الخطبة : 0597 - الإيمان ينبوع الحب. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0597 - الإيمان ينبوع الحب.


1996-12-27

الخطبة الأولى:
 الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنـا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته وإرغامـاً لمن جحد به وكفر. وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر أو سمعت أذن بخبر. اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين. اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرِنا الحــق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممــــن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

الإيمان يفجّر في النّفس الإنسانيّة ينابيع الحب :

 أيها الأخوة الكرام: متابعة لموضوع ثمار الإيمان في النفس، تحدثت من قبل عن أن من ثمرات الإيمان الإحساس بالكرامة الإنسانية، وأن من ثمرات الإيمان السعادة الحقيقية، وأن من ثمرات الإيمان الشعور بالأمن الذي هو من أثمن المشاعر الإنسانية، وأن من ثمرات الإيمان الثبات على الشدائد، واليوم الإيمان يفجر في النفس الإنسانية ينابيع الحب، يقول عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح:

(( والذي نفسي بيده لن تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولن تؤمنوا حتى تحابوا..))

[مسلم عن أبي هريرة]

 النبي عليه الصلاة والسلام علَّق دخول الجنة على الإيمان، وعلَّق الإيمان على المحبَّة.
 الحب أيها الأخوة روح الوجود، وقوت القلوب، وصمام الأمان لبني الإنسان، لو ساد الحب ما احتاج الناس إلى العدل.. الحب يحول المرَّ حلواً، والتراب تبراً، والكدر صفاءً، والألم شفاءً، والسجن روضة، والسقم نعمة، والقهر رحمة، هو الذي يلين الحديد، ويذيب الجليد، ويبعث الميت، وينفخ فيه الحياة. الحب هو الجناح الذي يطير به الإنسان في الأجواء ويصل به إلى السماء. الحب هو الذي ينقل الإنسان من الثرى إلى الثريا.. يا رب إذا أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك. وازن أحد العلماء بين جوانب النشاط البشري فقال: ماذا تعطينا الحكمة غير المنطق الجاف؟ وماذا يعطينا الحذر غير الخوف الدائم؟ وماذا يعطينا العمل غير العرق المتصبب و الحقد المتأجج؟
 والمال ماذا يعطينا غير الخوف والحذر والعرق والعقد؟ لكن الحب هو جوهر الحياة الذي يعطينا الأمن والأمان والاستقرار والسلام. نحب كل شيء، نحب كل إنسان، نحب المنع كما نحب العطاء، المنع يوقظ فينا القوة على المقاومة، فتتوهج النفس، وتتحفز، والعطاء نسيم يلطف حرَّ المعركة، نحب الوجود كله بدايته ونهايته، لكن الذي يستطيع أن يحب هذا الحب الكبير صنف واحد من بني البشر، إنه الصنف الذي خالطت قلبه بشاشة الإيمان، الإيمان وحده ينبوع الحب المصفى الخالد، المؤمن وحده يحب كل شيء، يحب حتى مكروه القضاء، يحب الوجود كله بدايته ونهايته، يحب الموت كما يحب الحياة. أصل كل هذا الحب محبة الله عز وجل. المؤمن نفذ إلى سرَّ الوجود، الكافر بقي في النعمة، لكن المؤمن وصل إلى المنعم، الكافر بقي في الحكمة، لكن المؤمن وصل إلى الحكيم، الكافر بقي في العطاء، لكن المؤمن وصل إلى المعطي، المؤمن نفذ إلى سر الوجود، فأحب الله واهب الوجود، وواهب الحياة، ومصدر الإمداد والإنعام.
 نعم ثلاث نتقلب بها، نعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد، ونعمة الهدى والرشاد.

 

الله عزّ وجل مصدر كلّ جمال :

 الإنسان مجبول على حب الجمال، وحب الكمال، وحب النوال؛ لأن الله جل جلاله مصدر كل جمال، كل ما في الكون من جمال مسحة من جمال الله عز وجل، فهؤلاء الذين عرفوا الله وأقبلوا عليه ذابت نفوسهم من محبته.
 لو يعلم الملوك ما نحن عليه لقاتلونا عليها بالسيوف..

