الخطبة : 0608 - حياة المؤمن وحياة غير المؤمن. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0608 - حياة المؤمن وحياة غير المؤمن.


1997-03-21

الخطبة الأولى:
 الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنـا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته وإرغامـاً لمن جحد به وكفر. وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر أو سمعت أذن بخبر. اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين. اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرِنا الحــق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممــــن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

الفرق الشاسع بين حياة المؤمن وحياة غير المؤمن :

 أيها الأخوة الكرام، يقول عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ سَبْعًا هَلْ تَنْتَظِرُونَ إِلَّا فَقْرًا مُنْسِيًا، أَوْ غِنًى مُطْغِيًا، أَوْ مَرَضًا مُفْسِدًا، أَوْ هَرَمًا مُفَنِّدًا، أَوْ مَوْتًا مُجْهِزًا، أَوِ الدَّجَّالَ فَشَرُّ غَائِبٍ يُنْتَظَرُ، أَوِ السَّاعَةَ فَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ ))

[الترمذي عن أبي هريرة]

 هذه الدنيا إلى أين ؟.. لو أن الإنسان أيها الأخوة لم يؤمن بالله، لا دين له، ولا عقيدة، ماغايته من وجوده ؟ ما رسالته في الحياة ؟ لو أن الإنسان أسقط من حسابه الدار الآخرة إلى أين يتحرك ؟.. ما الهدف الذي يصبو إليه ؟ إن كانت غايته رضوان الله عزَّ وجل، أصل هذا الدين لم يؤمن به، وإن كانت غايته الخلود في الجنَّة، الدار الآخرة من أصلها لم يؤمن بها.
 أريد أيها الأخوة في هذه الخطبة أن أبين لكم الفرق الشاسع والبون الفاضح بين حياة المؤمن وحياة غير المؤمن، قال تعالى:

﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لَا يَسْتَوُونَ ﴾

[سورة السجدة: 18]

﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾

[سورة القلم: 35-36]

﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ﴾

[سورة القصص: 61]

 لو أن هذا الإنسان الذي شرد عن الله عز وجل لم يؤمن بالله، ولم يسعَ إلى الدار الآخرة، كان من النوع الهادئ المسالم، عاش في الحياة الدنيا غافلاً عن نفسه، وعمَّا حوله، عاش حياً كميت، موجوداً كمفقود، لا يُحسُّ أحد بحياته، ولا يترك فراغاً بعد مماته. هذا نوع من الناس شردوا عن الله، ولم يؤمنوا به، ولم يؤمنوا بالدار الآخرة، ولم يسعوا إلى تحقيق رسالة، هم غافلون عن أنفسهم، وعن سرِّ وجودهم، وعن غاية وجودهم، وعن ربهم الذي خلقهم، هؤلاء يعيشون في غفلة شديدة، يعيش حياً كميت، موجوداً كمفقود، لا يحسُّ أحد بحياته، ولا يترك فراغاً بعد مماته، هذا نوع .

فذاك الذي إن عاش لم ينتفع به  وإن مات لم تبك عليه أقاربه
***

 وهناك نموذج آخر من الغافلين عن الله، إن كان يغلب على هذا الإنسان الشارد، التائه، الضال، الذي غفل عن ربه وعن الآخرة، إن كان يغلب على نفسه الجانب البهيمي، جرى وراء الشهوات والملذات، يقتحم إلى بلوغها كل حرمة، يسلم من أجلها كل طريق، لا حياء يردعه، ولا ضمير يقمعه، ولا عقل يمنعه.

