الخطبة : 0587 - الإلهام. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0587 - الإلهام.


1996-10-04

الخطبة الأولى :

 الحمد لله نحمده ، ونستعين به ونسترشده ، ونعوذ به من شرور أنفسنـا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً .
 وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته وإرغامـاً لمن جحد به وكفر .
 وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر ، ما اتصلت عين بنظر أو سمعت أذن بخبر .
 اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين .
 اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرِنا الحــق حقاً وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممــــن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

الإلهام :

 أيها الأخوة الكرام ، تحدث عن الرؤى ، وبينت لكم من خلال القرآن والسنة أن الرؤيا الصادقة جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة ، وأنه لم يبق من النبوة إلا المبشرات ، قيل: يا رسول الله وما المبشرات ؟ قال : الرؤيا الصادقة ، يراها الرجل الصالح أو ترى له .
 وأكدت لكم من خلال نصوص كثيرة أنه لا يمكن أن يُعتمد على الرؤيا في حكم شرعي ، ولا في تقييم ، ولا في تصحيح حديث ، إنما هي إعلام مباشر من الله عز وجل لا يمكن أن تُتخذ حجة يُستأنس بها .
 بعض الأخوة الكرام تمنى علي أن أتحدث في موضوع لا يقل أهمية عن موضوع الرؤى ، ألا وهو الإلهام ، وهل يُعد الإلهام حجة في الشرع ؟ .. هل يُعد الإلهام حجة يُعمل به ؟
 أيها الأخوة الكرام ، كلمة الإلهام وردت في القرآن الكريمة مرةً واحدة ، في قوله تعالى:

﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا*فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا*قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا*وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾

[ سورة الشمس الآيات :7-10]

 العلماء يقولون : أي أن النفس بفطرتها تعرف طريق تقواها أو طريق فجورها، أو أن النفس إذا اتقت أو إذا فجرت تعلم أنها تتقي أو تفجر ، هذه الآية تُعد أصلاً في موضوع الفطرة.
 العلماء قالوا : الإلهام هو إلقاء ما يُفرق به بين الضلال والهدى ، ما يلقى في الروع بطريق الفيض ، إلقاء أمر في النفس يبعث على الفعل أو الترك .

وحي الجماد أمر و وحي الحيوان غريزة و وحي الإنسان إلهام :

 كلكم يعلم ـ أيها الأخوة ـ أن الوحي إلى الجماد أمر ، قال تعالى :

﴿ إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا * يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا * يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ * فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ﴾

[سورة الزلزلة: 1-8]

 بأن ربك أوحى لها : أي أمرها ..
 أما قوله تعالى :

﴿ وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾

[سورة النحل : 68-69]

 إلهام الحيوان هو الغريزة ، قال تعالى :

﴿ قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى * قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ﴾

[ سورة طه: 49-50]

 أما الوحي إلى الإنسان فهو الإلهام ، قال تعالى :

﴿ وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴾

[سورة القصص: 7]

 أما الوحي إلى الأنبياء فهو وحي الرسالة ، عن طريق سيدنا جبريل.
 وحي الجماد أمر ، ووحي الحيوان غريزة ، ووحي الإنسان إلهام ووحي ، الرسول ملك يلقي عليه كتاب من عند الله .
 إذاً الإلهام هنا بمعنى أن الإنسان قد يتلقى من الله سبحانه وتعالى توجيهاً بطريق خفي .

 

الفرق بين الإلهام و الإيهام :

 مشكلة الإلهام أنه يختلط بالإيهام ، والإيهام نظير الجهل ، قال بعض علماء الأصول : إن الإلهام ليس بحجة ، سواء في باب المعارف والاعتقادات ، أو في باب الأعمال والتعبدات ..
 يذكر النسفي في عقائدة أن أسباب العلم للخلق ثلاثة ؛ الحواس السليمة ، والعقل ، والخبر الصادق ، ومن الخبر الصادق حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤيد بالمعجزات، ثم قال : والإلهام ليس من أسباب المعرفة عند أهل الحق ، وأما الأعمال والعبادات فالإلهام لا يجوز العمل به ، إلا عند فقد الحجج كلها ؛ لا كتاب ، ولا سنة ، ولا إجماع ، ولا قياس ، ولا استحسان ، ولا سد ذرائع ، حينما لا نجد أي نص ، ولا أي دليل ، قال : يُعمل بالإلهام في المباحات فقط لا في الواجبات ، ولا في المكروهات، ولا في المحرمات ، ولا في المستحبات ، في المباحات فقط .

