الخطبة : 0603 - يا أبا ذر أوصيك بتقوى الله. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0603 - يا أبا ذر أوصيك بتقوى الله.


1997-02-07

الخطبة الأولى:
 الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنـا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته وإرغامـاً لمن جحد به وكفر. وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر أو سمعت أذن بخبر. اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين. اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرِنا الحــق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممــــن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

حكم ونصائح توجه بها النبي إلى سيدنا أبي ذر الغفاري ومنها :

1 ـ طاعة الله المرجح الوحيد في تفاوت العباد :

 أيها الأخوة الكرام: النبي عليه الصلاة والسلام أوتي جوامع الكلم، وكلام النبي عليه الصلاة والسلام إن هو إلا وحي يوحى، وسيدنا سعد بن أبي وقاص كان يقول: " ثلاثة أنا فيهن رجل، وفيما سوى ذلك فأنا واحد من الناس- من هذه الثلاث- وما سمعت حديثاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا علمت أنه حق من الله تعالى" .
 موضوع الخطبة اليوم مجموعة من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، هي في حقيقتها حكم ونصائح، توجه بها إلى سيدنا أبي ذر الغفاري رضي الله عنه، مما يلفت النظر أن أحاديث تزيد عن التسعين حديثاً تبدأ بقوله صلى الله عليه وسلم: يا أبا ذر، اخترت لكم من بين هذه الأحاديث الكثيرة مجموعة منها تنفعنا إن شاء الله في دنيانا وأخرانا.
 يقول عليه الصلاة والسلام:

(( يا أبا ذر أوصيك بتقوى الله ))

[الطبراني عن أبي ذر]

 أي بطاعته، لأن الله عز وجل يجعل طاعته المرجح الوحيد في تفاوت العباد بعضهم من بعض، قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾

[سورة الحجرات: 13]

﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾

[سورة النساء: 13]

((يا أبا ذر أوصيك بتقوى الله، فإنه رأس الأمر كله))

 إن كنت مطيعاً لله صلحت كل أمورك، وإلا فسدت كل أمورك، رأس الأمر كله، مثلاً لو أن الكهرباء انقطعت، كم آلة في البيت تتعطل ؟.. كل شيء معطل، إن كنت مطيعاً لله، صلح الأمر كله، وإن خرجت عن منهج الله فسد الأمر كله.

 

2 ـ تلاوة القرآن ترفع الإنسان إلى أعلى عليين :

((...وعليك بتلاوة القرآن، وذكر الله تعالى، فإنه ذكر لك في السماء، ونور لك في الأرض))

 يرفعك إلى أعلى عليين، لأنك إذا قرأت القرآن الكريم كأن الله يناجيك، وإن ذكرت الله كأنك تناجي الله، ويا موسى أتحب أن أكون جليسك؟ قال: كيف ذاك يا رب وأنت رب العالمين؟ قال: قال أما علمت أنني جليس من ذكرني، وحيثما التمسني عبدي وجدني.

 

3 ـ اجتماع القلب على الله عند ضبط اللسان :

((وعليك بطول الصمت))

 الندم على السكوت أفضل ألف مرة من الندم على كلمة نابية، أو كلمة ليست في مكانها:

((إلا في خير))

 الساكت عن الحق شيطان أخرس.

((فإنه مطردة للشيطان عنك، وعون لك على أمر دينك))

 الإنسان حينما يضبط لسانه يجتمع قلبه على الله، فإذا تفلت لسانه شعر بحجاب بينه وبين الله.

 

4 ـ مجالسة المساكين و خلع ثياب العجب :

((عليك بطول الصمت إلا في خير فإنه مطردة للشيطان عنك، وعون لك على أمر دينك، إياك وكثرة الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب، وتذهب بنور الوجه، عليك بالجهاد فإنه رهبانية أمتي، أحب المساكين وجالسهم))

 إنك إن أحببتهم كنت متواضعاً أما إن تكبرت عن أن تجلس معهم، حُشرت مع المتكبرين.

