الخطبة : 0593 - آثار الإيمان في تحقيق سعادة الإنسان. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0593 - آثار الإيمان في تحقيق سعادة الإنسان.


1996-11-22

الخطبة الأولى:
 الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنـا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته وإرغامـاً لمن جحد به وكفر. وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر أو سمعت أذن بخبر. اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين. اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرِنا الحــق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممــــن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

السلامة والسعادة مطلبان ثابتان لكلّ الناس :

 أيها الأخوة الكرام: بدأت سلسلة خطب حول ثمار الإيمان اليانعة في حياة الفرد وفي حياة المجتمع، في الخطبة السابقة بينت أثر الإيمان في تحقيق كرامة الإنسان، واليوم ننتقل إلى موضوع آخر وهو أثر الإيمان في تحقيق سعادته.
 السلامة والسعادة مطلبان ثابتان لكل إنسان في أي زمان ومكان، السلامة من الشقاء بكل أنواعه، والسعادة بكل مستوياتها ومناحيها، السلامة والسعادة مطلبان ثابتان لكل إنسان في كل زمان وفي كل مكان، من الفيلسوف في قمة تفكيره إلى العامي في سذاجة، من الملك في قصره الكبير إلى الصعلوك في كوخه الصغير، وليس في الأرض كلها إنسان واحد يبحث عن الشقاء أو الحرمان أو يتمناه.
 هذه حقيقة لا ريب فيها، ولا شك فيها، ولكن الإنسان حينما يطلب اللؤلؤ في الصحراء يضل الطريق، مشكلة الناس البعيدين عن منهج الله الذين لم يستنيروا بنور الله، ولم يهتدوا بالوحي الإلهي، أنهم يبحثون عن السعادة في غير مظانها، وفي غير مواضعها، فالحريص على جني اللؤلؤ لا يمكن أن يذهب إلى الصحراء ليجني اللؤلؤ، اللؤلؤ في البحار، المشكلة أن الناس يبحثون عن السعادة في غير موضعها وفي غير مظانها، أما أن يبحث الإنسان عن سعادته، وعن سلامته فهذان مطلبان ثابتان لكل إنسان في كل زمان ومكان.

 

من توافر له الإيمان و الصحة و الكفاية فهو في قمة السعادة :

 أيها الأخوة الكرام: السعادة بالتأكيد ليست في وفرة المال، ولا في سطوة الجاه، ولا في كثرة الولد، ولا في نيل المنفعة، ولا في العلم المادي، مع أن الواقعية تقتضي ألا ننكر أن للجانب المادي نصيباً من السعادة، فقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم: عَنْ نَافِعِ بْنِ عَبْدِ الْحَارِثِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( مِنْ سَعَادَةِ الْمَرْءِ الْجَارُ الصَّالِحُ، وَالْمَرْكَبُ الْهَنِيءُ، وَالْمَسْكَنُ الْوَاسِعُ ))

[ أحمد عنْ نَافِعِ بْنِ عَبْدِ الْحَارِثِ]

 من سعادة المرء في الدنيا؛ من للتبعيض. لها جانب يسير، ولكن ليست للنواحي المادية كل الجوانب.
 أيها الأخوة الكرام: قال عليه الصلاة والسلام وهو من أدق الأحاديث المتعلقة بالسعادة: عَنْ سَلَمَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مِحْصَنٍ الْخَطْمِيِّ عَنْ أَبِيهِ وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ مُعَافًى فِي جَسَدِهِ عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا ))

[الترمذي عَنْ سَلَمَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مِحْصَنٍ الْخَطْمِيِّ عَنْ أَبِيهِ ]

 أمن الإيمان، والصحة، والعافية، والكفاية من الحاجة، إذا توافر لك أمن الإيمان، وعافية تعينك على طاعة الله، وتوافرت لك حاجاتك، فأنت في قمة السعادة في مقياس النبي عليه الصلاة والسلام وقد ورد عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:" اللهم من أحبني فاجعل رزقه كفافاً"
 هناك غنى من البطر، وهناك غنى الكفاية، هناك فقر الكسل وهناك فقر القدر، الكفاية التي تلبي حاجات الإنسان هذا من دعاء النبي عليه الصلاة والسلام لمن أحبه.

