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، ودنيانا التي فيها معاشنا، أصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين. اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك. اللهم لا تؤمنا مكرك، ولا تهتك عنا سترك، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين .اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا، وآمنا في أوطاننا، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً، وسائر بلاد المسلمين، اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك، ومن الفقر إلا إليك، ومن الذل إلا لك، نعوذ بك من عضال الداء، ومن شماتة الأعداء، ومن السلب بعد العطاء. اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب. اللهم صن وجوهنا باليسار، ولا تبذلها بالإقتار، فنسأل شر خلقك ونبتلى بحمد من أعطى وذم من منع، وأنت من فوقهم ولي العطاء، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء.
اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين.
اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى، إنك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018