الخطبة : 0397 - سلسلة الأخلاق3 ، الوفاء بالعهد والوعد - قصة ثعلبة. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0397 - سلسلة الأخلاق3 ، الوفاء بالعهد والوعد - قصة ثعلبة.


1992-06-26

 الخطبة الاولى
 الحمد لله، ثم الحمد لله، الحمد لله الذي هدانا لهذا، و ما كنا لنهتدي لولا أن هدانا، و ما توفيقي، و لا اعتصامي، ولا توكُّلي إلا على الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إقرارا بربوبيته وإرغاما لمن جحد به وكفر وأشهد أن سيدنا محمدا صلَّى الله عليه وسلم رسولُ الله سِّيدُ الخلق والبشر، ما اتَّصلت عينٌ بنظر، أو سمعت أذنٌ بخبر، اللهم صلِّ، وسلِّم، وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وعلى ذرِّيته ومن والاه و من تبعه إلى يوم الدين، اللهمَّ لا علم لنا إلا ما علَّمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، و أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلا، و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتَّبعون أحسنه وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة المؤمنون ؛ سنعود إلى الموضوع المتسلسل الذي بدأته قبل الحج بفضل الله تعالى، والموضوع هو علاقة التديُّن الصحيح بالخلق القويم، لأن النبي عليه الصلاة والسلام عرَّف الإيمان تعريفا جامعا مانعا حينما سئل ما الإيمان ؟
 فعَنْ النَّوَّاسِ بْنِ سِمْعَانَ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْبِرِّ وَالْإِثْمِ فَقَالَ:

((الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي صَدْرِكَ وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ))

[رواه مسلم]

 و تحدثتُ من قبل عن أن الصفات التي يتحلَّى بها الإنسان ربما ترجع إلى سماتٍ عميقة، فعدًُّة بضعة عشرات من الصفات تعود إلى خلق واحد، وقد بدأنا بموضوع الصدق و لا زلنا فيه، ومن فروع الصدق الوفاء بالوعد أو العهد.
 أيها الإخوة الأكارم ؛ من الناس من يعدون وهو يريدون أن يوفُّوا بما وعدوا فهم صادقون، ومن الناس من يعدون وهم لا يريدون أن يوفُّوا بما وعدوا، فهم كاذبون عند الله، ومن الناس من يعاهدك، وفي نيتهم أن يوفُّوا بما عاهدوا عليه فهم عند الله صادقون، ومن الناس من يعاهد و في نيتهم أن لا يوفُّوا ما عاهدوا عليه فهم كاذبون، فمن فروع الصدق و الكذب ما إذا وفَّيتَ بعهدك أو بوعدك.
 أيها الإخوة الأكارم ؛ الوعد و العهد يجمع بينهما أن الإنسان يقطع بشكل جازم بتنفيذ ما وعد أو ما عاهد، و لكنه الفرق بين الوعد و العهد أن العهد أكثرُ توثيقا، قد تدعمه أيمانٌ كثيرةٌ، و قد تدعمه أوراق و تواقيع، فالفرق بين العهد والوعد أن العهدَ أشدُّ توثيقا من الوعد، لكن وعد الحرِّ دينٌ.
 أيها الإخوة الأكارم ؛ هناك فرق بين الوعد و الوعيد، الوعيد بالخير في الأعمِّ الأغلب، و الوعيد بالشرِّ، فالمؤمن يعدُ بالخير، و إذا أوعد بالشر و في نطاق العدل ربما غلبه العفوُ على ذلك.
 يا أيها الإخوة الأكارم، الناس حيالَ الوعد أو العهد أربعة أنواع، النوع الأول من إذا وعد أو عاهد في نيته أن يوفِّي بوعده أو بعهده، فهذا صادق عند الله، وصادقٌ عند الناس، هناك صنف آخر يا أيها الإخوة حينما وعد، أو حينما عاهد كان في نيته أن ينفِّذ ما وعد أو عاهد، و لكن بعد مضيِّ الزمن تبدَّلت أحوالُه و ضعفت عزيمتُه و لانت إرادتُه، فحينما جاء وقتُ التنفيذ أراد ألا ينفِّذ، أو ضعفت إرادتُه عن التنفيذ، هذا ليس كذبا، ولكنه نقضٌ للوعد، أو العهد، أو نكث به، الحالة الأولى حالة الكذب، لكن الحالة الثانية حالة النقض أو النكث، لذلك جاء قوله تعالى:

 

﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾

 

[سورة الإسراء]

 قد تدخل في موضوع مدخل صدق لكنه مع مضي الزمن ومع تبدُّل الحال ومع ضعف الإرادة ومع خور العزيمة، ربما لا تنفِّذ ما وعدت به أو ربما لا تنفذ ما عاهدت عليه، فهذه حالة أخرى تتفرَّع عن الكذب هي النقض أو النكث.
 أيها الإخوة الأكارم ؛ وهناك حالة ثالثة الإنسانُ يعد أو يعاهد وفي نيته أن الأكيدة أن يفيَ بما وعد به، أو بما عاهد عليه، ولكن ظروفا طارئةً ووضعا صعبا يحول بينه وبين تنفيذ ما وعد، أو ما عاهد، فهذا الصنف الثالث معذور عند الله جل وعلا، و الله وحده يعلم ما إذا كان صادقا في اعتذاره، أو ما إذا كانت الظروفُ التي حالت بينه و بين تنفيذ عهده ووعده حقيقية أو مفتعلةً، هذا أمره إلى الله، فهناك الصادق وهناك الكاذب، و هناك الموفِّي وهناك الناكث، وهناك المعذور، وهناك من يدَّعي العذر، و هناك نوع رابع بعد أن عاهد، أو بعد أن وعد وعدا قاطعا، وبعد أن عاهد، ووثَّق عهدَه بدا له أن الخير في خلاف ما وعد، أو في خلاف ما عاهد، وعدتَ ابنَك أن ترسله إلى بلد، مثلا في هذا البلد يُرتكب فيه المعاصي على قارعة الطريق، بدا لك أن ذهاب ابنك إلى هذه البلاد ربما يفسد أخلاقه، فعلى الرغم من أنك وعدته لك أن لا تفي بهذا الوعد لأن الخير في بقائه في بلده، في بعض الحالات.
 أيها الإخوة الأكارم، حينما ترى إخلاف الوعد خيرا من إتمامه، و لمصلحة راجحة مؤيَّدة بالكتاب والسنة لا عليك أن تخلف الوعد، لأن النبيَّ عليه الصلاة و السلام في ما رواه الإمام البخاري ومسلم عَنْ زَهْدَمٍ قَالَ كُنَّا عِنْدَ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي نَفَرٍ مِنْ الْأَشْعَرِيِّينَ فَوَافَقْتُهُ وَهُوَ غَضْبَانُ فَاسْتَحْمَلْنَاهُ فَحَلَفَ أَنْ لَا يَحْمِلَنَا ثُمَّ قَالَ:

 

((وَاللَّهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَتَحَلَّلْتُهَا))

 

[رواه البخاري]

 قد تعد من يلوذ بك بجهاز لهو ثم رجعت إلى الله، ووجدتَ أن هذا الجهاز ربما يفسد هذه الأسرة، فلك ألاّ تفيَ بهذا الوعد ما دامت الحجَّةُ معك من الكتاب والسنة، وأن الخير في عدم إنفاذه، ولك في النبي عليه الصلاة و السلام أسوةٌ حسنة، فعَنْ زَهْدَمٍ قَالَ كُنَّا عِنْدَ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي نَفَرٍ مِنْ الْأَشْعَرِيِّينَ فَوَافَقْتُهُ وَهُوَ غَضْبَانُ فَاسْتَحْمَلْنَاهُ فَحَلَفَ أَنْ لَا يَحْمِلَنَا ثُمَّ قَالَ:

 

((وَاللَّهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَتَحَلَّلْتُهَا))

 

[رواه البخاري]

 و في حديث آخر رواه الإمام مسلم و الإمام أحمد،عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

