الخطبة : 0394 - سلسلة الأخلاق1 ، من كليات حب الحق وإيثاره - الصدق - حاسة الشم. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0394 - سلسلة الأخلاق1 ، من كليات حب الحق وإيثاره - الصدق - حاسة الشم.


1992-05-22

الخطبة الأولى:
 الحمد لله ثم الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكُّلي إلا على الله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته وإرغاماً لمن جحد به وكفر ، وأشهد أنَّ سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلَّم ، رسول الله سيِّد الخلق والبشر ، ما اتصلت عينٌ بنظرٍ أو سمعت أذنٌ بخبر ، اللهمَّ صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد ، وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريَّته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين ، اللهم ارحمنا فإنك بنا راحم ، ولا تعذبنا فإنك علينا قادر ، والطف بنا فيما جرت به المقادير ، إنك على كل شيء قدير .

خُلق الصدق أحد أبواب حُبِّ الحق وإيثاره :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ إشارة إلى الخُطبة السابقة والتي كانت حول أن الإيمان في حقيقته خُلُقٌ حَسَن ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما بُعِثَ ليتمم مكارم الأخلاق ، وإلى أن أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً . متابعةً لهذا الموضوع ، أبيِّن لكم أن في الأخلاق كُليَّاتٍ ومفردات ، مفردات الأخلاق كثيرةٌ جداً ، لو ذهبنا نعدد عناوين المواقف الخُلُقية ، لوجدناها كثيرةً جداً ، ولكن هذه المُفردات إذا أردنا أن نُلَخِّصها في كُلِّيات ، إذا أردنا أن نلخِّص مفردات الأخلاق ، فروع الأخلاق الكثيرة إلى كُلِّيَاتٍ قليلة ، فنجد أن من هذه الكُليات حُبَّ الحَق وإيثاره ، أن تحب الحق ، أن تحب الحقيقة ، أن تؤثره على هوى نفسك . لذلك الصدق يتبع هذه الكُلِّيَة ، من نقض هذه الكلية الكذب ، شهادة الزور ، النفاق ، الرياء ، عشراتٌ بل بضع عشراتٍ من الانحرافات الخُلُقية ترجع إلى كليةٍ واحدةٍ ألا وهي حبّ الحق وإيثاره ، أحد أبواب حُبِّ الحق وإيثاره خُلُق الصدق .
 فيا أيها الأخوة المؤمنون ؛ يجب أن نعلم علم اليقين أنه لو حلّ الصدق في معتقداتنا ، وفي أقوالنا ، وفي أفعالنا ، وفي مواقفنا محل الكذب ، لاختفت آلاف المشكلات ، لفُضَّت مئات المُنازعات ، لذُللت أكثر العَقبات ، لو نهجنا منهج الصِدق الذي يعد كُلِّيةً كبرى من كليَّات هذا الدين ، أحد الأسس الحضارية التي يبنى عليها هذا الدين : الصدق ، والصدق موضوعٌ طويل ، مُتَشَعِّب ، لكن أخذ القليل خيرٌ من ترك الكثير .

 

تعريف الصدق :

 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ بعض العلماء يعرِّف الصدق بأنه : قول الحق . والحق ما كان ثابتاً ، ما كان موجوداً ، الشيء الثابت المُسْتَمِر هو الحق ، فالكلام الذي يعبِّر عن الحق هو الصدق . بعضهم قال : الصدق هو القول المطابق للواقع والحقيقة . أي قولٍ طابق الواقع فهو صدقٌ ، وأي قولٍ خالف الواقع فهو كذبٌ ، الواقع هو الأساس . ولقد بيَّنـت لكم من قبل أن المقولة إذا وافقت الواقع فهي حق ، وإذا افتقرت إلى برهان فهي تقليد ، فإذا لم يَغْلِب عليها القَطْعُ ، فهي ظنٌ أو وهمٌ أو ما إلى ذلك ، فالحق ؛ ما خلا من الوهم والظن والشك ، وما أيَّده الدليل ، وما وافقه الواقع .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ بعضهم يعرِّف الصدق بأنه : القول الذي يطابق اعتقاد المتكلم . هذا التعريف غير صحيح ، لأن المتكلِّم قد يعتقد خطأً ، فإذا جاء قوله مطابقاً لما يعتقد فهو صادقٌ عند الناس ، لكن هذا الكلام ليس مطابقاً للواقع ، فإذا ذهبنا هذا المَذْهَب ، فقد جانبنا سواء السبيل ، يؤكِّد ذلك قول الله عز وجل :

﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾

[ سورة المنافقون : 1]

 قالوا كلاماً صحيحاً ، وقالوا كلاماً مُطابقاً للواقع ، لكنهم لم يعتقدوا ذلك ، إذاً كيف يُحَل هذا الإشكال ؟ يحل بالطريقة التالية : هناك صدق الكلام ، وصدق المُتَكَلِّم ، فإذا طابق الكلام اعتقاد المتكلم ، فالمتكلم صادقٌ ، وإذا طابق الكلام الواقع والحقيقة ، فالكلام صادقٌ ، يجب أن نفرق بادئ ذي بدء بين صدق المتكلِّم وصدق الكلام ، والذي يعنينا صدق الكلام مطابقته للواقع ، هذه الآية تبيِّن بوضوح أنَّه قد ينطق الإنسان بالحق ، وقد لا يكون صادقاً فيما يقول ، أيْ حينما يخالف قوله اعتقاده ، وقد يكون صادقاً مع نفسه ولكن كلامه لا يطابق الواقع، فما هو الصدق إذاً ؟ الصدق أن يطابق الكلام اعتقادك والواقع معاً ، وإلا فهو أحد أنواع الكذب، أن يطابق الكلام اعتقادك والواقع والحقيقة معاً .

 

موضوع الكذب والصدق من أخطرِ الموضوعات في حياة الإنسان :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ إلى القرآن الكريم ففيه الشفاء ، يقول الله عز وجل :

﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾

[ سورة النحل : 105]

 من هم الكاذبون ؟ الذين يفترون الكَذِب ويعلمون أنهم كذَّابون ، يعلمون أنهم كذَّابون ويقولون بخلاف ما يعلمون ، إذاً هم سمَّاهم الله عز وجل الكذَّابون ، لا أريد أن أُعَقِّدَ الأمر عليكم ، إنما الأمر على الشكل التالي : لا تكون صادقاً إلا إذا عبَّرت عما تعتقد ، ولا تكون صادقاً مرةً ثانية إلا إذا جاء اعتقادك مُطابقاً للواقع ، لو حَلَّ الصدق محل الكذب لكنا في حالةٍ غير هذه الحال .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ تعقيبٌ صغير متعلقٌ بهذه الناحية ، هناك من يُفتي بغير علم، وهناك من يفتي بخلاف ما يعلم ، كلاهما على خطأ كبير ، وكلاهما في انحرافٍ خطير ، ولكن الذي يُفتي بغير علم خطأه عِلْمِيّ ، أما الذي يُفتي بخلاف ما يعلم ، يعلم الحقيقة ويفتي بخلافها ؛ تحقيقاً لمصلحةٍ ، أو لمأْربٍ ، أو لمكانةٍ ، أو لكسبٍ ، هذا يفتي بخلاف ما يعلم يرتكب خطأين بوقتٍ واحد ، خطأ عِلْمِيّ ، وخطأ أخلاقيّ .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ يقول الله عز وجل :

﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِماً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾

[ سورة آل عمران : 75]

 هذا خطأٌ علميٌ وخطأٌ أخلاقيٌ في وقتٌ واحد .

﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾

[ سورة آل عمران : 75]

 أولاً أيها الأخوة ؛ تطبيقاً لهذه الحقيقة الخطيرة ، يجب أن تسعى أن تعتقد ما هو واقع ، ويجب أن تقول ما تعتقد ، إن قلت ما تعتقد ، ولكن عقيدتك ليست موافقةً للواقع فكلامك كذب ، أنت صادق فيما تقول ، ولكن كلامك لا يطابق الواقع ، فأنت كاذب في قولك ، وإن اعتقدت اعتقاداً ، وإن قلت كلاماً موافقاً للحق والحقيقة ، لكنك لا تعتقد به فأنت كاذب .
 فهناك كذبان : أن تتكلم بخلاف ما تعتقد ، وأن تعتقد بخلاف ما هو واقع ، وهذا شيءٌ خطيرٌ جداً ، لأن حياتنا الأبدية متوقِّفةٌ على الصدق - بعد قليل سيأتي حديثٌ يعد من أدق الأحاديث ، لأن الصدق يهدي إلى البر والبر يهدي إلى الجنة - فموضوع الكذب والصدق من أخطرِ الموضوعات في حياة الإنسان ، فيجب أن تعتقد ما هو مطابقٌ للواقع ، ويجب أن تنطق بما تعتقد ، أن يطابق اعتقادك الواقع ، وأن يطابق كلامك ما تعتقد .