فلو شاهدت عيناك من حسننـــــا  الذي رأوه لما وليت عنا لغيرنــــــــا
ولو سمعت أذناك حسن خطابنــا  خلعت عنك ثياب العجب و جئتنا
و لو ذقت من طعم المحبــــــــــــــة  عذرت الذي أضحى قتيــــلاً بحبنـا
ولو نسمت من قربنا لك نـسمـــة  تركت جميع الكائنــــــــــــات لأجلنـــا
***

 أيها الأخوة الكرام: يحب الإنسان ربه لأنه مصدر الجمال، فكل ما في الكون يشهد بجمال الله، وإبداعه، وإتقان صنعته، قال تعالى:

﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقاً مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ ﴾

[سورة الملك: 3]

﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ ﴾

[سورة النمل: 88]

﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ ﴾

[سورة السجدة: 7]

 ألا ترى إلى الورود ؟.. ألا ترى إلى البساتين ؟.. ألا ترى إلى الغابات ؟..
 هذا كله من جمال الله عز وجل، والإنسان أحب الله لأنه مصدر الكمال، إن مكارم الأخلاق مخزونة عند الله تعالى، فإذا أحبّ الله عبداً منحه خلقاً حسناً.. لا كمال إلا كمال الله، ما نرى من الكمال البشري النسبي ما هو إلا ذرة مستمدة ومفتقرة إلى كمال الله عز وجل، وأحب الإنسان الإحسان وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟ يا داود ذكر عبادي بإحساني إليهم، فإن النفوس جُبلت على حبّ من أحسن إليها، وبغض من أساء إليها، وأي إحسان كإحسان الله لنا؟ منحنا نعمة الوجود، منحنا نعمة الجوارح والأعضاء، منحنا أهلاً وأولاداً وزوجة، منحنا كوناً فسيحاً وجمالاً رائعاً. ما من إحسان إلا منسوب إلى الله عز وجل.

 

المؤمن أحبّ الله لأنه مصدر الجمال و الكمال و الإحسان :

 أيها الأخوة الكرام: شيء آخر في هذا الموضوع: الله عز وجل سخّر لنا الكون كله قال تعالى:

﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾

[سورة البقرة: 29]

﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ ﴾

[سورة لقمان: 20]

 المؤمن أحبّ الله لكل هذا، أحبه لأنه مصدر الجمال، وأحبه لأنه منبع الكمال، وأحبه لأنه أصل كل إحسان.. حقيقة المؤمن يحب الله عز وجل حباً يفوق حبه لأبويه، يفوق حبه لأولاده، يفوق حبه لنفسه..
 قال: والله يا رسول الله لأنت أحب إلي من أهلي وولدي ومالي والناس أجمعين، إلا نفسي التي بين جنبي، قال: كلا يا عمر لما يكمل إيمانك، إلى أن قال: والله يا رسول الله لأنت أحبّ إليّ من نفسي ومالي وأهلي وولدي والناس أجمعين، فقال عليه الصلاة والسلام: الآن يا عمر..
 أيها الأخوة الكرام: المؤمن أحب الله من كل قلبه، وأحب كل ما يجيء من قبل الله، وأحب ما يحبه الله، أحب كتابه الذي أنزله على نبيه، أحب أنبياءه ورسله، أحب النبي الكريم عليه أتمّ الصلاة والتسليم، أحب كل إنسان من أهل الخير والصلاح، أحب الذين يحبهم الله عز وجل، في الدعاء الشريف: " اللهم ارزقني حبك، وحب من يحبك، وحب كل من ينفعني حبه عندك، وحب كل عمل صالح يبلغني حبك" .
 هذا العداء للطبيعة الذي نجده في الفلسفات الغربية، يقول: غزونا الفضاء، وقهرنا الطبيعة، وسخرنا الطبيعة، هذا كلام لا معنى له، المؤمن أحب الذي خلقه الله، أحب الطبيعة والوجود كله ؛ لأنه أثر من آثار الله:

﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى * وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى * فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾

[سورة الأعلى: 1-5]

﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ﴾

[سورة القمر: 49]

﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ ﴾

[سورة الرحمن: 5]

﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ ﴾

[سورة الحجر: 21]

 الطبيعة أيها الأخوة ليست كما هي في الفلسفات الغربية عدواً للإنسان، ولكنها مسخرة لخدمته، ولكي تساعده على القيام بمهمته في خلافته في الأرض، وكل ما في الكون ألسنة صدق تمجد الله وتسبحه بلغة قد لا نفهمها، قال تعالى:

﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً﴾

[سورة الإسراء: 44]

 أيكون هذا الإنسان المخلوق الأول الذي سُخرت له السموات والأرض غافلاً وهي تسبح؟ أيكون المسخر له غافلاً والكون يسبح؟

 

الكون كتاب مفتوح يقرؤه كل إنسان :

 أيها الأخوة الكرام: الكون كتاب مفتوح يقرؤه كل إنسان قارئاً كان أو أمياً، الكون قرآن صامت، والقرآن كون ناطق، والنبي عليه الصلاة والسلام قرآن يمشي، الكون أيها الأخوة ينطق بوجود الله، وينطق بكماله، وينطق بوحدانيته، لقد أفرغ الله على هذا الكون وحدة وانسجاماً جعلته في أرضه وسمائه، وحيوانه ونباته، كأجزاء الجسد الواحد تعاوناً واتساقاً وائتلافاً.
 يدرس الطبيب في أمريكا، ويصنع الدواء في أستراليا، ويصفه الطبيب في آسيا، ويشفي مريضاً في إفريقيا، كيف نفسر هذا ؟.. نفسر هذا بالوحدة البينية بين بني البشر، يتعلم الطبيب بالتشريح أن هذا العصب بعد هذا الوريد، وأن هذا الوريد بعد هذا الشريان، في أي مكان في العالم بنية واحدة تدل على خالق واحد، وتنوع عجيب يدل على وسعة لا نهاية لها، حتى قال بعض العارفين: والله يا رب لو تشابهت ورقتا زيتون لما سُميت الواسع..
 بالمناسبة أيها الأخوة في الإنسان صفة منحها الله إياها، صفة الفردية، فقزحية العين لا تشبه قزحية أخرى في الكون، ونبرة الصوت، ورائحة الجلد، وتركيب الدم، والزمرة النسيجية، وبصمة الإصبع، هذه كلها هويات للإنسان.

﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ﴾

[سورة يس: 40]

 في الفلسفات الوضعية، في الأديان القديمة، الظلام عدو الإنسان، الإنسان يكره الظلام، لكن الله سبحانه وتعالى يبين في القرآن الكريم أن الظلام نعمة من نعم الله، قال تعالى:

﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ * وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾

[سورة القصص: 71-73]

﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاساً * وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشاً ﴾

[سورة النبأ: 10-11]

﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاساً وَالنَّوْمَ سُبَاتاً وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُوراً ﴾

[سورة الفرقان: 47]

﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾

[سورة البقرة: 164]

محبة المؤمن لكلّ شيء خلقه الله :

 أيها الأخوة الكرام: من الآثار التي وردت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه مرَّ عليه الصلاة والسلام بجبل أحد، وفي أحد لم يحقق المسلمون النصر الذي أرادوه، فبدلاً من أن يتشاءم أصحاب النبي من هذا الجبل قال عليه الصلاة والسلام: " أحد جبل يحبنا ونحبه ".
 أي النبي عليه الصلاة والسلام أحب الجبل الذي لم يحرز فيه النصر، كان يقول عليه الصلاة السلام: " أعرف حجراً بمكة كان يسلم عليّ وأسلم عليه".
 شفافية النبي بلغت حداً لا يُتصور، كان يخطب على جذع نخلة فلما صنع له أصحابه منبراً حنت إليه النخلة، فكان عليه الصلاة والسلام يقف على المنبر ويضع يده عليها تكريماً لها..
 دخل بستان أنصاري، فرأى جملاً، فلما رآه الجمل حن، ذرفت عيناه، قال: من صاحب هذا الجمل؟ جاؤوا بفتى من الأنصار قالوا: هذا صاحبه، قال: ألا تتق الله بهذه البهيمة التي ملكك الله إياها فإنه شكا إليّ أنك تجيعه وتدئبه.. المؤمن يحب كل شيء خلقه الله عز وجل.

