الخطبة : 0596 - الثبات على الشدائد - دعوة إلى تيسير الزواج . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0596 - الثبات على الشدائد - دعوة إلى تيسير الزواج .


1996-12-20

الخطبة الاولى :

الحمد لله نحمده ، ونستعين به ونسترشده ، ونعوذ به من شرور أنفسنـا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده ولا شريك له ، إقراراً بربوبيته وإرغامـاً لمن جحد به وكفر ، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله ، سيد الخلق والبشر ، ما اتصلت عين بنظر أو سمعت أذن بخبر ، اللهم صل ، وسلم ، وبارك على سيدنا محمد وعلى آله ، وأصحابه ، وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علمنا ، وأرِنا الحــق حقاً ، وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلاً ، وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

الثبات على الشدائد :

الإيمان يفجر ينابيع السعادة في الإنسان
أيها الإخوة الكرام ؛ متابعةً لخطبة الإسراء والمعراج ، وكيف أن الإسراء والمعراج رد إلهي تكريمي على نجاح باهر في امتحان صعب ، ومتابعة أيضاً لموضوع ثمار الإيمان وكيف أن الإيمان يفجر في الإنسان ينابيع السعادة ، من هذه الينابيع ؛ ينبوع الأمل ، ينبوع الأمن ، ينبوع الرضا ينبوع الحب ، ينبوع السكينة ..
موضوع الخطبة اليوم :
الثبات على الشدائد ؛ من خصائص المؤمن ، ومن ثمرات الإيمان ، ومن الموقف الذي يريح المؤمن أنه يثبت على الشدائد ، لعل من أبرز ما قاله عليه الصلاة والسلام في هذا الموضوع ، قوله في الحديث الصحيح ، فعَنْ صُهَيْبٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

((عَجِبْتُ لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ ، إِنَّ أَمْرَ الْمُؤْمِنِ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ ، لَيْسَ ذَلِكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ وَكَانَ خَيْرًا ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ وَكَانَ خَيْرًا ))

[أخرجه مسلم وأحمد والدرامي]

أيها الإخوة الكرام ؛ مرةً ثانية ؛ الإيمان له ثمار يانعة ، وله قطوف دانية ، الإيمان يفجر في نفس المؤمن الأمل ، ولولا الأمل ضاع العمل .

1- الأمن , قال تعالى :

﴿ وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾

[سورة الأنعام الآية : 81 - 82]

2- الرضا ، قال تعالى :

﴿ وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾

[سورة التوبة الآية : 100]

3- الحب :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾

[سورة المائدة الآية : 54]

4- السكينة :

﴿ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً ﴾

[سورة الفتح الآية : 4]

المحن والمصائب :

المصائب محك الرجال
أيها الإخوة الكرام ؛ حقيقة ثابتة لا ريب فيها ، طبيعة الحياة ، وهكذا شاء الله لها أن تكون ، طبيعة الحياة ، وطبيعة البشر ، تجعلان من المستحيل أن يخلو المرء من المحن والمصائب ؛ لأن المصائب محكُّ الرجال ؛ ولأن المصائب أسلوب تربوي لترقية النفس من حال إلى حال ، إنَّ الشدائد التي تحل بساحة المرء كثيرة جداً ، كم يخفق له عمل ، وكم يخيب له أمل ، وكم يموت له حبيب ، وكم يمرض له بدن ، وكم يفقد من ماله الذي جناه بعرقه وتعبه ، هذه نماذج من المحن التي تصيب الإنسان في الحياة الدنيا .
الله جل جلاله على لسان مبعوث العناية الإلهية ، والذي لا ينطق عن الهوى ، يقول عليه الصلاة والسلام ، ودققوا في هذه الخطبة التي أذكرها على المنبر آلاف المرات :

 

