الخطبة : 0598 - الأمل - التخيير و التكليف. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0598 - الأمل - التخيير و التكليف.


1997-01-03

الخطبة الأولى :

 الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنـا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً.
 وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته وإرغامـاً لمن جحد به وكفر.
 وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر أو سمعت أذن بخبر.
 اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين.
 اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرِنا الحــق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممــــن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

الأمل ثمرة من ثمرات الإيمان :

 الأمل مصدر كل انبعاث
أيها الأخوة الكرام، لا زلنا في سلسلة من الخطب، تتحدث عن ثمرات الإيمان في المؤمن، تحدثنا عن الإيمان وثمرة العزة، وعن الإيمان وثمرة الأمن، وعن الإيمان وثمرة السكينة، واليوم نتحدث عن الإيمان، وكيف أن الإيمان يفجر الأمل في النفس.
 أيها الأخوة الكرام، الأمل أحد مصادر الأمن والسكينة، وهو شعاع يضيء في الظلمات، وينير المعالم، ويوضح السبل، تنمو به شجرة الحياة، يرتفع به صرح العمران، يذوق به المرء طعم السعادة، يحسُّ به بهجة الحياة، إنه قوة دافعة، تشرح الصدر للعمل، تخلق دوافع الكفاح من أجل الواجب، تبحث النشاط في النفس والبدن، تدفع الكسول إلى الجد، والمجد إلى المداومة، تدفع المخفق إلى تكرار المحاولة، تحفز الناجح إلى مضاعفة الجد، إن الذي يدفع الزارع إلى الكدح والعرق أمله في الحياة، إن الذي يغري التاجر بالأسفار والمخاطر أمله في الربح، إن الذي يبعث الطالب إلى الجد أمله في النجاح، إن الذي يحفز الجندي إلى الاستبسال أمله في النصر، إن الذي يحبب الدواء المرَّ إلى المريض أمله في الشفاء، إن الذي يدفع المؤمن إلى أن يخالف هواه ويطيع ربه أمله في رضوانه وجنته، لولا الأمل لضاع العمل.

الأمل و اليأس و القنوط و العجب :

 فقدان الأمل سبب الانهيار
للأمل جانب آخر، ذمه القرآن الكريم، وذمته السنة النبوية، وله جانب إيجابي، إنني أتحدث عن الجانب الإيجابي للأمل.
 الأمل سرُّ الحياة، دافع نشاطها، مخفف ويلاتها، باعث البهجة والسرور فيها، وضد الأمل اليأس؛ وهو انطفاء جذوة الأمل في الصدر، وانقطاع خيط الرجاء في القلب، هو العقبة الكؤود، والمعوق القاهر الذي يحطم في النفس بواعث العمل، ويضعف في الجسد دواعي القوة.
 قال ابن مسعود رضي الله عنه: " الهلاك في اثنتين، القنوط والعجب ".
 والقنوط هو اليأس، والعجب هو الغرور، والإمام الغزالي رحمه الله تعالى، يشرح هذا القول- قول ابن مسعود-: إنما جمع بينهما - الغرور واليأس- لأن السعادة لا تنال إلا بالسعي والطلب، والجد والتشمير، والقانط لا يسعى ولا يطلب؛ لأن ما يطلبه يراه مستحيلاً، فالقانط لا يتحرك، ساكن، قابع في مكانه، لا يتطور، والمعجب المغرور يعتقد أنه قد سعى، وأنه ظفر بمراده، فلا يسعى، فالموجود لا يطلب والمستحيل لا يطلب.
 الهلاك في اثنتين، القنوط والعجب، القانط لا يتحرك، والمعجب لا يتحرك، لأن القانط يرى هدفه مستحيلاً فيجلس، والمغرور يرى أنه وصل إلى كل شيء فلا يتحرك.
 إذا يئس التلميذ من النجاح نفر من الكتاب والقلم، وضاق من المدرسة والبيت، ولا ينفعه درس خاص يتلقاه، ولا نصح يسدى إليه، ولا مكان هادئ يدرس فيه، إنه فقد الأمل، ولن يعاود الدراسة، إلا إذا أشرق في نفسه الأمل مرةً ثانية.
 المريض إذا يئس من الشفاء كره الدواء والطبيب، وكره العيادة والصيدلية، وضاق بالحياة والأحياء ذرعاً، ولم يعد يجديه علاج، إلا أن يعود الأمل إليه.
 إذا تغلب اليأس على إنسان اسودت الدنيا في وجهه، وأظلمت في عينيه، وأغلقت أمامه الأبواب، وتقطعت دونه الأسباب، وضاقت عليه الأرض بما رحبت.