إنما الدنيا طعام وشراب ومدام  فإذا فاتك هذا فعلى الدنيا السلام
***

 هذا جانب آخر، نموذج بشري آخر، يسعى وراء شهواته، ينغمس في ملذاته الحسية إلى قمة رأسه، ليس فيه شيء يردعه عما يفعل، لا قيمة، ولا هدف، ولا خلق، ولا عقل، ولا ضمير، هذا نموذج آخر نحياه جميعاً. وهذا الذي شرد عن الله، إن لم يؤمن بالله أصلاً، ولم يؤمن بالدار الآخرة، وكان من النوع العدواني، جعل همَّه العلوِّ في الأرض، والاستكبار على الناس، وإظهار القوة، والتحكم بالرقاب، والفخر بلسانه، والاختيال بفعاله.. بنى مجده على أنقاض الناس، بنى حياته على موتهم، بنى سعادته على شقائهم، بنى غناه على إفقارهم.. هذا نوع عدواني. الإنسان هو الإنسان، أحد الشعراء في الجاهلية يمثل هذا النموذج:

لنا الدنيا و من أمسى عليهـا  و نبطش حين نبطش قادرينا
بغاة ظالميـــــــــــن وما ظُلمنـــا  و لكنا سنبـــــــــــدأ ظالميـنــــــــــا
إذا بلغ الرضيع لنا فطامــــــــاً  تخرُّ له الجبابرة ساجدينـــــــــا
***

 نموذج آخر، إنسان يعيش ليستعلي في الأرض، وإن كان يغلب على مزاج هذا الإنسان الشارد الجانب الشيطاني، دبرَّ المكائد، وفرّق بين الأحبة، ووضع المشكلات للناس، وسمَّم الآبار ليقتل، وعكَّر المياه ليصطاد، وزيَّن الإثم، وأغرى بالفاحشة، وأوقع العداوة والبغضاء فهذا نموذج ثالث.
 نموذج مسالم يعيش حياً كميت، نموذج عدواني، نموذج بهيمي، نموذج شيطاني، هذه التقسيمات، قسَّمها العلماء من قديم الزمن. لكنَّ المؤمن إنسان آخر، لابد من أن يكون الفرق بين المؤمن وغير المؤمن صارخاً، واضحاً كالشمس، حياة المؤمن حياة كريمة، حياة المؤمن حياة مقدسة، يسعى لهدف كبير، ينضبط بمنظومة قيم، له مبادئ تحكمه، له قيم يحتكم إليها، له مرجع يرجع إليه، له نموذج يحتذي حذوه، له سنة يتبعها، له عقل يحكمه، له شهوة يضبطها.

 

تخلق المؤمن بأخلاق الله والسُّمو بالنَّفس إليه والسعادة بقربه :

 أيها الأخوة الكرام: المؤمن إنسان آخر؛ يعيش لرسالة كبيرة، يعمل لهدف رفيع، يحيا في ظل مثل عليا، يعيش لها ويموت عليها، هدفه القرب من الله عز وجل، والتخلّق بأخلاق الله، والسّعي في مرضاته، وفي سبيل مثله، هذا يكبح جماح نفسه، ويقمع طغيان هواه، ويضغط على غرائزه وشهواته احتساباً لله، وإيثاراً لما عنده، وابتغاء مرضاته، قال تعالى:

﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآَبِ * قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ * الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آَمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾

[سورة آل عمران: 14-16]

 من هذه الشهوات التي يسعى الناس إليها.
 في مقدمة الخطبة قلت: بادروا بالأعمال الصالحة، فماذا ينتظر أحدكم من الدنيا.. ثم ماذا ؟..

((.....هل تنتظرون إلا فقراً منسياً، أو غنًى مطغياً، أو مرضاً مفسداً، أو هرماً مفنداً، أو موتاً مجهزاً، أو الدجال فشرُّ غائب يُنتظر، أو الساعة والساعة أدهى وأمر ))

 قل أؤنبئكم بخير من ذلك، الشهوات محبّبة، الدنيا خضرة نضرة، الفتن قائمة، كل شيء في الدنيا محبّب إلى النفس، لكن الله يخبرنا:

﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ﴾

[سورة آل عمران: 15]