(( يا أيها الناس إن هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء ، ودار ترح لا دار فرح ، فمن عرفها لم يفرح لرخاء ، ولم يحزن لشدة ، ألا وإن الله تعالى خلق الدنيا دار بلوى ، والآخرة دار عقبى ، فجعل بلوى الدنيا لثواب الآخرة ، وثواب الآخرة من بلوى الدنيا عوضا ، فيأخذ ويبتلي ليجزي ، فاحذروا حلاوة رضاعها لمرارة فطامها ، واحذروا لذيذ عاجلها لكربة آجلها ، ولا تسعوا في عمران دار قد قضى الله خرابها ، ولا تواصلوها ، وقد أراد منكم اجتنابها فتكونوا لسخطه متعرضين ، ولعقوبته مستحقين))

[أخرجه الديلمي عن عمر]

معالجة المصيبة :

أيها الإخوة الكرام ؛ ندعو كثيراً بدعاء سيد الأنام ، ويغيب عنا أن نقف على مدلولات كلماته ، فعن ابن عُمَرَ قَالَ قَلَّمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُومُ مِنْ مَجْلِسٍ حَتَّى يَدْعُوَ بِهَؤُلَاءِ الدَّعَوَاتِ لِأَصْحَابِهِ :

((اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ مَا يَحُولُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعَاصِيكَ ، وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ ، وَمِنَ الْيَقِينِ مَا تُهَوِّنُ بِهِ عَلَيْنَا مُصِيبَاتِ الدُّنْيَا ، وَمَتِّعْنَا بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا وَقُوَّتِنَا مَا أَحْيَيْتَنَا ، وَاجْعَلْهُ الْوَارِثَ مِنَّا ، وَاجْعَلْ ثَأْرَنَا عَلَى مَنْ ظَلَمَنَا ، وَانْصُرْنَا عَلَى مَنْ عَادَانَا ، وَلَا تَجْعَلْ مُصِيبَتَنَا فِي دِينِنَا ، وَلَا تَجْعَلِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا ، وَلَا مَبْلَغَ عِلْمِنَا ، وَلَا تُسَلِّطْ عَلَيْنَا مَنْ لَا يَرْحَمُنَا))

[انفرد به الترمذي وقال حسن غريب]

((وَمِنَ الْيَقِينِ مَا تُهَوِّنُ بِهِ عَلَيْنَا مُصِيبَاتِ الدُّنْيَا))

هنا موطن الشاهد ، لمَ لم يقل عليه الصلاة والسلام ما تلغي به مصائب الدنيا ، قال ما تهون به عليها مصائب الدنيا .. لابد من محن لابد من مصائب لابد من متاعب ، هذه المتاعب أيها الإخوة ـلها هدفان كبيران :
1- إما أن تكون تأديباً وتربية وعلاجاً .
2- وإما أن تكون امتحاناً وترقية .
قال تعالى :

﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ﴾

[سورة آل عمران الآية : 142]

﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ﴾

[سورة العنكبوت الآية : 2 - 3]

مراحلٌ ثلاث يمر بهما المؤمن في حياته :

أيها الإخوة الكرام ؛ لعل من المناسب أن نقول إنَّ في حياة المؤمن مراحل ثلاث :
1- مرحلة يؤدب فيها من عيوبه ، من أدران نفسه ، من تقصيره .
2- مرحلة يُبتلى فيها .
3- مرحلة يُكرَّم فيها .
فهو بين تأديب وابتلاء وتكريم ، هذه المراحل الثلاث إما أن تكون متداخلة ، وإما أن تكون متمايزة ، لابد من مرحلة يؤدب على تقصير ، يؤدب على مخالفة ، يؤدب على كلمة تفوه بها لا ترضي الله ، يؤدب على درهم كسبه من غير وجه مشروع ، يؤدب على نظرة أطلقها لا تحل له ، ولابد من امتحان آخر تُجلى حقيقته لنفسه وللناس قال تعالى :

﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ﴾

[سورة آل عمران الآية : 142]

ثم لابد من تكريم ، قال تعالى :

﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ﴾

[سورة الرحمن الآية : 46]

الامتحان والترقية هما ثمن الجنة :

