الخطبة : 0592 - آثار الإيمان في حياة الفرد. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0592 - آثار الإيمان في حياة الفرد.


1996-11-15

الخطبة الأولى:
 الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنـا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته وإرغامـاً لمن جحد به وكفر. وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر أو سمعت أذن بخبر. اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين. اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرِنا الحــق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممــــن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

مكانة الإنسان في نظر الماديين :

 أيها الأخوة الكرام: النبي عليه الصلاة والسلام يعرِّف الإيمان فيقول:

(( ليس الإيمان بالتمني، ولا بالتحلي، ولكن ما وقر في القلب، وأقرَّ به اللسان، وصدَّقه العمل ))

[الجامع الصغير عن أنس بسند فيه مقال كبير]

 فإن أقر اللسان ولم يستقر الإيمان في القلب كان النفاق، وإن انحرف السلوك كان الفسق، الإيمان كامن في القلب، إلا أن له آثاراً واضحةً في حياة الفرد وفي حياة الجماعة، فمن أوضح الآثار في حياة الفرد المسلم شعوره بكرامته.
 الإنسان في نظر الماديين، في نظر التائهين، في نظر الشاردين قبضة من تراب هذا الأرض، منها نشأ وعليها يمشي، ومنها يأكل وإليها يعود، هو كتلة من اللحم، والدم، والعظام، والأعصاب، والأجهزة، والخلايا، والعقل، وفي نظر الماديين ما التفكير إلا مادة يفرزها المخُّ كما تفرز الكبد الصفراء أو كما تفرز الكلية البول، وهو هو كائن في نظر الماديين ليس له أهمية، ولا امتياز على غيره، إنه أحد الأحياء الكثيرة المتنوعة، بل هو من جنس هذه الهوام والحشرات والزواحف والقرود، غاية أمره أنه تطور بمرور الزمن فأصبح هذا الإنسان، بل إن بعض العلماء الماديين ردّ الجسم إلى العناصر الأساسية فخرج بالنتائج التالية:
 في الإنسان بالوزن المتوسط قدر من الدهن يكفي لصنع سبعة ألواح من الصابون.
 فيه قدر من الفحم يكفي لصنع سبعة أقلام رصاص. فيه قدر من الفوسفور يكفي لصنع مئة وعشرين عوداً من الثقاب. فيه من الحديد يكفي لصنع مسمار متوسط. فيه من الكلس ما يبيض به بيت دجاج صغير. فيه من الكبريت ما يطهِّر جلد كلب ميت. فيه من الماء ستة عشر كالوناً. هذه المواد التي يرجع إليها الإنسان لا تزيد عن مئة ليرة، بضدها تتميز الأشياء.
 هذا الإنسان في نظر الماديين، فأين هي مكانته في نظر المؤمنين ؟

 

مكانة الإنسان في نظر المؤمنين :

 إنه المخلوق الأول، المخلوق المكرم، خلقه الله في أحسن تقويم، كرمه أحسن تكريم، صوره فأحسن صوره، خلقه بيده، ونفخ فيه من روحه، أسجد له ملائكته، ميزه بالعلم والإرادة، وجعله خليفته في الأرض، وجعله محور النشاط في الكون، سخرَّ له ما في السموات وما في الأرض جميعاً منه، أسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنة، فكل ما في الكون له ولخدمته، أما الإنسان فهو لله تعالى. ورد في بعض الآثار القدسية:

(( ابن آدم، خلقت كل ما في الكون فلا تتعب، وخلقتك من أجلي فلا تلعب، فبحقي عليك لا تتشاغل بما ضمنته لك عما افترضته عليك، ابن آدم اطلبني تجدني، فإذا وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء ))

[ ورد في الأثر]

 هذه مكانة الإنسان في نظر المؤمنين.

 

مكانة الإنسان في نظر القرآن الكريم :

 أما مكانته في نظر القرآن الكريم.

﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾

[سورة العلق: 1-5]

 فالإنسان مخلوق أول، الله ربه..

﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾

[سورة العلق: 1-5]

 مكانة الإنسان من الله عز وجل، القرآن الكريم في آيات كثيرة بيّن قرب الإنسان من الله، أقرب المخلوقات إليه، وبيّن قرب الله من الإنسان.
 أيها الأخوة الكرام: هذا القرب حطم كل أسطورة من أساطير الوسطاء والسماسرة والمرتزقين بالأديان، الذي جعلوا أنفسهم حجاباً على أبواب رحمة الله الواسعة، في سورة البقرة:

﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾

[سورة البقرة: 186]

 ليس بينك وبين الله حجاب، وفي سورة البقرة:

﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾

[سورة البقرة : 115]

 وفي سورة المجادلة:

﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾

[سورة المجادلة: 7]

 وفي صحيح البخاري، الحديث القدسي: عَنْ أَنَسٍ رَضِي اللَّه عَنْه عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ قَالَ:

(( إِذَا تَقَرَّبَ الْعَبْدُ إِلَيَّ شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا وَإِذَا تَقَرَّبَ مِنِّي ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعًا وَإِذَا أَتَانِي مَشْيًا أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً ))

[متفق عليه عَنْ أَنَسٍ]

 هذه مكانة الإنسان عند الله، إنه أقرب المخلوقات إليه.

 

مكانة الإنسان في الملأ الأعلى :

 أما مكانته في الملأ الأعلى، فقد قال تعالى:

﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ ﴾

[سورة الحجر: 29]

مكانة الإنسان في العالم المادي :

 أما مكانة الإنسان في العالم المادي فالإنسان مركز هذا العالم، مركز السيد المتصرف، لقد سخر الله له كل ما في هذا العالم لنفعه ولإصلاح أمره، الآيات:

﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ ﴾

[سورة لقمان: 20]

 آية ثانية:

﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾

[سورة الجاثية: 12]

﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ ﴾

[سورة الحج: 20]

﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾

[سورة الجاثية: 13]

 آية أخرى:

﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً ﴾

[سورة الإسراء: 70]

 آية أخرى:

﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ * وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ * وَآَتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ﴾

[سورة إبراهيم: 32-34]

 النفخة التي في الإنسان، والتي هي من روح الله جعلته مستعداً للخلافة في الأرض، مستعداً لحمل الأمانة الكبرى، مستعداً لحمل أمانة التكليف، قال تعالى:

﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً﴾

[سورة الأحزاب: 72]

 مكانة الإنسان عند المؤمنين، مكانة الإنسان في القرآن الكريم، مكانة الإنسان عند ربه، مكانة الإنسان في الملأ الأعلى، مكانة الإنسان في العالم المادي، الكون كله مسخر له.

﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ ﴾

[سورة القيامة: 14]

 جله هكذا، وجعله مختاراً، جعله عالماً وجعله مختاراً، قال تعالى:

﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا * كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا﴾

[سورة الشمس: 7-11]

 إن فجرت تعلم أنها فجرت، وإن اتقت تعلم أنها اتقت:

﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا * كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا﴾

[سورة الشمس: 7-11]

 أعطاه حرية الاختيار، قال تعالى:

﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقاً ﴾

[سورة الكهف: 29]

﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا * كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا﴾

[سورة الشمس: 7-11]

أقوال العلماء الكبار عن مكانة الإنسان عند الله :

 الإسلام أيها الأخوة سما بالإنسان، فاعترف به كلاً، جسماً وروحاً، عقلاً وقلباً، إرادةً ووجداناً، غرائز هابطة، وأشواق صاعدة، لم يضع في عنقه غلاً، ولا في رجله قيداً، ولم يحرم عليه طيباً، ولم يغلق في وجهه باب خير، ولم يدعه للمتاجرين بالدين يتلاعبون به، قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ﴾

[سورة الإنفطار: 6]

 ماذا يقول العلماء الكبار عن مكانة الإنسان عند الله عز وجل؟ يقول أبو بكر العربي: ليس لله تعالى خلق أحسن من الإنسان، ذلك بأن الله سبحانه وتعالى خلقه حياً، وعالماً، وقادراً، ومتكلماً، وسميعاً، وبصيراً، ومدبراً حكيماً. ماذا قال الإمام الغزالي رحمه الله تعالى؟ قال: قرب العبد من ربه سببه تحليه بالصفات التي أمره أن يتخلق بها، من هنا قيل: تخلقوا بأخلاق الله، أمره بالعلم، أمره بالبر، أمره بالإحسان، أمره باللطف، أمره بإفاضة الخير، أمره بالرحمة بالخلق، أمره بالنصيحة لهم، وإرشادهم إلى الحق، ومنعهم من الباطل، هذا بعض الخلافة في الأرض. وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( إِنَّ اللَّهَ قَالَ مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ))

[ البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]