 من أبرز صفات المؤمن أنه يتخلق بأخلاق الله، فالله سبحانه وتعالى عليم حكيم، والمؤمن يسعى لطلب العلم، وطلب العلم عنده شيء مقدس، إنه يقتطع من وقته الثمين وقتاً لمعرفة الله، يقتطع من وقته الثمين وقتاً لمعرفة منهج الله، يقتطع من وقته الثمين وقتاً لمعرفة سنة رسول الله، إنَّ طلب العلم شغله الشاغل.. إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم.. إن الله عالم يحبُّ كل عالم. الناس رجلان؛ عالم ومتعلم، ولا خير في من سواهما.
 يتخلّق بأخلاق الله، إن الله رؤوف رحيم، باتِّصاله بالله عز وجل يمتلئ قلبه رحمة، وشفقة، وحناناً، إن قلب المؤمن يفيض رحمةً، يفيض شفقة، يفيض رقَّة، فرق كبير بين قلب إنسان شارد كالصَّخر، بل هو أشدُّ قسوة، وبين قلب مؤمن يكاد يلين من شدَّة رحمته. إن الله رؤوف رحيم، يتخلَّق بأخلاق الله، فيرحم الخلق، وفي الحديث القدسي:

(( إن كنتم تحبون رحمتي فارحموا خلقي ))

[ الديلمي عن أبي بكر]

(( من لا يَرحم لا يُرحم ))

[ متفق عليه عن أبي هريرة]

﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾

[سورة الزمر: 22]

 إن الله غني كريم.. والمؤمن يتخلق بأخلاق الله، كريم في عطائه، الدنيا بين يديه وليست في قلبه. دخل على النبي صلى الله عليه وسلم رجل سأله: لمن هذا الوادي من الغنم؟ قال: هو لك، قال: أتهزأ بي؟ قال: لا والله هو لك، قال: أشهد أنك لرسول الله، تعطي عطاء من لا يخشى الفقر.
 يجب أن نعلم أن الفرق بين المؤمن وغير المؤمن ليس هذه الركعات التي يركعها، فرق أساسي في كل شؤون حياته، في تفكيره، في تصوراته، في عقيدته، في قلبه، في قيمه، في منهجه، في سلوكه، في بيته، في عمله، في كل نواحي حياته.. لابد من أن يكون المؤمن إذا وازنته بغير المؤمن، لابد من أن يبدو لك البون شاسعاً، والمفارقة حادةً.
 إن الله صبور حكيم، والمؤمن يتخلَّق بأخلاق الله، من عامل الناس وصبر على أذاهم خير ممن لم يخالطهم، ولم يصبر على أذاهم، الأنبياء عاشوا بين الناس ليضعوا أيديهم على جراحاتهم، ليأخذوا بيدهم إلى الله عز وجل، هذا الذي ينعزل، ويهرب، ويتقوقع، ويقول: ما لي وما للناس ؟ من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم .

(( اصنع المعروف مع أهله ومع غير أهله، فإن أصبت أهله أصبت أهله، وإن لم تصب أهله فأنت أهله ))

[ ذكره السيوطي في الجامع الصغير وعزاه إلى الخطيب في تاريخ]

 التخلُّق بأخلاق الله، والسُّمو بالنَّفس إليه، والسعادة بقربه، هو الفرق الشاسع والبون الواضح بين حياة المؤمن وحياة غير المؤمن، غير المؤمن في الوحول، في الشهوات، في الدركات الدنيا، في الجهل الواضح، في أثرة لا تُحتمل، في كبر لا يُطاق، في علو واستعلاء، في غطرسة واستكبار، بينما المؤمن ليِّن، هيِّن، يألف ويؤلف.