 

((مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ وَلْيَفْعَلْ))

 

[رواه مسلم]

 قال مفسِّرو الحديث: و ليفعل ما هو خير، هذه الحالة الرابعة، و أما الحالة الخامسة فقد ينسى الإنسان ما وعد به أو ما عاهد عليه، و عندئذ ينطبق حكمُ ذلك على حكم النسيان بشكل عام، حيث رُفع عن أمَّة النبي صلى الله عليه وسلم الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه.
 أيها الإخوة الأكارم ؛ لكن هناك تعقيب دقيق في موضوع الوعد و العهد، إذا وعدت، أو عاهدت، ورأيت الخير في إخلاف ما وعدت أو ما عاهدت قال العلماء: هذا لا ينطبق على العهود الدولية، ولا ينطبق على الحقوق المالية، لو أنك وعدت إنسانا بمبلغ من المال نظير شيء قدَّمه لك، إخلاف الوعد و العهد لمصلحة دينية راجحة لا ينطبق على العهود الدولية، ولا على الحقوق المادية لآحاد المسلمين، هذا ليس من هذا القبيل.
 أيها الإخوة الأكارم ؛ أما ربُّنا جلَّ في علاه فإذا وعد وعدا فيستحيل عليه الكذبُ، و علمُه لا يتخلَّف، حكمته لا تتخلف، و ليس من مراد الله إلا الثبات، وهو قادر على تنفيذ ما يريد، و ليس في الكون كله ما يمنعه من تنفيذ ما يريد، لذلك قال الله تعالى:

 

﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً وَعْدَ اللَّهِ حَقّاً وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً﴾

 

[سورة النساء]

 الحديث الذي تحدّثنا عنه من قَبل عن الوعد، عن إخلاف الوعد لمصلحة راجحة أو لضعف، أو لضعف إرادة أو لكذب أو لنقض عهد أو لسهو أو لنسيان، كلُّ هذه الحالات يستحيل أن يوصف بها اللهُ جل في علاه، لأن الكذب مستحيل عليه، وعلمه لا يتخلف، ويتعلَّق بكل شيء و حكمته تتعلق بكل شيء، و ليس من مراد الله إلا الثبات، وهو قادرٌ دائما على أن ينفِّذ ما يريد، لأنه لا رادَّ لحكمه، ولا معقِّب لحكمه، و ما شاء الله كان و ما شاء لم يكن، لذلك إذا رأيت وعدا في القرآن الكريم من قِبل المولى جل في علاه، فيجب أن يمتلأ قلبُك ثقةً بأن وعد الله محقَّق، وفي القرآن الكريم إشارات إلى ذلك، فقد يستخدم اللهُ في القرآن الكريم الفعل الماضي لما سيكون، وقال علماء البلاغة: إن هذا إشعار بتحقُّق الوعد قال تعالى:

 

﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾

 

[سورة النحل]

 لم يأت بعد، لماذا قال الله:" أتى" الأولى أن يقال بِلُغتنا سيأتي أمر الله فلا تستعجلوه، فلماذا قال الله عزوجل:

 

﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾

 

[سورة النحل]

 لأن وعد الله محقَّق، لأن المؤمن إذا وعده الله وعدا حسنا فهو لاقيه، دقِّقوا أيها الإخوة، قال تعالى:

 

﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾

 

[سورة القصص]

 أي أسعد إنسان على وجه الأرض من وعده الله وعدا حسنا، و كيف يعدك الله وعدا حسنا ؟ هل جاءك الوحيُ ؟ لا، لكن الله عزوجل يقول:

 

﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾

 

[سورة فصلت]

 فإذا قلت أيها المؤمن: ربي الله واستقمت على أمره لك هذا الوعد، قال تعالى:

 

﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾

 

[سورة النحل]

 الحياة الطيبة وعدٌ من الله عز وجل للمؤمن، و قال تعالى:

 

﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾

 

[سورة النور]

 هذا وعد الله عزوجل، لا يتخلف، و قال تعالى:

 

﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً (125) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آَيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾

 

[سورة طه]