الإلهام أثر من آثار الإيمان العميق والعبادة الخالصة :

 أيها الأخوة الكرام ، العلماء الربانيون الذين أثنى الله عليهم جمعوا بين نور العقل ونور القلب ، وجمعوا بين نور العلم ونور الإيمان ، وجمعوا بين نور الفطرة ونور النبوة ، واهتدوا بصحيح المنقول وصريح المعقول ، ووفقوا بين النصوص الجزئية والمقاصد الكلية ، وردُّوا الفروع إلى الأصول والمتشابهات إلى المحكمات .. العلماء الربانيون متوازنون وسطيون ، هم لا ينكرون أن يقذف الله في قلب عبدٍ من عباده نوراً يكشف له بعض المستورات والحقائق ، ويهديه إلى الصواب في بعض المضايق والمواقف ، بدون اكتساب ولا استدلال ، بل هبة من الله تعالى، وإلهام منه ، إن هذا الإلهام أثر من آثار الإيمان العميق ، والعبادة الخالصة ، والمجاهدة الجهيدة..
 لا ينكر العلماء الربانيون هذا الإلهام ؛ لأن الله سبحانه وتعالى يقول:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴾

[ سورة الأنفال: 29]

﴿ أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾

[ سورة الحديد: 28 ]

 العلماء الربانيون لا ينكرون أن يقذف الله في قلب المؤمن نوراً يكشف له الحق والباطل ، والخير والشر ، والصواب والخطأ ، وما صح وما لا يصح ، وما ينبغي وما لا ينبغي.
 ولا نزاع أيضاً في أن الإيمان والعبادة والتقوى ومجاهدة النفس لها أثرها في تنوير العقول ، وهداية القلوب ، والتوفيق إلى إصابة الحق في الأقوال ، والسداد في الأعمال ، والخروج من مضايق الاشتباه إلى الوضوح ، ومن اضطراب الشك إلى ثبات اليقين.
 ولا نزاع أيضاً في أن الله يكشف لبعض المتقين من عباده حقائق العلم ، وأنوار المعرفة ، في فهم كتاب الله وسنة نبيه ، بمحض الفيض الإلهي ، والفتح الرباني ، ما يلهث كثيرون ليحصلوا عليه بالمذاكرة والتحصيل ، يقول سيدنا عمر رضي الله عنه : " اقتربوا من أفواه المطيعين ، واسمعوا منهم ما يقولون ، فإنهم تنجلي لهم أمور صادقة ".

 

ضبط الإلهام :

 ولكن إذا كان علم المنطق يضبط حركة العقل ، وعلم أصول الفقه يضبط الاستدلال، هذا الإلهام كيف نضبطه ؟ .. هل يُترك الإلهام فوضى فيبقى بابه مفتوحاً لمن هب ودب ؟ ولمن تخيل واختال ؟ ولمن لا يميز بين إلهام الملك ونفس الشيطان ؟ أو لمن ادعى الوصول ولم يرع الأصول ؟ أو لكل دجال يشتري الدنيا بالدين ويتبع غير سبيل المؤمنين ؟
 علم المنطق ضبط حركة العقل ، وعلم أصول الفقه ضبط الاستدلال ، أما أن يبقى الإلهام مفتوحاً بابه ، بلا ضوابط ، وبلا قيود فعندئذ يختلط الحق بالباطل ، ويضيع أمر الدين ..
 الإلهام لا يُعتد به ، ولا نعبأ به ، ولا نأخذ به إذا خرم قاعدة شرعية ، أو حكماً شرعياً ، هو ليس حقاً بذاته ، هو إما خيال ، أو وهم ، أو إلقاء من شيطان ، إذا عارض ما هو ثابت في التشريع ، الذي هو عام ، وليس خاصاً .
 ولا ينخرم بالإلهام أصل التشريع ، ولا ينكسر اطراده ، ولا يُستثنى من الدخول تحت حكمه أحد ، إن كان الإلهام موافقاً لقواعد الشرع وأصول الدين نأخذ به في المباحات ، أما إذا خالف قاعدة شرعية ، أو خرم حكماً فقهياً ، أو كسر اطراد قاعدة ، فعندئذ لا نعبأ به ، ولا نأخذ به ، شأنه شأن الرؤيا التي تخالف نصاً تشريعياً ، بل إن الإنسان لو - افتراضاً - رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأمره بترك حلال ، أو أخذ حرام تُردُّ الرؤيا عليه ، ويثبت الشرع ..
 ديننا العظيم له ضوابط ، لم ننكر أن الله سبحانه وتعالى يقذف في قلب عبده المؤمن نوراً يفرق به بين الحق والباطل ، يعطيه فراسةً ، يعطيه حاسةً سادسة يعرف بها الحق ، هذا ورد به نصوص ، ولكن كما أن للعقل ضابطاً هو المنطق ، كما أن لأحكام الفقه ضابطاً هو علم الأصول ، كذلك للإلهام ألف ضابط وضابط ، كل حكم شرعي ، كل قاعدة شرعية ، هي ضابط للإلهام .