الباطل يعادي الحق في كل الأزمان
أيها الإخوة الكرام ؛ إذا كانت هذه سُنَّة الحياة عامة ، وفي الناس كافة ، فإن أصحاب الرسالات خاصة أشدُّ تعرضاً لنكبات الدُّنيا وويلاتها ، لماذا ؟ إنَّهم يدعون إلى الله ، فيحاربهم دعاة الطاغوت ، ينادون بالحق فيقاومهم أنصار الباطل ، يهدون إلى الخير فيعاديهم أنصار الشر ، يأمرون بالمعروف فيخاصمهم أهل المنكر ، هكذا طبيعة الحياة ، وهذه سنة الله في خلقه ، بهذا يحيا الأنبياء ، والدعاة الصادقون في دوامة من المحن ، وسلسلة من المؤامرات والفتن ، سنة الله في خلقه ، خلق آدم ومعه إبليس ، وخلق إبراهيم ومعه النمرود ، وخلق موسى وخلق فرعون ، وخلق محمداً صلى الله عليه وسلم وخلَق من حوله ؛ أبو جهل وأبو لهب ، هؤلاء الذين قاوموا دعوته ، وتآمروا على قتله وأخرجوه من مكة، ونكَّلوا بأصحابه ، وفعلوا كل شيء من أجل إطفاء دعوته هذه سنَّة الله في خلقه ، اقرؤوا إن شئتم قوله تعالى :

﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ﴾

[سورة الأنعام الآية : 112]

﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً ﴾

[سورة الفرقان الآية : 31]

المحن تظهر صلابة المؤمن وهي ثمن الجنة
أليس الله قادراً أن يخلق محمداً وأحبابه ، محمداً وأصحابه في قارَّة وأن يخلق أعداءه في قارة ثانية ، وأن يكون بينهما حاجز متين ، هذا من قدرة الله عز و جل ، ولكن كيف يدفع الأنبياء الكرام والصحابة الأجلاء ثمن الجنَّة ، كيف يُمتحنون ، كيف يرقون عند الله ، عن أبي هُرَيْرَةَ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

((مَنْ خَافَ أَدْلَجَ ، وَمَنْ أَدْلَجَ بَلَغَ الْمَنْزِلَ ، أَلَا إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ غَالِيَةٌ ، أَلَا إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ الْجَنَّةُ))

[انفرد به الترمذي]

أيها الإخوة الكرام ؛ لولا هذه المحن لما دفع مؤمن ثمن الجنَّة ، ولولا هذه المحن لما ظهر صدق المؤمن ، من يمتحن مركبة في طريق نازلة ، من ؟ لا تُتمحن إلّا في طريق صاعدة .
هذا شأن الأنبياء والمرسلين ، وهذا شأن ورثتهم ، والسائرين على دربهم ، والداعين بدعوتهم.
عن مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قُلْتُ :

((يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءً ؟ قَالَ : الْأَنْبِيَاءُ ، ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ ، فَيُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ ، فَإِنْ كَانَ دِينُهُ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلَاؤُهُ ، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ ، فَمَا يَبْرَحُ الْبَلَاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ مَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ))

[أخرجه الترمذي وقال هذا حديث حسن صحيح وابن ماجة وأحمد والدارمي]

الكافر وبعده عن الله :

أيها الإخوة الكرام ؛ أثبت الاستقراء ، وأثبتت المشاهدات ، أن أشد الناس جزعاً وأسرعهم انهياراً أمام شدائد الحياة هم الكفار ، والمرتابون وضعاف الإيمان ، والدليل قول الله عز وجل :

﴿ وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ ﴾

[سورة هود الآية : 9]

﴿ لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ ﴾

[سورة فصلت الآية : 49]

﴿ وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوساً ﴾

[سورة الإسراء الآية : 83]

﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ﴾

[سورة الحج الآية : 11]

هؤلاء الذين ما عرفوا الله ، هؤلاء الذين شردوا عنه ، هؤلاء الذين كانوا في حجاب عنه ، هؤلاء الذين أبقوا أنفسهم جاهلين ، هؤلاء لا يؤمنون بقدر فيرضون به ، يقول عليه الصلاة والسلام :

