الخطبة : 0594 - نعمة الأمن. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0594 - نعمة الأمن.


1996-11-29

الخطبة الأولى :

 الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنـا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً.
 وأشهد أن لا إله إلا الله وحده ولا شريك له، إقراراً بربوبيته وإرغامـاً لمن جحد به وكفر.
 وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر أو سمعت أذن بخبر.
 اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين.
 اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علمنا، وأرِنا الحــق حقاً وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممــــن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة الكرام؛ ذكرت في خطبة سابقة أن الإسلام والإيمان يفجر في قلب الإنسان ينابيع السعادة، تحدثت في خطب سابقة عن ينبوع السكينة، واليوم نتحدث عن ينبوع آخر ألا وهو ينبوع الأمن، قال تعالى:

﴿الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ ﴾

 قال عليه الصلاة والسلام:

(( الظلم هو الشرك))

 قال تعالى:

﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾

 والقرآن الكريم تنثني كل آية على أختها فتفسرها، قال تعالى:

﴿الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا ﴾

 قال تعالى: أولئك لهم الأمن، ولم يقل أولئك الأمن لهم، لو أنه قال الأمن لهم كان الأمن لهم ولغيرهم، أما حينما قدمنا لهم كان الأمن خاصاً بهم، ولا أمن لسواهم، قال تعالى:

﴿ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَـئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ ﴾

[ سورة آل عمران الآيات : 81-82]

 هذه النعمة لا تعدلها نعمة، هناك فرق بين السلامة وبين الأمن، إنسان عاش سنة من عمره لم يصب بشيء نقول: عاش سنة سلامة لكن ما عاش سنة أمن، الأمن غير السلامة، السلامة عدم حدوث شيء مزعج، أما الأمن فعدم توقع شيء مزعج، فرق كبير بين أن تعيش بقلق ولم يحدث شيء يزعجك، وبين أن تكون في مأمن من توقعات مزعجة، لذلك الله عز وجل طمأن المؤمنين:

﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا ﴾

[ سورة التوبة الآية : 51]

﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا ﴾

 لَنْ لتأبيد النفي.

﴿ إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا ﴾

 لنا ولم يقل علينا، فرق أيضاً كبير بين كتب لنا، لمصلحتنا، لخيرنا، وبين كتب علينا، إذاً هذه نعمة لا تعدلها نعمة والدليل جعلها الله في رأس نعمه الكبرى:

﴿ أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ ﴾

[ سورة قريش الآية :4]

أعظم نعمة على الإطلاق أن يتمتع الإنسان بالأمن :

 أناس كثيرون تغيب عنهم هذه النعمة، هي أعظم نعمة على الإطلاق أن تتمتع بنعمة الأمن، أي ألا تتوقع شركاً، لذلك قال علماء النفس: توقع المصيبة مصيبة أكبر منها، وأنت من خوف الفقر في فقر، وأنت من خوف المرض في مرض، وتوقع المصيبة مصيبة أكبر منها، فلذلك هناك أمراض تصيب القلب بسبب الخوف من أمراض القلب، القلق الشديد على قلب الإنسان قد يورثه مرضاً في القلب، فلذلك نعمة الأمن بنص القرآن الكريم يتمتع بها المؤمن، فإذا كنا في بلدة طيبة نعرف حقوق بعضنا بعضاً، نعرف نعم ربنا الكبرى، فالله عز وجل يسبغ علينا هذه النعمة، وهذه النعمة لا يعرفها إلا من فقدها.
أنا قابلت إنساناً من بلد مجاور محتل من قبل العالم الغربي، أقسم لي بالله أنه يُوَدّع أهله وأولاده كل يوم، لأن احتمال موته خمسون بالمئة، فأحدنا يرسل ابنه الساعة الثانية ليلاً ليأتي له بحاجة من البقالية، وهو آمن عليه، فهذه النعمة أقول لك مرة ثانية، وثالثة، ورابعة، لا تعدلها نعمة، لذلك هذا الحديث الشريف:

(( مَنْ أصبَحَ منكم آمِنا في سِرْبه))

[ أخرجه الترمذي عن عبيد الله بن محصن]

الأمن الذي لا يعدله نعمة على الإطلاق أمن الإيمان لا الأمن المادي :