(( اللهم أحييني مسكيناً، وتوفني مسكيناً، واحشرني مع المساكين ))

 فهمها بعضهم فهماً ما أراده النبي عليه الصلاة والسلام، المسكين هنا هو المفتقر إلى الله عز وجل، الذي خلع عن كتفيه ثياب العجب والكبر، وأتى الله طائعاً مستسلماً.

5 ـ النظر في أمر الدين إلى من هو أعلى منا :

((أحب المساكين وجالسهم، وانظر إلى من تحتك ولا تنظر إلى من فوقك، فإنه أجدر ألا تزدري نعمة الله عندك))

 في أمر دينك انظر إلى من هو فوقك، في أمر دنياك انظر لمن هو تحتك، عندئذ تجد أن الله سبحانه وتعالى أعطاك نعماً لا تُعد ولا تحصى، لأنه من دخل على الأغنياء غير المؤمنين خرج من عندهم وهو على الله ساخط..

(( يا عائشة، إذا أردت اللحوق بي فليكفك من الدنيا كزاد الراكب، ولا تستخلقي ثوباً حتى ترقعيه، وإياك والدخول على الأغنياء))

[ الترمذي عن عائشة]

6 ـ صلة القربى :

((انظر في أمر دنياك لمن هو دونك، وانظر في أمر آخرتك لمن هو فوقك، صل قرابتك وإن قطعوك))

 ونحن على أبواب عيد الفطر السعيد..

((أمرني ربي بتسع- من هذه التسع - أن أصل من قطعني، وأن أعفو عمن ظلمني، وأن أعطي من منعني))

[ رزين عن أبي هريرة]

7 ـ نصح الناس و قول الحق :

((صل قرابتك وإن قطعوك، قل الحق وإن كان مرا، لا تخف في الله لومة لائم))

 فكلمة الحق لا تقطع رزقاً ولا تقرب أجلاً.

((ليحجزك عن الناس ما تعلم من نفسك))

 ليس هناك إنسان أشد تناقضاً، وأبعد عن القبول، من الذي ينصح الناس بشيء هو واقع فيه، أو يعيب على الناس بشيء هو متلبس فيه.

((ليحجزك عن الناس ما تعلم من نفسك، ولا تجد عليهم فيما يأتون، وكفى بالمرء عيباً أن يكون فيه ثلاث خصال: أن يعرف من الناس ما يجهل من نفسه، ويستحيي لهم مما هو فيه، ويؤذي جليسه. يا أبا ذر لا عقل كالتدبير))

 إن أردت إنفاذ أمر فتدبر عاقبته، قبل أن تغريك الدنيا انظر إلى المصير.

((لا عقل كالتدبير، ولا ورع كالكف، ولا حسب كحسن الخلق))

[ الطبراني في الكبير عن أبي ذر تصحيح السيوطي: حسن]

لا تقل أصلي وفصلي أبداً  إنما أصل الفتى ما قد حصل
***

القلب الغني هو القلب الذي عرف الله وأقبل عليه :

 أيها الأخوة الكرام : يقول النبي عليه الصلاة والسلام في أحاديث كثيرة:

((يا أبا ذر، أترى كثرة المال هو الغنى؟ قلت: نعم يا رسول الله، قال: أفترى قلة المال هو الفقر؟ قلت: نعم يا رسول الله. قال: إنما الغنى غنى القلب والفقر فقر القلب ))

[ ابن حبان عن أبي ذر]

 القلب الذي عرف الله، وأقبل عليه، وامتلأ حباً به، وإخلاصاً له هو القلب الغني..

(( إنما الغنى غنى القلب، والفقر فقر القلب ))

 قلب متصخر لا رحمة فيه، ولا شفقة، ولا تواضع لله فيه، لا يحب الآخرين، يحب مصالحه، يحب ذاته، هذا قلب فقير، ولو كان صاحبه يحب الملايين، والقلب الذي فيه رحمة للخلق، فيه تودد لهم، فيه تواضع لله عز وجل، فيه شوق إلى الله عز جل، هذا هو القلب الغني، لماذا؟ لأنه كما قال الله عز وجل:

﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾

[ سورة الشعراء:88-89]

 والقلب منظر الرب، وقد قال سيدنا عمر رضي الله عنه، تعاهد قلبك. و:

(( يا بن آدم طهرت منظري سنين أفلا طهرت منظري ساعة? ))

[ ورد في الأثر]

 القلب منظر الرب لأن الله لا ينظر إلى صوركم، طويل أو قصير، أبيض أو أسمر، إنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم، فالقلب منظر الرب، وهنيئاً لمن نظر الله إلى قلبه فرآه طيباً قوياً مخلصاً..