((الإيمان بالقدر يذهب الهم والحزن))

((الإيمان بالقدر نظام التوحيد))

عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

((لِكُلِّ شَيْءٍ حَقِيقَةٌ ، وَمَا بَلَغَ عَبْدٌ حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ ، وَمَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ))

[انفرد به أحمد]

إنَّهم لا يؤمنون بقدر فيرضوا به ، ولا بإله حكيم قدير فيطمئنوا إلى حكمته في خلقه ، ولا بأنبياء فيجدوا في حياتهم القاسية قدوةً وعبرةً ولا بحياة أخرى فتهب عليهم نسماتها منعشةً للنفس ، طاردةً للكآبة باعثة للأمل .

الفرق بين زيف الدنيا ونعيم الآخرة :

لا شك أيها الإخوة ؛ أننا نجد الانتحار أكثر ما يكون في البيئات التي ضعف فيها الإيمان ، أو فُقد فيها الإيمان ، فإن لم يكن انتحار فهو الألم القاتل ، والجزع الهالك ، والكآبة الحزينة ، والحياة التي خلت من أي معنى للحياة .
أما المؤمنون ، وموضوع الخطبة الثبات على الشدائد ..
أما المؤمنون فهم أصبر الناس على البلاء ، وأثبتهم في الشدائد وأرضاهم نفساً في الملمَّات ، لماذا ؟
1- لأنَّهم عرفوا قصر الحياة الدنيا بالنسبة إلى الدار الآخرة ، فلم يطمعوا أن تكون دنياهم جنَّة قبل جنَّة ربِّهم .. الدنيا جيفة طُلَّابها كلابها .. الدنيا دار من لا دار له ، ولها يسعى من لا عقل له .. إن أسعد الناس في الدنيا أرغبهم عنها ، وأشقاهم فيها أرغبهم فيها .
من أخذ من الدنيا فوق ما يكفيه أخذ من حتفه وهو لا يشعر .
أوحى ربك إلى الدنيا أنَّه من خدمني فاخدميه ، ومن خدمك فاستخدميه .
والدنيا تغرُّ وتضرُّ وتمر ..
عرفوا قصر الحياة الدنيا بالنسبة إلى دار الخلود ، إلى دار السلام إلى الدار الأبدية..
لم يطمعوا أن تكون دنياهم جنَّة قبل جنَّة ربِّهم ، أصغوا إلى قول الله عز وجل :

﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً ﴾

[سورة النساء الآية : 77]

ربنا ينصحنا :

﴿ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً ﴾

[سورة النساء الآية : 77]

﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾

[سورة آل عمران الآية : 185]

﴿ وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾

[سورة القصص الآية : 60]

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ ﴾

[سورة التوبة الآية : 38]

هذا أول سبب يحملهم على الثبات على الشدائد .

 

2- عرفوا سنن أنبيائهم ورسلهم ، عرفوا أنَّهم أشدُّ الناس بلاءً في الحياة الدنيا ، وأقل الناس استمتاعاً بزخرفها .
دخل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيته عدي بن حاتم يقول عدي : ألقى إليَّ وسادة من أدم محشوةً ليفاً قال اجلس عليها ، قلت بل أنت ، قال بل أنت ، فجلست عليها وجلس هو على الأرض ..
ليس في بيته كله إلا وسادة واحدة ، كان عليه الصلاة والسلام إذا أراد أن يصلي قيام الليل ، انحرفت السيدة عائشة عن مكانها ؛ لأن غرفته الضيقة لا تتسع لصلاته ونوم زوجته .
الأنبياء أقل الناس استمتاعاً في الحياة الدنيا ، فلم يطمع المؤمنين أن يكونوا خيراً من أنبيائهم ورسلهم ، ولهم فيهم أسوة حسنة ، قال تعالى:

﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ﴾

[سورة البقرة الآية : 214]