التلازم بين اليأس و الكفر :

 الوجه السلبي للأمل
الحقيقة الثانية: أن هناك تلازماً ثابتاً بين اليأس وبين الكفر، إنك تجد الكافرين أيأس الناس، وإنك تجد اليائسين أكفر الناس، يقول الله عز وجل:

﴿ إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ ﴾

[ سورة يوسف : 87 ]

 ويقول أيضاً:

﴿ قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ ﴾

[ سورة الحجر: 56 ]

 وأظهر ما يتجلى هذا اليأس في الشدائد، قال تعالى:

﴿ وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ ﴾

[ سورة هود : 9]

﴿ إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ﴾

[ سورة هود: 11 ]

﴿ وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا ﴾

[ سورة الإسراء: 83 ]

 وفي آية أخرى:

﴿ لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ ﴾

[ سورة فصلت: 49 ]

 هناك تلازم حتمي بين الكفر وبين اليأس، إنك تجد اليائسين أكفر الناس، وإنك تجد الكفار أيأس الناس.
 ليس اليأس من لوازم الكفر فحسب، بل هو من لوازم الشك أيضاً، فكل من فقدَ اليقين الجازم بالله، وكماله، ووحدانيته، وألوهيته، ولقائه، وحكمته، وعدله، فقد حرم الأمل، حرم النظرة المتفائلة إلى الناس والكون والحياة، عاش ينظر إلى الدنيا بمنظار أسود، يرى الأرض غابة، والناس فيها وحوش، والعيش عبء لا يطاق، هذه نظرة اليائسين، هذه نظرة ضعاف الإيمان، هذه نظرة الشاردين.

تلازم الإيمان مع الأمل :

 الأمل مصدره الإيمان
الإيمان وحده هو الذي يلد الأمل في النفوس..
 الأمل له وجه سلبي، ووجه إيجابي، أتحدث اليوم عن الوجه الإيجابي فالوجه السلبي ذمه الله في القرآن الكريم، وفي سنة النبي عليه الصلاة والسلام.
 إن اليأس والكفر متلازمان، كذلك الإيمان والأمل متلازمان، المؤمن أوسع الناس أملاً، وأكثرهم تفاؤلاً واستبشاراً، وأبعدهم عن التشاؤم والتبرم والضجر، الإيمان ماذا يعني؟ يعني أن تعتقد بقوة عليا تدبر هذا الكون، لا يخفى عليها شيء، ولا يعجزها شيء، أن تعتقد بقوة غير متناهية، ورحمة واسعة، وكرم غير محدود، أن تعتقد بإله رحيم قدير يجيب المضطر إذا دعاه، ويكشف السوء، يمنح الجزيل، ويغفر الكثير، يقبل التوبة عن عباده، ويعفو عن السيئات، أن تعتقد بإله أرحم بعباده من الأم بولدها، وأبرَّ بخلقه من أنفسهم.
 الإيمان يعني أن تعتقد بإله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل.
 الإيمان يعني أن تعتقد بإله يفرح بتوبة عبده أشد من فرحة الضال إذا وجد، والغائب إذا وفد، والظمآن إذا ورد.
 الإيمان يعني أن تعتقد بإله يجزي الحسنة بعشرة أمثالها إلى سبعمئة ضعف أو يزيد، ويجزي السيئة بمثلها أو يعفو.
 الإيمان يعني أن تعتقد بإله، يدعو المعرض عنه من قريب، ويتلقى المقبل عليه من بعيد، يقول:

((أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ بِشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً))

[متفق عليه عن أبي هريرة]

 الإيمان يعني أن تعتقد بإله يداول الأيام بين الناس، فيبدل من بعد الخوف أمناً، ومن بعد الضعف قوة، ويجعل من كل ضيق فرجاً، ومن كل هم مخرجاً، ومع كل عسر يسراً.