 أنا لي تعليق دقيق هنا لا أقصد الأمن المادي، أمن الإيمان، أنت حينما ترضي الواحد الديان، أنت حينما ترضي الله، الذي بيده كل شيء، الذي هو في السماء إله وفي الأرض إله، أنت حينما ترضي الإله الذي بيده مقادير كل شيء، الذي بيده من هو فوقك، ومن تحتك، ومن حولك، ومن دونك، بيده رزقك وصحتك، بيده الشريان التاجي، بيده عمل الكليتين، بيده كل عضو من أعضائك، أنت حينما ترضي الإله جلّ جلاله، يتفضل عليك بنعمة لا تعدلها نعمة على الإطلاق:

﴿ أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ ﴾

[ سورة قريش الآية :4]

 يقابل هذه آية:

﴿ وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ ﴾

[ سورة النحل الآية : 112]

 دقق:

﴿ أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ ﴾

﴿ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ ﴾

 لذلك ما من مصيبة على الإطلاق تصيب الإنسان إلا بسبب منه، وهنا أقول هذه الكلمة: لا يخافن العبد إلا ذنبه، ولا يرجون إلا ربه، فإن هاتين الكلمتين جمعتا الدين كله.

الأمن أن يصطلح الإنسان مع الله عز وجل:

﴿ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ*الَّذِينَ آَمَنُوا ﴾

 لماذا؟ أنت حينما تؤمن بإله واحد أحد، فرد صمد، بيده مقاليد كل شيء تتوهمه، أي الإنسان حريص على صحته، صحتك بيد الله عز وجل، حريص على علاقته بزوجته، العلاقة الزوجية بيد الله، حريص على أن يكون أبناؤك أبراراً، كي يكون الولد باراً أمره بيد الله عز وجل، حريص على رزقك، فكل طموحات الإنسان عند الله موجودة.
 لذلك: "إني والإنس والجن في نبأ عظيم، أخلق ويعبد غيري، وأرزق ويشكر سواي، خيري إلى العباد نازل، وشرهم إليّ صاعد، أتحبب إليهم بنعمي وأنا الغني عنهم ، ويتبغضون إليّ بالمعاصي وهم أفقر شيء إليّ، من أقبل عليّ منهم تلقيته من بعيد، ومن أعرض عني منهم ناديته من قريب، أهل ذكري أهل مودتي، أهل شكري أهل زيادتي، أهل معصيتي ـ الله رؤوف رحيم ـ لا أقنطهم من رحمتي، إن تابوا فأنا حبيبهم، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم، أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من الذنوب والمعايب، الحسنة عندي بعشرة أمثالها وأزيد، والسيئة بمثلها وأعفو، وأنا أرأف بعبدي من الأم بولدها.
 لماذا المؤمن ينعم بالأمن؟ لأن كل علاقاته مع جهة واحدة، إله بيده كل شيء يرضيه، إذا أرضيته أرضى عنك الناس.

(( من التمس رضا الله بسخط الناس رضي الله عنه وأرضى الناس عنه، ومن التمس رضا الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط الناس عليه))

[ أخرجه الترمذي والإمام أحمد عن عائشة أم المؤمنين]

 هناك قواعد أساسية في الدين، فالإنسان حينما تستقيم وجهته إلى الله عز وجل، وحينما يصطلح معه، ورد في بعض الآثار:" إذا رجع العبد العاصي إلى الله نادى منادٍ في السماوات والأرض أن هنئوا فلاناً فقد اصطلح مع الله"، قمة الأمن أن تصطلح مع الله.

فلو شاهدت عيناك من حسننا  الذي رأوه لما وليت عنا لــغيرنا
و لـو سمعت أذناك حسن خطابنا  خلعت عنك ثياب العجب وجئتنا
ولــو ذقت من طعم المحبة ذرة  عذرت الذي أضحى قتيلاً بحبنا
* * *

الأمن والأمان الذي يعيشه المؤمن في نفسه ينعكس على أهله ومجتمعه :

