الخطبة : 0602 - محبة الله. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0602 - محبة الله.


1997-01-31

الخطبة الأولى:
 الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنـا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته وإرغامـاً لمن جحد به وكفر. وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر أو سمعت أذن بخبر. اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين. اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرِنا الحــق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممــــن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

العبادة طاعة ترافقها محبة :

 أيها الأخوة الكرام: بما أن الإنسان هو المخلوق الأول، بمعنى أن الله سبحانه وتعالى كرمه وجعله سيد المخلوقات، وسخر له الأرض والسموات. بما أن الإنسان هو المخلوق الأول كلفه بالعبادة، وقد ذكرت هذا في الأسبوع الماضي، والعبادة في أدق تعاريفها طاعة ترافقها محبة، فمن أطاع الله ولم يحبه ما عبده، أما أن يحبه دون أن يطيعه فهذا لا يكون، إنه حب كاذب..

تعصي الإله وأنت تظهر حبه  ذاك لعمري في المقال شنيع
لو كان حبك صادقاً لأطعتــــــه  إن المحب لمن يحب يطيــــع
***

 إذاً العبادة طاعة الله عز وجل ممزوجة بمحبته، فمن أطاع ولم يحب ما عبد الله، الإنسان يطيع جباراً في الأرض ولا يحبه، أما إذا أطاع الله عز وجل فهذه الطاعة ينبغي أن تنطلق من محبة الله عز وجل.

الفرق بين العباد و العبيد :

 شيء آخر يلفت النظر في القرآن الكريم هو أن الله عز وجل جمع كلمة عبد مرةً عباد، ومرةً عبيد، فقال تعالى:

﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً ﴾

[سورة الفرقان: 62]

 وقال تعالى:

﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾

[سورة فصلت: 46]

 وقد فرق علماء التفسير بين العباد والعبيد، فالعباد جمع عبد الحب، عبد الطاعة، عبد العبودية، والعبيد جمع عبد القهر، كل مخلوق فضلاً عن البشر مقهورون بوجودهم وباستمرار وجودهم إلى إمداد الله عز وجل، فلذلك وعباد الرحمن، هؤلاء الذين أحبوه، وعرفوه وأقبلوا عليه.

 

محبة الله عز وجل :

 محور الخطبة اليوم محبة الله عز وجل، ونحن في رمضان، ونحن في شهر التقوى والحب، ونحن في شهر الإحسان والقرب، ونحن في شهر المغفرة، ونحن في شهر القرآن.
 العلاقة التي ينبغي أن تكون بين العبد وربه علاقة حب، والله سبحانه وتعالى خلقنا ليسعدنا، خلقنا ليرحمنا، ولكن جعل لنا منهجاً إذا اتبعناه وصلنا إلى محبة الله عز وجل، هنا موطن الشاهد، هناك منهج تفصيلي جاء به النبي عليه الصلاة والسلام، هذا المنهج إذا اتبعناه وصلنا إلى محبة الله عز وجل، ويا أيها الأخوة الكرام إن أثمن شيء على الإطلاق يصل إليه إنسان هو أن يصل إلى محبة الله، لأن الله سبحانه وتعالى هو المسعد، وإليه المصير، وبيده مقاليد الأمور، وإليه يُرجع الأمر كله.
 ماذا ورد في السنة المطهرة عن أعمال إن فعلناها أحبنا الله عز وجل؟ ما دامت العبادة أساسها الحب، لو قلنا إن أساسها الطاعة، الطاعة وحدها ليست عبادة، طاعة مع الحب.