اعتصام المؤمن بربه و الثقة بنصره :

 الأمل والمؤمن
المؤمن يعتصم بربه، البرُّ الرحيم، العزيز الكريم، الغفور الودود، ذي العرش المجيد، الفعال لما يريد، يعيش على أمل إيجابي لا حدّ له، ورجاء لا تنفصم عراه، إنه دائماً متفائل ينظر إلى الحياة بوجه ضاحك، ويستقبل أحداثها بثقة بالغة.
 إن حارب المؤمن كان واثقاً بالنصر؛ لأنه مع الله، فالله معه، ولأنه لله فالله له:

﴿ وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ * وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُون﴾

[سورة الصافات: 171-173]

 وإذا مرض المؤمن لم ينقطع أمله في العافية:

﴿ الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ﴾

[سورة الشعراء: 78-80]

 وإذا اقترف المؤمن ذنباً لم ييئس من المغفرة، مهما يكن ذنبه عظيماً، فإن عفو الله أعظم، قال تعالى:

﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾

[سورة الزمر: 53]

 وإذا أعسر المؤمن لم يزل يؤمل في اليسر:

﴿ فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ﴾

[سورة الشرح: 5-6]

 ولن يغلب عسر يسرين، ولو دخل العسر جحراً لتبعهم اليسر.

الله مع المؤمن في كل مكان و زمان :

 الوجه الإيجابي للأمل
وإذا انتابت المؤمن كارثة من كوارث الحياة، كان مع رجاء الله أن يأجره في مصيبته، وأن يخلفه خيراً منها، قال تعالى:

﴿ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ﴾

[سورة البقرة: 156-157]

 حتى إذا عادى المؤمن أو كره، كان قريباً إلى الصلة والسلام، راجياً في الصفاء والوئام، مؤمناً بأن الله يحول القلوب من حال إلى حال، قال تعالى:

﴿ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾

[سورة الممتحنة: 7]

 وإذا رأى المؤمن باطلاً يقوم في غفلة من الحق أيقن أن الباطل إلى زوال، وأن الحق إلى ظهور وانتصار:

﴿ بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ ﴾

[سورة الأنبياء: 18]

 المؤمن إذا أدركته الشيخوخة، ووهن العظم منه، واشتعل رأسه شيباً لا ينفك يرجو حياة أخرى فيها شباب بلا هرم، وفيها حياة بلا موت، وفيها سعادة بلا شقاء، قال تعالى:

﴿ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا ﴾

[سورة مريم: 61]

الإقبال على الله الملاذ في الشدة والأنس في الوحشة :

 الماديون، الشاردون، التائهون، الغافلون، العصاة، هؤلاء يقفون عند السنن المعتادة، والأسباب الظاهرة، لا يطمعون في شيء وراءها، أما المؤمنون فيتجاوزون ظواهر الأسباب، وينفذون إلى سرِّ الوجود، إلى الله خالق الأسباب والمسببات، الذي عنده من الأسباب الباطنة، والعناية اللطيفة الخفية، ما يخفى على إدراك عقول عباده، تتجه قلوب المؤمنين إليه، حين تذلهم الأزمات، وتستحكم بهم الحلقات.
 إنهم يجدون في الإقبال على الله الملاذ في الشدة، والأنس في الوحشة، والنصر في القلة، يتجه إليه المريض إذا استعصى مرضه على الأطباء، يتجه إليه المكروب يسأله الصبر والرضا، والخلف من كل فائت، والعوض من كل مفقود، يتجه إليه المظلوم آملاً يوماً قريباً ينتصر فيه من ظالمه، فليس بين دعوة المظلوم وبين الله حجاب، يتجه إليه المحروم من الأولاد، سائلاً ربه أن يرزقه ذريةً طيبة.
 هذا هو المعنى الإيجابي للأمل...الإيمان وحده، وألح على كلمة وحده، هو الذي يفجر الأمل في النفوس.