 

نعمة الوجود من أعظم النعم :

 هناك من يسخط على الحياة، هناك من يلعن الساعة التي وجد فيها، هذا من آثار البعد عن الله، هذا الشاعر الذي قال: هذا ما جناه علي أبيّ وما جنيت على أحد.. لم يصب الحقيقة، نعمة الوجود نعمة عظمى، سئل عليه الصلاة والسلام:

(( يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ خَيْرُ النَّاسِ ؟ قَالَ : مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ ))

[ الترمذي عن عبد الله بن بُسر]

 كما قال عليه الصلاة والسلام:

((لا يتمنى أحدكم الموت ولا يدعو به من قبل أن يأتيه إنه إذا مات أحدكم انقطع عمله عنه وإنه لا يزيد المؤمن عمره إلا خيراً))

[ مسلم عن أبي هريرة]

 لا يتمنى أحدكم الموت، هذا ليس من كمال الإيمان، وفي حديث آخر يقول عليه الصلاة والسلام:

(( لَنْ يُدْخِلَ أَحَدًا عَمَلُهُ الْجَنَّةَ قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: لَا، وَلَا أَنَا إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِفَضْلٍ وَرَحْمَةٍ فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَلَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ إِمَّا مُحْسِنًا فَلَعَلَّهُ أَنْ يَزْدَادَ خَيْرًا وَإِمَّا مُسِيئًا فَلَعَلَّهُ أَنْ يَسْتَعْتِبَ ))

[ متفق عليه عن أبي هريرة]

 أي الزمن في صالح الفريقين، وكان عليه الصلاة والسلام من أدعيته الشريفة:

(( لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ مِنْ ضُرٍّ أَصَابَهُ، فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ فَاعِلًا فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي ))

[ متفق عليه عن أنس ]

الموت عرس المؤمن :

 بل إن الذي يخافه الناس جميعاً من دون استثناء هو الموت، إلا أن الإنسان المؤمن يتميز بهذا، قال تعالى:

﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً * إِلَّا الْمُصَلِّينَ ﴾

[سورة المعارج: 19-22]

 المؤمن لا يحب الحياة حبّ الحريص على متاعها الأدنى، حب المتهافت على لذائذها، حباً يخيفه من الموت ويلصقه بتراب الأرض، بل أحبّ المؤمن الحياة لأنه يزداد بها عملاً صالحاً، أحب الحياة لأن ثروته من العمل الصالح قد تزيد، وأحب الموت لأنه يعجل له لقائه مع الله عز وجل، في الحديث الصحيح المتفق عليه، عن عبادة بْنِ الصَّامِتِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ قَالَتْ.. ))

[ متفق عليه عن عبادة بن الصامت]

 وحينما خيّر النبي عليه الصلاة والسلام بين أن يبقى في الدنيا وبين أن يكون مع الرفيق الأعلى قال: بل الرفيق الأعلى.
 وحينما أصاب علي بن أبي طالب ضربة عبد الرحمن بن أبي ملجم قال سيدنا علي حين أدرك أنه قتل: فزت ورب الكعبة.. وحينما سئل خبيب بن عدي قبيل أن يقتل، وقبيل أن يصلب سأله أحد الكفار: أتحب أن تكون في أهلك وولدك ويكون محمد مكانك؟ قال: والله ما أحب أن أكون في أهلي وولدي وعندي عافية الدنيا ونعيمها ويصاب رسول الله بشوكة.. فلما اقتيد ليصلب صلى ركعتين لله عز وجل وقال هذين البيتين:

ولســــــــــــــــــت أبالي حين أقتل مسلماً  على أي جنب كان في الله مصرعـــــــــــي
وذلك في ذات الإله وإن يشأ  يبارك على أوصال شلو ممــزع
***

 سيدنا خالد قال: خضت مئة معركة أو زهاءها، وما في بدني موضع إلا وفيه ضربة سيف، أو طعنة رمح، وهأنذا أموت على فراشي كما يموت البعير، فلا نامت أعين الجبناء.
 أحد قواد المسلمين خاطب قائد الطرف الآخر، قال: جئتك بقوم يحبون الموت كما تحبون الحياة.. لأن المؤمن إذا أدركته المنية كالغائب رُدّ إلى أهله، الموت كما قال عليه الصلاة والسلام:

(( تحفة المؤمن الموت ))

[الطبراني وأبو نعيم والحاكم والبيهقي عن ابن عمر]

 عرس المؤمن، من كان عمله صالحاً، ومن ابتغى الله في كل شيء كان الموت أحبّ إليه من كل شيء، على عكس أهل الدنيا، إن مظاهر الموت تملأ قلبهم خوفاً..

 

محبة المؤمن لكلّ الناس :

 أيها الأخوة الكرام: ومن فروع محبة الله عز وجل أن المؤمن يحب كل الناس؛ لأنه يشترك معهم في رحم واحدة، ونسب واحد، وهدف واحد، وعدو مشترك.. أما النسب فقد قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ﴾

[سورة النساء: 1]

 كلكم لآدم وآدم من تراب ، وأما الهدف فقد قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ﴾

[سورة لقمان: 33]

 وأما العدو المشترك فقد قال تعالى:

﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴾

[سورة فاطر: 6]

 رحم واحدة، ونسب واحد، وهدف واحد، وعدو مشترك، لذلك يحب الإنسان المؤمن كل الناس.
 عقيدة المسلم أيها الأخوة وقيمه لا تسمح ولا ترضى بنزعات عنصرية، ولا نعرات جنسية، هذا ما نسمعه في الأخبار عن التطهير العرقي في البلاد التي غابت عن منهج الله، وغفلت عن حقيقة التوحيد، هذا ليس في الدين من شيء.. اختلاف اللغات والألسنة دليل قدرة الله عز وجل، وليس أداة تفريق بين الشعوب أو الأمم، قال تعالى:

﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ ﴾

[سورة الروم: 22]

 في الحديث الصحيح:

(( اللهم ربنا ورب كل شيء ومليكه، أنا شهيد أنك وحدك لا شريك لك، الله ربنا ورب كل شيء ومليكه، أنا شهيد أن محمداً عبدك ورسولك، اللهم ربنا ورب كل شيء ومليكه، أنا أشهد أن العباد كلهم أخوة ))

[أحمد عن زيد بن أرقم رضي الله عنه]

أوسع دائرة تجمع الإنسان بأخيه هي دائرة الإنسانيّة :

 وفي بعض إرشادات حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنما المؤمنون أخوة" أن أوسع دائرة تجمعك مع أخيك هي دائرة الإنسانية، فلذلك المؤمن انطلاقاً من حبه لله عز وجل يحب الخلق كلهم، يستنبط من هذا كله أن المؤمن سليم الصدر، لا يحقد ولا يحسد، بل يحب ويؤثر:

﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾

[سورة الحشر : 10]

 الحاسد جاحد؛ لأنه لم يرض بقضاء الله الواحد. المؤمن لا يمكن أن يفرح بمصيبة تنزل بغيره، ولا يحزن لنعمة يسوقها الله إلى أحد من خلقه، قال تعالى:

﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾

[سورة آل عمران:120]

 هذه من علامات المنافقين، المؤمن لا يمكن أن يفرح بمصيبة تنزل بغيره، ولا بنعمة يسوقها الله إلى أحد من عباده، لذلك كان عليه الصلاة والسلام يدعو ويقول:

((عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ غَنَّامٍ الْبَيَاضِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ اللَّهُمَّ مَا أَصْبَحَ بِي مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنْكَ وَحْدَكَ لَا شَرِيكَ لَكَ فَلَكَ الْحَمْدُ وَلَكَ الشُّكْرُ فَقَدْ أَدَّى شُكْرَ يَوْمِهِ، وَمَنْ قَالَ مِثْلَ ذَلِكَ حِينَ يُمْسِي فَقَدْ أَدَّى شُكْرَ لَيْلَتِهِ ))

[أبو داود عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ غَنَّامٍ الْبَيَاضِيِّ]

 كما أن المؤمن لا يمكن على أن يحسد على الدنيا؛ لأنها فانية من عرفها لم يفرح لرخاء، ولم يحزن لشقاء..

 

المؤمن يحب المؤمن و يؤثره على نفسه :

 وعن عبد اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَسُلِّطَ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْحِكْمَةَ فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا ))

[متفق عليه عن عبد اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ]

 وقد قال الله عز وجل:

﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ * تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ * يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ * خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ﴾

[سورة المطففين: 22-26]

﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴾

[سورة الحديد: 21]

﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ ﴾

[سورة الصافات: 61]

﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴾

[سورة يونس : 58]

 وفضلاً عن أنه يحب فإنه يؤثر، قال تعالى:

﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾

[سورة الحشر: 9]

 ولذلك وصف الله المؤمنين وصف الحب الذي بينهم، قال:

﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ * وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾

[سورة الأنفال: 63]

 أيها الأخوة الكرام: إذا لم نكن هكذا فلسنا مؤمنين.

 

على كلّ إنسان أن يصلح علاقته مع إخوانه :

 عود على بدء:

(( فو الذي نفس محمد بيده لن تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولن تؤمنوا حتى تحابوا ))

[مسلم عن أبي هريرة]

 ليفحص كل منا علاقته بإخوانه، لذلك قال الله عز وجل:

﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾

[سورة الأنفال: 1-2]

 أصلح علاقتك مع الله، ثم أصلح علاقتك مع من حولك، ثم أصلح أية علاقة بين اثنين، أصلح علاقتك مع الله أولاً، وأصلح علاقتك مع الخلق ثانياً، ثم أصلح العلاقات بين الناس حتى يرضى الله عنك.
 أيها الأخوة الكرام: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وتخطى غيرنا إلينا فلنتخذ حذرنا، الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني، والحمد لله رب العالمين.

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

تميّز الإنسان عن بقية المخلوقات بالعقل و الحكمة :