 

أحبّ الأعمال إلى الله :

1 ـ الصلاة على وقتها :

 يقول عليه الصلاة والسلام:

((أحب الأعمال إلى الله الصلاة على وقتها))

[البخاري في المواقيت عن عبد الله بن مسعود]

 إن أردت أن تصل إلى محبة الله فحافظ على الصلاة، قال تعالى:

﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ ﴾

[سورة المعارج: 34]

 يحافظون عليها في أوقاتها، ومن أخّر الصلاة عن وقتها أذهب الله البركة من عمره، إلا أن القضية تتلخص في أن الذي حزم أمره وأعلن توبته، واصطلح مع الله، يرتاح في الصلاة، بينما الذي أقام على معصية أو مخالفة يرتاح منها إذا صلاها، وفرق كبير جداً بين أن يرتاح الإنسان في الصلاة وبين أن يرتاح منها، الراحة منها تشير إلى بعض أنواع النفاق، لكن الراحة فيها عين الإيمان، قال عليه الصلاة والسلام:

((.. وَجُعِلَ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ))

[النسائي وأحمد عَنْ أَنَسٍ ]

((أرحنا بها يا بلال ))

[الطبراني عن رجل من الصحابة]

2 ـ برّ الوالدين :

 ثم برُّ الوالدين، البار بوالديه يحبه الله عز وجل.

3 ـ الجهاد في سبيل الله :

 ثم الجهاد في سبيل الله. أحب الأعمال إلى الله الصلاة على وقتها، ثم برُّ الوالدين، ثم الجهاد في سبيل الله.

4 ـ تعلم القرآن و تعليمه :

 ولا تنسوا أن تعلم القرآن وتعليمه، ونشر الحق، وترسيخ قيم الدين نوع من الجهاد، بل هو من أكبر أنواع الجهاد لقول الله عز وجل:

﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً ﴾

[سورة الفرقان: 52]

 وهو جهاد متاح لكل مسلم.

5 ـ إطعام المساكين و كشف كربهم :

 أحب الأعمال إلى الله من أطعم مسكيناً من جوع، إطعام المساكين، إطعام الطعام مطلقاً من الأعمال التي يحبها الله عز وجل، لأن إطعام الطعام يمتن العلاقات، يزيد في الألفة، إطعام الطعام بينّة التقرب إلى الله عز وجل من الأعمال الطيبة، ومن السلوك الاجتماعي الذي يجمع القلوب. أحب الأعمال إلى الله من أطعم مسكيناً من جوع، أو دفع عنه مغرماً، إنسان مثقل في الدين، خففت عنه، لو أنك صاحب الدين، وضعت عنه بعض دينه، فهذا العمل مما يحبه الله عز وجل، أو أنك تدفع عنه دينه. أحب الأعمال إلى الله من أطعم مسكيناً من جوع، أو دفع عنه مغرماً، أو كشف عنه كُربة، وقد قال عليه الصلاة والسلام:

((من نفس عن مسلم كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ...))

[ابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه]

 تنفيس الكروب من الأعمال العظيمة، وما أكثر الكروب في المجتمعات.
 هناك نقطة دقيقة جداً أيها الأخوة الله جل جلاله هو الحق، من رحمته بنا أعطانا وسائل للتقرب إليه لو أنه لم يعطنا هذه الوسائل كيف نتقرب إليه؟ هو المسعد، وهو المعطي، وهو الرزاق، وهو الغني، أن تكون في ظله أنت من أسعد الناس، لو أن الله عز وجل لم يضع بين أيدينا منهجاً تفصيلياً كي نصل إليه، ما العمل؟ وضع لك ألف طريق وطريق كي تصل إليه، الطرق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق، الصلاة على وقتها طريق إليه، بر الوالدين طريق إليه، الجهاد في سبيل الله طريق إليه، أن تموت ولسانك رطب من ذكر الله طريق إليه،" يا موسى أتحب أن أكون جليسك؟ قال: كيف ذلك يا رب وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أنني جليس من ذكرني، وحينما التمسني عبدي وجدني ".
 أحب الأعمال إلي من أطعم مسكيناً من جوع، أو دفع عنه مغرماً، أو كشف عنه كربةً.