 

السعادة الحقيقية لا تأتي من الخارج بل تنبع من الداخل :

 أيها الأخوة الكرام: الحقيقة المحورية في هذه الخطبة أن السعادة الحقيقية لا تأتينا من الخارج، بل تنبع من الداخل، إذا أيقنت بهذه الحقيقة انقلبت حياتك رأساً على عقب، من قلق إلى سكون، من شقاء إلى سعادة، لا يمكن أن تأتيك السعادة من خارجك، إنها تنبع من داخلك، تنبع من إيمانك، تنبع من استقامتك، تنبع من اتصالك بالله، تنبع من تقربك إليه، تنبع من وجدانك، تنبع من راحة ضميرك بالتعبير الحديث. لقد فجر الإيمان في قلب الإنسان ينابيع السعادة، من هذه الينابيع السكينة، من هذه الينابيع الأمن، من هذه الينابيع الأمن، من هذه الينابيع الأمل، من هذه الينابيع الرضا، من هذه الينابيع الحب. السكينة، الأمن، والأمل، والرضا، والحب..
 الإيمان يفجر هذه الينابيع في نفس الإنسان، الشيء العجيب أنك ترى مؤمناً بدخل محدود، وبيت صغير، وحياة خشنة، تراه أسعد الناس، في حين أنك ترى من كان غائصاً في المتع الحسية إلى قمة رأسه، ومنشغلاً بوجاهته ومكانته، لا يملك هذه السعادة التي يسعد بها المؤمن .. لو يعلم الملوك ما نحن عليه لقاتلونا عليها بالسيوف.. ماذا يفعل أعدائي بي ؟ بستاني في صدري، إن أبعدوني فإبعادي سياحة، وإن حبسوني فحبسي خلوة، وإن قتلوني فقتلي شهادة..
 مساكين أهل الدنيا، جاؤوا إلى الدنيا وخرجوا منها ولم يذوقوا أطيب ما فيها..
 في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة.. ابحثوا عن السعادة، لا في البيت الفخم، ولا في المركبة الفارهة، ولا في الدخل الكبير، ابحثوا عنها في اتصالكم بالله:

((...وَجُعِلَ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ))

[النسائي وأحمد عَنْ أَنَسٍ ]

((أرحنا بها يا بلال ))

[الطبراني عن رجل من الصحابة]

(( الصلاة نور ))

[مسلم عن أبي مالك الأشعري ]

 الصلاة طهور ، الصلاة حبور ، الصلاة ميزان .

 

السكينة ينبوع السعادة :

 أيها الأخوة الكرام: ذكرت لكم قبل قليل أن الإيمان يفجر ينابيع السعادة، من هذه الينابيع السكينة، سمّها التجلي الإلهي، سمّها رحمة الله، أو سمّها كما سماها القرآن:

﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً﴾

[سورة الفتح: 4]

 سمّها السكينة أيضاً، قال تعالى:

﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً ﴾

[سورة الفتح: 18]