الإيمان وحده يفجر الأمل في النفوس و مثال ذلك :

1 ـ سيدنا إبراهيم :

 سيدنا إبراهيم أبو الأنبياء - عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام - طلب الولد من الله وهو شيخ كبير:

﴿ رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ ﴾

[ سورة الصافات: 100 ]

 فاستجاب الله له، فقال إبراهيم عليه السلام:

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ ﴾

[سورة إبراهيم: 39]

 أن تكون متقدماً في السن، شيخاً كبيراً، تطلب الولد، هو أمله بعطاء الله.

2 ـ سيدنا يعقوب :

 سيدنا يعقوب بعد أن غاب عنه ابنه يوسف- عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام- ماذا قال؟:

﴿ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ﴾

[سورة يوسف: 83]

﴿ قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾

[سورة يوسف: 86]

3 ـ سيدنا زكريا :

 سيدنا زكريا عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام:

﴿ ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا *إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا * قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا * وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آَلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا ﴾

[سورة مريم: 1-6]

﴿ هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ ﴾

[سورة آل عمران: 38]

 ماذا كانت النتيجة؟..

﴿ يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا ﴾

[سورة مريم: 7]

4 ـ سيدنا أيوب :

 سيدنا أيوب، قال تعالى:

﴿ وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآَتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ ﴾

[سورة الأنبياء: 83-84]

5 ـ سيدنا يونس :

 سيدنا يونس، كان في وضع من أندر الأوضاع، في ثلاث ظلمات؛ في ظلمة بطن الحوت، وفي ظلمة الليل، وفي ظلمة أعماق البحر:

﴿ وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾

[سورة الأنبياء: 87-88]

 وقلب الله عز وجل هذه القصة إلى قانون، فقال:

﴿ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾

[سورة الأنبياء: 88]

 في أي عصر، وفي أي زمان، وفي أي مكان، وفي أية حالة، وفي أية ملابسة:

﴿ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾

[سورة الأنبياء: 88]

6 ـ سيدنا موسى :

 سيدنا موسى- عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام- تبعه فرعون وما أدراكم ما فرعون، بجيشه، وقوته، وبطشه، وجبروته، وهو مع شرذمة من أصحابه المستضعفين، أمامهم البحر، ووراءهم فرعون، فقال أصحاب موسى:

﴿ فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴾

[سورة الشعراء: 61-62]

 أنجاه الله وأصحابه، وأغرق فرعون وأتباعه.

7 ـ نبينا محمد صلى الله عليه و سلم :

 نبينا عليه أتمّ الصلاة والسلام، وهو في الغار مع الصديق، قال الصديق: "يا رسول الله لو نظر أحدهم إلى موطئ قدمه لرآنا، قال: يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟ "
 تروي بعض الكتب، أنه قال له ثانيةً: يا رسول الله، لقد رأونا وقعت العين على العين، فقال عليه الصلاة والسلام: يا أبا بكر، ألم تقرأ قوله تعالى:

﴿ وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ ﴾

[سورة الأعراف: 198]

