الخطبة : 0605 - الرضا 1 - الرضا نعمة روحية. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0605 - الرضا 1 - الرضا نعمة روحية.


1997-02-21

الخطبة الأولى:
 الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنـا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته وإرغامـاً لمن جحد به وكفر. وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر أو سمعت أذن بخبر. اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرِنا الحــق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممــــن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

الثِّمار اليانعة التي يجنيها المؤمن من إيمانه :

 أيها الأخوة الكرام: قبل شهر رمضان المبارك، كنت أعالج موضوعاً متسلسلاً، محور هذا الموضوع الثِّمار اليانعة التي يجنيها المؤمن من إيمانه، تحدثت عن نعمة الأمن، التي هي أحد ثمرات الإيمان، تحدثت عن نعمة الثبات في الشدائد، تحدثت عن نعمة العزَّة النفسية.. موضوعات كثيرة طُرقت قبل رمضان، وكلها ثمار يانعة من ثمار الإيمان.. نعود لمتابعة هذه الموضوعات.
 موضوع الخطبة اليوم، الرضا، الرضا أحد أكبر مصادر سعادة الإنسان، أن يكون راضياً عن الله، أن يكون راضياً عن نفسه، قال تعالى:

﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ ﴾

[سورة البينة: 8]

 أيها الأخوة الكرام: من الأحاديث الشَّريفة الجامعة المانعة وقد أوتي عليه الصلاة والسلام جوامع الكلم، وقد قال الله عزَّ وجل عن نبيه صلى الله عليه وسلم:

﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى* إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ﴾

[سورة النجم: 3-4]

 استنبط علماء التوحيد من هذه الآية أن كلام النبي عليه الصلاة والسلام وحي غير متلو.
 من الأحاديث الجامعة المانعة التي هي محور هذه الخطبة قول النَّبي عليه الصلاة والسلام:

(( إن الله عزَّ وجل بقسطه، جعل الفرح والروح في الرِّضا واليقين وجعل الغم والحزن في الشَّك والسّخط ))

[مسند الشهاب عن عبد الله بن مسعود]

 سنّة الله عزَّ وجل سنّة واضحة، إنها ربطت بين الشّبع والطعام، وبين الرَّي والشَّراب، تشعر بالشّبع إذا أكلت، وتشعر بالرّي إذا شربت، سنّة الله عزَّ وجل قوانينه، اقتضت أن يُربط الشّبع بالطّعام، والرّي بالشراب، واقتضت أيضاً أن يكون الفرح والروح في الرِّضا واليقين، وأن يكون الشّك والسّخط من ثمار عدم اليقين، وعدم الرِّضا عن الله عزَّ وجل،

((إن الله عز وجل بقسطه جعل الفرح والروح في الرضا واليقين، وجعل الغم والحزن في الشك والسخط ))

 الشاكُّ في حكمة الله، الشَّاك في رحمته، يعيش همّاً وحزناً، الشّاك والسّاخط. الإنسان حينما يرضى عن نفسه لا يرضى عن نفسه كما يتوهم بعض الناس، يرضى عن نفسه أن يقبل قضاء الله وقدره، يرضى عن نفسه لأنه يعتقد أنه ليس في إمكانه أبدع مما أعطاه الله عز وجل، هو راضٍ عن قضاء الله وقدره فيه.

 

الرضا بقضاء الله و قدره أحد أكبر ثمار الإيمان :

 الإنسان حين يرضى عن نفسه، ويرضى عن ربه، يرى أن الله سبحانه وتعالى ذو الأسماء الحسنى، يرى عدله ورحمته وحكمته، يرى قدرته، يرى غفرانه ورحمته، حينما يرضى عن نفسه، ويرضى عن ربّه، يطمئن إلى حاضره، وإلى يومه، أما حينما يوقن بالله عزّ وجل يوقن بالدّار الآخرة، يوقن بعدل الله عزَّ وجل، يطمئن إلى غده ومستقبله، أنت إذا رضيت عن نفسك وعن الله، اطمأننت إلى حاضرك ويومك، وأنت إذا أيقنت بما عند الله عزَّ وجل من ثواب كبير لمن أطاعه في الدنيا تطمئن إلى مستقبلك، فإذا اطمأننت إلى حاضرك، واطمأننت إلى المستقبل ماذا بقي؟.. آيات كثيرة في القرآن الكريم تغطي الماضي والمستقبل معاً، قال تعالى:

﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ﴾

[سورة فصلت: 30]

 لا تخافوا من أي شيء يأتي في المستقبل، ولا تحزنوا على ما مضى، إذا كان الماضي مغطى بعدم الحزن، وإذا كان المستقبل مغطى بعدم الخوف، ماذا بقي من سعادة الدنيا؟

﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ﴾

[سورة فصلت: 30]

﴿ قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ﴾

[سورة طه: 123]

﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾

[سورة البقرة: 38]

 رضا الإنسان عن نفسه، أي عن قضاء الله وقدره فيه، خلقه الله على نحو معين، على شكل معين، بإمكانات معينة، بقدرات معينة من أبٍ، من أمٍ، في بلدةٍ، في زمنٍ، في بيئة، المؤمن يرى أنه ليس في إمكانه أبدع مما أعطاه الله عزّ وجل، راضٍ عن قضاء الله وعن قدره فيه، هذا الرضا مبعث السعادة.
 شيء آخر: هو راضٍ عن مستقبله، لأنه يؤمن بقوله تعالى:

﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾

[سورة التوبة: 51]

 كتب الله لنا.. فالمؤمن أحد أكبر ثمار الإيمان أنه راضٍ عن قضاء الله وعن قدره، مطمئن إلى مستقبله. الفرح والروح، السَّعادة والطمأنينة، في الرِّضا واليقين، والغم والحزن في الشّك والسّخط، الشاكُّ بعدل الله، الشاكُّ برحمة الله، بحكمة الله، يعيش في غمٍّ وحزن.

 

المؤمن راض بقضاء الله و قدره و السّاخط دائم الحزن والكآبة :

 السَّاخطون والشاكُّون لا يذوقون للسرور طعماً، حياتهم كلها سواد ممتد، وظلام متصل، وليل حالك، لا يعقبه نهار ولا فجر صادق، النبي عليه الصلاة والسلام وهو لا ينطق عن الهوى، ربط الشّك بالسخط، فلا سخط بلا شك، ولا شك بلا سخط، وأحد كبار العلماء ابن القيم يقول: " قلّ أن يسلم السّاخط من شكٍّ يداخل قلبه، ويتغلغل فيه، وإن كان لا يشعر به، فلو فتّش نفسه غاية التّفتيش لوجد يقينه معلولاً مدخولاً، يقينه بالدار الآخرة، يقينه بجنَّة عرضها السموات والأرض، يقينه بأن الله عزَّ وجل لا يضيع على مؤمن عمله، ولن يتركم أعمالكم، لا تظلمون فتيلاً، ولا نقيراً، ولا قطميراً"
 لو فتّش نفسه غاية التّفتيش لوجد يقينه معلولاً مدخولاً، الرِّضا واليقين أخوان مصطحبان، والشّك والسّخط قرينان، أن ترضى عن قضاء الله وقدره فيك، لأنك موقنٌ برحمته، وموقن بحكمته، وموقن بعلمه، وموقن بعدالته، وأن تطمئن لوعد الله، وعدك بجنّةٍ عرضها السموات والأرض، وعدك ألا تُظلم، وعدك أن تسعد في الدنيا والآخرة، راضٍ ومطمئن، أحد أسباب الروح والفرح، شاكٌّ وساخطٌ، أحد أسباب الهمِّ والحزن. السّاخط دائم الحزن، دائم الكآبة، ضيق الصدر، ضيق بالحياة، ضيق بالناس، ضيق بكل شيء، كأن الدنيا على سعتها سمُّ خياط، قال تعالى:

﴿ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ﴾

[سورة التوبة:118]