6 ـ إدخال السرور على المسلم :

 أحب الأعمال إلى الله بعد أداء الفرائض - دققوا في هذا الحديث ونحن في رمضان، ونحن على أبواب العيد - أحب اسم تفضيل - أي هناك أعمال كثيرة يحبها الله، لكن هذا العمل أحب الأعمال إلى الله، أحب الأعمال إلى الله بعد أداء الفرائض إدخال السرور على المسلم. إنك إن زرته أدخلت عليه السرور، إن أمددته ببعض المال أدخلت عليه السرور، إن وفيت عنه الدين أدخلت عليه السرور، إن عالجت ابنه من مرض مقلق أدخلت عليه السرور، أحب الأعمال إلى الله بعد الفرائض إدخال السرور على قلب المسلم.

7 ـ حفظ اللسان :

 وأحب الأعمال إلى الله حفظ اللسان، هذا الذي يضبط لسانه، هذا الذي يتكلم بعد تفكير، لا يدلي بكلام قبل أن يزينه بالشرع، أفي هذا الكلام غيبة؟ أفيه نميمة؟ أفيه استهزاء؟ أفيه تأل على الله؟ أفيه استعلاء؟ أفيه جرح؟ أفيه محاكاة؟ أفيه تدليس؟.. أحب الأعمال إلى الله حفظ اللسان.

(( لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه ))

[أحمد عن أنس بن مالك ]

 وهذا من أبرز السلوك الاجتماعي اليومي.
 إن الشيطان يئس أن يُعبد في جزيرة العرب.. مستحيل بعد أن منّ الله علينا بهذا الدين العظيم، وهذا الشرع القويم، وهذا القرآن الكريم من سابع المستحيلات أن يعبد غير الله في بلاد الله التي عرفت الله، من أي يأتي الشيطان إذاً؟.. قال: إن الشيطان يئس أن يعبد في أرضكم، ولكن رضي فيما تحقرون من أعمالكم، ومنها التحريش بين المؤمنين، أن تنتقد مؤمناً، أن يعاديك مؤمن، أن يقول: لقد تكلمت عليّ، الغيبة، والنميمة، والإفك، والبهتان، والسخرية، والاستعلاء، والتألي، والتكبر، هذه كلها من معاصي اللسان، وقد عدَّ الإمام الغزالي بضعاً وعشرين مرضاً من أمراض اللسان، وهذه معاصي صريحة:

(( لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه ))

[أحمد عن أنس بن مالك ]

8 ـ الحب في الله و البغض في الله :

 أحب الأعمال إلى الله الحب في الله، والبغض في الله، أهل الدنيا محور محبتهم مصالحهم، الذي يأتيك منه المال تحبه، ولو كان على غير الصراط المستقيم، الذي يمنع عنك المال لحكمة يراها تبغضه ولو كان على حق، المصالح أساس الحب عند المنافقين، لكن المؤمنين أحب الأعمال إلى الله الحب في الله، أن تحب إنساناً لا تبتغي منه مالاً، ولا جاهاً، ولا سمعةً، ولم تتعلق مصلحتك به، أن تحبه لله، أو أن تبغض إنساناً لأنه منحرف، الحب في الله، والبغض في الله، وهذا ما عبر عنه بعض العلماء الولاء والبراء، يجب أن توالي من والى الله، يجب أن تتبرأ ممن تبرأ الله منهم، يجب أن يكون لك موقف، هذا الذي يستطيع بذكاء كبير أن يرضي الناس كلهم فهو منافق عند الله، ليس له هوية، ليس له اتجاه، يرضي جميع الناس بكلامه وأفعاله، هذا إلهه مصلحته، إلهه دنياه، اتخذ إلهه هواه، أما الولاء في الله، والبراء في الله، والحب في الله، والبغض في الله، أما المؤمن لا ينتمي لا إلى أسرتك، ولا إلى مدينتك، ولا إلى بلدك، من أقاصي الدنيا، أتحبه لوجه الله؟ أتتمنى أن تخدمه؟ أتتمنى أن تعبر عن محبتك له؟ فهذه من علامات الإيمان، أحب الأعمال إلى الله الحب في الله والبغض في الله.
 أحب البلاد إلى الله مساجدها، وأبغض البلاد إلى الله أسواقها، طبعاً عند الضرورة لابد من الأسواق، لكن أن يكون شغل الإنسان الشاغل في الأسواق، أن تأخذ الأسواق جزءاً من عقله، الأماكن العامة، الفنادق، الأماكن التي فيها بعض المعاصي، يحبها فإذا دخل إلى المسجد قال :الخطيب أطال في الخطبة، أحب الأعمال إلى الله مساجدها، وأبغضها أسواقها، والمؤمن في المسجد كالسمكة في الماء، والمنافق في المسجد كالعصفور في القفص.