 هذا وعيد من قِبل اله عزوجل، فما ينطبق على المسلم، والمؤمن في وعده وعهده لا ينطبق على الله جل في علاه في وعده ووعيده، إلى الآيات الكريمة أيها الإخوة الأكارم، يكفينا هذا الحديث الشريف، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ مَا خَطَبَنَا نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا قَالَ:

 

((لَا إِيمَانَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ وَلَا دِينَ لِمَنْ لَا عَهْدَ لَهُ))

 

[رواه أحمد]

 أيها الإخوة الأكارم ؛ إذا أردت أن يدخل الناسُ في دين الله أفواجا فتخلَّق بالأخلاق الإسلامية، وإذا أردت أن يخرج الناسُ من دين الله أفواجا فأجرِ العبادات بشكل أجوف، ولا تتخلَّق بالأخلاق الإسلامية، الذي يجذب الناسَ إلى الدين لا عباداتك، ولا أورادُك، ولكن أخلاقك، يقول الله عزوجل:

 

﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولاً﴾

 

[سورة الإسراء]

 هذا أمرٌ في القرآن الكريم، و كل أمر يقتضي الوجوب، قال تعالى

 

﴿قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا﴾

 

[سورة الأنعام]

 آية ثانية، قال تعالى:

 

﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (91) وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثاً﴾

 

[سورة النحل]

 آية رابعة، قال تعالى:

 

﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾

 

[سورة المؤمنون]

 وقال تعالى:

 

﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا﴾

 

[سورة البقرة]

 آية خامسة، أما إذا عاهدت الله عزوجل، إذا طفتَ حول البيت الحرام، ووصلت إلى الحجر الأسود فأشرت إليه وقلت: يا رب وفاءً بعهدك وعهدًا على طاعتك، أيمكن أن تنقض هذه الحَجَّة إذا أخلفت وعدك ف على السر في طريق الإيمان فكأنك نقضت حَجَّتك التي من ثمارها اليانعة هذا الوعدُ بالطاعة، وهذا العهد على الاستقامة.
 يا أيها الإخوة المؤمنون ؛ قال تعالى

 

﴿وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولاً﴾

 

[سورة الأحزاب]

 بل إن وفاء وعد و الوفاء بالعهد من خلق الأنبياء، قال تعالى:

 

﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَبِيّاً﴾

 

[سورة مريم]

 هذا ما في القرآن الكريم، من آيات قطعية الدلالة على المؤمن مأمور من قِبل الله عزوجل بالوفاء بوعده و الوفاء بعهده، أما ما في السنة النبوية المطهَّرة من إشارات وعبارات في هذا الموضوع، فالنبي عليه الصلاة و السلام في تربيته الحكيمة أنه أكَّد كثيرا على الوفاء بالوعد، فقد روى أبوداود والبيهقي في شعب الإيمان عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ أَنَّهُ قَالَ دَعَتْنِي أُمِّي يَوْمًا وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَاعِدٌ فِي بَيْتِنَا فَقَالَتْ هَا تَعَالَ أُعْطِيكَ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

 

((وَمَا أَرَدْتِ أَنْ تُعْطِيهِ قَالَتْ أُعْطِيهِ تَمْرًا فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَا إِنَّكِ لَوْ لَمْ تُعْطِهِ شَيْئًا كُتِبَتْ عَلَيْكِ كِذْبَةٌ))

 

[رواه أبو داود]

 و ليس بعيدا عنكم عالِم الحديث الذي جاء من المدينة إلى البصرة ليأخذ عن رجل حديث رسول الله صلى الله عليه و سلم، قبل أن يصل إليه رآه قد رفع ثوبه موهما فرسه أن فيه علفا لتقبل عليه، فلما اقترب منه لم يجد في الثوب شيئا، فرجع إلى المدينة، واستغنى بهذه الظاهرة فرآها تدلُّ على عدم عدالته، وليس أهلا أن يُؤخذ عنه حديثُ رسول الله.
 أيها الإخوة المؤمنون ؛ أحد أصحاب رسول الله - عفوا - أحد الرجال - الذي تعامل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل البعثة قال:

 

((بايعت رسول الله صلى الله عليه و سلم قبل أن يُبعث - معنى بايعت، أي جرت بيني و بينه عملية تجارية، أي بعته شيئا، بايعت، و بقيت له بقيةٌ، فوعدته أن آتيه بها في مكانه، فنسيت فذكرت ذلك بعد ثلاث، أي بعد ثلاثة ليال، فإذا هو في مكانه، فقال لي: لقد شققت عليَّ يا أخي، أنا هنا منذ ثلاث أنتظرك ))

 أما الإخلاف بالوعد، و أما نقض فهو من صفات المنافقين، قولا واحدا، إذا أردت دليلا قطعيا على نفاق الإنسان ففي إخلاف وعده، و نقض عهده، و مرة ثانية عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ مَا خَطَبَنَا نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا قَالَ:

 

 

((لَا إِيمَانَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ وَلَا دِينَ لِمَنْ لَا عَهْدَ لَهُ))

 

[رواه أحمد]

 ماذا قال الله عزوجل ؟ قال تعالى:

 

﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آَتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (75) فَلَمَّا آَتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (76) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾

 

[سورة التوبة]

 قال تعالى:

 

﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾

 

[سورة التوبة]

 لذلك أيها الإخوة يعدُّ نقض العهد، وعدم الوفاء بالوعد غدرًا، يبعد أن تفعل إثم الوعد، أو نقض العهد فهذا نوعٌ من أنواع الغدر، لذلك روى الإمام البخاري و مسلم عَنْ أَنَسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

 

((لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ أَحَدُهُمَا يُنْصَبُ وَقَالَ الْآخَرُ يُرَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُعْرَفُ بِهِ))

 

[رواه البخاري]

 و ما أكثر ما يجري بين المسلمين من وعد لا تُحقَّق، ومن عهود لا تُنفَّذ، المسلم بسذاجة، وبجهل أنه لن يُغل، نقض عهده، ولكن لم يُغلب، وهذه أخلاق الماديين، وهذه أخلاق أهل الدنيا، وهذه أخلاق المنافقين، مرحبا من أن تُغلب دون أن تنقض وعدك، أو تخلِف عهدك.
 أيها الإخوة الأكارم ؛ الشيء الذي نعرفه أن أكثر الذنوب يسترها الله عزوجل عن عباده يوم القيامة حتى لا يُفضَحوا بها، لكنَّ ذنب الغدر عظيمٌ جدا، و آثاره خطيرة جدا، لذلك يفضح الله به فاعلَه على رؤوس الأشهاد يوم القيامة، أي يصيب الرجل الذي نقض العهد، وأخلف الوعد يوم القيامة من العار والشنار إلى أن يقول: يا رب أرِحني، ولو إلى النار، لأن نقض العهد وإخلاف الوعد خلقٌ ذميم وقبيح جدا.
 أيها الإخوة المؤمنون ؛ من السيرة النبوية حذيفة بن اليمان حينما أراد الهجرة اعترضه بعضُ كفار قريش، فحالوا بينه و بين الهجرة إلى أن عاهدهم ووعدهم ألاّ يقاتلهم مع رسول الله، عندئذ خلوا سبيله، وانضم إلى النبي عليه الصلاة و السلام، فعَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ قَالَ:

 

((مَا مَنَعَنِي أَنْ أَشْهَدَ بَدْرًا إِلَّا أَنِّي خَرَجْتُ أَنَا وَأَبِي حُسَيْلٌ قَالَ فَأَخَذَنَا كُفَّارُ قُرَيْشٍ قَالُوا إِنَّكُمْ تُرِيدُونَ مُحَمَّدًا فَقُلْنَا مَا نُرِيدُهُ مَا نُرِيدُ إِلَّا الْمَدِينَةَ فَأَخَذُوا مِنَّا عَهْدَ اللَّهِ وَمِيثَاقَهُ لَنَنْصَرِفَنَّ إِلَى الْمَدِينَةِ وَلَا نُقَاتِلُ مَعَهُ فَأَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرْنَاهُ الْخَبَرَ فَقَالَ انْصَرِفَا نَفِي لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ وَنَسْتَعِينُ اللَّهَ عَلَيْهِمْ))