 في أثناء الهجرة، وضعت مئة ناقة، لمن يأتي بالنبي حياً أو ميتاً تبعه سراقة، غاصت قدما فرسه في الرمل، قال له البني عليه الصلاة والسلام - والقصة طويلة - كيف بك يا سراقة إذا لبست سواري كسرى..
 ماذا يعني هذا الكلام؟.. هو مُلاحق، وضعت مئة ناقة لمن يأتي به حياً أو ميتاً، أمله العظيم بأن يصل إلى المدينة، وأن ينشئ مجتمعاً إسلامياً، وأن يفتح البلاد، وأن تأتي كنوز كسرى، وقد وعد سراقة بن مالك، أن يلبس سواري كسرى..
 في عهد عمر، جاءت الكنوز، وقلبها عمر بقضيب بيده، وقال: إن الذي أدى هذا لأمناء، فقال له سيدنا علي كرم الله وجهه: يا أمير المؤمنين لقد عففت فعفوا، ولو وقعت لوقعوا..
 سأل عن سراقة.. جاء سراقة، ألبسه سواري كسرى، وتاج كسرى، وقميص كسرى، وقال رضي الله عنه: بخٍ بخٍ، أعرابي يلبس سواري كسرى..

ليس في هذا عجب:

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾

[سورة النور: 55]

 أما حينما خلف من بعدهم خلف، أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غياً..
 هذا هو الوجه الإيجابي للأمل، الأمل يفجره الإيمان، والإيمان وحده، ولولا الأمل لبطل العمل، وسوف أحدثكم بعد قليل في الخطبة الثانية عن الوجه الآخر.
 أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه يغفر لكم فيا فوز المستغفرين.

* * *

الخطبة الثانية :

 

 الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله صاحب الخلق العظيم.

التخيير أساس التكليف :

 لأن الإنسان هو المخلوق الأول، والمخلوق المكلف الذي حمل الأمانة، والأمانة تعني أن يزكي نفسه ليستحق جنة الله عز وجل، ولأن الله سبحانه وتعالى يقول:

﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ﴾

[سورة الشمس: 9-10]

 لأن الإنسان مُكلف حمل الأمانة، والأمانة تزكية نفسه، ولأنه جاء إلى الدنيا؛ ليستعد لجنة ربِّه في الآخرة، جعله الله مخيَّراً - دققوا في هذه الكلمة-: التخيير أساس التكليف، لولا التخيير لما كان التكليف، لولا التخيير لما كان تكليف، لولا التخيير لما كانت جنة ولا نار، لما كان هناك ثواب ولا عقاب.. " إن الله أمر عباده تخييراً، ونهاهم تحذيراً، وكلف يسيراً ولم يكلف عسيراً، وأعطى على القليل كثيراً، ولم يعص مغلوباً ولم يُطع مُكرهاً"، لأن الإنسان:

﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً ﴾

[ سورة الأحزاب: 72 ]

الإنسان هو المخلوق المكرم و المكلف :

 لأن الإنسان هو المخلوق المكرم:

﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً ﴾

[ سورة الإسراء: 70 ]

 ولأن الإنسان هو المخلوق المكلف:

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾

[ سورة الذاريات : 56]

 فطره الله فطرةً تتناسب مع تكليفه، ومع اختياره.

الخصائص النفسية لصالح التكليف :

1 ـ الضعف :

 من خصائص النفس التي تتوافق مع تكليفه، أنه خُلق ضعيفاً.. لماذا؟ خلق ضعيفاً ليفتقر في ضعفه، فيسعد بافتقاره، ولو خلقه الله قوياً لاستغنى بقوته، فشقي باستغنائه:

﴿ يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا ﴾

[سورة النساء: 28]

2 ـ الجزع :

 وخلق جزوعاً..

﴿ إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا ﴾

[سورة المعارج: 20]

 كثير الجزع، ما إن تلم به ملمة حتى يخاف أشد الخوف، فلعل هذا الخوف الشديد يدفعه إلى باب الله، يدفعه إلى الالتجاء إلى الله، الجزع لصالحه، والضعف لصالحه.

3 ـ الحرص :

 وخُلق منوعاً حريصاً على ما في يديه حتى إذا أنفقه ارتقى عند الله، هذا الجزع، وهذا الحرص، وذاك الضعف لمصلحة إيمانه.