أدلة على أن الإلهام لا يمكن أن يُعمل به ولا يُؤخذ منه حكم شرعي :

 الأدلة على أن الإلهام لا يمكن أن يُعمل به ، كما أنه لا يُمكن أن يُؤخذ منه حكم شرعي ، لأن الله سبحانه وتعالى يقول :

﴿ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾

[ سورة النمل : 64]

 البرهان .. الدليل .. إذا كنت مدعياً فالدليل ، إذا كنت ناقلاً فالصحة ، لولا الدليل لقال من شاء ما شاء ..

﴿ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آَلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾

[ سورة الأنعام : 143]

﴿ سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ ﴾

[ سورة الأنعام :148 ]

 من الحقائق الثابتة أن الإلهام يكون من الله ، ويكون من الشيطان ، ويكون من النفس ، وكل شيء احتمل ألا يكون حقاً لم يُوصف بأنه حق .
 يمكن أن يكون الإلهام من الملك ، أو من الشيطان ، أو من النفس ، ما دام الإلهام قد احتمل ألا يكون حقاً فليس بحق .. هذا أول دليل .
 يقول عليه الصلاة والسلام ، فيما رواه النسائي وابن حبان في الجامع الصغير:

((إن للملك لمة بقلب ابن آدم ، وللشيطان لمة ، فكيف يستطيع غير المعصوم أن يميز بين لمة الملك ولمة الشيطان ؟))

 هذا دليل آخر على أنه لا يُؤخذ بالإلهام ..
 مما يبطل حجة الإلهام أنه معارض بالمثل ، فإذا احتج زيد بإلهامه جاء عمر ، واحتج بإلهام مناقض له ، بطلت حجية الإلهام ..
 الإلهام ـ أيها الأخوة ـ متلبس بالهواجس والوساوس ، فإذا وجب ردُّ الحديث إذا خالف نص القرآن الكريم ، فردُّ الإلهام إذا خالف الأصول من باب أولى ، ولأن الله سبحانه وتعالى يقول :

﴿ وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ﴾

[سورة الإسراء: 36]

 لابد من علم ، لابد من دليل ..
 وإن الإجماع - إجماع الأمة التي لا تجتمع على خطأ كما قال عليه الصلاة والسلام، فأمته معصومة بمجموعها ، وهو وحده معصوم - على عدم جواز اتباع رسول الله إلا بعد ظهور المعجزة لأنه لو اتبعت من ادعى النبوة دون أن ترى المعجزة لضاع الدين ، فإذا كان النبي لا يحق لك أن تتبعه إلا بعد أن تظهر معجزاته لانقطع الطريق على المتنبئ ، فاتباع المتنبئ كفر .

 

العلم الصحيح يؤخذ من الشريعة :