أحياناً يقلُّ دخل المؤمن في هذه الأيام ، تقل أرباحه فيشكو ، ويتألم ، ويتفطَّر قلبه ويقول ، ويقول ، ماذا أصابك مما أصاب أصحاب رسول الله ؟.
3- عرف المؤمنون أن ما ينزل من مصائب ليس ضربات عجماء ولا خبط عشواء ولكنها وفق قدر معلوم ، وقضاء مرسوم ، وحكمة أزلية ، وكتابة إلهية ، فآمنوا بأنَّ ما أصابهم لم يكن ليخطئهم ، وما أخطأهم لم يكن ليصيبهم ، قال تعالى :

﴿ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ﴾

[سورة الحديد الآية : 22]

4- عرفوا أن من صفاته تعالى أنه يقدر فيلطف ، ويبتلي ويخفف ومن ظن انفكاك لطفه عن قدره ، فهذا من قصور نظره ، قال تعالى :

﴿ إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ﴾

[سورة يوسف الآية : 100]

﴿ فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً ﴾

[سورة الشرح الآية : 5-6]

5- عرفوا أنَّ من لطف الله عز وجل ، أن هذه الشدائد دروس قيمة وتجارب نافعة لدينهم ودنياهم ، تنضج نفوسهم ، وتصقل إيمانهم وتذهب صدأ قلوبهم : مثل المؤمن الذي تصيبه الوعكة من البلاء كمثل الحديدة تدخل النار فيذهب خبثها ويبقى طيبها .
البيضة ليست سجنا وإنما بداية خلق جديد كذلك النكبات
بل ما أشبه النكبة بالبيضة ، يُظن أنها سجن لما فيها ، إلا أن هذه البيضة تحوط ما فيها ، وتربيه وتعينه على تمام نموه ، وليس عليه إلا الصَّبر إلى أمد ، والرِّضى إلى غاية ، ثم تُفقس البيضة فيخرج هذا الكائن خلقاً آخر .
إذا ظن هذا المخلوق الذي في البيضة أنها سجن له فهو مخطئ ، إنها تحوطه ، إنها تنضجه ، إنها توفر له أسباب نموه ، فإذا صبر قليلاً على هذا السجن الموهوم بعد إذ ينضج ويخرج كائناً كاملاً .
أيها الإخوة الكرام ؛ كم من إنسان تألَّق من خلال المصيبة ، كم من إنسان عرف ربه من خلال المصيبة ، كم من إنسان أقبل على عبادة الله من خلال المصيبة كم من إنسان راجع نفسه من خلال المصيبة ..

﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾

[سورة السجدة]

هذه الأسباب التي أذكرها متتابعة كي نعلم أن المصائب بقدر من الله عز وجل ، ولها حكم بالغة ، وأن كل شيء وقع أراده الله ، وأن كل شيء أراده الله وقع ، وأن إرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة وحكمته المطلقة متعلقة بالخير المطلق .
6- عرفوا أن من مظاهر هذا اللطف والرحمة الإلهية ، أن كل مصيبة هي درء لأكبر منها ، من أقوال الإمام العادل عمر ابن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه كان إذا أصابته مصيبة قال : الحمد لله ثلاثاً الحمد لله إذ لم تكن في ديني ..
أخطر مصيبة على الإطلاق المصيبة في الدين ؛ لأن أية مصيبة أخرى تعوَّض إلا أن مصيبة الدِّين لا تعوَّض ..
الحمد لله إذ لم تكن في ديني ، والحمد لله إذ لم تكن أكبر منها والحمد لله إذ ألهمت الصبر عليها ، والحمد لله إذ وُعدت الثواب عليها.
لم تكن في ديني ، ولم تكن أكبر منها ، ألهمت الصبر عليها وعدت الثواب عليها ..