 تضيق الدنيا على الشّاك والسّاخط، وتتسع الدنيا على الراضي بقضاء الله وقدره، ولكن بشكل واقعي، المؤمن قد تصيبه بعض الكآبة ويعتريه بعض الحزن، لهذا قال الله عزَّ وجل مخاطباً نبيه صلى الله عليه وسلم:

﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ ﴾

[سورة النحل:127]

﴿فَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ﴾

[سورة يس: 76]

 ولكنَّ حزن المؤمن لغيره أكثر من حزنه لنفسه، يرى من حوله على غير شاكلته فيتألم، يرى أقرباءه شاردين عن الله فيتألم، يرى أقرب الناس إليه ليس في مستوى إيمانه فيتألم، إذا اعترى المؤمن حزن أو كآبة، فهذا الحزن لغيره لا لنفسه، وإن حزن لنفسه، فإنه يحزن لآخرته، يرجو أن يكون في الآخرة من الفائزين، قد يداخله شك في ذلك، قد يخاف ألا يكون كما أراد الله عزّ وجل، يخاف ألا يكون مخلصاً، يخاف ألا يكون عمله في سبيل الله، يخاف أن يضيع ساعة لم يذكر الله فيها، إنه يخاف ويحزن، ولكنه يحزن لخير فاته في الآخرة، وإن حزن لدنيا فإنه يحزن من أجل أن يتفرغ منها للآخرة، قد يقل دخله فيعتريه الهم، هو يحزن لأنه يفوته خير كثير، حينما ينشغل في الدنيا أكثر مما ينبغي، وإن حزن لنفسه ولدنياه، فهو حزنٌ عارض، موقوت كغمامة الصيف، سرعان ما تنقشع إذا هبّت عليها رياح الإيمان. حتى النفوس التي من طبيعتها الانقباض، ومن طبيعتها التشاؤم، ينشر الإيمان عليها من ضيائه وإشراقه، فيبدّد كثيراً من ظلامها، ويخفف كثيراً من انقباضها، ويطرد أسباب السّخط والتَّشاؤم من وجودها..
 من صفات المؤمن أنه راضٍ عن الله، راضٍ عن قضاء الله وقدره، يعمر قلبه الفرح واليقين، والذي قصَّر في طريق الإيمان يعتريه الحزن، والغم، والكآبة، والسوداوية، لأنه ساخط، ولأن سخطه بسبب شكِّه، يقول عليه الصلاة والسلام:

((إن الله عزّ وجل بقسطه، جعل الفرح والروح في الرِّضا واليقين وجعل الغم والحزن في الشّك والسّخط ))

 المرتاب في الله وفي الآخرة يعيش في سخط مستمر، وفي مناحة دائمة، ساخط على الناس، ساخط على الدهر، ساخط على كل شيء، لذلك قيل: من غضب على الدهر طال غضبه.

 

الجمع بين الاستخارة قبل وقوع الأمر و الرّضا بعد وقوع الأمر :

 يقول عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام أحمد والترمذي:

(( من سعادة المرء استخارته ربه ورضاه بما قضى، ومن شقاء المرء ترك الاستخارة، وسخطه بعد القضاء ))

[ الترمذي و أحمد عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ]

 لذلك كل أمر من الأمور المباحة يجب أن تستخير الله قبل وقوعه، ويجب أن ترضى عن الله بعد وقوعه، والسعيد من يجمع بينهما، يجمع بين الاستخارة قبل وقوع الأمر، وبين الرّضا بعد وقوع الأمر، والشّقي من حُرمهما. استخر قبل القضاء، وارض بعد القضاء..
 دعاء الاستخارة وحده علم دقيق، يقول عليه الصلاة والسلام حينما يستخير ربه:

(( اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري))

 ألم تسمعوا دعاء النبي عليه الصلاة والسلام: " اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا "؟

(( ...اللهم إِن كنتَ تعلم أن هذا الأمْرَ خير لي في ديني، ومعاشي، وعاقبةِ أمري - أو قال: عاجِلِ أمري وآجِلِهِ - فاقْدُرْهُ لي ويسِّرْهُ لي، ثم بارك لي فيه اللهم إن كنتَ تعلمُ أنَّ هذا الأمر شَرّ لي في دِيني ومعاشي وعاقبةِ أمري - أو قال: في عاجِلِ أمري وآجِلهِ - فاصْرِفه عَنِّي- وإن كنتُ متعلقاً به ؟!- واصرفْني عنه واقْدُرْ لِي الخيرَ حيث كان، ثم رَضِّني به. قال: ويُسَمِّي حاجَتَه ))