 فيا أيها الأخوة الكرام هذا الإسلام العظيم الذي هو كالطود الشامخ من أسباب عظمته أنه مضبوط ، أنه منهجي ، لا يسمح للزيغ أن يتسرب إليه ، لا يسمح للضلالات أن تنحدر إليه ، لا يسمح للأهواء أن تمزقه .
 إن الأنبياء لم يورِّثوا ديناراً ولا درهماً ، وإنما ورَّثوا أممهم العلم ، وأن طلب العلم فريضة على كل مسلم ، والعلم المفروض طلبه هو علم النبوة ، الذي يُعرف به الله سبحانه وتعالى ، ويُعرف الطريق إليه ، ويعرف ما يحب وما يكره ، ولا طريق إلى ذلك إلا معرفة الشريعة التي جاء بها النبي عليه الصلاة والسلام ، وبها يعرف المرء المسلم دينه ، ويصحح عقيدته ، وعبادته ، ويضبط سلوكه .
 فالعلم بشرع الله تعالى كما نزل به وحيه إلى النبي عليه الصلاة والسلام في كتابه وسنته ، هو الدليل المعصوم الذي لا يخطئ ولا ينسى ، طلب العلم فريضة على كل مسلم ، الإلهام يُستأنس به ، الإلهام عطاء استثنائي ، الإلهام تنوير للقلب ، أما العلم الصحيح فيُؤخذ من الشريعة ؛ هو تركة الأنبياء ، وتراثهم ، وأهله عصبتهم و ورّاثهم ، هو حياة القلوب ، ونور البصائر ، وشفاء الصدور ، ورياض العقول ، ولذة الأرواح ، وأنس المستوحشين ، ودليل المتحيرين ، وهو الميزان الذي تُوزن به الأقوال والأعمال والأحوال ، وهو الحاكم المفرق بين الشك واليقين ، والغي والرشاد ، والهدى والضلال ، به يُعرف الله ، وبه يُعبد ، ويذكر ويوحد ، ويحمد ويمجد ، وبه اهتدى إليه السالكون ، ومن طريقه وصل إليه الواصلون ، ومن بابه دخل عليه القاصدون ، به تُعرف الشرائع والأحكام ، ويتميز الحلال والحرام ، به تُوصل الأرحام ، وبه تُعرف مراضي الحبيب ، وبمعرفتها ومتابعتها يُتوصل إلى قربه العظيم ، هو إمام ، العلم بالشرع إمام ، والعمل مأموم ، وهو قائد والعمل تابع ، وهو الصاحب في الغربة ، والمحدث في الخلوة، والأنيس في الوحشة ، والكاشف عن الشبهة ، هو الغنى الذي لا فقر على من ظفر بكنزه ، والكنف الذي لا ضيعة على من آوى إلى حرزه ، مذاكرته تسبيح ، والبحث عنه جهاد ، وطلبه قربة ، وبذله صدقة ، ومدارسته تعدل الصيام والقيام ، والحاجة إليه أعظم من الحاجة إلى الطعام والشراب ..

((إنما العلم بالتعلم ... ))

[البخاري و الطبراني عن معاوية ]

 الإمام أحمد ابن حنبل رحمه الله تعالى قال : " الناس إلى العلم أحوج منهم إلى الطعام والشراب ، لأن الرجل يحتاج إلى الطعام والشراب في اليوم مرةً أو مرتين ، وحاجته إلى العلم بعدد أنفاسه ".
 والإمام الشافعي رحمه الله تعالى يقول :" طلب العلم أفضل من صلاة النافلة " .. أي إذا دخلت إلى مسجد وقد أديت صلاة الفريضة ورأيت مجلس علم ، اجلس في مجلس العلم فهو أفضل من صلاة النافلة .
 وابن وهب قال : كنت بين يدي الإمام مالك إمام دار الهجرة فوضعت ألواحي وقمت أصلي ، فقال الإمام مالك : ما الذي قمت إليه بأفضل من الذي قمت عنه ؟ أي تابع طلب العلم..
 واستشهد اللهُ عز وجل ، بأهل العلم على أجلِّ شهادة ، وهي التوحيد قال :

﴿ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾

[ سورة آل عمران: 18 ]

 روى البيهقي في سننه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم :

((يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ، ينفون عنه تحريف الغالين ، وانتحال المبطلين ، وتأويل الجاهلين))

[البيهقي عن ابن عباس ٍ]

 مهمة العلماء الصادقين ، مهمة العلماء الربانيين ، مهمة المجددين أن ينفوا عن الدين تحريف الغالين - الذين وقعوا في الغلو ، يا أيها الذين آمنوا لا تغلوا في دينكم.. لا تجعلوا من بعض الفروع أصولاً - وانتحال المبطلين ، وتأويل الجاهلين ، مشكلة المسلمين مشكلة جاهل يتأول النصوص على مزاجه وهواه ، مشكلة مبطل يكذب على الله ورسوله ، مشكلة مغالٍ يضخم الأمور فيخرجها عن الحد المعقول ، مهمة العلماء الربانيين الصادقين أن ينفوا عن الدين تحريف الغالين ، وانتحال المبطلين ، وتأويل الجاهلين ..