 

[رواه مسلم]

 هذا هو الوعد، هذا هو العهد، إلا أن هناك حالات أيها الإخوة هو أن المشركين إذا نقضوا هم عهدهم مع رسول الله عندئذ المؤمن في حِلٍّ من وعده و عهده، قال تعالى:

 

﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾

 

[سورة التوبة]

 و اللهِ لو نقضتَ عهدك مع مجوسي لحاسبك اللهُ حسابا عسيرا، مع مجوسي، مع عابد صنم، مع ملحِد، قال تعالى:

 

﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾

 

[سورة التوبة]

 آية ثانية قال تعالى:

 

﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾

 

[سورة التوبة]

 بهذه الأخلاق خرج الإسلام من مكة المكرمة إلى مشارق الأرض و مغاربها، فإذا تركنا هذا الخلق، خلق الوفاء بالوعد و العهد انكمش المسلمون و غُزوا في عقر دارهم.
 أيها الإخوة الأكارم ؛ يجب أن نعلم علم اليقين أن هذا هو الذين، أن الدين صدق، أن الدين وفاءٌ بالوعد، أن الدين إنجاز للوعد، هذا هو الذين، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ مَا خَطَبَنَا نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا قَالَ:

 

((لَا إِيمَانَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ وَلَا دِينَ لِمَنْ لَا عَهْدَ لَهُ))

 

[رواه أحمد]

 أيها الإخوة الكرام ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، و زنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، و اعلموا أن ملك الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا، و سيتخطَّى غيرنا إلينا، فلنتَّخذ حذرنا، الكيَّس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، و العاجز من أتبع نفسه هواها، و تمنى على الله الأماني، و الحمد لله رب العالمين.

 

***

 الخطبة الثانية

 الحمد لله رب العالمين، و أشهد أن لا إله إلا الله وليُّ الصالحين، و أشهد أن سيدنا محمدا عبده و رسوله صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ و سلم و بارك على سيدنا محمد و على آله و صحبه أجمعين.
 أيها الإخوة المؤمنون ؛ رجلٌ كان في عهد النبي صلى الله عليه و سلم اسمه ثعلبة، فقد كان فيما ترويه السيرة كان يُسمى حمامة المسجد، لأنه كانت لا تفوته تكبيرة الإحرام خلف سيد الأنام، جاء النبيَّ مرة وهو يرتدي ثوبا باليا، و يسأله النبيُّ صلى الله عليه و سلم: كيف حالك يا ثعلبة ؟ بدل أن يقول: الحمد لله على نعمة الهدى و الإيمان، فقال: حالي كما تراني، لم يل الحمد لله، يبدو أنه لقد كبر، غفا قلبُه وانغمس في وحول الحياة، النبيُّ عليه الصلاة و السلام رأى حاله هذه فقال ثعلبةُ: يا رسول الله سل اللهَ أن يغنيني، أن يجعلني غنيا، يا رسول الله، يبدو أن النبي عليه الصلاة و السلام نظر إليه بعين البصيرة، و قال له: يا ثعلبة قليلٌ يكفيك خيرٌ من كثير يطغيك، دقِّقوا في هذا الكلام، قال تعالى:

﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ﴾

[سورة الشورى]

 قال تعالى

 

﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾

 

[سورة البقرة]

 قال تعالى:

 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾

 

[سورة المائدة]