 الإنسان المؤمن ينتمي إلى المجموع، أنا أريد أن أوضح ما معنى أن تنتمي إلى ذاتك؟ أذكر هذا المثل أعيده كثيراً، إنسان اضطجع تحت شجرة تفاح قد قطفت، إلا أن الذي قطفها نسي تفاحة كبيرة ذات لون أصفر مثير، وخد أحمر كما يقول عوام الناس، فاشتهى هذه التفاحة، معه منشار شجر، قطع الشجرة ليأكل هذه التفاحة، هذه مشكلة الانتماء الفردي، المؤمن ينتمي للمجموع، انتماؤه للمجموع يرفع قدره عند الله وعند الناس، الإنسان دائماً عنده حاجات شخصية، وحاجات عامة، إذا خرج من ذاته، من شخصه، من مصالحه، من شهواته، من أهوائه، إلى خدمة المجموع، ارتقى عند الله، لأن الخلق كلهم عيال الله، وأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله، فلمجرد أن تفكر في الآخر، في أن يكون الآخر سعيداً، لماذا نقول نحن: اللهم صلِّ على أسعدنا محمد؟ لأنه إذا أردت أن تسعد فأسعد الآخرين.
 يا أيها الأخوة الكرام؛ قبل ثلاثين سنة فيما أذكر كنت أقتني مجلة "ريدل دايجز" هذه مجلة تلخص أجمل ما في مقالات المجلات في العالم، اسمها المختار من "ريدل دايجز"، هناك مقالة انتهت برأس الصفحة، هناك صفحة فارغة فكتبوا حكمة في هذه الصفحة الفارغة، هذه الحكمة لا أنساها حتى الموت، إذا أردت أن تسعد فأسعد الآخرين تكن أسعدهم.
 لذلك هؤلاء الذين يقدمون الخير للبشرية هم أسعد البشر، عاشوا للآخرين، هذا ينقلنا إلى أن الهرم البشري الضخم ستة آلاف مليون، على رأسهم زمرتان، الأقوياء والأنبياء، الأنبياء أعطوا ولم يأخذوا، الأقوياء أخذوا ولم يعطوا.
 من جعل الهموم هماً واحداً كفاه الله الهموم كلها، فالمؤمن لأنه يعمل لوجه واحد، المؤمن يشعر بالأمن لأنه يتعامل مع جهة واحدة هي الله، المؤمن يشعر بالأمن والطمأنينة لأن الذي بيده كل شيء إلى جانبه، إذا كان الله معك فمن عليك؟ وإذا كان عليك فمن معك؟ ويا رب ماذا وجد من فقدك؟ وماذا فقد من وجدك؟

الاتصال بالله يملأ القلب رحمة وهي أعظم عطاء إلهي :

 هذه الرحمة أعظم عطاء إلهي، لك أن تسميها السكينة، هذه الرحمة تسعد بها ولو فقدت كل شيء، وتشقى بفقدها ولو ملكت كل شيء، هذه الرحمة عطاء الله الأكبر، هل تكون الرحمة صحة؟ هي صحة، زواج ناجح، أولاد أبرار، رزق وفير، سمعة طيبة، مكانة اجتماعية، هدى، وضوح، بيان، دعوة، فالرحمة تكاد تكون عطاء الله الأكبر:

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ﴾

[ سورة آل عمران الآية : 159]

 لأن الله عز وجل أودع في قلب نبيه الرحمة فكان ليناً لهم، وهذه الآية تنقلنا إلى قانون رائع جداً كمعادلة رياضية، حينما يتصل الإنسان بالله يشتق منه الرحمة، هذه الرحمة تنعكس في تعامله مع الآخرين ليناً ولطفاً، يلتفون عنه، صار هناك اتصال، رحمة، لين، التفاف، ولو كان المرء منقطعاً عن الله لامتلأ القلب قسوة، ولانعكست القسوة غلظة، فانفض الناس من حولك، وكأن الآية معادلة رياضية، اتصال رحمة لين التفاف، انقطاع قسوة غلظة انفضاض، فهذه الآية يحتاجها الأب والأم وكل إنسان وكل إنسان أوكله الله بمجموعة من البشر، فباتصالك بالله يمتلئ القلب رحمة، وهي أعظم عطاء إلهي :

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ﴾

[ سورة آل عمران الآية : 159]

 فالتفوا من حولك:

﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ﴾

[ سورة آل عمران الآية : 159]

 يحتاجها الأب، والمعلم، وأي منصب قيادي على الإطلاق، هذه الرحمة أكبر عطاء إلهي، أن يشعر القلب بحب الآخر، أن يشعر بعطفه عليه، والإنسان بقدر إحسانه يرقى عند الله وعند الناس.