 

معرفة النبي لأصحابه معرفة دقيقة :

((يا أبا ذر ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة؟ لا حول ولا قوة إلا بالله))

 لا حول عن معصية الله إلا بالله، ولا قوة على طاعته إلا به، هكذا فسرها النبي عليه الصلاة السلام، كان عليه الصلاة والسلام يعرف أصحابه معرفةً دقيقة، يعرف إمكاناتهم، يعرف خصائص نفوسهم، كان عليه الصلاة والسلام يضع الرجل المناسب في المكان المناسب. قال: يا رسول الله استعملني؟ اجعلني في وظيفة من عندك، قال:

(( يا أبا ذر إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها، وأدى الذي عليه فيها ))

 الناس مرةً هابوا شدة عمر، وبطشه، كما يتوهمون، فقال أبو ذر لسيدنا عمر: يا أمير المؤمنين إن الناس هابوا شدتك فارفق بهم، قال: والله يا أبا ذر لو يعلم الناس ما في قلبي من الرحمة، لأخذوا عباءتي هذه، ولكن هذا الأمر لا يناسبه إلا كما ترى، لابد من شدة ظاهرة.
 مرة كان عمر رضي الله عنه يحرس قافلة، أقامت في ظاهر المدينة، ومعه عبد الرحمن بن عوف، فسمع بكاء طفل، توجه إلى أمه وقال: أرضعيه، فأرضعته ثم بكى، قال: أرضعيه، في المرة الثانية، الثالثة غضب وقال: يا أمة السوء أرضعيه؟ قالت: أيها الرجل ما شأنك بنا إنني أفطمه؟ قال: ولمَ؟ قال: لأن عمر لا يعطينا العطاء إلا بعد الفطام، تروي الكتب أن هذا الخليفة العظيم، ضرب رأسه، وقال :ويحك يا بن الخطاب كم قتلت من أطفال المسلمين؟؟ وتوجه إلى المسجد، وصلى بأصحابه الفجر، وما سمع أصحابه قراءته، من شدة بكائه، وكان يقول :يا رب هل قبلت توبتي فأهنئ نفسي؟ أم رددتها فأعزيها؟ ثم أمر أمراً في الأنصار: أن العطاء يجب عند الولادة.

((يا أبا ذر إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها، وأدى الذي عليه فيها))

 وفي رواية أخرى:

((يا أبا ذر إني أراك ضعيفاً، وإني أحب لك ما أحب لنفسي، لا تتأمرن على اثنين، ولا تولين مال يتيم))

 الإنسان قد يضعف، وقد يقوى، كان عليه الصلاة والسلام يضع الرجل المناسب، في المكان المناسب.

 

من يتق الله يجعل له مخرجاً :

((يا أبا ذر إني أعرف آية لو أن الناس أخذوا بها لكفتهم، ومن يتق الله يجعل له مخرجاً))

[شعب الإيملن عن أبي ذر]

 من يتق الله في تربية أولاده يجعل الله له مخرجاً من عقوقهم، من يتق الله في كسب ماله يجعل الله له مخرجاً من تدبير المال، من يتق الله في اختيار زوجته يجعل الله له مخرجاً من تطليقها، من يتق الله بإيمانه بالله يجعل الله له مخرجاً من الكفر، من يتق الله في التوحيد يجعل الله له مخرجاً من الشرك، من يتق الله في تطبيق منهج الله يجعل الله له مخرجاً من كل كارثة سببها معصية الله.