 

الاعتقاد الفاسد سبب الهلاك الوبيل :

 هناك حالة فرعية ، وهي تستنبط من قوله تعالى :

﴿ وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾

[ سورة النحل : 38]

 لعلهم صادقون فيما يقسمون . .

﴿لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾

[ سورة النحل : 38]

 هكذا يعتقدوا ؛ أن هذه الدنيا هي كل شيء ، وليس بعدها شيء ، وأن الموت نهاية الإنسان .

﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ * لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ﴾

[ سورة النحل : 38 -39]

 هذه حالة فرعية . إن اعتقدت عقيدةً لا تستند إلى واقع ، ولا إلى دليل ، ولا إلى حُجَّة ، ولا إلى برهان ؛ قد تكون صادقاً مع نفسك ، قد يكون قولك مطابقاً لعقيدتك ، ولكن هذه العقيدة تفتقر إلى البَراهين ، تفتقر إلى الحُجَج ، تفتقر إلى الأدلَّة ، عندئذٍ سوف ترى بعد حين أنك كنت كاذباً فيما تعتقد ، سوف ترى بعد حين أن هذه العقيدة التي انطلقت من خلالها إلى أهوائك لم تكن صحيحة .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ ماذا أقول لكم ؟ قد تنطلق من فكرة ، وتنطلق بها إلى كثيرٍ من المعاصي ، وأنت لا تدري ، فإذا جاء الحساب العسير رأيت أن اعتقادك الفاسد هو سبب هذا الهلاك الوَبيل ، فقبل أن أتحرَّك ، قبل أن أقول : ليس علينا في الأميين سبيل . قبل أن أقول : إن الله لا يحاسبنا حساباً عسيراً . قبل أن أقول : إن النبي عليه السلام والسلام لن يدخل الجنة حتى يشفع لكل أمته ، هكذا بسذاجة من دون أن نفهم حقيقة الشفاعة ، قبل أن تعتقد اعتقاداً زائغاً ، ويدفعك هذا الاعتقاد إلى انحرافاتٍ سلوكية ، سوف تحاسب عليها حساباً عسيراً ، قبل أن تفعل ذلك ، عُدَّ للألف كما يقولون ، بل عُدَّ للمليون ، إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم . .

((ابن عمر دينك دينك إنه لحمك ودمك خذ عن الذين استقاموا ولا تأخذ عن الذين مالوا))

[ من كنز العمال عن ابن عمر ]

كذب الأفعال :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ مُلَخَّص هذه الفقرة الأولى من الخطبة ، كذب الأقوال عدم مطابقة الكلام للواقع ، أو عدم مطابقة الكلام لما تعتقد ، هناك متكلمٌ كاذب يتكلم بخلاف ما يعتقد ، وهناك كلامٌ كاذب لا يطابق الحقيقة ، ولن تنجو من عذاب الدنيا وعذاب الآخرة إلا إذا اعتقدت اعتقاداً صحيحاً ، وعبَّرت عن هذه العقيدة تعبيراً صادقاً ، أما الشيء الأخطر فهو كذب الأفعال ، هذا عن كذب الأقوال فماذا عن كذب الأفعال ؟ أنت قد تكذب دون أن تتكلم ، طبعاً كمثل صارخ سمعته مرةً أن رجلاً يعمل في دلالة البيوت ، فأراد أن يبيع بيتاً في الليل ، فطلب الصلاة وصلّى باتجاه الشمال ، موهماً أن هذا البيت نحو القبلة ، ما تكلَّم شيئاً ، ما تكلم كلمة إلا أنه صلّى ، صلاته هذه من أفدح أنواع الكذب ، كذب الأفعال لا كذب الأقوال ، وفي حياتنا آلاف المواقف ، صادق ، ساكت ، صامت ، لكنه يفعل فعلاً يكذب فيه ، لذلك العلماء فرقوا بين النفاق وبين الرياء ، النفاق كذبٌ في الأقوال ، وأما الرياء فكذبٌ في الأفعال ، القرآن الكريم جمع بين كذب الأقوال وكذب الأفعال بقصة يوسف عليه الصلاة والسلام :

﴿وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ * قَالُوا يَا أَبَانَا﴾

[ سورة يوسف : 16-17]

 هذا كذب الأقوال . .