 

فضل العلم الشرعي :

 العلم الشرعي حجة الله في أرضه ، نوره بين عباده ، وقائدهم ودليلهم إلى جنته ، ومدنيهم من كرامته ، ويكفي في شرفه أن فضل أهله - أهل العلم - على العبَّاد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب والنجوم ، وأن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم ، وأن العالم يستغفر له من في السموات ومن في الأرض ، حتى الحيتان في البحار، وحتى النمل في جحورها ، وأن الله وملائكته يصلون على معلمي الناس الخير ..
 الإمام الجنيد - إمام كبير في التصوف - يقول : " الطرق كلها مسدودة على الخلق إلا على من اقتفى أثر النبي عليه الصلاة والسلام "..
 الإمام الجنيد يقول : " علمنا مقيد في الكتاب والسنة "..
 أبو حفص يقول : " من لم يزن أفعاله ، وأقواله ، وأحواله في كل وقت بالكتاب والسنة ، ومن لم يتهم خواطره ، فلا يُعد في ديوان الرجال "..
 أبو سليمان الداراني يقول : " ربما وقع في قلبي إلهام ، فلا أقبله إلا بشاهدين من الكتاب والسنة ".
 أبو يزيد يقول : " لو نظرتم إلى رجل أعطي من الكرامات إلى أن ارتفع في الهواء ، فلا تغترُّوا به ، حتى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر والنهي ؟ "..
 هذا هو ديننا ؛ دين منهج ، دين علم ، دين دليل ، دين أثر ، دين صحة في النقل، دين صواب في العقل ، لا دين إلهام ، ولا دين كرامة ، ولا دين منام ، هذه لا ننكرها ، ولكن نستأنس بها ، أما أن تخرم قاعدة شرعية ، أما أن تعطل حكماً فقهياً ، أما أن تزيل أمراً نبوياً ، فعندئذ لا نعتد بها ، ولا نلتفت إليها ، لأن قوام هذا الدين هو هذا العلم..
 المشكلة أن المسلم يجب أن يصحح عقيدته ، يجب أن يصحح تصوراته ، يجب أن يراجع حساباته ، يجب أن يتعلم منهج التلقي ، ما الذي يصح عندي وما الذي لا يصح ؟ متى أقبل هذا القول ومتى لا أقبله ؟ إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم:

((.. ابن عمر دينك دينك ، إنه لحمك ودمك ، خذ عن الذين استقاموا ، ولا تأخذوا عن الذين مالوا ..))

[ كنز العمال عن ابن عمر ]

حقيقة الإلهام :

 أيها الأخوة الكرام ، مع أن الرؤيا الصادقة جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة ، ومع أن الرؤيا الصادقة نستأنس بها ، وهي إعلام من الله خفي لهذا الإنسان لا يحق له أن يتاجر بها ، ولا أن يتحدى بها أحداً ، ولا أن ينقلها للناس ، لأن الرؤيا الصادقة ليست بحجة في الشرع ، وكذلك الإلهام الذي يتخذه أناس مصدراً تشريعياً ، ويتحركون من خلاله ، ولا يعبؤون بأوامر الله ونواهيه ، هذا ضلال وأي ضلال ..
 هذه حقيقة الإلهام ، لا يستطيع أحد منصف متوازن أن ينكره ولكن الإلهام يبقى في حدود الشرع ، وفيما هو صواب ، ومقياسه الوحيد الكتاب والسنة ..
 أيها الأخوة الكرام ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وصلوا ما بينكم وبين ربكم تسعدوا ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، وسيتخطى غيرنا إلينا ، فلنتخذ حذرنا، الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني ، والحمد لله رب العالمين .

* * *

الخطبة الثانية :

 

 الحمد لله رب العالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله وليّ الصالحين ، وأشهد أنّ سيّدنا محمَّدًا عبدهُ ورسوله صاحب الخلق العظيم ، اللهمّ صلّ وسلِّم وبارك على سيّدنا محمَّد ، وعلى آله وصَحبِهِ أجمعين .