الفلاح والنجاح :

 الإنسان يعيش بشيئين إما بإيمانه أو بذكائه، فالذكي أحياناً يؤدي ما عليه، فيسعد بمن حوله، لكن هذا الذكاء يوصله إلى القبر فقط، وبعد القبر هناك حساب آخر، فالإنسان يعيشه بذكائه أو بإيمانه، بالذكاء تستطيع أن تجلب الناس حولك، وأن تعيش معهم حياة هادئة ناعمة، ولكن هذا ينتهي عند الموت، لكن الإيمان يسعدك في الدنيا والآخرة، قد ينفعك الذكاء في الدنيا بينما الإيمان يسعدك في الدنيا والآخرة، لذلك فرق العلماء بين كلمة نجاح وكلمة فلاح، فالنجاح في الدنيا قد ينجح الإنسان في جمع ثروة طائلة، لكن إذا جاء الموت ولم يكن قد عرف ربه، ولم يكن قد طبق منهجه، ولم يكن قد أعدّ للآخرة عملاً صالحاً يشقى، لكن بالإيمان يسعد في الدنيا والآخر، لذلك الله عز وجل يقول :

﴿ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَـئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ ﴾

[ سورة آل عمران الآيات : 81-82]

 دقق في هذا الاستثناء، آمن لكن لم يلبس إيمانه بظلم، لأن الظلم ظلمات يوم القيامة، لأن الخلق كلهم عيال الله.

الفلاح والنجاح سبيلا الإنسان للوصول إلى سعادة الدنيا قبل سعادة الآخرة:

 أخوتي الكرام؛ ما من صحابي كان النبي عليه الصلاة والسلام يرحب به كسيدنا سعد بن أبي وقاص، كان إذا دخل على النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

(( هذا خالي، فَلْيُرِنِي امرُؤٌ خالَه))

[ الحاكم في المستدرك عن جابر]

 وكان في الحرب يفديه بأمه وأبيه، وما فدى النبي عليه الصلاة والسلام في حياته صحابياً بأمه وأبيه إلا سعد بن أبي وقاص، قال :

(( يا سعد ارم فداك أبي وأمي))

[ ابن ماجه وأحمد عن علي]

 لكن لعملاق الإسلام سيدنا عمر رضي الله عنه كلمة رائعة لهذا الصحابي الجليل قال له : "يا سعد، لا يغرَّنك أنه قد قيل خال رسول الله، فالخلق كلُّهم عند الله سواسية، ليس بينه وبينهم قرابةٌ إلا طاعتهم له".
 وهذا معنى قوله تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾

[ سورة الحجرات الآية : 13]

 فالإنسان بإيمانه ينجح في الدنيا والآخرة، والنجاح في الدنيا والآخرة معاً يعد فلاحاً:

﴿ قَدْ أَفْلَحَ ﴾

[ سورة المؤمنون الآية : 1]

 أما الذكاء كما يفعل إنسان ذكي يأخذ ما له ويدع ما ليس له يكسب محبة من حوله، هذه السعادة تنتهي عند الموت، فالبطولة أن نكون سعداء في الآخرة.

الإنسان حينما يلبي حاجات عقله وقلبه وجسمه يتفوق ويسعد وينعم بالأمن:

 الإنسان بشكل مختصر عقل يدرك، وقلب يحب، وجسم يتحرك، فحينما يلبي الإنسان حاجات عقله وقلبه وجسمه يتفوق، ويسعد، وينعم بالأمن، تغذية عقله بالعلم، باليقينيات لا بالأباطيل، لا بالأوهام والترهات، لا بما يشاع في صفوف الناس من أشياء غير دقيقة، أما غذاء القلب الحب، هناك حب يسمو بك، وحب يهوي بك، الحب ميل القلب، فالذي يحب الله عز وجل من فروع محبة الله أن يحب أنبياءه، ورسوله، ويحب أصحاب نبيه جميعاً، وأن يحب المؤمنين، وأن يحب أهل بلدته، بل أهل وطنه، بل أمته، علامة حبه لأمته أن يسعى لخدمتها لرقيها، فالمؤمن يعمل لصالح المجموع، المؤمن ينتمي للمجموع، المؤمن يعد فريق عمل وحده، هذه النقطة الدقيقة أن غذى عقله بالعلم، وغذى قلبه بالحب، بل إن محبة الزوجة ـ كما قال بعض العلماء ـ فرع من محبة الله، لأن هذا الإله العظيم صمم لك هذه الزوجة، العلاقة بين الذكر والأنثى علاقة زواج، هناك إنجاب أولاد، هناك بنات و أصهار و زوجات أبناء، هناك أحفاد، نقول نحن في عقود القران:"اللهم بارك للزوجين، بارك لهما وفيهما وعليهما، أنجب منهم الكثير الطيب"، فأنت حينما تتحرك بدافع الهوى وفق منهج الله فأنت في رضوان الله، والدليل الآية الكريمة:

﴿ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ ﴾

[ سورة القصص الآية : 50]

 المعنى المخالف، أي أن الذي يتبع هواه وفق هدى الله عز وجل لا شيء عليه، بل إن الله يباركه، فلذلك أنا حينما أغذي عقلي بالعلم الصحيح، وأغذي قلبي بالحب الذي يسمو بي، وأغذي جسمي بالطعام والشراب المدروس، أتفوق، وأشعر بنعمة الأمن.
 الإنسان فضلاً عن ذلك جُبل من قبل الله، أو فطر، اسمان لمسمى واحد، فطر أو جبل على حبّ وجوده، وعلى حبّ سلامة وجوده، وعلى حبّ كمال وجوده، وعلى حبّ استمرار وجوده، بادئ ذي بدء أنت أعقد آلة في الكون، هذا التعقيد تعقيد إعجاز لا تعقيد عجز، ولهذه الآلة صانع حكيم، ولهذا الصانع الحكيم تعليمات التشغيل والصيانة، فالجهة الوحيدة في حياة الإنسان التي ينبغي أن تتبع تعليماتها هي الجهة الصانعة، فلمجرد أن تطبق تعليمات الصانع نلت الأمن، كما تعتني بمركبة وتطبق تعليمات المصنع بدقة بالغة، تنعم بهذه المركبة طوال حياتك، فلذلك الإنسان أعقد آلة في الكون، ولهذه الآلة صانع حكيم، ولهذا الصانع الحكيم تعليمات التشغيل والصيانة، فالمجرد أن تطبق تعليمات الصانع تنعم بالأمن والرحمة هذه واحدة، هذه تحقق السلامة، طاعتك لله تحقق السلامة، لكن تقربك إليه بعمل صالح لخدمة خلقه، لخدمة الأمة، بالانتماء للمجموع، بالبذل، والتضحية، هذا يسعدك، السلامة شيء والسعادة شيء آخر، أنت بتطبيقات تعليمات الصانع تسلم، لكن بالتقرب إلى الصانع بخدمة عباده تسعد، لكن متى تحقق استمرار وجودك؟ بتربية أولادك، أنت حينما تربي أولادك كأنه استمر وجودك، مبدؤك قيمك بل نجاحك، بل كان السلف الصالح إذا نجح الإنسان في حرفة ما، ابنه سيخلفه في هذه الحرفة، فهذه الخبرات المتراكمة من قبل الأب أخذها الابن، وتابع مسيرة والده، فأنت بتربية أولادك يستمر وجودك، وبتقربك من الله تسعد، وباستقامتك على أمره تسلم، فأنت مجبول على حبّ وجودك، وعلى حبّ سلامة وجودك، وعلى حبّ كمال وجودك، وعلى حبّ استمرار وجودك، فبتطبيق تعليمات الصانع تسلم، وبالتقرب إليه بالعمل الصالح تسعد، وبتربية أولادك يستمر وجودك، هذا معنى قوله تعالى:

﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ﴾

[سورة الكهف الآية : 110]

 الأمن أساسه أن نعرف الله أولاً فإذا عرفناه عرفنا حقوقنا، وعرفنا واجباتنا.
 اللهم إني داعٍ فأمنوا :

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولَنا فيمن تولَيت ، وبارك اللهم لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي ولا يقضى عليك ، اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك ، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين ، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك ، اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين ، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين ، ولا تهلكنا بالسنين ، ولا تعاملنا بفعل المسيئين يا رب العالمين ، اللهم بفضلك ورحمتك أعلِ كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين ، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018