[البخاري وأصحاب السنن عن جابر بن عبد الله ]

 أرأيتم إلى هذا الدعاء؟ هكذا علمنا النبي عليه الصلاة والسلام، قبل أن نُقدم على زواج، قبل أن نقدم على شراكة، قبل أن نقدم على سفر، قبل أن نقدم على أمر ذي بال، استخر الله، استعن بعلم الله، استعن بقدرة الله، فإنّك تعلم ولا أعلم، وتقدر ولا أقدر، والعبرة أن يكون هذا الشيء فيه خير لك في دينك، وفي ديناك وفي آخرتك، قد يكون الأمر من وجهة نظرك فيه خير في دنياك فقط، ولكن على حساب آخرتك، وقد يكون هذا الأمر فيه دخل كبير، لكنْ مع هذا الدخل شبهة، قد يكون في هذا السفر دخل كبير، ولكنك حُرمت مجالس العلم، لذلك الشّيء الخير ما نفعك في دينك ودنياك وآخرتك معاً، ولعل أقل شيء ينبغي أن تنظر إليه أمر الدنيا، ينبغي أن تنتفع في دينك ودنياك وعاقبة أمرك.. المؤمن وحده هو الذي يغمره الإحساس بالرَّضا، بعد كل قدر من أقدار الله، ينشأ ذلك رضاه عن وجوده الخاص في نفسه، رضاه عن الوجود العام من حوله، مبعث ذلك رضاه عن مصدر هذا الوجود وهو الله عزَّ وجل، وينبوع هذا الرِّضا هو الإيمان بالله رب العالمين.

 

الرضا نعمة روحية يصل إليها من قوي إيمانه بالله و حسن اتصاله به :

 الرِّضا أيها الأخوة نعمة روحية، هيهات أن يصل إليها جاحد بالله، أو شاكّ فيه، ومرتاب في جزاء الآخرة، إنما يصل إليها من قوي إيمانه بالله، وحسن اتصاله به، قال تعالى:

﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آَنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى ﴾

[سورة طه:130]

 ترضى عن الله، واصبر على ما يقولون وسبِّح بحمد ربك قبل طلوع الشمس، وقبل غروبها - هذه الصلوات- ومن آناء الليل فسبِّح وأطراف النهار لعلك ترضى.
 لو سألتني: ما هي الصفة الغالبة على المؤمن؟.. أنَّه راضٍ عن الله، ألم يقل عليه الصلاة والسلام في الطائف، وهو في أصعب أيّام الدَّعوة ترك مكة إلى الطائف، مشياً على القدمين، مشى ثمانين كيلو متراً، طرق وعرة لا تستطيع الآليات أن تصل إليها، وصل إلى أهل الطائف ليكذّبوه، وليشتموه، وليسخروا منه، وليغروا صبيانهم بإيذائه، ماذا قال:

(( إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، ولك العتبى حتى ترضى، لكن عافيتك هي أوسع لي ))

[ الطبراني عن عبد الله بن جعفر]

 أن تكون راضياً عن الله، هذه محصِّلة إيمانك، لأنَّك موقن بأسمائه الحسنى، موقن بصفاته الفضلى، موقن برحمته، موقن بعدالته، موقن بجنانه..