9 ـ صدق الحديث :

 وأحب الحديث إلى الله أصدقه، ما من صفة ترفع الإنسان كأن يكون صادقاً، إن قضية الرزق بيد الله وحده، كن صادقاً ولا تأخذك في الله لومة لائم، إن الصدق يهدي، الصدق من صفات المؤمن، يطبع المؤمن على الصفات كلها إلا الكذب والخيانة، فالذي يكذب ليس مؤمناً، والذي يخون ليس مؤمناً.

10 ـ ما كثرت عليه الأيدي :

 أحب الأعمال إلى الله ما كثرت عليه الأيدي ، الكريم لا يأكل وحده، يأكل مع من حوله، الطعام مبذول لمن يأتيه، لضيوفه، هذا الذي يبذل طعامه للناس عند الله كريم، وهذا الطعام الذي كثرت عليه الأيدي هو من أحب الطعام إلى الله عز وجل.

11 ـ إجراء الخيل والرمي :

 وأحب اللهو إلى الله تعالى إجراء الخيل والرمي، أي لهو مرتبط بأهداف الإنسان، لو أننا أجرينا مسابقة لحفظ القرآن الكريم، لحفظ الحديث الشريف، هذه المسابقات ترضي الله عز وجل، لأنها نوع متصل بأهداف الأمة، نوع متصل بأهداف الفرد، فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول:

(( أحب اللهو إلى الله تعالى إجراء الخيل والرمي ))

[كنز العمال عن ابن عمر ]

أحبّ العباد إلى الله :

1 ـ أنفعهم لعياله :

 وأحب العباد إلى الله تعالى أنفعهم لعياله، هناك إنسان بنى حياته على بثِّ الخير، بنى حياته على بثِّ الحق، بنى حياته على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبنى حياته على مسح دموع البائسين، وهناك إنسان والعياذ بالله، بنى حياته على إدخال الرعب في قلوب الناس، بنى حياته على أكل أموال الناس، بنى حياته على أخذ أموالهم، أحب العباد إلى الله تعالى أنفعهم لعياله.
 قبل أن تتحرك، قبل أن تعطي، قبل أن تمنع، قبل تقف موقفاً عنيفاً، قبل أن تلقي الرعب في قلب إنسان، تذكر أن هذا عبد لله، وأن هذا بنيان الله، وملعون من هدم بنيان الله، هذا الذي أمامك عبد لله، ولو أنه لا ينتمي إليك، لا ينتمي إلا أنه إنسان، قد خلقه الله، والإنسان عند الله مكرم، لذلك الإنسان بنيان الله، وملعون من هدم بنيان الله، أي إذا أفقرته يغضب الله عليك، إذا أخذت من ماله أكثر مما ينبغي يغضب الله عليك، أكثر الناس يعدون هذا شطارة وحنكة في البيع والشراء، أن يأخذوا ثمن بضائعهم أضعاف قيمتها الحقيقية، لا، هذا أخوك في الإنسانية، فإذا سلبت ماله بغير حق يغضب الله عليك، وسوف يحاسبك حساباً عسيراً.