 أيها الأخوة الكرام: الإنسان له خصائص، خصائص يتميز بها، وخصائص يشترك فيها مع بقية الخلق، الإنسان لا يحق له أن يفتخر بما يتفوق به، إن افتخر بوزنه فهناك بعض المخلوقات تزن بالأطنان، وإن افتخر بشمه فالكلاب قوة شمها مليون ضعف من الإنسان، وإن افتخر ببصره فالصقور ترى ثمانية أضعاف الإنسان، وإن افتخر بعدوه فهناك من تزيد سرعته عن مئة وخمسة وعشرين كيلو متر في الساعة من الطيور، أية صفة افتخر بها في المخلوقات من يفوقه في الصفة، لكن الإنسان ميزه الله بالعلم، ميزه بالحكمة، ميزه بالقوة الإدراكية، ميزه بأنه خليفته في الأرض، كلفه بإعمار الأرض، كلفه بتزكية نفسه، فالإنسان إذا اشتغل بما انفرد به خير له من أن يشتغل بما يتفوق عنه بقية المخلوقات في كل شيء.
 وقعت تحت يدي مقالة اليوم، أن فرنسا قبل خمس وثلاثين سنة أقامت في صحراء الجزائر الغربية تفجيراً نووياً، وهذا التفجير النووي لهيب حارق أو ضغط ماحق، لا يبقي شيئاً.. لا يبقي نباتاً ولا حيواناً ولا إنساناً، فُجّرت قنبلة نووية قبل خمسة وثلاثين عاماً في صحراء الجزائر، ثم فوجئ بعد نهاية الانفجار، وسكون الأرض، وشكل هذا الانفجار حفرة كبيرةً جداً، وشكل كرة من النار تعلو مساحات شاسعة، وجدوا عقرباً يمشي في أرض الانفجار..
 عكف علماء الحيوانات ربع قرن على دراسة هذا الحيوان، فوجدوا أن العقرب يستطيع أن يبقى بلا طعام ولا شراب ثلاث سنوات متتالية، ووجدوا أن العقرب يستطيع أن يكتم أنفاسه تحت الماء لمدة يومين كاملين، ووجدوا أنه إذا وضع في الثلاجة ثم نقل إلى رمل الصحراء المحرقة بدرجة ستين يتكيف مع هذا التبدل الطارئ..
 ثم وضع في حمام من الجراثيم الفظيعة فلم يتأثر بها إطلاقاً وكأنه في حمام بارد، ثم عرضوه تحت أشعة نووية تزيد ثلاثمئة ضعف عما يتحمله الإنسان فتحملها، شرحوه، ليس فيه دم بل مصل أصفر، ماذا يعلمنا هذا؟ يعلمنا أن الإنسان سريع العطب، سبع وثلاثون درجة، لا يحتمل الأربعين، ولا يحتمل الصفر، الإنسان أراد الله أن يكون حساساً، كان من الممكن أن يكون الإنسان كهذا المخلوق فلا يتأثر بشيء، ولا يمرض، ولكن المرض نافذة إلى السماء تفتح على الإنسان، مخلوق صغير لا أحد يهتم له بل نقتله إن رأيناه، يتمتع بهذه الحصانة، في بؤرة الانفجار النووي لم يتأثر وبقي يمشي، معنى ذلك أن في المرض حكمة تغيب عنا أحياناً، كان من الممكن والله على كل شيء قدير أن نتمتع بهذه الحصانة، لا مرض، ولا مستشفيات، ولا ضغط مرتفع، ولا قلب، ولا رئتين، ولا أورام، ولا شيء من هذا القبيل، قالوا: إنه بحسب الكشوفات مضى على هذا العقرب خمسمئة مليون سنة، حيوان صغير لا نعبأ به.
أيها الأخوة الكرام: يجب أن نعلم أن قدرة الله تتعلق بكل ممكن، ولكن شاءت حكمة الله أن يكون الإنسان هكذا، أن يكون سريع العطب ليلتفت إلى الله عز وجل، أتحب يا محمد أن تكون نبياً ملكاً أم نبياً عبداً؟ قال: بل نبياً عبداً؛ أشبع يوماً فأشكره وأجوع يوماً فأذكره.. كم من إنسان التفت إلى الله على أثر مرض؟! كم من إنسان أقبل على الله على أثر مرض؟! فهذا الذي يقع هو حكمة مطلقة، كل شيء وقع أراده الله، وحكمة الله متعلقة بالخير المطلق..

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك. اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك، ومن اليقين ما تهون علينا مصائب الدنيا، ومتعنا اللهم بأسماعنا، وأبصارنا، وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا من لا يخافك، ولا يرحمنا، مولانا رب العالمين. اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، ودنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين. اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك. اللهم لا تؤمنا مكرك، ولا تهتك عنا سترك، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين. اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا، وآمنا في أوطاننا، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً، وسائر بلاد المسلمين. اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك، ومن الفقر إلا إليك، ومن الذل إلا لك، نعوذ بك من عضال الداء، ومن شماتة الأعداء، ومن السلب بعد العطاء.
 اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب. اللهم صن وجوهنا باليسار، ولا تبذلها بالإقتار، فنسأل شر خلقك ونبتلى بحمد من أعطى وذم من منع، وأنت من فوقهم ولي العطاء، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء.
 اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين.
 اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام، وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى، إنك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018