 

الدّين خلق و قيم :

 قيل: وبضدِّها تتميز الأشياء، ليس الفرق بين المؤمن وغير المؤمن هذه الصلاة التي نصليها، الصلاة أحد أعمدة الدين، أما الدين كما قال سيدنا جعفر فمنظومة خلقية "أمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكفِّ عن المحارم والدِّماء".
 الدين خُلق، الدين قِيَم، النبي عليه الصلاة والسلام ألم يكن أكبر قائد عسكري ؟ ألم يكن أكبر خطيب يفحم الناس ؟ ألم يكن أكبر قاضٍ ؟ ألم يكن مجتهداً ؟ ألم يوحى إليه ؟ ومع كل هذه الخصائص الفريدة التي كان يتمتع بها حينما أثنى الله عليه أثنى على خلقه، قال:

﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾

[سورة القلم: 4]

الأخطار التي تهدد الأخلاق اليوم :

 ما الخطر الذي يتهدد الأخلاق اليوم ؟ قال بعض العلماء: إنه متاع الحياة الدنيا، إنها مغريات الحياة الدنيا، إنها زخارف الحياة الدنيا، إنها شهوات الحياة الدنيا، كما قلت قبل قليل في الآية الكريم:

﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآَبِ * قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ * الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آَمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾

[ سورة آل عمران : 14-16]

 متاع الحياة الدنيا هو الذي يهلك الإنسان.. إن البلوغ في حب الدنيا هو رأس كل خطيئة، حب الدنيا رأس كل خطيئة، حبك الشيء يعمي ويصم، كيف يكون القلب مغلفاً ؟ إذا سُدت منافذه الطبيعية، منافذه الطبيعية أن ترى آيات الله، وأن تستمع إلى الحقِّ، والذي هو في النار يوم القيامة يقول: لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السَّعير، لابد من أن نصغي إلى الحق.

﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾

[سورة القلم:42-43]

 إن الغلو في حب الحياة الدنيا هو رأس كل خطيئة، إن التنافس عليها أساس كل بلية، إن المنافسة من أجل متاعها وراء كل معصية من أجل الحياة الدنيا، يبيع الإنسان دينه وآخرته بعرض من الدنيا قليل، من أجل متاع الحياة الدنيا، التي هي أخطر شيء على الأخلاق، يقتل الإنسان أباه أحياناً، من أجل متاع الحياة الدنيا، يخون الناس الأمانات، من أجل متاع الحياة الدنيا، ينكث الناس بعهودهم، من أجل متاع الحياة الدنيا، يجحد الناس بالحقوق، من أجل متاع الحياة الدنيا، ينسون الواجبات، من أجل متاع الحياة الدنيا، يبغي بعضهم على بعض، من أجل متاع الحياة الدنيا، يعيشون كسباع الغابة، أو أسماك البحر، يأكل قويهم ضعيفهم، يلتهم قويَّهم صغيرهم. الحياة من دون قيم لا تُعاش، الحياة من دون دين يضبط الناس لا تُعاش، إن القوي يأكل الضعيف، والكبير يلتهم الصغير.
 من أجل متاع الحياة الدنيا يغشُّ البائعون في بيعهم، من أجل متاع الحياة الدنيا يطففون في الوزن، من أجل متاع الحياة الدنيا يتجبر الكبراء، ويستعلون، من أجل متاع الحياة الدنيا يجور الأقوياء ويتغطرسون، من أجل متاع الحياة الدنيا يطغى الأغنياء ويترفون، ينافق الضعفاء ويتزلفون من أجل متاع الحياة الدنيا، يكتم العالم علمه من أجل متاع الحياة الدنيا، يفتي العالم بغير ما يعلم، قد يفتي بدون علم وقد يفتي بخلاف ما يعلم.
 حب الدنيا رأس كل خطيئة ، ورد في الحديث الصحيح:

(( من أصبح وأكبر همِّه الدنيا، جعل الله فقره بين عينيه، وشتت عليه شمله، ولم يؤته من الدنيا إلا ما قُدر له، ومن أصبح وأكبر همِّه الآخرة جعل الله غناه في قلبه، وجمع عليه شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة ))