 فعلم ما في قلوبهم من إخلاص، من صدق، من تضحية.. المصطلح القرآني أولى أن نتمسك به، هذه السعادة التي تغمر قلب المؤمن سمَّاها القرآن سكينة، ونحن ينبغي أن نتمسك بهذا المصطلح، وأن نبقى فيه، هي السكينة، لذلك قالوا: لا سعادة بلا سكينة، ولا سكينة بلا إيمان.. إن الله يعطي الصحة، والذكاء، والمال، والجمال للكثيرين من خلقه، ولكنه يعطي السكينة بقدر لأصفيائه المؤمنين.
 أيها الأخوة الكرام :لعل السكينة أحد محاور هذه الخطبة؛ لأنها ينبوع السعادة؛ ولأنه لا سعادة بلا سكينة، ولا سكينة بلا إيمان. السكينة هي ينبوع السعادة الأول، ولكنها شيء كما قلت قبل قليل لا يرتبط لا بالذكاء، ولا بالعلم، ولا بالصحة، ولا بالغنى، ولا بالمال، ولا بالشهرة، ولا بالجاه، ولا بغير ذلك من متع الحياة الدنيا، إن للسكينة مصدراً واحداً لا شريك له، هو الإيمان بالله واليوم الآخر.
 الإيمان الصادق العميق الذي لا يكدره شك، ولا يفسده نفاق، للسكينة مصدر واحد، لا علاقة لها بالذكاء، ولا بالمال، ولا بالعمل، ولا بالجاه، ولا بالقصور، ولا بالمزارع، ولا بالبساتين، ولا بالسيارات، علاقة السكينة بالإيمان العميق الصادق الذي لا يكّدره شك ولا يشوبه نفاق.

 

السكينة روح من الله يسكن إليها قلب الخائف ويطمئن بها القلق :

 أيها الأخوة الكرام: إن أكثر الناس قلقاً وضيقاً واضطراباً وشعوراً بالتفاهة والضياع هم المحرومون من حرارة الإيمان، وبرد اليقين، قال تعالى:

﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آَيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى * وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآَيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى * أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى﴾

[سورة طه: 124-128]

 هذا كلام خالق الكون، هذا كلام رب العالمين :

﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آَيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى ﴾

[سورة طه:124-126]

 أيها الأخوة الكرام: هذه السكينة غمرت قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في الغار يتعقبه الكفار وقد أهدروا دمه، وجعلوا مئتي ناقة، لمن يأتي به حياً أو ميتاً، لم يستبد به خوف، ولا وجل، ولم يخالج صدره شك، ولا قلق، قال تعالى:

﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾

[سورة التوبة: 40]

 أيها الأخوة الكرام: من منكم لا يعرف حوار البني مع سيدنا الصديق ؟
 قال: يا رسول الله لو نظر أحدهم إلى موطئ قدمه لرآنا، قال: يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟ إذا كان الله معك فمن عليك؟ وإذا كان الله عليك فمن معك؟
 تروي بعض الكتب أن الصديق رضي الله عنه قال : يا رسول الله لقد رأونا، أي وقعت العين على العين، قال النبي عليه الصلاة والسلام: يا أبا بكر، ألم تقرأ قوله تعالى:

﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾

[سورة الأعراف: 198]

 السكينة روح من الله، ونور من الله، يسكن إليها قلب الخائف، ويطمئن بها القلق، ويتسلى بها الحزين، ويستروح بها المتعب، ويقوى بها الضعيف، ويهتدي بها الحيران.

 

السكينة تسعد الإنسان :

 لعلنا لو أردنا أن نحلل، لماذا السكينة تسعد الإنسان ؟.. هناك تحليلات كثيرة، من أوجه هذه التحليلات ثلاث تحليلات:
 الأول: أن السكينة سبب إسعادها للإنسان هو أن الإنسان حينما يصطلح مع الله يهتدي إلى فطرته التي فطره الله عيها، وهذه الفطرة متسقة، ومتناغمة مع الوجود الكبير، يعيش المؤمن مع فطرته في وئام وسلام، بينما يعيش الكافر مع فطرته في حرب وخصام.. حرب مستمرة، الإنسان فطرته عالية، فإذا خالف فطرته، فإذا كذب وغش، فإذا احتال، فإذا ظلم، فإذا اعتدى، هو في حرب لحظية مع نفسه؛ لأن فطرته عالية: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهم عَنْهم: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾))

[متفق عليه عن أبي هريرة]