الدنيا دار ابتلاء :

أيها الإخوة الكرام ؛ كما قلت قبل قليل مصيبة الدين لا تعوَّض ، خسارة فادحة ، تبدأ نتائجها بعد الموت وتمتد إلى الأبد ..
بين أيدينا كتاب الله ، وقصص الأنبياء موعظة بالغة ، سيدنا يوسف عليه الصلاة ، خُير بين أمرين ، بين أين يصاب في دنياه فيسجن ويكون من الصاغرين ، وبين أن يصاب في دينه فيصبو إلى النسوة ويكون من الجاهلين ..
بين أن يكون من الجاهلين فيصبو إلى النسوة ويستجيب لدعوتهن وبين أن يكون في الدنيا في السجن ، ماذا قال ؟.

﴿ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آَمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونَنْ مِنَ الصَّاغِرِينَ ﴾

[ سورة يوسف الآية : 32 ]

ماذا فعل .. ؟

﴿ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آَمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونَنْ مِنَ الصَّاغِرِينَ ﴾

[ سورة يوسف الآية : 33 ]

اختار مصيبة الدنيا على مصيبة الدين ، وهذه تجربة يعاني منها معظم الناس ، يُعرض عليه دخل كبير فيه شبهه ، أو أن يبقى على دخله المحدود الحلال ، وإما أن ينجح وإما أن يسقط .
بإمكانه أن يروي ظمأه من طريق غير مشروع ، أو أن يسلك الطريق المشروع ، هذا امتحان آخر ، مصيبة الدين لا تعوَّض مصيبة الدنيا تعوَّض .

((وما ترك عبد شيئاً لله إلا عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه))

من هنا قال عليه الصلاة والسلام :

(( وَلَا تَجْعَلْ مُصِيبَتَنَا فِي دِينِنَا وَلَا تَجْعَلِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا وَلَا مَبْلَغَ عِلْمِنَا ...))

المؤمن يعرف معرفة يقينية أن الله يوقع بلاءً لئلا يقع بلاءً أكبر قال تعالى : ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر

﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾

[سورة السجدة الآية : 21]

ويعرف المؤمن جيداً أن الله يسلب منه نعمة ليبقي له نعمة أكبر فالمؤمن العاقل ينظر إلى النعمة الموجودة ، قبل أن ينظر إلى النعمة المفقودة ، وينظر إلى البلاء المتوقع قبل أن ينظر إلى البلاء الواقع .
عروة ابن الزبير أحد فقهاء التابعين رووا أن رجله أصابتها الأكلة فقرر الأطباء قطعها ، حتى لا تسري هذه الأكلة إلى ساقه كلها ثم إلى فخذه ، لقد طابت نفسه بنشرها ، وقطعوها من ركبته وهو صامت لا يتكلم ، وفي الليلة التي قُطعت فيها رجله سقط ابن له وكان أحب أبنائه إليه من سطح فمات ، فدخلوا عليه ليعزوه بفقد ولده ، وليواسوه بفقد رجله ، فقال : اللهم لك الحمد كانوا سبعة فأخذت واحداً وأبقيت لي ستة ، وكان لي أطراف أربعة فأخذت واحداً وأبقيت لي ثلاثة ، فإن أخذت فقد أعطيت ، وإن ابتليت فقد عافيت .
هذا موقف عروة ابن الزبير أحد فقهاء التابعين من مصيبتين مؤلمتين ألمتا به في يوم واحد.
وعرفوا أن مثوبة الله تعالى على ما يبتلي به عبده المؤمن في دنياه نعمة روحية أخرى تهون على الإنسان البلاء .
في الحديث الصحيح أيها الإخوة هذا الحديث دقيق جداً ، هذا الحديث ينبغي أن يكون في أذهاننا .
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

((مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ وَلَا وَصَبٍ ، وَلَا هَمٍّ وَلَا حُزْنٍ ، وَلَا أَذًى وَلَا غَمٍّ ، حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ))

[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي وأحمد]

قال :

((مالك يا بنيتي ، قالت حمى لعنها الله ، قال عليه الصلاة والسلام : لا تلعنيها ، فو الذي نفس محمد بيده لا تدع المؤمن وعليه من ذنب))