[الترمذي عن أنس]

 من أجل متاع الحياة الدنيا يروج الكذب والزور، من أجل متاع الحياة الدنيا تُخفى الحقائق، من أجل متاع الحياة الدنيا تسُفك الدماء، تُستباح الحرمات، تُداس القيم، يُباع الدين والشرف، من أجل امرأة يضيع الإنسان آخرته، " ألا يا رُبَّ شهوة ساعة أورثت حزناً طويلاً ".
 " ألا يا رب نفس جائعة عارية في الدنيا، طاعمة ناعمة يوم القيامة، ألا يا رب مكرم لنفسه وهو لها مهين، ألا يا رب مهين لنفسه وهو لها مكرم" من أجل امرأة، من أجل قطعة أرض، من أجل بناء، من أجل منصب، من أجل حظوة، من أجل شهرة، من أجل همّ بطن، من أجل همّ فرج، من أجل جاه، من أجل مال، تُنتهك الحرمات، وينصرف الإنسان إلى طريق مسدود.
 ينبغي أن تفكر في مآل الحياة الدنيا بالعقل، إذا أردت إنفاذ أمر فتدبر عاقبته، كفى بالموت واعظاً يا عمر..

 

العبادة علة وجود الإنسان في الدنيا :

 أيها الأخوة الكرام: لابد من ساعة تأمل، لابد من وقفة في زحام الحياة، لابد من ساعة تخلو بها مع نفسك، تفكر في علة وجودك، لماذا أنت في الدنيا ؟..

﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾

[سورة الذاريات: 56]

 ما العبادة ؟ كيف أعبد الله ؟.. لابد من جلسة من حين لآخر.. أما هذا الذي يلهث وراء الدنيا إلى أن يأتيه الموت بغتةً وهو لا يدري فقد خسر خسارةً كبرى، قال تعالى:

﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ﴾

[سورة آل عمران: 15]

 قلت كثيراً: الإنسان عقل يدرك، وقلب يحب، وجسم يأكل ويشرب، لابد من أن تعتني بجسمك؛ لأنه وعاء النفس، ولابد من أن تعتني بقلبك لأنه سرُّ سعادتك، ولابد من أن تغذي عقلك لأنه الفارق الوحيد بينك وبين المخلوقات، ولابد من ذكر لقلبك، ولابد من طعام يقويك.
 حينما ذكرت هذا ليس قصدي أن أذم الحياة الدنيا، نعم مطيّة المؤمن الحياة الدنيا، نعم مطية المؤمن، بالحياة الدنيا تصل إلى الله، بإنفاق المال الحلال ترتقي إلى الله، بضبط الشهوات تسعد بالقرب من الله، أنا حينما أذكر الحياة الدنيا، أذكر أن تغدو أكبر همنا، ومبلغ علمنا، ذكرتها لئلا تكون هي كل شيء في حياتنا، ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، حب الدنيا، والأمل فيها، جزء من فطرة الإنسان، ولولا ذلك ما عُمِّرت الأرض، ولا ترعرعت شجرة، لكنِّ الخطر كل الخطر أن تغدو هذه الحياة القصيرة أكبر همِّ الناس، ومبلغ علمهم، ومنتهى آمالهم.
 عن ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَلَّمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُومُ مِنْ مَجْلِسٍ حَتَّى يَدْعُوَ بِهَؤُلَاءِ الدَّعَوَاتِ لِأَصْحَابِهِ:

((اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ مَا يَحُولُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعَاصِيكَ وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ وَمِنَ الْيَقِينِ مَا تُهَوِّنُ بِهِ عَلَيْنَا مُصِيبَاتِ الدُّنْيَا وَمَتِّعْنَا بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا وَقُوَّتِنَا مَا أَحْيَيْتَنَا وَاجْعَلْهُ الْوَارِثَ مِنَّا وَاجْعَلْ ثَأْرَنَا عَلَى مَنْ ظَلَمَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى مَنْ عَادَانَا وَلَا تَجْعَلْ مُصِيبَتَنَا فِي دِينِنَا وَلَا تَجْعَلِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا وَلَا مَبْلَغَ عِلْمِنَا وَلَا تُسَلِّطْ عَلَيْنَا مَنْ لَا يَرْحَمُنَا قَالَ أَبو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ))