2 ـ من يحب لأخيه ما يحب لنفسه :

 أحب العباد إلى الله أنفعهم لعياله، هذه نظرة عميقة، حينما تتحرك في عملك حولك أشخاص، أي نوع يكونون؟ هم أخوتك في الإنسانية، والمؤمن يحب لأخيه ما يحبه لنفسه، ويبغض لها ما يبغض لنفسه، ويكره لها ما يكره لنفسه، وقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا أحب الله عبداً ابتلاه ليسمع تضرعه، أي الله عز وجل يبتلينا أحياناً لنقبل عليه، لنلتجئ إليه، لنلوذ بحماه، هذا بعض أسرار الشدائد التي يسوقها الله لعباده.
 وإذا أحب الله عبداً حماه من الدنيا كما يحمي أحدكم سقيمه من الطعام، قال تعالى:

﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ﴾

[سورة الفجر: 15]

 خطأ كبير أن تتوهم عطاء الدنيا إكراماً، وخطأ أكبر منه أن تتوهم أن حرمان الدنيا إهانةً، الحرمان معالجة، والعطاء ابتلاء، والحظوظ التي بين يديك لا تُعد عطاءً إلا إذا وظفت في الحق، من أجل أن تكون العلاقة بين المؤمنين متينة جداً، الله يحب المؤمنين الذين هم كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، كيف؟ مثلاً إذا أحب أحدكم أخاه فليعلمه أنه يحبه، هذا الإعلام يزيد المودة متانة، إذا أحب أحدكم صاحبه فليأته في منزله، فليخبره أنه يحبه لله، إذا أحب أحدكم أخاه فليعلمه أنه يحبه، في أحاديث عديدة أمرنا النبي عليه الصلاة والسلام أن نعلم الذين نحبهم أننا نحبهم، من أجل أن يكون المؤمنون كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.

 

أحبّ الأعمال إلى الله أدومها وإن قلّ :

 خذوا من العمل ما تطيقون، فإن الله تعالى لا يمل حتى تملوا، هناك طفرة ينطلق فيها الإنسان ثم يخبو ضوءه، ويغيب نجمه، أما المؤمن فيتحرك حركة ثابتة، كل طاعة عملها يلزمها، لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

(( أَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ ))

[ متفق عليه عن عائشة ]

 في الصدقات، في حضور مجالس العلم، في مطالعة الكتب الدينية، في قراءة القرآن، في أعمال الخير والبرِّ، في اللقاءات التي تدعو فيها إلى الله، أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قلّ.

 

من أحبه الله ألقى محبته في قلوب الناس :

 الآن حديث دقيق: إذا أحبّ أحدكم أن يحدث ربه فليقرأ القرآن، إذا أحب الله عبداً قذف حبه في قلوب الملائكة، وإذا أبغض الله عبداً قذف بغضه في قلوب الملائكة، ثم يقذفه في قلوب الآدميين، بشكل أو بآخر دون أن يُتخذ هذا مقياساً صارماً، مقياساً يُستأنس به، إذا أحبك الناس فهذا من محبة الله لك، إذا أحبك الناس لأن الله إذا أحب عبداً ألقى محبته في قلوب الآدميين، ألم يقل الله عز وجل:

﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي ﴾

[سورة طه: 39]

 هذه المحبة ألقيت في قلب امرأة فرعون، فقالت: لا تقتلوه عسى أن ينفعنا، أو نتخذه ولداً وهم لا يشعرون. فإذا أحبك الناس، إذا أعطاك الناس، إذا احترمك الناس، فهذا من محبة الله، إياك أن تنسى الله، وتلتفت إلى الناس، لو أن الله تخلى عنك لرأيتهم متنكرين لك، لرأيت أن أقربهم إليك يخيب ظنك، وإن الله تعالى إذا أحب عبداً جعل رزقه كفافاً، أي يكفيه، لا يشغله برزقه، لا يجعله يلهث وراءه ليلاً نهاراً كما قال الله عز وجل:

﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ * كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ * فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ ﴾

[سورة المدثر: 49-51]

 ورد:

(( عبدي خلقت لك ما في السموات والأرض ولم أعيَ بخلقهن أفيعييني رغيفٌ أسوقه لك كل حين؟ لي عليك فريضة ولك عليَّ رزق، فإذا خالفتني في فريضتي لم أخالفك في رزقك، وعزتي وجلالي إن لم ترضَ بما قسمته لك فلأسلطن عليك الدنيا، تركض فيها ركض الوحش في البرية، ثم لا ينالك منها إلا ما قسمته لك ولا أبالي، وكنت عندي مذموماً ))

[ورد في الأثر]

(( أنت تريد وأنا أريد، فإذا سلمت لي فيما أريد كفيتك ما تريد، وإن لم تسلم لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد ثم لا يكون إلا ما أريد ))

[ورد في الأثر]

 المؤمن الحريص على محبة الله، كلما رأى في منهج رسول الله عملاً يحبه الله، أو يقربه من الله يفعله، أما أهل الكفر والنفاق:

﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ ﴾

[سورة محمد: 9]

 كرهوا منهج الله عز جل، أما المؤمن فكل فقرة في منهج الله علم أن الله يحب من يتبعها يتبعها، والتي لا يحبها الله يجتنبها.
 أيها الأخوة الكرام: حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، وعلموا أن ملك الموت قد تخطانا لغيرنا، وسيتخطى غيرنا إلينا، الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني.

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أدعية متعلقة بالحبّ :

 من أدعية النبي صلى الله عليه وسلم في شأن الحب، كان عليه الصلاة والسلام يدعو ربه ويقول: "اللهم ارزقني حبك، وحب من ينفعني حبه عندك، اللهم ما رزقتني مما أحب فاجعله قوةً لي فيما تحب، وما زويت عني مما أحب فاجعله فراغاً لي فيما تحب" هذا من دعاء النبي عليه الصلاة والسلام في شأن الحب.
 دعاء آخر: " اللهم اجعل حبك أحب الأشياء إلي، واجعل خشيتك أخوف الأشياء عندي، واقطع عني حاجات الدنيا بالشوق إلى لقائك، وإذا أقررت أعين أهل الدنيا من دنياهم، فأقرر عيني من عبادتك."
 ودعاء ثالث متعلق بالحب: " اللهم اجعلني أخشاك حتى كأني أراك، وأسعدني بتقواك، ولا تشقني في معصيتك، وخر لي في قضائك، وبارك لي في قدرك حتى لا أحب تعجيل ما أخرت، ولا تأخير ما عجلت، واجعل غناي في نفسي، ومتعني بسمعي وبصري، واجعلهما الوارث مني، وانصرني على من ظلمني، وأرني فيهم ثأري، وأقر بذلك عيني."
 الحب جوهر الدين ألا لا إيمان لمن لا محبة له، ولا أمانة لمن لا عهد له.

(( والله يا رسول أصبحت أحبك أكثر من أهلي وولدي والناس أجمعين إلا نفسي التي بين جنبي؟ قال : يا عمر لمَّا يكمل إيمانك، إلى أن جاءه مرةً ثانية فقال : والله يا رسول الله لأنت أحب إلي من أهلي وولدي ومالي والناس أجمعين حتى نفسي التي بين جنبي، قال : الآن يا عمر ))

[ البخاري عن عبد الله بن هشام ]

 والآية التي لا تغيب عنك أبداً:

﴿قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾

[سورة التوبة: 24]

 أي إذا كان شيء من هذه الأشياء التي ذُكرت، ابنك، أبوك، زوجتك، عشيرتك، أخوك، مسكنك الذي تسكنه، مالك الذي تتاجر به، تجارتك أحب إليك من الله ورسوله، أي عصيت الله من أجل هذه، آثرت مصلحتك من هذه الأشياء على طاعة الله عز وجل، فالطريق إلى الله ليس بسالك.

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، ودنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين. اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، اللهم لا تؤمنا مكرك، ولا تهتك عنا سترك، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين، اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى، إنك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018