 

الموالاة في الله و البغض في الله :

((يا أبا ذر: أي عرى الإيمان أوثق؟))

[شعب الإيمان عن أبي ذر]

 ما الشيء الذي يشدك إلى الدين؟ ما الشيء الذي يحسن الصلة بالله عز جل؟ ما الشيء الذي يدفعك إلى باب الله؟ ما الشيء الذي يقربك إلى الله؟ أوثق أي أشد، العروة: الوصلة، ما الشيء الذي إذا فعلته اتصلت بالله وكنت قريباً منه؟

((يا أبا ذر: أي عرى الإيمان أوثق؟ قال: الله ورسوله أعلم، قال: يا أبا ذر الموالاة في الله، والبغض في الله))

 لن تكون مؤمناً إلا إذا واليت أولياء الله، ولن تكون مؤمناً إلا إذا عاديت أعداء الله، يكفي أن تبغضهم، لأنه من هوي الكفرة حُشر معهم، لا ينفعه عمله شيئاً.

 

عدم قطع الأمل من الناس :

((يا أبا ذر لا تيئس من رجل يكون على شر فيرجع إلى خير فيموت عليه))

[ابن السني عن أبي ذر]

 لا تقطع أملك من الناس، الصلح يتم في لمح البصر، لا تيئس من إنسان عاص، لا تيئس من إنسان شارد، لا تيئس من إنسان منغمس في المعاصي والآثام، لعله إذا اصطلح مع الله، وأقبل عليه يكون في أعلى عليين.

((يا أبا ذر لا تيئس من رجل يكون على شر فيرجع إلى خير فيموت عليه ولا تأمن رجلاً يكون على خير فيرجع إلى شر فيموت عليه، وليشغلنك عن الناس ما تعلم من نفسك))

[ابن السني عن أبي ذر]

 أحبب حبيبك هوناً ما عسى أن يكون بغيضك يوماً ما، وأبغض بغيضك هوناً ما عسى أن يكون حبيبك يوماً ما.

 

حسن الخلق جوهر الدين :

((يا أبا ذر ألا أدلك على خصلتين هما أخف على الظهر وأثقل في الميزان من غيرهما؟ عليك بحسن الخلق ))

 ذهب حسن الخلق بالخير كله، الإيمان حسن، حسن الخلق جوهر الدين.. كنا قوماً أهل جاهلية، فلما جاءنا النبي عليه الصلاة السلام أمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وحسن الجوار، وصلة الرحم، والكف عن المحارم والدماء .

((يا أبا ذر ألا أدلك على خصلتين هما أخف على الظهر وأثقل في الميزان من غيرهما؟ عليك بحسن الخلق، وطول الصمت، اخزن لسانك، فو الذي نفسي بيده ما يتجمل الخلائق بمثلهما))

[الطبراني عن أنس]

الحض على الأعمال الصالحة :

((يا أبا ذر، لا تدعن من المعروف شيئاً إلا فعلته ))

 إياك أن تدع عملاً صالحاً، إنه ذخرك في الدنيا، إنه زادك إلى الآخرة، إنه علة وجودك، ما الذي يقوله الإنسان وهو على فراش الموت؟

﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾

[سورة المؤمنون: 99-100]

((يا أبا ذر لا تدعن من المعروف شيئاً إلا فعلته، فإن لم تقدر عليه فكلم الناس وأنت إليهم طليق، وإذا طبخت مرقة فأكثر ماءها واغرف لجيرانك منها ))

[كنز العمال عن أبي ذر]

 ما المعروف الذي هو الحد الأدنى ويقبله الله منك؟ قال: كلم الناس وأنت طليق الوجه، ابتسامتك صدقة، طلاقة وجهك صدقة، لين كلامك صدقة، تبسمك في وجه أخيك صدقة، وإذا طبخت مرقاً فأكثر من مائها واغترف لجيرانك منها، أطعم الطعام، قابل الناس بوجه طلق، وأطعم الطعام.

العمل ضمن منهج الله :

 أيا الأخوة الكرام: تسعون حديثاً في كتب الحديث تبدأ بكلمة يا أبا ذر، اخترت لكم هذه الأحاديث.

((يا أبا ذر كن للعمل بالتقوى، أشد اهتماماً منك بالعمل ))

[ كنز العمال عن أبي ذر]

 ليست العبرة بالعمل، أن تتحرك، أن تنجز، العبرة أن تعمل في طاعة الله، العبرة أن تعمل ضمن منهج الله، العبرة أن تعمل عملاً يرضي الله، العبرة أن توقع خطواتك على طريق الحق، الأول تحرك، والثاني تقدم، وفرق كبير بين التحرك العشوائي، وبين التقدم نحو الهدف الواضح.