مصائب المؤمن مكفرات لذنبه ..
من هنا بهذه الأسباب كلها مجتمعة وقد تزيد عن ثمانية أسباب يثبت المؤمن على الشدائد ، هو شامخ كالجبل ، هو يقول : حسبي الله ونعم الوكيل ، يتمثل دعاء النبي عليه الصلاة والسلام :

((إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي ، ولك العتبى حتى ترضى لكن عافيتك هي أوسع لي))

فالإيمان الحقيقي ، الإيمان الذي أراده الله ، الإيمان الذي يليق بالمؤمن ، الإيمان الحق يفجر في الإنسان ينابيع السعادة .
ومن هذه الينابيع ينبوع الثبات على الشدائد ، يقول عليه الصلاة والسلام :

(( أوذيت في الله وما أوذي أحد مثلي ، وخفت وما خاف أحد مثلي ، ومضى علي ثلاثون ليلة لم يدخل جوفي فيها إلا ما يواريه إبط بلال ))

أنا لا أريد أن ينتظر الإنسان المصيبة ، أبداً .. ولا أتمنى أن ينتظر الإنسان المصيبة ، ولا أن يطلبها ..

((سلوا الله العافية ))

(( لكن عافيتك هي أوسع لي ))

ومن أكثر أدعية النبي عليه الصلاة والسلام :

((اللهم ارزقنا العفو ، والعافية ، والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة))

قام أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ عَلَى الْمِنْبَرِ ثُمَّ بَكَى فَقَالَ :

((قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ الْأَوَّلِ عَلَى الْمِنْبَرِ ثُمَّ بَكَى ، فَقَالَ : اسْأَلُوا اللَّهَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ ، فَإِنَّ أَحَدًا لَمْ يُعْطَ بَعْدَ الْيَقِينِ خَيْرًا مِنَ الْعَافِيَةِ ))

[انفرد به الترمذي]

ولكن إن جاءت مصيبة صغيرة لا ينبغي أن ينهار لها المؤمن لا ينبغي أن يفقد توازنه ، لا ينبغي أن يبيع من أجلها دينه ودنياه ، لا ينبغي أن يستخزي ، ولا أن يضعف ، قال :

﴿ سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَآَتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآَخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾

[سورة آل عمران الآيات : 146 - 148]

سيد الخلق وحبيب الحق ، وصل إلى الطائف فكفر بدعوته أهلها وسخروا منه ، واستهزؤوا به ، وأغروا سفهاءهم بضربه ، فلما قال له سيدنا زيد : أترجع إلى مكة وقد أخرجتك ، قال : إن الله ناصر نبيه .
في الهجرة وضعت مئتا ناقة لمن يأتي برسول الله حياً أو ميتاً .. تبعه سراقة ، ورأى من دلائل نبوته ما رأى ، قال : كيف بك يا سراقة إذا لبست سواري كسرى ..
كان عليه الصلاة والسلام واثقاً من نصر الله له ؛ لأن الله لا يخيب ظن المؤمنين به ، لان الله سبحانه وتعالى لا يدع المؤمنين من دون توفيق ومن دون نصر .
أيها الإخوة الكرام ، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، وسيتخطى غيرنا إلينا ، فلنتخذ حذرنا ، الكيس من دان نفسه ، وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها ، وتمنى على الله الأماني ، والحمد لله رب العالمين .

الخطبة الثانية :

الحض على تيسير أمور تزويج الشباب .

