الخطبة : 0591 - السنة المطهرة 2 - قواعد التعامل مع السنة. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0591 - السنة المطهرة 2 - قواعد التعامل مع السنة.


1996-11-08

الخطبة الأولى:
 الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنـا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته وإرغامـاً لمن جحد به وكفر. وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر أو سمعت أذن بخبر. اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين. اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرِنا الحــق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممــــن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

طريق محبة الله هو في اتباع سنة النبي :

 أيها الأخوة الكرام: موضوع الخطبة اليوم متمم للخطبة السابقة، كيف نتعامل مع السنة بعد أن تبين من خلال الخطب السابقة أنه لا يمكن أن نستغني بالقرآن عن السنة، فهي البيان النظري، والتطبيق العملي، والسنة كما قال العلماء تفصل ما أجمله القرآن، وتخصص ما عممه، وتقيد ما أطلقه، وتضع له الصور التطبيقية، من حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
 أيها الأخوة الكرام: لكي ننفي عن السنة انتحال المبطلين، وتحريف الغالين، وتأويل الجاهلين ؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

((يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين ))

[البغدادي أحمد بن علي بن ثابت : شرف أصحاب الحديث، إسناده رجال ثقات]

 هذا الموضوع من أخطر موضوعات الدين، ذلك بأن توثيق الأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم نوع من إحقاق الحق وإبطال الباطل، ولماذا اهتم المسلمون هذا الاهتمام الكبير بسنة نبيهم والتحقق منها ؟.. لأن هناك طريقاً واحداً لاكتساب رضوان الله تعالى، واكتساب محبته، هذا الطريق الواحد اتباع سنته، والدليل قول الله عز وجل:

﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾

[ سورة آل عمران: 31]

 فطريق محبة الله، وطريق المغفرة، وطريق سعادة الدنيا والآخرة، وطريق الفوز والفلاح والنجاح والتفوق هو في اتباع سنة النبي عليه الصلاة والسلام، وهناك دليل آخر وهو قوله تعالى:

﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾

[سورة الأنفال: 33]

 قال علماء التفسير، أنت فيهم أي أن سنتك مطبقة في حياتهم، مطبقة في بيوتهم، مطبقة في بيعهم وشرائهم، مطبقة في أحزانهم، مطبقة في أفراحهم، مطبقة في إقامتهم، مطبقة في سفرهم، مطبقة في علاقاتهم الخارجية:

﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾

[سورة الأنفال: 33]

 لذلك اهتم المسلمون اهتماماً كبيراً بسنة نبيهم عليه الصلاة والسلام والتحقق منها من أجل أن ينالوا رضوان الله عز وجل، ومحبته، والفوز في الدنيا والآخرة.

 

شروط صحة الحديث :