4 ـ العجلة :

 وخُلق عجولاً، إن اختار الآخرة يرقى باختياره لأنه يحب الشيء العاجل، هو خالف طبعه واختار الآجل.
إذاً لأنه خُلق ضعيفاً، وجزوعاً، ومنوعاً، وعجولاً، هذه الخصائص النفسية لصالح التكليف..

الخصائص النفسية لصالح التخيير :

1 ـ الغيرة :

 أما الخصائص التي لصالح التخيير فالله سبحانه وتعالى أودع في الإنسان خصائص حيادية، يمكن أن ترقى به، أو أن تهوي به، هذه الخصائص سلم يرقى بها الإنسان، أو دركات يهوي بها، خلقه غيوراًً، إن اتجهت غيرته إلى الآخرة ارتقى:

﴿ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ﴾

[ سورة المطففين: 26 ]

﴿ لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ ﴾

[سورة الصافات: 61]

﴿ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴾

[سورة يونس 58]

﴿ سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴾

[سورة الحديد]

﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾

[سورة آل عمران]

 هذه غيرة، إن توجهت إلى أمور الآخرة كانت سبب الرقي السريع، أما إن توجهت إلى أمور الدنيا فكان الحسد البغيض.
 خاصة الغيرة حيادية، توظف في الخير كما توظف في الشر، تتوجه إلى الآخرة كما تتوجه إلى الدنيا.

2 ـ الأمل :

 خاصة أخرى: الأمل، إن تعلقت بالدنيا، وبيوتها، وقصورها، ونسائها، ومتعها، ومباهجها، فهذا هو الوجه السلبي للأمل، الأمل ذمَّه النبي عليه الصلاة والسلام، رسم مستطيلاً على الرمل، ورسم خطاً داخل المستطيل، وقد مدده حتى خرج عن حدود المستطيل، فقال عليه الصلاة والسلام: هذا الخط هو أجل الإنسان، وهذا هو أمله ". فالإنسان إذا جعل الأمل متعلقاً بالدنيا هلك، إنما أهلك الناس طول الأمل.. قال تعالى:

﴿ ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴾

[سورة الحجر]

 حينما تتأمل في الدنيا، تضع كل اهتمامك فيها، تجعلها مناط الرحال محط الرحال، غاية الآمال، فهذا هو الوجه السلبي للأمل، أما حينما تتأمل بعفو الله، ورحمته، وقدرته، وعدله، وبرِّه، وإحسانه، ولطفه، ومغفرته، فهذا هو الجانب الإيجابي للأمل.
 حينما تجعل موضوع الأمل متعلقاً بعطاء الله، ومغفرة الله، وتوفيق الله، وحفظ الله، هذا هو الجانب الإيجابي، أما حينما تجعل من الأمل موضوعاً في الدنيا، وزينتها، وزخرفها، ومباهجها، وبيوتها، ومركباتها، فهذا هو الأمل الذي يقطع عن الله.
 كما قلت قبل قليل ؛ في الإنسان خصائص لصالح إيمانه، خلقه ضعيفاً، وخلقه جزوعاً، وخلقه منوعاً، وخلقه عجولاً، هذه الخصائص الأربعة لصالح إيمانه، وأما الخصائص التي هي لصالح اختياره، جعل من خصائص النفس حيادية الجانب، إما أن توظف في الخير، أو في الشر، سلم ترقى به، أو دركات تهوي بها..
 فيا أيها الأخوة المؤمنون: ما أردت من هذه الخطبة - الجانب الإيجابي في الأمل- إلا أن تضع ثقتك بالله، إن أردت أن تكون أقوى الناس فتوكل على الله، وإن أردت أن تكون أغنى الناس فكن بما في يدي الله أوثق منك بما في يديك، وإن أردت أن تكون أكرم الناس فاتق الله.

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، لك  الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك.
 اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، ودنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين.
 اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك.
 اللهم لا تؤمنا مكرك، ولا تهتك عنا سترك، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين.
 اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى، إنك على ما تشاء قدير وبالإجابة جدير.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018