[ الترمذي عن ابْنِ عُمَرَ]

 الإنسان عليه أن يراقب نفسه، حينما يفتح عينيه صباحاً، ما أول خاطر يأتيه؟ إن كانت الدنيا تتبادر إلى خواطره، فهذه مشكلة، أما إذا كانت طاعة الله، والقرب منه، إذا كان قلقاً على إيمانه، قلقاً على سيره، قلقاً على وضعه مع الله عز وجل، فهذه بادرة طيِّبة، لأنه كما قلت قبل قليل:

(( من أصبح وأكبر همِّه الآخرة، جعل الله غناه في قلبه، وجمع عليه شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة ))

[الترمذي عن أنس]

المؤمن يملك الدنيا ولا تملكه :

 أيها الأخوة الكرام: الشهوات رُكِّبت فينا جميعاً، لكنَّ هذه الشهوات من خلال الإيمان تضبط، أقول لكم أيها الأخوة: ليس في الإسلام حرمان، ولكن في الإسلام نظاماً، كل شهوة أودعها الله فينا جعل لها قناةً نظيفة تسري خلالها، ليس هناك كبت في الإسلام، أية شهوة أودعت فينا لها متنفس طبيعي، لها مصرف طبيعي، لها قناة نظيفة، تجري خلالها، الإيمان وحده أيها الأخوة يعطي القدرة على مقاومة إغراء الدنيا وفتنتها.
 إن المؤمن يملك الدنيا ولا تملكه، تمتلئ بها يداه، ولكنْ لا يمتلئ بها قلبه، يعيش في الدنيا بروح المرتحل، " عش في الدنيا كأنك مسافر أو عابر سبيل ".
 المؤمن يعلم علم اليقين أن الدنيا لا تعدل عند الله جناح بعوضة، بربِّكم هل هناك مثل أبلغ من هذا المثل ؟.. بعوضة، ما قيمتها؟ يقتلها الإنسان ولا يشعر بشيء، ما فعل شيئاً، لهوانها، عن سَهل بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّــمَ:

((لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ ))

[الترمذي عن سَهل بْنِ سَعْدٍ]

 المؤمن يعلم علم اليقين أن الدنيا لا تزن عند الله جناح بعوضة، إنها قنطرة عبور إلى الدار الآخرة، ركعتان خاشعتان خير من الدنيا وما فيها.
 مرَّ عليه الصلاة والسلام بقبر، فقال:

(( صاحب هذا القبر إلى ركعتين مما تحقرون من تنفلكم خير له من كل دنياكم))

[ رواه ابن المبارك عن أبي هريرة ]

 ركعتان من ورع خير من ألف ركعة من مخلِّط.. ركعتان في خشوع خير لكم من الدنيا وما فيها.. غدوة و روحة في سبيل الله خير لك من الدنيا وما فيها.. أن تنطلق من بيتك إلى مجلس علم، أن تنطلق من بيتك لأداء فريضة، أن تنطلق من بيتك للإصلاح بين الناس، لخدمة إنسان، لنشر الحق.. موضع قدم في الجنَّة خير لنا من الدنيا وما فيها.