 فالمؤمن توافق مع فطرته، هو معها في سلام وأمان، بينما الكافر مع فطرته في حرب وخصام، هذه الحرب اليومية، اللحظية الساعية بين الكافر ونفسه أحد أسباب شقائه، انهيار من الداخل، والمؤمن بناء من الداخل. النفس الإنسانية إذا عرفت ربها تستريح من تعب، وتأمن من خوف، وتحس بالهداية بعد الحيرة، وبالاستقرار بعد التخبط، وبالاطمئنان بعد القلق، فإذا لم يجد الإنسان ربه الذي هو أقرب إليه من حبل الوريد ما أشقى حياته، وما أتعس حظه، وما أخيب سعيه؛ لأنه لم يجد السعادة والسكينة، ولم يجد الحقيقة.

﴿ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾

[ سورة التوبة : 67]

 مرةً ثانية: ما من إنسان من بين خمسة آلاف مليون إنسان الآن إلا ويبحث عن السلامة والسعادة، ولكن أسباب الشقاء هو أن الإنسان الضال الذي ابتعد عن منهج الله، يبحث عنها في غير مظانها كمن يبحث عن اللؤلؤ في الصحراء، يبحث عن السعادة في المال يكتشف الإنسان بعد حين أن المال شيء ولكنه ليس كل شيء، ثم يكتشف حينما يأتيه ملك الموت أن المال ليس بشيء، يبحث عنها في المرأة يكتشف بعد حين أن المرأة شيء ولكنها ليست كل شيء، إذا جاء ملك الموت يرى أنها ليست بشيء، يبحث عنها في العلو في الأرض بعد حين يرى أن العلو شيء ولكن ليس كل شيء، فإذا قارب الموت لم يره شيئاً، هذه خيبة الأمل التي تصيب قلب المؤمن في الحياة الدنيا هي سبب شقائه الأبدي، قال تعالى:

﴿يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي * فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ ﴾

[سورة الفجر: 24-26]

الشدائد المزلزلة التي لا يحتملها الإنسان تقوده إلى باب الله عز وجل :

 أيها الأخوة الكرام: قد يتراكم على الفطرة صدأ الشبهات، أو غبار الشهوات، وقد تنحرف، وقد تتدنس باتباع الظن، واتباع الهوى، أو التقليد الجاهل للآباء والأجداد، أو الطاعة العمياء للسادة الكبراء، وقد يصاب الإنسان بداء الغرور والعجب، فيظن نفسه شيئاً مذكوراً، يقوم وحده ويستغني عن الله. أنا حينما تحدثت عن الفطرة قلت: الفطرة النقية، الفطرة السليمة، الفطرة الطاهرة، لكن الفطرة قد تشوه بالشبهات، بالعقائد الفاسدة، بالشهوات، بالتقاليد العمياء، بالعادات والتقاليد المخالفة لمنهج الله قد يُصاب الإنسان بالغرور فيستغني عن الله، كيف يعالجه الله عز وجل؟ هذه الفطرة من حقائقها الرائعة أنها تذبل ولا تموت، تكمن ولا تزول، فإذا أصاب الإنسان من شدائد الحياة وكوارثها ما لا يستطيع أن يتحمله، ولا يستطيع أن يدفعه، فسرعان ما تزول هذه القشرة السطحية المضللة، وتبرز الفطرة العميقة الكامنة، وينطلق الصوت المخنوق المحبوس داعياً ربه، منيباً إليه، هذه القشرة المضللة التي تعلو الفطرة، الشدائد المزلزلة التي لا يحتملها الإنسان تقوده إلى باب الله عز وجل.
 لكن البطل هو الذي لا يحيج نفسه لتلك الشدائد، يعرف الله في الرخاء، يعرفه في الغنى، يعرفه في الشباب، يعرفه وهو حي قبل أن يموت. بعض الفلاسفة الملحدين تألقت فطرته وآمن بالله عز وجل، وقال: ماذا لو قال الإنسان عن نفسه إنه لا يحب نفسه أو لا يحب الحياة هل نصدقه ؟.. أو هل هو يصدق نفسه ؟ قال هذا الفيلسوف: إن الحقائق الكبيرة لا يمكن أن تسقطها الألفاظ، كذلك حقائق الإيمان لو نفيناها، ولو قللنا من قيمتها، لو تجاوزناها، لو أغفلناها، لو عتمنا عليها، فإن كل هذه المحاولات لا شيء.
 أيها الأخوة الكرام: هذا العنصر الأول أن الإنسان تأتيه السكينة ويسعد بها، وأنه اصطلح مع نفسه، توافق مع فطرته، هناك عامل آخر، ألا وهو اهتداء المؤمن إلى سرِّ وجوده، الإنسان له سر بوجوده، في أعماق كل منا أصوات خفية تناديه، ما العالم ؟.. ما الإنسان ؟.. من أين جاء ؟.. من صنعهما ؟.. من يدبرهما ؟.. ما الهدف ؟.. كيف بدءا ؟ كيف ينتهيان ؟.. ما الحياة ؟.. ما الموت ؟.. أي مستقبل ينتظر الإنسان ؟.. هل هناك حياة بعد الحياة ؟.. ما علاقتنا بهذا الخلود ؟ هذه أسئلة ملحِّة، هذه أسئلة يومية، الإنسان لا يستريح إلا إذا عرف أجوبتها الصحيحة المقنعة، المتوافقة مع العقل، ومع الفطرة، ومع الواقع، ومع النقل.