 وأما ابن القيم فيقول: اعلم أن الله تعالى اختص نوع الإنسان من بين خلقه، بأن كرمه، وفضله، وشرفه، وخلقه لنفسه، وخلق له كل شيء، وخصه بمعرفته، ومحبته، والقرب منه، وإكرامه بما لم يعط غيره، وسخر له سمواته وأرضه، وما بينهما، حتى الملائكة استخدمهم له، وجعلهم حفظة له، في منامه وفي يقظته، وظعنه وإقامته، وأنزل إليه وعليه كتبه، وأرسله وأرسل إليه، وخاطبه وكلمه، فللإنسان شأن عند الله ليس كشأن بقية المخلوقات.
 هل عرف الإنسان قيمته ؟.. هل عرف الإنسان أنه المخلوق الأول ؟.. هل عرف الإنسان أن الله خلقه لنفسه ؟.. هل عرف الإنسان مهمته في الحياة الدنيا ؟.. هل عرف الإنسان أن الله خلقه لجنة عرضها السموات والأرض ؟ لذلك أيها الأخوة الذي يرغب عن الإسلام يكون قد سفه نفسه، الإنسان يحتقر نفسه إذا أعرض عن الدين، أما إذا أقبل على الدين فقد عرف قيمته، وعرف شأنه عند الله عز وجل.

 

قيمة الفرد في الجماعة المسلمة :

 أيها الأخوة الكرام: هذا المؤمن وهو فرد، وهذه مكانته عند الله، فكيف إذا كان فرداً في جماعة، كيف إذا كان فرداً في جماعة مسلمة؟ يشعر بكرامة أفضل، وعزة أضخم، قال تعالى: الآن جماعة:

﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آَمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾

[سورة آل عمران: 110]

﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾

[سورة البقرة : 143]

 وسطاء بين الله وخلقه، لتكونوا شهداء على الناس.

﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾

[سورة المنافقون: 8]

﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ ﴾

[سورة محمد: 11]

﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾

[سورة البقرة : 257]

﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾

[سورة البقرة : 194]

 معهم بالحفظ، ومعهم بالتوفيق، ومعهم بالتأييد، ومعهم بالنصر، إن الله مع المؤمنين، وكان حقاً علينا نصر المؤمنين، أنشأ الله لك حقاً عليه أن ينصرك في الدنيا وفي الآخرة، والله سبحانه وتعالى يقول:

﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ ﴾

[سورة الحج: 38]

 ما قولك بهذه المرتبة التي رفعك الله إليها؟ فرداً ومجتمعاً، بل إن الله سبحانه وتعالى يجعل رضا المؤمن من رضا الله جلّ جلاله:

﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آَيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آَمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ ﴾

[سورة غافر: 35]

آثار الإيمان في النفس :

 لذلك أيها الأخوة لا عجب إن رأينا أعرابياً أمياً من البداة الجفاة كربعي بن عامر حينما باشرت قلبه عقيدة الإسلام، وأضاءت فكره آيات القرآن، يقف أمام رستم، قائد قواد الفرس، وهو في أبهته وسلطانه، وفي خيله ورجله، يقف أمام رستم وهو في أبهته وسلطانه غير مكترث له، ولا عابئ به، ولا بمن حوله من خدم وحشم، ولا ما يتوهج من جواره من ذهب وفضة، حتى إذا سأله رستم من أنتم ؟ أجابه هذا الأعرابي في عزة مؤمنة، وفي إيمان عزيز، إجابةً خلدها التاريخ، قال: نحن قوم ابتعثنا الله لنخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام. الخلاصة أن الإنسان من خلال القرآن الكريم وهو كتاب المسلمين الأول، الإنسان لم يُخلق عبثاً، ولم يُترك سدى، إنما خُلق لغاية وحكمة، لم يُخلق لنفسه، ولم يُخلق ليكون عبداً لعنصر من عناصر الكون، ولم يُخلق ليتمتع كما تتمتع الأنعام، لم يخلق ليعيش هذه السنين التي تطول أو تقصر ثم يبتلعه التراب ويأكله الدود ويطويه العدد. إن اعتقاد الإنسان بكرامته على الله، ومكانته في الملأ الأعلى، ومركزه القيادي في الكون يجعله يشعر بذاته، ويغالي بقيمة نفسه؛ لأنه يعتز بانتسابه إلى الله، وارتباطه بكل ما في الوجود، فيحيا عزيز النفس، هذه بعض آثار الإيمان في النفس..
يحيا عزيز النفس، عالي الرأس، لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه.