الخمر و مضاره :

 أيها الأخوة الكرام ، من فضل الله علينا نحن المسلمين أن هذا الدين القويم من عند إله عظيم ، وأن الله سبحانه وتعالى يعلم كل شيء ، وأنه الحكيم الخبير ، وأنه الذي خلقنا ، والذي أوجدنا ، والذي رسم لنا منهج حياتنا ، وأنه حرم علينا الخمر ، فالعالم الإسلامي في معظم أبنائه لا يشربون الخمر ، لكن في بلاد أخرى شاع فيها شرب الخمر ، هذه البلاد تعاني من ويلات لا يعلمها إلا الله ، أخ كريم نقل إليّ تحقيقاً عن موضوع الكحول في بلد غربي عريق بالحضارة ، يقول هذا التحقيق : إن ثمانية آلاف شخص يموتون بتشمع الكبد في هذا البلد كل عام ، وأن أربعين إلي خمسين بالمئة من حوادث الطرق في فرنسا بسبب تناول الكحول ، وأن أمراض العصاب ، والاكتئاب ، والانتحار ، والجنون ، وحوادث الشغب ، هذه كلها تصدر عن مدمني الكحول ، لأنهم يبحثون عن الخلاص بلا هدف .
 وأن الكحول ـ كما تقول هذه الدراسة ـ يمنع تثبيث فيتامين ب بأنواعه ، وخصوصاً ب 12، فيحصل عوز كبير عندهم ، مما يسبب لهم الهذيان ، والارتعاش ، والسرطان .
 وأن الكلية تطرح فقط من تسعة إلى عشرة من الكحول المتواجد في الدم ، والباقي يستقلبه الكبد ومع الزمن يفقد الكبد قدرته على الاستقلاب .
 ومن أمراض الكحول سوء الامتصاص ، واحتقان المري ، والتهاب المعثكلة ، والقصور الكلوي ، ونوبات الصرع والجنون ، ويؤثر أيضاً على عضلات العين .
 ربنا عز وجل حرم علينا الخمر ..
 في بلد غربي بعيد ، هناك قانون صدر حُرم فيه تناول الكحول ، وهناك دراسة طريفة أن أربعمئة إنسان تمّ إعدامهم ، وأن مئات الألوف أدخلوا السجن ، وأن ألوف المطبوعات طُبعت لتحذر الناس من الكحول ، وأن شرب الكحول صار يزداد بشكل مخيف ، إلى أن أطلق في النهاية ، أي حينما يحرم الإله شيئاً شيء ، وحينما يأتي الإنسان ويحرم شيئاً شيء آخر ، فلذلك من نعم الله التي لا تُحصى على المسلمين أننا بعيدون عن تناول هذه المشروبات ، التي سماها المضلون مشروبات روحية ، قيم روحية ومشروبات روحية ، هكذا .. كما يسمون النفاق لباقة ، والتفلت حضارة ، وكذلك هذه المشروبات التي تذهب العقل سموها مشروبات روحية ..
 أيها الأخوة الكرام ، الحق أحق أن يتبع ، أما نحن كمؤمنين لمجرد أن الله سبحانه وتعالى حرم علينا هذا الشراب فانتهى الأمر ، نحن لا نحتاج إلى تعليلات تزيدنا إيماناً ، تزيدنا إيماناً على إيماننا ، هذه التعليلات تقوي اعتقادنا بصواب ديننا ، وبأحقية منهجنا ، هذه التعليلات هي أدلة سلبية على أحقية ديننا ، انظروا إلى من خالف هذا الدين أين مصيره ؟ ..

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك ، إنه لا يذل من واليت ، ولا يعز من عاديت ، تباركت ربنا وتعاليت ، ولك الحمد على ما قضيت ، نستغفرك ونتوب إليك ، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك ، اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ، ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين .
 اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، ودنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير ، واجعل الموت راحة لنا من كل شر ، مولانا رب العالمين .
 اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك .
 اللهم لا تؤمنا مكرك ، ولا تهتك عنا سترك ، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين .
 اللهم استر عوراتنا ، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً ، وسائر بلاد المسلمين .
 اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك ، ومن الفقر إلا إليك ، ومن الذل إلا لك، نعوذ بك من عضال الداء ، ومن شماتة الأعداء ، ومن السلب بعد العطاء .
 اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب ، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب .
 اللهم صن وجوهنا باليسار ، ولا تبذلها بالإقتار ، فنسأل شر خلقك ، ونبتلى بحمد من أعطى وذم من منع ، وأنت من فوقهم ولي العطاء ، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء .
 اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين.
 اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام ، وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018