﴿أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾

[ سورة يوسف : 17]

 والآن كذب الأفعال :

﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾

[ سورة يوسف : 18]

 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ عندك قماش سيِّئ جداً ، تصنع منه بنطالاً وترتديه ، فإذا شاهدك الشاري ، اشتريت من هذا القماش فهذا دلالة عند الشاري على أنه قماش جيد ، تسكت ولكنك ترتدي مثل هذا القماش ، أنت لم تكذب في لسانك ، ولكن هذه الطريقة أردت بها أن توهِم المُشتري أن هذا القماش من أعلى أنواع الأقمشة ، لو أردت أن تدقق فيما يقع فيه الكذب في الأفعال ، لوجدت حياتنا مفعمةً بكذب الأفعال ، وقد قالوا : كذب الأفعال أشد خطراً من كذب الأقوال ، لأن الفعل يقبله الإنسان بأسرع مما يقبل الكلام .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ شيءٌ آخر يعدُّ من الكذب : التعبيرات الحَرَكية . قد يأتي مريضٌ إلى عند طبيب ، قد عولج عند طبيبٍ آخر ، الطبيب لا يتكلم ولا كلمة ولكن يتحوَّل ، ويتأوَّه ، ويرفع يديه ، ويرفع حاجبيه ، وكأنه يتبرَّم بهذه المعالجة التي عولج بها المريض عند زميله ، هذا نوع من أنواع تغيير الحقيقة ، فلذلك التعبيرات الحركية ؛ تعبيرات اليد ، تعبيرات العين ، تعبيرات الحاجب ، تعبيرات الرأس هذه كلها ، قد تعرض على تاجر قماشاً ، أو صنفاً ، أو بضاعةً ، يتأفَّف ، يتحوَّل ، يسكت ، لا يهتم ، وتكون البضاعة جيدة جداً ، لكن يريد أن يُضْعِفَ من قيمتها حتى يشتريها بثمنٍ بخس ، هذا كله أنواعٌ من الكذب .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ المؤمن لا يكذب ، ويربح ، ويرزقه الله عز وجل رزقاً حلالاً من دون أن يغيِّر الحقائق ، من دون أن يزوِّر ، من دون أن يدلِّس ، من دون أن يوهم . . حب الحق وإيثاره كليةٌ كبرى من كُلِّيَات هذا الدين ، أحد مظاهرها الصدق ، صدق المتكلم ؛ أن يتكلم وفق ما يعتقد ، وصدق الكلام ؛ أن يأتي الكلام مطابقاً للواقع ، وصدق الأفعال أن تكون حركاتك وإيماءاتك ، ونظراتك ، وحواجبك ، وجبينك ، وحركة رأسك ، كلها تعبِّر عن حقيقةٍ واقعة، وعن شيءٍ ثابت لا يتغير .

 

الكذب خلقٌ سيِّئ طارئ يشوه فطرة الإنسان :

 أيها الأخوة الأكارم ، ما دام الشيء خطيراً جداً إلى هذه الدرجة جاء أمرٌ إلهيٌ واضحٌ ، قطعي الدلالة ، قال :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾

[ سورة التوبة : 119]

 إذا كنت مع الصادق ، فالصادق يُنْبِئك بالصدق ، ينبئك بالحقيقة ، ينبئك بكلام مطابقٍ للواقع ، ينبئك بعقيدةٍ صحيحة ، ينبئك باتجاهٍ صحيح ، يدلك على طريق الخير ، كن مع الصادق ، إن كنت مع الكاذب أضلك ، وهداك إلى طريق جهنم ، هداك إلى طريق الانحراف ، هداك إلى طريق الكذب ، هداك إلى طريق التدليس ، هداك إلى طريق التَنَكُّر للقيَم الثابتة التي جاء بها الإسلام ، فلذلك :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾

[ سورة التوبة : 119]

 وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه إذا شعر كذباً ممن يلوذ به ، قاطعه أشهراً طويلة ، لم يكن من خلقٍ يؤْلِم النبي عليه الصلاة والسلام كخلق الكذب ، لأن الكذَّاب لا عهد له ، ولا وعد له ، ولا يصدَّق فيما يقول ، ولا يعتمد عليه ، ولا يتكل عليه ، فهو مصدر خطرٍ ، مصدر غشٍ ، مصدر خداعٍ .
 أولاً : من فضل الله علينا ، ومن حكمته البالغة أن الكذب ليس من أخلاق الإنسان الفطرية ، انظر إلى الأطفال يؤثرون الصدق ، يتكلَّمون الحقيقة من دون مواربة ، من دون تدليس ، من دون لَف ودوران ، الحقيقة على ألسنتهم ، إلا إذا نشأ الطفل في بيئةٍ منحرفة ، رأى أمه تكذب على أبيه ، رأى أباه يكذب على أمه ، رأى أنه إذا صدق نال عقاباً شديداً ، فإذا كذب نجا من العقاب . البيئة المنحرفة ، التربية السيئة ، الأهواء والشهوات ، الاعتياد ، هذه كلها من أسباب الكذب ، فإذا رُبِّيَ الطفل على الكذب نشأ أكبر الكذَّابين ، فالكذب ليس فطرةً بل هو خلقٌ سيِّئ طارئ يشوه فطرة الإنسان ، يؤكد هذا قول النبي عليه الصلاة والسلام :