كلفة كل حفلة زواج يمكن أن تزوج خمسين شابا
أيها الإخوة الكرام ؛ قبل يومين حضرت عقد قران ، لفت نظري أن مع بطاقة الدعوة بطاقة ترشد المدعوين إلى التبرع إلى المعاهد الشرعية ، أو إلى صندوق العافية ، أو إلى جمعية خيرية ؛ لأن هذا المال الذي ينفق هدراً الفقراء أولى به ، والمرضى أولى به ، قلت : إلى متى نتباهى بالمظاهر ؟ إلى متى نتباهى بالزهور ؟ إلى متى نتباهى بالهدايا التي لا تقدم ولا تؤخر؟ هذا الذي يزوج ابنه وهو في يسر ، ليته يتبرع في تزويج شاب آخر ، هذه الحفلات التي تُنفق فيها مئات الألوف ، بل عشرات الملايين ، كل حفلة من الممكن أن تزوج خمسين شاباً .
أيها الإخوة الكرام ؛ كيف يرضى الله عنا ، إذا كان بعضنا تيسر له أمور دنياه ، والبعض الآخر لا تيسر له ، كيف يحبنا الله إن لم نتعاون .
ما ممن موضوع يعلو في الأهمية على موضوع تحصين الشباب لذلك أخاطب الآباء ، تمثلوا قول سيدنا شعيب :

﴿ قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ﴾

[سورة القصص الآية : 27]

خففوا الطلبات ، خففوا الأعباء ، وإن لم تفعلوا حلَّ السفاح محل النكاح ، وتحولت معظم البيوت إلى بيوت لا ترضي الله عز وجل ..هذا جزء منه واقع .
لتكن هديتك للمدعوين في عرسك كتابا مفيدا
إن لم نيسر للشباب زواجهم ، إن لم نخفف عن الشباب أعباءهم إن لم نفرز جزءً من وقتنا في تزويج شبابنا فالطريق يسير نحو الهاوية ويحل السفاح محل النكاح ، ولاسيما أن المنكرات على قارعة الطريق وأبواب المنكرات مفتحة على مصاريعها ، فلا بد من تحصين الشباب ، هذه دعوة إلى الآباء ، ودعوة إلى أولياء الفتيات ، ودعوة إلى أولياء الأمور ، ودعوة إلى كل الميسورين .
حضرت عدة عقود قران ، بعضها كل الهدايا رصدت لتزويج الشباب ، مبلغ كبير يحل مشكلة أربع خمس شباب تقريباً ، فإن لم نتحرك للتعاون ، لأن الله سبحانه وتعالى يقول :

﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِي ﴾

[سورة المائدة الآية : 2 ]

قبل أن تفكر بشراء الهدية بمبلغ كبير ، وتوزيعها على المدعوِّين فكِّر بشيء ينفهم ، فكِّر بكتاب يضيف إلى ثقافتهم الدينية ثقافة جديدة فكِّر بتبرع إلى معهد شرعي ، بتبرع إلى صندوق العافية الذي يحل مشكلات الفقراء المرضى ، فكِّر بتبرع إلى جمعية خيرية ، فكر بشيء ينفع المسلمين ؛ لأن الله سبحانه وتعالى استخلفنا في الأرض هو الذي استخلفنا ، وسوف يحاسبنا ، فإذا ضيَّعنا الأمانة حُوسبنا أشدَّ الحساب.

الدعاء :

اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك ، إنه لا يذل من واليت ، ولا يعز من عاديت ، تباركت ربنا وتعاليت ، لك الحمد على ما قضيت ، نستغفرك ونتوب إليك .
اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك .
اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اقسم لنا من خشيتك ، ما تحول به بيننا وبين معصيتك ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون علينا مصائب الدنيا ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين .
اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، ودنيانا التي فيها معاشنا وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير واجعل الموت راحة لنا من كل شر ، مولانا رب العالمين .
اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك .
اللهم لا تؤمنا مكرك ، ولا تهتك عنا سترك ، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين .
اللهم استر عوراتنا ، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً ، وسائر بلاد المسلمين .
اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك ، ومن الفقر إلا إليك ، ومن الذل إلا لك ، نعوذ بك من عضال الداء ، ومن شماتة الأعداء ، ومن السلب بعد العطاء .
اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب ، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب .
اللهم صن وجوهنا باليسار ، ولا تبذلها بالإقتار ، فنسأل شر خلقك ونبتلى بحمد من أعطى وذم من منع ، وأنت من فوقهم ولي العطاء وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء .
اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين .
اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام والمسلمين ، وأعز المسلمين وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018