((يا أبا ذر كن للعمل بالتقوى، أشدّ اهتماماً منك بالعمل))

﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً ﴾

[سورة الفرقان: 23]

 العبرة ليست بحجم العمل بل بانضواء العمل تحت منهج الله، العبرة أن تعمل عملاً يرضي الله، وأن أعمل صالحاً ترضاه، ورضا الله قيد لهذا العمل، ما كل عمل يرضي الله، ما كل حركة كبيرة ترضي الله، ما كل إنجاز ضخم في رأيك يرضي الله، لابد من أن يكون عملك وفق منهج الله، وفق الكتاب والسنة، وفق الأمر والنهي، وفق افعل ولا تفعل، الحركة العشوائية، الكبيرة، الضخمة، هذه يوم القيامة تكون هباءً منثوراً.

علامات الإيمان :

((يا أبا ذر، كن للعمل منك بالتقوى أشد اهتماماً منك بالعمل، يا أبا ذر إن المؤمن الصادق يرى ذنبه كأنه تحت صخرة، يخاف أن تقع عليه..))

 هذه من علامة الإيمان، كلما كبر عليك الذنب فأنت مؤمن ورب الكعبة، وكلما صغر الذنب في عينيك.. ماذا فعلنا؟ ماذا فعلنا؟ الله غفور رحيم.

((يا أبا ذر، إن المؤمن يرى ذنبه كأنه صخرة يخاف أن تقع عليه، وإن الكافر يرى ذنبه كأنه ذباب يمر على أنفه))

 هذا مقياس من مقاييس الإيمان.

((يا أبا ذر، لا تنظر إلى صغر الخطيئة، ولكن انظر إلى عظم من عصيت))

 لا تنظر إلى صغر الذنب، ولكن انظر على من اجترأت..

((يا أبا ذر، لا يكون الرجل من المتقين، حتى يحاسب نفسه أشد من محاسبة الشريك لشريكه، فيعلم من أين مطعمه، ومن أين مشربه، ومن أين ملبسه، أمن حل أم من حرام؟))

 والله كلام ما بعده كلام، نصائح ما بعدها نصائح، حكم ما بعدها حكم..

أي عمل تفعله لوجه الله خالصاً لن يضرك في الدنيا :

((يا أبا ذر، إنه لا يضرك من الدنيا ما كان للآخرة..))

 أي عمل تفعله لوجه الله خالصاً، تبتغي به الدار الآخرة، لن يضرك في الدنيا، وهذا النص الذي قاله النبي، يجب أن يلغي مئة ألف قصة نسمعها.. فعل خيراً فدمره الله!.. كلام لا يُقبل..

((يا أبا ذر، إنه لا يضرك من الدنيا ما كان للآخرة..))

[ كنز العمال عن أبي ذر]

 إن أتيت إلى مجلس علم تبتغي به وجه الله، هل يعقل و هل تقبل أن الله سبحانه وتعالى لأنك أتيت إلى هذا المجلس يأتيك منه ضرر؟ وعلى هذا فقِس.. لو أنك خفت من الله، فلم تتعامل بطريقة لا ترضي الله في كسب المال أو إنفاقه، هل يُعقل أن تُضر من ذلك؟

﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آَمِناً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾

[سورة القصص: 57]

 حينما كنتم في المعصية، كنتم في حرم آمن، بعد أن تبتم إلى الله ستخطفون من أرضكم؟ هذا منطق !..

((يا أبا ذر إنه لا يضرك من الدنيا ما كان للآخرة، إنما يضر من الدنيا ما كان للدنيا..))

((يا أبا ذر أقل من الطعام والكلام، تكن معي في الجنة..))

[الديلمي عن أنس]

لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى :

((يا أبا ذر، بلغني أنك عيرت اليوم رجلاً بأمه، قلت له: يا بن السوداء، يا أبا ذر ارفع رأسك وانظر، ثم اعلم أنك لست بأفضل من أحمر فيها ولا أسود..))

[ كنز العمال عن أبي ذر]

 الناس كلهم سواسية، كأسنان المشط، لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى.

﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾

[سورة الحجرات: 13]

((يا أبا ذر، بلغني أنك عيرت اليوم رجلاً بأمه، قلت له: يا بن السوداء، يا أبا ذر ارفع رأسك وانظر، ثم اعلم أنك لست بأفضل من أحمر فيها ولا أسود إلا أن تفضله بعمل.
يا أبا ذر إذا غضبت فإن كنت قائماً فاقعد، وإن كنت قاعداً فاتكئ، وإن كنت متكئاً فاضطجع))

 إياك إذا غضبت أن تتحرك، أو أن تتكلم، لأنك إذا تكلمت وأنت غضبان سوف تؤذي، سوف تفجر، سوف تتكلم بغير وعي، بغير حكمة، سوف تكسر الإناء.. إن القلوب إذا تنافر ودها مثل الزجاج كسرها لا يُجبر .

الائتمار بما أمر الله و الانتهاء عما عنه نهى :

((يا أبا ذَرّ اسْمَعْ وَأَطِعْ وَلَوْ لِحَبَشِيٍّ كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَةٌ.. ))

[ البخاري عن أبي ذر]

 نظام ينبغي أن تخضع له..

((اسمعوا وأطيعوا ولو ولي عليكم عبد رأسه كالزبيبة..))

 فلما خرج أبو ذر إلى الربذة وجد فيها غلاماً لعثمان رضي الله عنه أسود اللون، فأذن وأقام، ثم قال هذا الغلام من أدبه الجمِّ: تقدم يا أبا ذر، فقال: لا، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرني أن أسمع وأطيع وإن كان عبداً أسود، فتقدم وصلّ أنت إماماً، وصلى أبو ذر خلفه. هكذا علمنا الإسلام، أن نكون منضبطين، أن نأتمر بما أمر الله، وأن ننتهي عما نهى الله عنه.

((يا أبا ذر إن العبد المسلم يصلي الصلاة يريد بها وجه الله عز وجل فتتهافت عنه ذنوبه، كما يتهافت هذا الورق عن هذه الشجرة))

[ أحمد عن أبي ذر]

 يا أبا ذر، زر غباً تزدد حباً، لا تكثر الزيارات، كنت معتدلاً في حركاتك الاجتماعية، زر غباً من حين لآخر تزدد حباً.

((يا أبا ذر، أخوانكم خولكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده، فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم))

[ البخاري عن أبي ذر]

 هذا الذي عندك، يعمل تحت ظلك، هذا الذي تنفق عليه، إنما هو أخوك في الإنسانية، أو أخوك في الدين، أخوك بكل ما في هذه الكلمة من معنى، أطعمه مما تأكل، وألبسه مما تلبس، ولا تكلفه ما لا يطيق، فإن كلفته فأعنه.

((يا أبا ذر لئن تغدو فتتعلم آية من كتاب الله، خير لك من أن تصلي مئة ألف ركعة - طبعاً نافلة- ولئن تغدو فتتعلم باباً من العلم عُمل به أو لم يُعمل خير لك من أن تصلي ألف ركعة))

[ البخاري و مسلم عن أبي ذر]

 يا أبا ذر :

((أحبابي أناس يأتون في آخر الزمان القابض منهم على دينه كالقابض على الجمر، أجرهم كأجر سبعين، قالوا منا أم منهم؟ قال: بل منكم، قالوا: ولمَ؟ قال: لأنكم تجدون على الخير معواناً ولا يجدون))

[ الترمذي عن أنس]

 أيها الأخوة الكرام: حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، وعلموا أن ملك الموت، قد تخطانا لغيرنا، وسيتخطى غيرنا إلينا، الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني.