((يطبع المؤمن على الخلال كلها إلا الخيانة والكذب))

[ الدر المنثور عن أبي أمامة ]

 يؤكّد هذا آيةٌ أخرى ، وهي قوله تعالى :

﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾

[ سورة الروم : 30]

 أيْ أنَّ هذه النفس البشرية مصممةٌ ، مجبولةٌ ، مفطورةٌ على حب الحق وإيثاره ، والإيمان هو الحق ، والصدق هو الحق ، وأداء الشهادة على وجهها هو الحق ، فطبيعة النفس مجبولةٌ على حب الحق ، والكذب مرضٌ يصيب هذه النفس ، لأسباب ذاتية ، ولأسباب اجتماعية ، ولأسباب بيئية ، ولأسباب تربوية .

 

سعادة المجتمع أساسها الصدق وهلاك المجتمع أساسه الكذب :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ كيف تتصورون مجتمعاً يفشو فيه الكذب ؟ المجتمع من الاجتماع ، من أن يكون الناس مع بعضهم بعضاً ، متشابكون في مصالحهم ، في علاقاتهم ، في أخذهم وعطائهم ، في بيعهم وشرائهم ، المجتمع البشري قائمٌ على علاقاتٍ بشرية ، وأساس هذه العَلاقات الكلمة ، فإما أن تكون هذه الكلمة صادقة ، إذاً هذه العلاقات تَصِحّ وتنمو ، وإما أن تكون هذه الكلمة كاذبة فهذه العلاقات تفسُد وتسوء .
 ربما لا تصدقون أن قيام المجتمع ، سلامة المجتمع ، تقدّم المجتمع ، تماسك المجتمع ، سعادة المجتمع أساسها الصدق ، وإن انحلال المجتمع ، وانهيار المجتمع ، وتفتت المجتمع ، وانحطاط المجتمع ، وهلاك المجتمع أساسه الكذب .
 إليكم هذه الأدلة : نقل المعارف ، إن لم تكن واثقاً من أن كاتب هذه المقالة صادقاً فيما يكتب ، لعلَّه ينتفع من جهة فيهاجم هذه المادة ، ويبين أنها ضارة بالصحة ، وهذا الضرر وهمي من أجل أن يُمْنَع بيع هذه المادة ، وتروج المادة البديلة ، فإذا فشا الكذب حتى عند الكُتَّاب ، وحتى عند الباحثين ، وحتى عند العلماء ، سحبت الثقة من أي شيءٍ تقرؤه ، حتى في نقل المعارف لو فشا الكذب لضعفت الثقة بالكلام المكتوب .
 كلما قرأت شيئاً ؛ لعل هذه المقالة تفيد هذه الجهة ، لعل هذا البحث يفيد هذه الجهة ، لعل هذا البحث يروِّج هذه البضاعة ، فإذا انعدم الصدق عند الكُتَّاب ، وعند الباحثين ، وعند العلماء ، فاقرأ على الأمة السلامة ، لأن هذا يدعو إلى الشك في أي شيء تقرؤه . وإذا ضعف الصدق في نقل الأخبار والوقائع ، صار كل خبرٍ يحتاج إلى تدقيق ، وإلى تمحيص ، وإلى شك ، وإلى تكذيب ، دخلنا في متاهاتٍ لا تنتهي .
 وإذا دخل الكذب في الوعود والعهود ، صار كلام الإنسان حبراً على ورق لا قيمة له ، قلقٌ لا حدود له ، خوفٌ لا حدود له .
 فتصور مجتمعاً قائماً على الكذب ؛ لا عهد ولا وعد ، ولا خبر ولا واقعة ، ولا تأريخ ، ولا معرفة ، ولا ثقافة ، كل شيء ينهار ، حتى الدعاوى والشهادات ، ترى أن القضاء يُرْهَق بالدعاوى الكاذبة ، وشهود الزور ، والافتراءات ، والخصومات المُفتعلة ، فتستهلك الأمة استهلاكاً رخيصاً إذا فشا الكذب ، فلذلك الكذب يؤدي بالمجتمع إلى الانحلال والتفكك والتخلف الحضاري والخراب والدمار ، وإذا رأيت مجتمعاً يهوي فاعلم أن الكذب أحد أسباب هذا الهوِيِّ ، وإذا رأيت مجتمعاً يصعد فاعلم أن الصدق أحد أسباب هذا .