العقل السليم والفطرة السليمة عوامل مهمة في السكينة :

 أيها الأخوة الكرام: بكل بساطة، بكل يقين، الدين وحده هو الذي يحلُّ عقدة الوجود الكبرى، قد تكون ذكياً، قد تحصل على أعلى الشهادات، ولا تكون عاقلاً، إلا إذا عرفت الله عز وجل، والدين وحده وأقول وحده هو الذي يحل عقدة الوجود الكبرى، الدين هو المرجع الوحيد الذي يستطيع أن يجيبنا عن كل تلك الأسئلة مما يرضي الفطرة ويشفي الصدور، قال بعض العلماء وهذه كلمة رائعة: لو أن العقل السليم، ولو أن الفطرة الصافية تُركت بلا مؤثر خارجي لاهتديا إلى حقائق الإسلام، العقل السليم والفطرة السليمة لو أنهما تُركا بلا مؤثر خارجي لاهتديا إلى حقائق الإسلام لقول النبي عليه الصلاة والسلام:

(( قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهم عَنْهم ﴿ فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تبديل لخلق الله﴾))

[متفق عليه عن أبي هريرة]

 العقل السليم والفطرة السليمة تقول: هذا الكون لا يُعقل أن يكون من غير خالق عظيم، وبالتأكيد أيضاً الإنسان لن يستطيع أن يخلق هذا الكون، قال تعالى:

﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَا يُوقِنُونَ ﴾

[سورة الطور: 35-36]

 العقل السليم والفطرة السليمة تؤكدان أن الله سبحانه وتعالى هو الذي جعل الأرض قراراً، والسماء بناءً، وصوركم فأحسن صوركم، ورزقكم من الطيبات. العقل السليم والفطرة السليمة تؤكدان ما أكده القرآن:

﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ ﴾

[سورة الأنبياء: 16]

 العقل السليم والفطرة السليمة تؤكدان ما أكده القرآن الكريم:

﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾

[سورة ص: 26]

الصلاة عامل أساسي من عوامل السكينة :

 عامل ثالث من عوامل السكينة، إنها الصلاة.. الصلاة نور، الصلاة سرور، الصلاة ذكر، قال تعالى:

﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي ﴾

[سورة طه: 14]