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

العيد مناسبة للدعوة إلى الله و إزالة الخصومات :

 لعله من خصائص العيد، أي عيد عند المسلمين؟ عيد الفطر السعيد أو عيد الأضحى المبارك أن تُزال الخصومات بين الناس، الله جل جلاله يقول:

﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾

[سورة الأنفال: 1]

 أصلح كل علاقة بينك وبين الآخرين، والعيد مناسبة طيبة جداً لإصلاح ذات البين، زر من قطعك، واعف عمن ظلمك، وأعط من حرمك. افعل المعروف مع أهله ومع غير أهله، فإن أصبت أهله فهم أهله، وإن لم تصب أهله فأنت أهله، وخير المؤمنين هو الذي يبدأ صاحبه بالسلام.
شيء آخر: أيها الأخوة من لوازم العيد إدخال السرور على قلب أهلك وأولادك، لأنهم أهلك، وليس لهم غيرك، بك يرقوا، وبخطئك يسقطوا. يقول عليه الصلاة والسلام:

((خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي))

[أخرجه الترمذي عن عائشة أم المؤمنين ]

((من كان له صبي فليتصاب له))

[الجامع الصغير عن أبي معاوية]

((أكرموا النساء فوالله ما أكرمهن إلا كريم، ولا أهانهن إلا لئيم، يغلبن كل كريم، ويغلبهن لئيم، وأنا أحب أن أكون كريماً مغلوباً من أن أكون لئيماً غالباً))

[ ابن عساكر عن علي بسند فيه مقال كبير ]

 من خصائص عيد الفطر السعيد هذه الزيارات المباركة، التي تتم بين الأقرباء، ولكن إن تحدث الناس في هذه الزيارات في أمور الدنيا ينطبق عليهم قول النبي عليه الصلاة والسلام:

(( ما جلس قوم مجلساً لم يذكروا الله فيه إلا قاموا عن أنتن من جيفة حمار ))

[ الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 أما إذا ذكرتم الله في هذه الأيام المباركة، صمتم ثلاثين يوماً، استمعتم إلى كتاب الله كله، أليس في أذهانكم آية تتحدثون عنها؟ حديث تبينون فضله؟ حكم فقهي؟ موقف صحابي؟ اجعل من ذكر الله موضوع حديثك في العيد، لأن ذكر الله يجمع القلوب، يؤلف القلوب، يضفي البشائر، لكن ذكر الدنيا يميت القلب.
 صلة الرحم- أقول هذا كثيراً، وسامحوني في التكرار- صلة الرحم وسيلة، وليست هدفاً، الهدف أن تتفقد أهلك، أن تتفقد أحوالهم المعيشية، أحوالهم الاجتماعية، أحوالهم الزوجية، أحوالهم التعليمية، أن تتفقد أحوالهم الدينية، وأن تعاونهم في أمر دينهم ودنياهم، وأن تأخذ بيدهم إلى الله، وقد جعل الله هذه العبادة الكبرى- صلة الرحم- تكافلاً اجتماعياً بين المسلمين، فكل إنسان، هؤلاء الذين يلتقي بهم كل يوم، من الأفضل أن تلتقي بهم في العيد مرةً واحدة، سمعت أن بعض الأسر، هؤلاء الذين يعيشون مع بعضهم دائماً، يجعلوا وقتاً واحداً يلتقون به جميعاً أما هؤلاء الذين لا تراهم إلا في العيد فالعيد لهم ينبغي أن تزورهم، لذلك طبقنا هذه القاعدة، نحن عندنا معايدة لكل أخوتنا ثاني يوم العيد من الساعة العاشرة حتى الساعة الثانية، ومن الساعة الخامسة حتى الساعة التاسعة، وما سوى ذلك العيد لأهلك، ولأقربائك، ولرحمك، زرهم، تفقد أحوالهم، أحوالهم المعيشية الاجتماعية، أحوالهم الزوجية، أحوالهم الدينية، عاونهم في دينهم ودنياهم، خذ بيدهم إلى الله عز جل، ألق بذرةً لعلها تنبت، لا تيئس من إنسان مقيم على معصية لعله يتوب منها، لا تدر أي كلماتك تحركه، لا تدر، تكلم، أدِّ الذي عليك، واطلب من الله الذي لك.
 العيد أيها الأخوة مناسبة للدعوة إلى الله، العيد مناسبة لإزالة الخصومات، العيد مناسبة لإدخال السرور على قلب الأهل والأولاد، العيد مناسبة أيضاً لصلة الأرحام، العيد مناسبة للدعوة إلى الله، وكل عام وأنتم بخير..

 

: الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، ودنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، اللهم لا تؤمنا مكرك، ولا تهتك عنا سترك، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين، اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى، إنك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018