 

حديث صحيح يُعدّ العمود الفقري في موضوع الصدق :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ إليكم الحديث الصحيح الشريف الصحيح الذي يعد العمود الفقري لهذا الموضوع ، يقول عليه الصلاة والسلام فيما رواه الإمام البخاري ومسلم :

((إن الصدق يهدي إلى البر ، وإن البر يهدي إلى الجنة ، وإن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صدِّيقاً ، وإن الكـذب يهدي إلى الفجور ، وإن الفجور يهدي إلى النار ، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عن الله كذاباً))

[ متفق عليه عن عبد الله بن مسعود]

 الرواية الثانية :

((عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر ، وإن البر يهدي إلى الجنة ، وما يـزال الرجـل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتـب عند الله صديقاً ، وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار ، وما يزال الرجل يكذب ويتحرّى الكذب ، حتى يكتب عند الله كذاباً ))

 الصدق ؛ إذا ألزمت نفسك أن تعتقد ما هو صحيح ، ما هو واقع هداك الصدق إلى عقيدةٍ صحيحة ، فإذا ألزمت لسانك أن ينطق بما تعتقد وبما هو واقع ، نجوت من آفات اللسان ، من الكذب والغش والنميمة والغيبـة ، وقول الزور والبهتان والفُحش ، والكبر والكفر ، وإذا ألزمت فعلك أن يكون مطابقاً لما تعتقد ، ولما هو واقع نجوت من كذب الأفعال ، فالبر كلمةٌ جامعةٌ لكل الخيرات ؛ الصدق في العقيدة ، وفي الأقوال ، وفي الأفعال ، لذلك قال عليه الصلاة والسلام :

((عليكم بالصدق فإن الصدق يهـدي إلى البـر ، وإن البـر يهدي إلى الجنة ، وما يزال الرجل يصدق ، ويتحرى الصدق حتى يكتب الله صديقاً ، وإن الكذب يهدي إلى الفجور ))

الاعتقاد الفاسد يؤدّي إلى عمل سيئ والعمل السيّئ يؤدي إلى النار :

 إذا اعتقدت اعتقاداً كاذباً أن الله لا يحاسب خَلْقَهُ ، أو أن هذه الدنيا هي كل شيء، هذا الاعتقاد الفاسد يدفعك إلى أن تأخذ منها كل شيء ؛ بحقٍ أو بباطل ، بما هو مشروع ، وبما هو غير مشروع .
 إذاً الاعتقاد الفاسد يؤدّي إلى عمل سيئ ، والعمل السيّئ يؤدي إلى النار ، قضية سهلة جداً ؛ اعتقاد صحيح ، كلام صحيح ، سلوك صحيح ، النهاية إلى الجنة . اعتقاد فاسد ، كلام كذب ، سلوك مُرائي ، النهايـة إلى النار ، فأساس الجنة والنار الصدق والكذب ، صدق فيما تعتقد ، صدق فيما تقول ، وفيما تفعل ، كذب فيما تعتقد ، عقيدة زائغة ، فاسدة أساسها منحرف ، إذاً ينتج عنها سلوك منحرف ، وينتج عن هذا السلوك الهلاك في الدنيا ، والشقاء في الآخرة .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ يقول عليه الصلاة والسلام :

((إذا كذب العبد تباعد منه المَلَكُ ميلاً من نتن ما جاء به))

[الجامع الصغير عن ابن عمر ]

((كبرت خيانةً أن تحدث أخاك حديثاً هو لك به مصدِّق وأنت له به كاذب))

[الدر المنثور عن النواس بن سمعان ]

 أصحاب الحِرَف ، أصحاب الحِرَف الراقيـة يقعون في هذا المَطَبّ ، هو يصدق وأنت تملي عليه ما هو موافقٌ لمصلحتك لا لمصلحته ، هو يصدِّق .