 الصلاة مناجاة: " لو يعلم المصلي من يناجي ما انفتل". الصلاة ميزان فمن وفى استوفى. إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، ولذكر الله أكبر ما فيها.
 أيها الأخوة الكرام: الفرض الوحيد الذي لا يمكن أن يسقط بحال، يسقط الحج عن الفقير وعن المريض، ويسقط الصيام مؤقتاً عن المريض والمسافر، وتسقط الزكاة عن الفقير، الشهادة تؤدى مرةً واحدة، أما الفرض الذي لا يسقط بحال فهو الصلاة، إنها عماد الدين، وعصام اليقين، سيدة القربات، وغرة الطاعات، ومعراج المؤمن إلى رب الأرض والسموات، لا خير في دين لا صلاة فيه. إنها عماد الدين، من أقامها فقد أقام الدين، ومن هدمها فقد هدم الدين، أول ما يحاسب المرء عن صلاته، فإذا صحت نجح وأفلح وإن لم تصح خاب وخسر.
 أيها الأخوة الكرام: ألحُّ على أن الصلاة وميزان، يمكن أن تزن عملك بالصلاة، فإن رأيت الطريق إلى الله سالكاً، إن استطعت أن تقبل عليه فالعمل طيب، أما إذا خجلت من عملك فلن تستطيع أن تتصل به، فالصلاة ميزان، وقد قال الله عز وجل:

﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ ﴾

[سورة البقرة: 45]

 إذا اعتنيت بصلاتك نجوت من شقاء الدنيا، وامتلأ القلب سكينة، وطمأنينة، وثقة، وهدى، ونوراً.

 

بعض عوامل السعادة التي هي أحد ثمار الإيمان :

 أحد عوامل السعادة عند المؤمن أنه ليس في قاموسه كلمتان ليس في قاموسه (ليت)، وليس في قاموسه (لو) المؤمن لا يقول: لو أني فعلت كذا وكذا، ولكن يقول: قدر الله وما شاء فعل، فإن كلمة لو تفتح عمل الشيطان. غير المؤمن عنده ثلاثة مشاعر مضنية ؛ التحسُّر على الماضي، والسخط على الحاضر، والخوف من المستقبل. أما القرآن الكريم فقد طمأن كل مستقيم أنه لا خوف عليهم، ولا هم يحزنون، خوف المستقبل ملغى بتطمين الله عز وجل:

﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾

[سورة التوبة: 51]

﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ ﴾

[سورة الطور: 48]

﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

[سورة النحل: 97]

﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾

[سورة البقرة: 38]

﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ﴾

[سورة طه: 123]

﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾

[سورة الجاثية: 21]

 القرآن يطمئن..

﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ﴾

[سورة القصص: 61]

 ما أروع القرآن، المستقبل مغطى بتطمين الله عز وجل.

﴿الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ * يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾

[سورة التوبة: 20-22]

﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾

[سورة يونس: 62]

﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾

[سورة الأحقاف : 13]

﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ ﴾

[سورة الحج: 38]

 آيات كثيرة، إذا قرأتها يطمئن قلبك، ينتهي خوف المستقبل، بقي الحاضر:" ليس في إمكاني أبدع مما أعطاني" كلمة قالها الإمام الغزالي، كل شيء وقع أراده الله، وكل شيء أراده الله وقع، وإرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة، وحكمته المطلقة متعلقة بالخير المطلق، انتهى الحاضر..
 الماضي: "لو جئتني بملء السموات والأرض خطايا غفرتها لك ولا " الماضي مُغطى بالمغفرة، والحاضر مغطى بالرضا، والمستقبل مغطى بتطمين الله عز وجل.
 بينما غير المؤمن؛ ندم على الماضي، وتحسر على الماضي، وسخط على الحاضر، وخوف من المستقبل، فلذلك كلمة لو ساقطة من قاموس المؤمن، وكلمة ليست ساقطة من قاموس المؤمن، اهتداؤه إلى فطرته، وصلحه مع فطرته، ووئامه مع فطرته، ثم الإجابة على أي سؤال.
 وعدم السخط على الحاضر، هذه بعض عوامل السعادة التي هي أحد ثمار الإيمان.