 لماذا أنا كذلك يا ربي ؟ من يدريك أنه لو بسط الله لك الرزق لغيَّرت كل هذا الطري، و لغيِّرت كل هذا المنهج، قال: يا ثعلبة قليل يكفيك خير من كثير يطغيك، قال: يا ثعلبة قليل تؤدِّي شكره خير من كثير لا تؤدي حقَّه، قال: يا ثعلبة ارض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس، يا ثعلبة ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس، يا ثعلبة من أصبح حزينا على الدنيا أصبح ساخطا على الله، من شكا مصيبةً نزلت به فكأنما يشكو اللهَ عزوجل، لكن بعضهم يقول: إذا شكوت إلى مؤمن فكأنك شكوت إلى الله، و إذا شكوت إلى كافر فكأنما اشتكيت على الله، من شكا مصيبة نزلت به فكأنما يشكو الله عزوجل، من قعد إلى غني لينال من ماله فقد ذهب ثلثا دينه، كل هذا الكلام و بعده قال ثعلبة: يا رسول الله ادع الله أن يغنيني، ثم قال: واللهِ يا رسول الله لئن أغناني الله عزوجل لأصدقن، ولأكونن من الصالحين، عندما رأى النبيُّ عليه الصلاة والسلام إصرار ثعلبة الشديد توجَّه إلى الله عزوجل و قال: اللهم أغنِ ثعلبة بما شئت وكيف شئت، و دعوة النبي كما تعلمون ليس بينها و بين الله حجاب، ورُزق ثعلبةُ برؤوس الأنعام، وزادت، وتوالدت حتى ضاقت بها شِعابُ مكة، ثم ماذا حدث بعد هذا، لقد قطع ثعلبةُ صلته بالمسجد، وأول تأخُّر غيابُه عن دروس العلم، أول تأخر، لقد قطع ثعلبة صلته بالمسجد، تفقّده النبيُّ صلى الله عليه و سلم فلم يجده، سأل عن حمامة المسجد فإذا بها قد قُصَّت أجنحتها، و تمرَّغت في وحول الحياة.
 أيها الإخوة الأكارم ؛ من الحياة في جوهرها درهمٌ و لا دينار، لا واللهِ لكنها طاعةٌ للرحمن،

 

إذا المرءُ لم يلبس ثيابا من التقى  تقلَّب عريانا ولو كان كاسـيا
وخيرُ لباس المرء طاعةُ ربـه  ولا خير فيمن كان لله عاصيا

 قطع ثعلبة صلته بالمسجد، واستنكفت نفسُه أن يجلس على الأرض استكبرت نفسُه أن يسجد لله، وهذا هو الغنى الذي استعاذ منه النبي عليه الصلاة و السلام، الغنى المطغِي، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

 

 

((بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ سَبْعًا هَلْ تَنْتَظِرُونَ إِلَّا فَقْرًا مُنْسِيًا أَوْ غِنًى مُطْغِيًا أَوْ مَرَضًا مُفْسِدًا أَوْ هَرَمًا مُفَنِّدًا أَوْ مَوْتًا مُجْهِزًا أَوْ الدَّجَّالَ فَشَرُّ غَائِبٍ يُنْتَظَرُ أَوْ السَّاعَةَ فَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ))

 

[رواه الترمذي]

 مضى عامٌ و أرسل النبيُّ صلى الله عليه و سلم إلى ثعلبة من يأخذ منه الزكاة، زكاة ماله، نظر ثعلبةُ في الأمر فإذا هو ينطق بكلمة سوء و يقول لعامل بيت المال: بلِّغ صاحبك، و لم يقل: رسول الله، بلغ صاحبك أن ليس في الإسلام زكاة، فقال له مبعوثُ النبي صلى الله عليه و سلم: أو ما تراه صاحبا لك ؟ صاحبي فقط، لقد جمعت إلى منع الزكاة نقض العهد، و بلغ رسولَ الله صلى اله عليه و سلم أمرُ ثعلبة وقوله فقال عليه الصلاة و السلام: يا ويح ثعلبة، ما أرى كلمة أسعد للإنسان من أن يقول النبيُّ لإنسان والله إني لأحبك، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ:

 

((أَخَذَ بِيَدِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ إِنِّي لَأُحِبُّكَ يَا مُعَاذُ فَقُلْتُ وَأَنَا أُحِبُّكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَا تَدَعْ أَنْ تَقُولَ فِي كُلِّ صَلَاةٍ رَبِّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ))

 

[رواه النسائي]

 قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادٍ قَالَ سَمِعْتُ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُفَدِّي رَجُلًا بَعْدَ سَعْدٍ سَمِعْتُهُ يَقُولُ:

 

((ارْمِ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي))

 

[رواه البخاري]

((أبو بكر ما ساءني قطُّ ))

 هذا الشيء المسعِد، أما أن يقول النبي هذه الأمة لرجل: يا ويح ثعلبة، و هذا القول يتكرَّر، أي إنسان نقض عهده مع الله، نقض عهده مع رسول الله، انقلب على رأسه، وانتكس، وترك الصلاة، و أكل الحرام، أطلق عينَه في المحرمات، هذا نقض للعهد، فهذا الكلام ينطبق على كل مسلم إلى يوم القيامة، يا ويح ثعلبة، ثم نزل بثعلبة قرآن كريم، بثعلبة و بأمثاله، يُتلى إلى يوم القيامة، قال تعالى:

 

﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آَتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (75) فَلَمَّا آَتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (76) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (77) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾

 

[سورة التوبة]

 الآية الكريم، لذلك حينما قال الله عزوجل:

 

﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾

 

[سورة طه]

 السر ما أسررته، أما أخفى، خفي عنك بالذات، لذلك ليس في الإمكان أبدعُ مما كان، ارض بما قسمه الله لك تكن أغنى الناس، هذا اختيار الله لك، اسعَ وابذل قصار جهدك، ولكن حيث انتهى سعيُك و انتهت جهودُك فهذه مشيئة الله، فيجب أن تحترم مشيئة الله عزوجل، لأنه خيرٌ كلُّه،فِعلُ الله عزوجل خيرٌ كله، هذا يدعونا إلى أن نرضى بما قسم الله لنا، أن ترضى بما قسم الله لك هذه نعمةٌ، كان أحدُهم يطوف بالكعبة و يقول: يا رب هل أنت راضٍ عني كان وراءه الإمامُ الشافعي، قال: يا هذا هل أنت راضٍ عن الله حتى يرضى عنك، فقال: يا سبحان الله من أنت يرحمك ؟ قال: أنا محمد بن إدريس، قال: كيف أرضى عنه و أنا أتمنَّى رضاه، فقال الإمام الشافعي: إذا كان سرورُك بالنقمة، أي بالفقر، بالمرض، كسرورك بالنعمة فقد رضيت عن الله "، معناه أنك تعرف الله، تعرف حكمته و عدله و رحمته، و ما أعدَّه لك من خير عميم في الآخرة.

 

الدعاء

 اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، و بارك اللهم لنا فيما أعطيت، و قنا و اصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي و لا يقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، و لا يعز من عاديت، تباركت ربنا و تعاليت، و لك الحمد على ما قضيت، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، و أصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، و اجعل الحياة زادا لنا من كل خير، و اجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، و بطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، اللهم استر عوراتنا وآمن روعاتنا، و آمنا في أوطاننا، و اجعل هذا البلد آمنا سخيا رخيا، و سائر بلاد المسلمين، اللهم يا أكرم الأكرمين أعطنا و لا تحرمنا، و أكرمنا و لا تهنا، و آثرنا ولا تؤثر علينا، و أرضنا وارض عنا، صن وجوهنا باليسار، ولا تبذلها بالإقتار، فنسأل شرَّ خلقك، ونُبتلى بحمد من أعطى و ذم من منع، و أنت من فوقهم وليُّ العطاء، و بيدك وحدك خزائن الأرض و السماء، اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا من دنياهم أقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين، اللهم اكتب الصحة و السلامة للحجاج و المسافرين والمقيمين والمرابطين في برِّك وبحرك من أمة محمد أجمعين، اللهم ارزقهم حجًّا مبرورا، وسعيا مشكورا، وذنبا مغفورا، يا رب العالمين، يا أكرم الأكرمين، اللهم بفضلك، ورحمتك أعل كلمة الحق و الدين، وانصر الإسلام، وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب و ترضى، إنه على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير، و الحمد لله رب العالمين.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018