 

على الإنسان أن يوظف حظوظه من الدنيا في سبيل الحق :

 أيها الأخوة الكرام: الله جل جلاله أعطى الملك لمن يحب؛ لسيدنا سليمان، وأعطاه لمن لا يحب؛ أعطاه لفرعون، إذاً ليس مقياساً، أعطى المال لمن يحب؛ لسيدنا عثمان بن عفان، ولعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهما، وأعطاهما لمن لا يحب؛ لقارون، إذاً ليس المال مقياساً.. لكنَّه ماذا أعطى لأنبيائه وأحبابه ؟.. قال تعالى:

﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آَتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴾

[سورة القصص: 14]

 الاستعلاء على الدنيا لا يعني أن نحرم طيباتها، يعني أن نأخذ منها وسيلة لبلوغ الآخرة، شعار المؤمن في هذا الموضوع قوله تعالى:

﴿وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ﴾

[سورة القصص: 77]

 أي أن توظف حظوظك من الدنيا في سبيل الحق، آتاك الله مالاً ينبغي أن تنفقه في سبيل الله، آتاك الله علماً ينبغي أن تنفقه في سبيل الله، آتاك الله جاهاً ينبغي أن تنصر به الضعيف، آتاك الله طلاقة لسان ينبغي أن تنشر الحق، حينما توظِّف حظوظك من الدنيا في خدمة الحق انقلبت هذه الحظوظ إلى نعم، وحينما توظِّفها في الباطل انقلبت إلى نقم، أنت بين النعم وبين النقم، المال نفسه يمكن أن يكون نعمة إذا أنفقته في سبيل الله، والمال نفسه يمكن أن يغدو أكبر مصيبة إذا أُنفق في سبيل الشيطان.

 

المبادرة إلى الأعمال الصالحة :

 عود على بدء، يقول عليه الصلاة والسلام:

(( بادروا بالأعمال الصالحة، فماذا ينتظر أحدكم من الدنيا ))

[ أخرجه الترمذي عن أبي هريرة ]

 لو أن الإنسان جعل الدين وراء ظهره، لو أن الإنسان لم يؤمن بخالق الأكوان، ولم يدخل في حسابه الدار الآخرة، عاش لحظته، عاش وقته، عاش لشهواته، عاش لملذاته، عاش لمتاع الحياة الدنيا، هذا الإنسان ماذا ينتظره ؟.. كل يوم يستمر كما هو إلى ما شاء الله أم لابد من مفاجأة في بعض الأيام ؟..

(( بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ سَبْعًا هَلْ تَنْتَظِرُونَ إِلَّا فَقْرًا مُنْسِيًا، أَوْ غِنًى مُطْغِيًا، أَوْ مَرَضًا مُفْسِدًا، أَوْ هَرَمًا مُفَنِّدًا، أَوْ مَوْتًا مُجْهِزًا، أَوِ الدَّجَّالَ فَشَرُّ غَائِبٍ يُنْتَظَرُ، أَوِ السَّاعَةَ فَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ ))

[ أخرجه الترمذي عن أبي هريرة ]

 أيها الأخوة الكرام حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وتخطى غيرنا إلينا فلنتخذ حذرنا، أيها الأخوة: دققوا في هذا الكلام، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وتخطى غيرنا إلينا، أي لابد في أحد الأيام من أن يقرأ الناس نعيك، لابد في أحد الأيام من أن ندخل المسجد ليُصلى علينا، ماذا ينتظر أحدكم من الدنيا؟
 أيها الأخوة الكرام: الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني، والحمد لله رب العالمين.

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

دور الغدة الصنوبرية :

 أيها الأخوة الكرام: وسط الدماغ البشري غدة صغيرة، حجمها كحجم حبة الذرة البيضاء اسمها الغدة الصنوبرية، عالم كبير جداً في بلد متقدم بالمقياس المادي طبعاً، يقول لطلابه، وأحد طلابه مؤلف كتاب عن هذه الغدة، يقول هذا العالم: إن الغدة الصنوبرية غدة عديمة الفائدة، لا وظيفة لها، ولا نشاط، وليس لها أدنى دور في جسم الإنسان، قال تعالى:

﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً ﴾

[سورة الإسراء: 85]