((كبرت خيانةً أن تحدث أخاك حديثاً هو لك به مصدِّق وأنت له به كاذب))

[الدر المنثور عن النواس بن سمعان ]

 ومن يصدق أيضاً أنك إذا سمعت قصةً ؛ أو إشاعةً ، أو روايةً ورويتها كما سمعتها من دون بحثٍ ، من دون تدقيقٍ ، من دون دليلٍ ، من دون دراسةٍ ، من دون فَحْصٍ للمُتَكَلِّم ، من دون فحصٍ للرواية ، إذا سمعت كلاماً ، ونقلته للناس هكذا ، فأنت كاذب ، والدليل قول النبي عليه الصلاة والسلام :

((كفى بالمرء كذباً أن يحدِّث الناس بكل ما سمع))

[الجامع الصغير عن ابن عمر ]

 أين الرقابة ؟ أين التصفية ؟ أين البحث ؟ أين التدقيق ؟ أين التأمُّل ؟ قبل أن تروي هذه القصة عن فلانة ، هذا المتكلم قد يكون كاذبًا ، أو قد يكون موهومًا ، أو قد تكون فلانة ليست التي تقول عنها أنت ، لابد من أن تتحقق ، من أن تدقق . .

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾

[ سورة الحجرات : 6]

 فالكذب خيانة ، ونقل المسموعات من دون تدقيقٍ ، من دون بحثٍ ، من دون دراسةٍ، من دون تحليلٍ أيضاً أحد أنواع الكذب ، والكذب سببٌ كبير إلى شقاء الدنيا والآخرة ، والصدق سببٌ كبير إلى سعادة الدنيا وسعادة الآخرة .

 

الصدق أحد أركان الإيمان :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ المؤمن لا يكذب ، فإذا كذب فقد أثبت أنه ليس مؤمناً ، يطبع المؤمن على الخلال كلها إلا الخيانة والكذب ، لا تكذب ، يأتيك المال من طريقٍ مشروع لا تكذب ، لا تكذب تعيش مع أهلك حياةً سعيدة ، لا تكذب ، الكذب طريقٌ إلى كل الشرور والآثام وحينما يكذب الإنسان ضَعُفَت هِمَّتَهُ .
 يروى أن أماً أرسلت ابنها ليطلب العلم في بغداد ، أرسلت معه مبلغاً من المال ، ففي الطريق وقف في طريقه قُطَّاع الطريق ، فسألوه : أمعك مال يا غلام ؟ قال : نعم . فعدّوا كلامه سُخْفَاً واستهزاءً فتركوه . في مقطع آخر من الطريق ، خرج عليه قُطَّاع الطريق - طبعاً هو مع قافلة - فسألوه : هل معك مال يا غلام ؟ قال : نعم . قال : كيف تصدق وفي هذا هلاكٌ لمالِك ؟ قال : عاهدت أمي على ألا أكذب . فوقف هذا كبير قطاع الطريق وقال : أنت تخشى أن تخون عهدك مع أمك ، وأنا أخون عهدي مع الله ، اشهد يا غلام أني تبت على يديك. فهذا الموقف الصادق لفت نظره ، غلام لا يكذب !!
أيها الأخوة الأكارم ؛ في البيع والشراء ، في العلاقات كلها ، كن صريحاً ، كن واضحاً ، عَبِّر عن الواقع كما هو ، قد تشعر بادئ ذي بدء أن في العملية إرهاقاً ، و حرجاً ، لكن الله أغلى عليك من هؤلاء الذين تكذب عليهم .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ الصدق أحد أركان الإيمان .

((عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر ، وإن البر يهدي إلى الجنة ، وما يزال الرجل يصدق ، ويتحرى الصدق حتى يكتب الله صديقاً ))

[الدر المنثور عن أبي بكر ]