((ابتغوا الحوائج بعزة الأنفس فإن الأمور تجري بالمقادير))

[ورد في الأثر ]

(( من جلس إلى غني فتضعضع له ذهب ثلثا دينه ))

[ البيهقي في شعب الإيمان عن ابن مسعود]

 لذلك يعيش الإنسان عزيز النفس، عالي الرأس، أبياً للضيم، عصياً على الذل والهوان، بعيداً عن الشعور بالتفاهة والضياع، والعدم والفراغ.

 

آثار الإيمان في الفرد المسلم :

 الإنسان أيها الأخوة حينما يعتقد أنه خليفة الله في أرضه، ونائبه في إقامة الحق، وإفاضة الخير، وإشاعة الجمال، يشعر أن الكون كله في خدمته، وأن الملائكة الكرام في حراسته، وأن رب الوجود معه، وأنه من فصيلة الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً. الإنسان المؤمن يشعر أن وجوده لا ينتهي بالموت، الموت محطة على خط سيره، وداره لا تنتهي بالقبر، الإنسان المؤمن يزور القبر زيارة، ثم يخرج منه إلى جنة عرضها السموات والأرض، قال تعالى:

﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ * كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ * ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾

[سورة التكاثر: 1-8]

 القبر يُزار زيارة، ولا يُستقر فيه إلى أبد الآبدين، إن المؤمن الحق يشعر أن وجوده لا ينتهي بالموت، وأن داره لا تنتهي بالقبر، إنه خلق للخلود وللأبد الذي لا ينقطع ولا يزول، بينما غير المؤمن يشعر أنه مجرد حيوان ناطق، أو حيوان مفكر، من فصيلة راقية، ليس له قبل موته جذور، وليس له بعد موته امتداد، وليس له في حياته صلة بالوجود الكبير أكثر من صلة القرود به.
 أيها الأخوة الكرام: شتان بين من يعتقد أن الإنسان هو المخلوق الأول، وأنه المخلوق المكرم، وأنه المخلوق المكلف، وأن الله سبحانه وتعالى أنعم عليه بنعمة الإيجاد، ونعمة الهدى والرشاد، أنعم عليه بنعمة الإمداد، خلقه لنفسه، وخلق الكون كله من أجله، أي شعور يشعر به الإنسان حينما يعرف قيمته عند الواحد الديان، أي شعور يجعله ينطلق من قوقعته، ينطلق إلى رحابة الكون ليحقق وجوده، لينشر دين الله عز وجل، ليكون خادماً للحق، ليكون سبباً بهدى الناس..
 أيها الأخوة الكرام من عرف نفسه عرف ربه. هذه بعض آثار الإيمان في الفرد المسلم، وإذا عرفت نفسك وأن الله سبحانه وتعالى لم يسلمك إلى أحد من خلقه:

﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آَلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئاً إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ ﴾

[سورة هود: 54-57]

 حينما يعرف الإنسان قيمة نفسه، يتلو قوله تعالى:

﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾

[سورة هود: 123]

 حينما يعرف الإنسان قيمة نفسه يتلو قوله تعالى:

﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾

[سورة التغابن: 11]

 كلما قرأ آيةً من كتاب الله ملأت قلبه أمناً وطمأنينة وعزة وكرامة، وعاش حياة أخرى لا يعيشها الماديين.
 اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، والحمد لله رب العالمين.

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

الغدة النخامية آية من آيات الله الدالة على عظمته :

أيها الأخوة الكرام:

﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴾

[سورة التين:4]

 في دماغ الإنسان غدة وزنها نصف غرام، من أجل أن تعرف ماذا يعني نصف غرام اذهب إلى بائع الموازين، واطلب منه قطعة غرام احملها بيدك، هذه الغدة النخامية وزنها نصف غرام، هذه الغدة خطيرة جداً، مربوطة بالجسم تحت السرير البصري بمئة وخمسين ألف عصب، هذه الغدة تفرز هرمون النمو، هذا الهرمون مؤلف من مئة وثمانية وثمانين حمضاً أمينياً، ويجب أن يكون في كل لتر من الدم عشرة ميكرو غرام من هذا الهرمون، فإن قلت هذه النسبة أصبح الإنسان قزماً، وإن زادت هذه النسبة أصبح الإنسان عملاقاً، من يضبط هذه النسبة؟ في كل لتر من الدم يجب أن يكون عشرة ميكرو غرام من هذا الهرمون، هرمون النمو الذي تفرزه الغدة النخامية التي وزنها نصف غرام، وهناك هرمون آخر تفرزه هذه الغدة، إنه هرمون إفراز الحليب، بعد الحمل تقريباً بقليل يبدأ هذا الهرمون يجول في الدم، حتى يبلغ أوجه عند الوضع، فإذا ثديا المرأة يفرزان الحليب.. صنع من ؟.. الله جل جلاله يؤكد هذه الحقيقة، قال تعالى:

﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ * فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ﴾

[سورة البلد: 8-13]

 قال بعض المفسرين: الثديان..
 هناك هرمون آخر تفرزه هذه الغدة النخامية التي وزنها نصف غرام هرمون الاستقلاب، الاستقلاب عملية معقدة جداً، تحول الغذاء إلى طاقة، الاستقلاب مهمة الغدة الدرقية، إلا أن الغدة الدرقية لا تتحرك إلا بأمر الغدة النخامية، هناك هرمون تفرزه الغدة النخامية كي تحث الغدة الدرقية على إفراز هرمون الاستقلاب الذي يجعل من الغذاء طاقة وحركة ونشاطاً.
 هناك هرمون آخر يُفرز إلى الكظر، فالإنسان إذا واجه خطراً هذه الغدة النخامية وهي ملكة الجهاز الهرموني، وملكة الغدد، تأمر الكظر بإفراز خمسة هرمونات، هرمون يضاعف ضربات القلب، وهرمون يزيد في وجيب الرئتين، وهرمون يضيق الأوعية المحيطية كي يتوافر الدم إلى العضلات، وهرمون يأمر هرمون التجلط في الكبد كي يفرز كمية من السكر إضافية، هذا الهرمون هرمون الكظر تفرزه الغدة النخامية التي وزنها نصف غرام، وهناك هرمون خامس، هرمون النمو الجنسي، هذا الهرمون مسؤول عن صفات الذكر والأنثى المتميزة، بفعل هذا الهرمون تتضح معالم الذكورة والأنوثة عند الإنسان.
 هرمون لون الجلد، هذا الهرمون يحث الخلايا تحت الجلد على إفراز المادة الملونة، فلون الإنسان من الأبيض إلى الحنطي إلى الأسمر إلى الأسود من فعل هذه الغدة النخامية.
 هناك هرمون يحقق توازن السوائل، فلو اختل هذا الهرمون في الغدة النخامية التي وزنها نصف غرام يصبح وقت الإنسان مشغولاً في شرب الماء وإفراز البول، قد يشرب أربعة غالونات أو خمسة أو ستة أو عشرة ويفرزها في دورة المياه، وهذا يصبح شغل الإنسان الشاغل، من يحقق هذا التوازن في هذا السوائل ؟
 وهناك هرمون المخاض تفرزه الغدة النخامية، فالمخاض عملية معقدة فيها توسيع الحوض، وفيها تقلص عضلات الرحم، هذا الهرمون مبرمج، كل حركة تناسب الوضع.

﴿ ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾

[سورة عبس: 20]

 هذا هو الإنسان، هذه غدة صغيرة في دماغه سماها العلماء ملكة الغدد، اسمها الغدة النخامية وزنها نصف غرام، تفرز تسعة هرمونات أساسية في حياة الإنسان، لو اختلت هذه الغدة، أو اختل إفراز هرموناتها لكانت حياة الإنسان جحيماً لا يطاق.

﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ * فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ﴾

[سورة البلد: 8-13]

 ليته يفك رقبته من شهوات الدنيا كي يصل إلى الله ؛ لأن الشهوات حجاب بينك وبين الله.

 

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك. اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك، ومن اليقين ما تهون علينا مصائب الدنيا، ومتعنا اللهم بأسماعنا، وأبصارنا، وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا، مولانا رب العالمين. اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، ودنيانا التي فيها معاشنا وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين. اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك. اللهم لا تؤمنا مكرك، ولا تهتك عنا سترك، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين، اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا، وآمنا في أوطاننا، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً، وسائر بلاد المسلمين. اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك، ومن الفقر إلا إليك، ومن الذل إلا لك، نعوذ بك من عضال الداء، ومن شماتة الأعداء، ومن السلب بعد العطاء. اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب. اللهم صن وجوهنا باليسار، ولا تبذلها بالإقتار، فنسأل شر خلقك ونبتلى بحمد من أعطى وذم من منع، وأنت من فوقهم ولي العطاء، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء. اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين.
 اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام، وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى، إنك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018