 كلام دقيق يلقيه عالم كبير في الطب، في علم التشريح على طلابه، ثم اكتُشف أن هذه الغدة أول غدة تتكون في الجنين، وآخر غدة تبيح بأسرارها لعلم الطب، هذه الغدة تفرز هرموناً، الشيء الذي يدهش أن هذا الهرمون موجود في كل الكائنات الحية من نبات وحيوان وإنسان، حتى وحيدة الخلية فيها هذا الهرمون- كما قال بعض العلماء - تماثل هذا الهرمون في كل الكائنات الحية شيء نادر وعجيب، هذا الهرمون لا يُفرَز إلا بالليل، يقول العلماء عنه اليوم في بحث صدر في عام 1995 إنه من أكثر المواد فعاليةً في جسم الإنسان؛ يساعد الجسم على مكافحة الجراثيم والفيروسات، يساعد الجسم على النوم المريح، وعلى تحسين نوعية النوم، يساعد الجسم على الإقلال من حدوث أمراض شرايين القلب، يخفف من أعراض السفر البعيد الطويل، يزيد في حيوية الكائن الحي، وفي قوة عضلاته، يكاد هذا الهرمون يكون العنصر الأول في حيوية الإنسان، وفي صحته وسلامة وظائف أعضائه.
 أردت من هذا أن أخبرك أن هذا الذي يقول: إن الغدة الصنوبرية غدة عديمة الفائدة، لا وظيفة لها، ولا نشاط، وليس لها أدنى دور في جسم الإنسان، ما كل شيء نقرؤه صحيح، ما كل شيء نسمعه صحيح، الصحيح هو ما جاء في كتاب الله، هو ما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام لأنه لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحيٌ يوحى.
 الآن هذه الغدة تُفرز أهم هرمون في جسم الإنسان، ولو ألغينا هذا الهرمون لكانت حياته جحيماً لا يطاق، غدة صغيرة بحجم حبة الذرة البيضاء، في وسط الدِّماغ، اسمها الغدة الصنوبرية، هرمونها متواجد في كل الكائنات الحية، حتى في النبات، وحتى في الحيوانات، أو الأحياء وحيدة الخلية.

﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً ﴾

[سورة الإسراء: 85]

﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾

[سورة البقرة : 255]

 يقول بعض العلماء: لم تبتل بعد أقدامنا ببحر المعرفة، لا يزال العلماء كالأطفال يحبون أمام سرّ هذا الكون وسرّ هذا الإنسان. يقول بعضهم: إن ثلاثمئة بحث علمي، جادٍ، عميق، نشر حول هذه الغدة في عام واحد، فالإنسان أحياناً يقلِّل من قيمة الشيء لجهله به، أما إذا عرف الحقيقة فيجب أن يخر ساجداً لله عز وجل، لأن الله سبحانه وتعالى يقول:

﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقاً مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ ﴾

[سورة الملك: 3]

 ليس في الدنيا شيء زائد لا حاجة له، ولا فائدة منه.

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شرّ ما قضيت، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك، ومن اليقين ما تهون علينا مصائب الدنيا، ومتعنا اللهم بأسماعنا، وأبصارنا، وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا، مولانا رب العالمين، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، ودنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، اللهم لا تؤمنا مكرك، ولا تهتك عنا سترك، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين، اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا، وآمنا في أوطاننا، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً، وسائر بلاد المسلمين، اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك، ومن الفقر إلا إليك، ومن الذل إلا لك، نعوذ بك من عضال الداء، ومن شماتة الأعداء، ومن السلب بعد العطاء، اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب، اللهم صن وجوهنا باليسار، ولا تبذلها بالإقتار، فنسأل شر خلقك ونبتلى بحمد من أعطى وذم من منع، وأنت من فوقهم ولي العطاء وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء، اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين، اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام، وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى، إنك على ما تشاء قدير وبالإجابة جدير.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018