والحمد لله رب العالمين
* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

حاسة الشّم :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ مَنْ مِنا يصدِّق أن في أنفه عشرين مليون خليّة عصبية مخصصة لحاسَّة الشم ، هذه الخلايا العصبية العشرين مليونًا تتركَّز وتتمرْكز في القرن العلوي للأنف ، بمساحة لا تزيد على مئتين وخمسين مليمترًا مربعًا ، هذه الخلية العصبية التي تعد عشرين مليونًا لها أهداب لا تقل عن سبعة أهداب ، هذه الأهداب عليها سائل مخاطي فيه مواد دهنية مذيبة ، هذا السائل المخاطي الذي فيه مواد دهنية مذيبة تتفاعل مع الرائحة تفاعلاً كيميائياً ، فينتج عن هذا التفاعل شكل هندسي متميَّز ، يتشكَّل تِبْعاً لطبيعة الرائحة .
 فرائحة الزهور مثلاً الشكل الهندسي الناتج عن تفاعلها مع أهداب خلايا الشم شكل مفتاح ، أو على شكل مستطيل ، أو على شكل حوض سباحة ، وهكذا كل تفاعل بين الرائحة وبين الأهداب الشَمِّية ذات الخاصة المذيبة ، والتي تتفاعل مع الرائحة تفاعلاً كيماوياً ، هذا الشكل الهندسي يرسل إشارةً عن طريق العصب الشَمِّيّ الذي يتوضَّع في الوجه إلى مركز الشم في الدماغ . الدماغ يستطيع أن يميِّز بين عشرة آلاف رائحة ، لا أن يميِّز ، يميز ويتعرَّف ، في الدماغ ذاكرة شَمِّيَة ، فإذا شم رائحةً ، تفاعلت مع أهداب الشم ، وشكلت شكلاً هندسياً ، أرسل إشارة إلى الدماغ ، الدماغ عنده عشرة آلاف رائحة ، يمررها على كل رائحةٍ ، رائحةً رائحة ، إلى أن تتطابق هذه مع تلك يقول : هذا الياسمين ، أو هذا الفُل ، أو هذا الزنبق . . . إلخ ، فكيف يعرف الإنسان الرائحة ؟ لها شكل ، وهذا الشكل يعرض على كل الروائح في الدماغ ، فإذا وافق واحدةً عرف أن هذه رائحة كذا ، وهذا يتم في لمح البصر .
  أيها الأخوة الأكارم ؛ يقول العلماء : إن هذه الأهداب فيها خصائص عديدة ؛ إنها تستطيع استشعار رائحة في تركيزٍ قليلٍ جداً ، نصف بالمليون من الميلي غرام في السنتيمتر المكعب ، هذه الأهداب تستشعر هذه الرائحة ، وتنقلها إلى الدماغ ، ويتعرف عليها ، ويقول : أشم الرائحة الفلانية . ولا تنسوا أن الإنسان عنده وسائل تَعَرُّف للمحيط الخارجي ، فالعين ترى، لكن هناك أشياء لا تراها ، وأنت في البيت ، أو أنت في المركبة ، تسمعها ، السماع خط دفاع آخر ، لكن هناك أشياء لا تراها ولا تسمعها ، لو أن فأرةً ماتت في البيت ، ما الذي يشعرك بوجودها ؟ لا صوتها ، ولا شكلها ، فهي تحت السرير ، ولكن رائحتها ، فكأن الله جل في علاه جعل من الرائحة إشعاراً للإنسان بدقائق المحيط الخارجي ، هذا من فضل الله تعالى على الإنسان .
 فعشرون مليون خلية ، وكل خلية لها سبعة أهداب ، والهُدْب عليه سائل مخاطي ، فيه مواد دهنية مذيبة تتفاعل مع الروائح تفاعلاً كيماوياً ، فينتج من هذا التفاعل شكل هندسي ، يرسل إشارة إلى الدماغ ، الذي يميِّز بين عشرة آلاف رائحة ، وتدرج هذه الرائحة على كل الروائح تباعاً إلى أن تعرفها ، فتقول : هذه كذا . وأن تركيز الرائحة نصف بالمليون من الميلي غرام في السنتيمتر المكعب ، يكفي أن تشم هذه الرائحة .

﴿ وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ﴾

[ سورة الذاريات: 21 ]

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شرّ ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك ، إنه لا يذل من واليت ، ولا يعز من عاديت ، تباركت ربنا وتعاليت ، ولك الحمد على ما قضيت ، نستغفرك ونتوب إليك ، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك . اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين . اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، ودنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر ، مولانا رب العالمين . اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك . اللهم لا تؤمنا مكرك ، ولا تهتك عنا سترك ، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين . اللهم استر عوراتنا ، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين . اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك ، ومن الفقر إلا إليك ، ومن الذل إلا لك ، نعوذ بك من عضال الداء ، ومن شماتة الأعداء ، ومن السلب بعد العطاء . اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب ، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب . اللهم صن وجوهنا باليسار ، ولا تبذلها بالإقتار ، فنسأل شرّ خلقك ، ونبتلى بحمد من أعطى ، وذم من منع ، وأنت من فوقهم ولي العطاء ، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء . اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين . اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018