 

الرضا عن الله من لوازم الإيمان :

 من لوازم الإيمان أن تكون راضياً عن الله، من لوازم الإيمان أن يعمر قلبك الفرح واليقين، من لوازم ضعف الإيمان أن تكون شاكَّاً أو ساخطاً، من نتائج الشّك والسّخط الحزن والغمّ، ألم يقل الله عزّ وجل:

﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى ﴾

[سورة الضحى: 5]

 لذلك قال عليه الصلاة والسلام:

((ذَاقَ طَعْمَ الْإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا ))

[مسلم عن عبد المطلب ]

 ألم يقل الله عزّ وجل في حقِّ أصحاب رسوله الكرام:

﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ ﴾

[سورة البينة: 8]

 أعلى عطاء تصل إليه أن تدخل الجنّة، أعظم عطاء من الله تصل إليه أن تصل إلى الجنّة، ماذا فوق الجنّة؟.. فيها جنّات تجري من تحتها الأنهار، فيها حور عين، فيها ولدان مخلَّدون، فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ، لهم فيها ما يشاؤون، الأعلى من ذلك:

﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾

[سورة يونس: 26]

 قال العلماء الزيادة أن تنظر إلى وجه الله الكريم، يغيب الناظر إلى وجه الله الكريم خمسين ألف عام من نشوة النَّظرة.

﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴾

[سورة القيامة:22-23]

 ماذا فوق النَّظر إلى وجه الله الكريم؟.. ورضوانٍ من الله أكبر، إذاً أعلى عطاء تصل إليه أن يرضى الله عنك، وأسباب الرِّضا بيديك، ألا تستطيع أن تقيم الإسلام في بيتك ؟ هذا مملكتك، ألا تستطيع أن تقيمه في عملك؟ هذا مملكتك، ولن تُحاسب عن غيرهما، أنت في هذين المجالين سيد، وفي هذين المجالين آمر، وفي هذين المجالين مُطاع، فلو أن كل مسلم أقام الإسلام في بيته، وأقامه في عمله، والله لكنّا في حال غير هذا الحال، لو أن كل واحد اكتفى أن يقيم الإسلام في بيته، وأن يقيمه في عمله، وأن يبلغ آيةً كل أسبوع، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ ))

[البخاري عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو]

 لكنا في حال غير هذا الحال.

 

المؤمن راضٍ عن نفسه وعن ربّه :

 شيء آخر: المؤمن راضٍ عن نفسه وعن ربّه، راضٍ عن وجوده بما هو عليه، بإمكاناته، بقدراته، بشكله، بأمه وأبيه، ببيئته، ببلده، بزمان ولادته، بمكان ولادته، المؤمن راضٍ عن وجوده، وعن مكانه من الكون، لأنه يعلم علم اليقين أنه ليس ذرةً ضائعة، ولا كماً مهملاً، ولا شيئاً تافهاً، بل هو قبس من نور الله، ونفخة من روح الله، وخليفة الله في الأرض..
 هو راضٍ عن ربه لأنه آمن بكماله وجماله، وأيقن بعدله ورحمته، واطمأن إلى علمه وحكمته، أحاط سبحانه بكل شيء علماً، وأحصى كل شيءٍ عدداً، ووسع كل شيء رحمةً، لم يخلق شيئاً لهواً ولا لعباً، ولم يُترك الإنسان سدى، له الملك وله الحمد، نعمه عليه لا تُعد، وفضله عليه لا يُحد، فما به من نعمة فمن الله، وما أصابه من حسنة فمن الله، وما أصابه من سيّئة فمن نفسه، قال تعالى:

﴿ الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ * وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ * رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ * وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآَخِرِينَ * وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ ﴾

.

[سورة الشعراء:78-85]

 المؤمن أيها الأخوة موقن أن تدبير الله له أفضل من تدبيره لنفسه، ورحمة الله به أعظم من رحمة أبويه به، ينظر في الأنفس والآفاق فيرى آثار برِّه تعالى، ورحمته، فيناجي ربّه:

﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾

[سورة آل عمران : 26]

توظيف الشّر للخير المطلق :

 أيها الأخوة الكرام: ما يظنه الناس شرَّاً ليس هو شرَّاً في الحقيقة، وإذا كان لابد من تسميته شراً فهو شر نسبي، موظف للخير المطلق، كيف أن السيّارة صُنعت لتسير، ما شأن المكابح بها؟ من أجل سلامتها، المكابح وظيفتها عكس سبب صنع السيّارة، لكن من أجل سلامتها، من أجل صون حياة صاحبها، لابد من المكبح في السيّارة، كما أنه لابد من الشدائد كي يتجه الإنسان إلى الله، كي يُساق إلى باب الله، كي يلتزم أمر الله..

(( عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: اسْتَضْحَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فَقِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَضْحَكَكَ؟ قَالَ: قَوْمٌ يُسَاقُونَ إِلَى الْجَنَّةِ مُقَرَّنِينَ فِي السَّلَاسِلِ ))

[ أحمد عَنْ أَبِي أُمَامَةَ]

 إن الشر الذي نراه لا يناقض الخير، بل هو متمم له، أو شرط لازم لتحقيقه، فلا معنى للشّجاعة من دون خطر، الخطر شر، لكن متى يكون الشُّجاع شجاعاً؟.. إذا واجه الخطر، لا معنى للكرم من دون حاجة، متى يكون الكريم كريماً؟.. إذا كان بحاجة لهذا المال وأنفقه..لا معنى للصَّبر بدون شدّة، ولا معنى لفضيلة من الفضائل من دون نقيصة تقابلها، وتقاومها، هذا القول أيها الأخوة يطرد في لذاتنا المحسوسة، كما يطرد في فضائلنا النفسية، نحن لا نعرف لذّة الشَّبع من دون ألم الجوع، ولا نستمتع بالري، ما لم نشعر قبله بلهفة الظَّمأ، ولا يطيب لنا منظر جميل، من دون أن تنفر طبيعتنا من المنظر السيئ ورائحته الكريهة، وبضدِّها تتميز الأشياء.. ما يبدو لنا شرّاً هو سبب تحقق الخير، ما يبدو لنا شرّاً هو متمِّم للخير، ما يبدو لنا شرّاً هو تمهيد للاستمتاع بالخير.

 

المؤمن راضٍ عن الكون والحياة :

 المؤمن راضٍ عن الكون والحياة، لأنه يعتقد أن هذا الكون الفسيح صنع الله عزّ وجل، الذي أتقن كلّ شيء، الذي أعطى كل شيءٍ خلقه ثم هدى، كل ذرة في الأرض، أو في السماء تدلّ على حكمة الحكيم، وتقدير العزيز العليم، وتدبير ملك عظيم، ورعاية رب كريم رحيم.
 الإمام الغزالي له في هذا الموضوع قول رائع، يقول: " المؤمن كما يصدق تصديقاً يقينياً لا ضعف فيه، ولا ريب فيه أن الله عزّ وجل لو خلق الخلق على عقل أعقلهم، وعلم أعلمهم، وخلق لهم من العلم ما تحتمله نفوسهم، وأفاض عليهم من الحكمة ما لا منتهى لوصفها، ثم زاد مثل عدد جميعهم علماً وحكمةً وعقلاً، ثم كشف لهم عواقب الأمور، وأطلعهم على أسرار الملكوت، وعرَّفهم دقائق اللطف، وخفايا العقوبات، حتى اطلعوا به على الخير والشّر، والنَّفع والضّر، ثم أمرهم أن يدبّروا الملك والملكوت، بما أعطوا من العلوم والحكم، لما اقتضى تدبير جميعهم مع التعاون والتظاهر عليه، أن يُزاد فيما دبَّر الله سبحانه، ولا أن يُدفع مرض، أو عيب، أو نقص، أو فقر، أو ضرٌّ، عما ابتُلي به العباد، ولا أن تُزال صحة، أو كمال، أو غنى، أو نفع عمّن أنعم الله به عليه، بل كل ما خلقه الله تعالى من السموات والأرض إن أرجعوا فيها البصر، وطولوا فيها النّظر، ما رأوا فيها من تفاوت ولا فطور، وكل ما قسم الله تعالى بين عباده من رزق، وأجل، وسرور، وحزن، وعجز، وقدرة. ولو كان قد ادخره الله مع القدرة عليه، ولم يتفضل به لكان بخلاً يناقض الجود الإلهي، وظلماً يناقض العدل الرَّباني، ولو لم يكن قادراً لكان عجزاً، والعجز يناقض الألوهية، يجب أن تعلم علم اليقين أنه ليس في الإمكان أبدع مما كان، ليس في إمكاني أبدع مما أعطاني، أنت حينما ترضى عن ربّك، وترضى عن قضائه وقدره فيك، تنطلق في مجال رحب، وأفق واسع، أما حينما يقلب عليك الحزن والألم، وتشك في عدالة الله، وفي كماله، وفي حكمته، وفي رحمته، فأنت في غمٍّ وحزن لا ينتهيان، مبعثهما الشكُّ والسّخط."
أيها الأخوة الكرام: عود على بدء، محور هذه الخطبة الحديث الصحيح الذي يقول فيه عليه الصلاة والسلام:

(( إن الله عز وجل بقسطه جعل الفرح والروح في الرِّضا واليقين، وجعل الغمّ والحزن في الشّك والسّخط ))

 أيها الأخوة الكرام: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وتخطى غيرنا إلينا فلنتخذ حذرنا، الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني، والحمد لله رب العالمين.

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

الفوز و الفلاح في طاعة الله :

 أيها الأخوة الكرام: قول جامع مانع :" لا يخافن العبد إلا ذنبه، ولا يرجون إلا ربه" حديث مختصر، موجز، لكنه بليغ.. لا تخفْ إلا ذنبك، ولا ترجو إلّا ربّك، فحينما يكون الذّنب تكون المعالجة، قال تعالى:

﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ﴾

[سورة الشورى: 30]

 وحينما تكون المعالجة لا تنجو من قضاء الله وقدره إلا بطاعته، لا ملجأ منه إلا إليه.
 حديث قصير، موجز، لو كان شعار كل منَّا، لا يخافن العبد إلا ذنبه، إياك أن تذنب، الذنب شؤم على غير صاحبه.. لو أن لك أخاً مؤمناً وقع في ذنب، فهو شؤم ليس عليه وحده، بل على صديقه، لأنك إن رضيت بهذا الفعل، شاركته في الإثم، وإن عيرته ابتليت به، وإن ذكرته للناس فقد اغتبته، فكيف بصاحب الذنب؟ الذنب شؤم على غير صاحبه، فإن ذكره فقد اغتابه، وإن عيره قد ابتلي به، وإن رضيه شاركه في الإثم.

(( لا يخافن العبد إلا ذنبه، ولا يرجون إلا ربّه ))

[سعيد بن منصور في سننه عن علي]

﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ﴾

[سورة الأحزاب: 71]

 الفوز كل الفوز، والفلاح كل الفلاح، والنجاح كل النجاح، والتفوق كل التفوق، في طاعة الله:

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾

[سورة الحجرات: 13]

 وإنّ الله لا يقبل من النوافل إلا إذا أديت الفرائض، الأعمال الصَّالحة على العين والرأس، لكن يجب أن تُبنى على استقامة على أمر الله، استقم على أمره أولاً، دع ما نهاك عنه أولاً، ثم افعل من الأعمال ما تطيق تصل بها إلى أعلى عليين، أما إذا بُني العمل الصّالح على انحراف، وتقصير، وترك للفرائض، فهذا العمل لا تستطيع أن تستغلّه لتصل به إلى الله عزّ و جل.

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك، ومن اليقين ما تهون علينا مصائب الدنيا، ومتعنا اللهم بأسماعنا، وأبصارنا، وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا، مولانا رب العالمين، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، ودنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، اللهم لا تؤمنا مكرك، ولا تهتك عنا سترك، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين، اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا، وآمنا في أوطاننا، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً، وسائر بلاد المسلمين، اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك، ومن الفقر إلا إليك، ومن الذل إلا لك، نعوذ بك من عضال الداء، ومن شماتة الأعداء، ومن السلب بعد العطاء، اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب، اللهم صن وجوهنا باليسار، ولا تبذلها بالإقتار، فنسأل شر خلقك، ونبتلى بحمد من أعطى، وذم من منع، وأنت من فوقهم ولي العطاء، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء، اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين، اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام، وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى، إنك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018