 

مرتبة الإيمان مرتبة عالية جداً :

 أيها الأخوة الكرام: مرتبة الإيمان مرتبة عالية جداً، طبعاً قد يقول الإنسان: إنه دكتور وهو أمي مثلاً، فهذه اللفظة هل تجعله عالماً؟ وقد يقول الإنسان: أنا مؤمن، هذه الكلمة التي أطلقها على نفسه هل تجعله مؤمناً حقاً؟ شتان بين من يدعي أنه يحمل دكتوراه، وبين من يحمل هذه الشهادة، فرق كبير، فالدعوى لا قيمة لها، الدعوى لا تلغي حقيقة.
 الإيمان يحتاج إلى طلب علم، الإيمان يحتاج إلى انضباط، الإيمان يحتاج إلى صدق، الإيمان يحتاج إلى سعي، فيا أيها الأخوة الكرام قال تعالى:

﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً * كُلّاً نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً * انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً ﴾

[سورة الإسراء: 19-21]

 أيها الأخوة الكرام: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وتخطى غيرنا إلينا فلنتخذ حذرنا، الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني، والحمد لله رب العالمين.

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

السعادة الحقيقية في معرفة الله و الاستقامة على أمره :

 أيها الأخوة الكرام: مما يتمم هذا الموضوع عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( مَنْ كَانَتِ الْآخِرَةُ هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ، وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ، وَمَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا مَا قُدِّرَ لَهُ ))

[ الترمذي عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ]

 ورد في الآثار القدسية:

(( أن عبدي خلقت لك السموات والأرض ولم أعي بخلقهن أفيعييني رغيف أسوقه لك كل حين؟ لي عليك فريضة ولك عليّ رزق، فإذا خالفتني في فريضتي لم أخالفك في رزقك، وعزتي وجلالي إن لم ترض بما قسمته لك، فلأسلطن عليك الدنيا تركض فيها ركض الوحش في البرية، ثم لا ينالك منها إلا ما قسمه لك، ولا أبالي وكنت عندي مذموماً ))

[ورد في الأثر]

(( أنت تريد وأنا أريد، فإذا سلمت لي فيما أريد كفيتك ما تريد، وإذا لم تسلم لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد ثم لا يكون إلا ما أريد ))

[ورد في الأثر]

 أيها الأخوة الكرام: النجاح كل النجاح، والتفوق كل التفوق، والفلاح كل الفلاح، والفوز كل الفوز، والحياة الحقيقية، والسعادة الحقيقية في أن تعرف الله، في أن تستقيم على أمره، وفي أن تعمل صالحاً تقرباً إليه، وفي أن تجعل الآخرة كل همك، أن تعمل للآخرة، ولا يؤكد ذكاؤك وعقلك إلا أن تعمل للآخرة، قال عليه الصلاة والسلام:

((.. الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من اتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني ))

[ الترمذي وابن ماجة عن شداد بن أوس]

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك. اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، اقسم لنا من خشيتك، ما تحول به بيننا وبين معصيتك ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك، ومن اليقين ما تهون علينا مصائب الدنيا، ومتعنا اللهم بأسماعنا، وأبصارنا، وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا، مولانا رب العالمين. اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، ودنيانا التي فيها معاشنا وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين. اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك. اللهم لا تؤمنا مكرك، ولا تهتك عنا سترك، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين، اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا، وآمنا في أوطاننا، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً، وسائر بلاد المسلمين، اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك، ومن الفقر إلا إليك، ومن الذل إلا لك، نعوذ بك من عضال الداء، ومن شماتة الأعداء، ومن السلب بعد العطاء. اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب. اللهم صن وجوهنا باليسار، ولا تبذلها بالإقتار، فنسأل شر خلقك، ونبتلى بحمد من أعطى، وذم من منع، وأنت من فوقهم ولي العطاء، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء.
 اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين. اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام، وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى، إنك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018