 من القواعد الأساسية في التعامل مع السنة ثلاث قواعد، القاعدة الأولى: قبل كل شيء أن نستوثق من ثبوت السنة وصحتها، بحسب الموازين العلمية والدقيقة التي وضعها الأئمة الأعلام في الحديث والتي تشتمل على السند والمتن جميعاً، السند: الرواة، والمتن: نص الحديث، سواء أكانت سنة قولية أم عملية أم تقريرية.
 أيها الأخوة الكرام: لقد وضع علماء السنة خمسة شروط لصحة الحديث، هذه الشروط هي أولاً: ثلاثة شروط في السند، وشرطان في المتن.. السند: الرواة، والمتن: نص الحديث.. فلابد للراوي من أن يكون واعياً، يضبط ما يسمع، ويحكيه طبق الأصل، هذه الصفة – الضبط- في السماع والنقل بدقة تامة، هذه أول صفة في الراوي، ولابد مع هذا الوعي الذكي، لابد من خلق متين، وضمير حي، يتقي الله، ويرفض أي تحريف، هذه الصفة الثانية اسمها العدالة، الضبط والعدالة.. ولابد من أن تستمر هاتان الصفتان في سلسلة الرواة من أول راوٍ إلى آخر راوٍ، الضبط والعدالة لكل رواة الحديث، والاتصال هي الصفة التي لابد من توافرها في الحديث، وأما الصفتان المتعلقتان بالمتن أي بنص الحديث فأن يخلو الحديث من شذوذ أو علة قادحة، أي أن يأتي الموثوق مخالفاً من هو أوثق منه، صار الحديث شاذاً، أو هناك علة قادحة في متن الحديث تتناقض مع أصول الدين.
 لا نستطيع أن نتعامل مع السنة إلا وفق هذا الشرط الأول؛ التحقق من صحة الحديث.
 شيء آخر أيها الأخوة بعد أن ننتهي كما قلت قبل قليل من السند ننتقل إلى المتن نص الحديث، يجب أن لا يكون شاذاً وألا يكون به علة قادحة، والشذوذ أن يخالف نص الحديث حديثاً أوثقاً منه. أن يخالف الراوي الثقة من هو أوثق منه، والعلة القادحة عيب يبصره المحققون في الحديث فيردونه به، وقد يصح السند ولا يصح المتن، وقد يصح المتن ولا يصح السند، ولا يُعرف أيها الأخوة في تاريخ الثقافة الإنسانية نظيراً لعلم مصطلح الحديث، ولا نظيراً لعلم الجرح والتعديل، بل لا يُعرف نظير لهذا التأصيل والتوثيق، وقد وصلت أنواع الحديث عند ابن الصلاح إلى خمسة وستين نوعاً، وعند السيوطي إلى ثلاثة وتسعين نوعاً، هذا من حفظ الله لكتابه، الله جل جلاله يقول:

﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾

[سورة الحجر: 9]

 من حفظ كلام الله حفظ سنة نبيه، ومن حفظ سنة نبيه توافر هؤلاء العلماء الأعلام الموثوقون، العدول، الضابطون لرعاية السنة، وتحقيقها، وفرزها، وتصنيفها، والبحث في عللها.

 

قواعد التعامل مع السنة :

 أول قاعدة في التعامل مع السنة: أن تتحقق من صحة الحديث؛ لأن الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعضه قطعي الثبوت، وبعضه ظني الثبوت، بعضه متواتر وصحيح وحسن، وبعضه ضعيف وموضوع، لذلك لابد من التحقق من صحة الحديث قبل أن تبني عليه شيئاً، قبل أن تبني عليه بناءً وأساسه غير ثابت.
 القاعدة الثانية في التعامل مع السنة: أن يُفهم النص النبوي وفق دلالات اللغة، ووفق سياق الحديث، ووفق سبب وروده، وفي ظلال النصوص القرآنية والنبوية الأخرى؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يمكن أن يكذب ربه، ولا يمكن أن يكذب نفسه، وفي إطار المبادئ العامة، والمقاصد الكلية للإسلام، مع ضرورة التمييز بين ما جاء على سبيل تبليغ الرسالة، وما لم يجئ كذلك، أو ما كان من السنة تشريعاً وما ليس بتشريع من خصوصيات النبي، وما كان من التشريع له صفة العموم والدوام، وما كان له صفة الخصوص والتأقيت، ومن أخطر آفات السنة خلط أحد القسمين بالآخر. كلكم يعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مع أصحابه الكرام يأكلون لحم جزور، وقد دخل وقت العصر وقاموا ليصلوا، فقال عليه الصلاة والسلام: " كل من أكل لحم جزور فليتوضأ، قالوا: كلنا أكلنا لحم جزور، قال: كلكم فليتوضأ"
 هناك حالة خاصة تقتضي أن يستر النبي عليه الصلاة والسلام هذا الذي انتقض وضوءه، فأمر الجميع أن يتوضؤوا ستراً لحاله، هذه ليست قاعدة عامة، لا يمكن أن نقول إذا تناولنا لحم جزور علينا أن نتوضأ، فيجب أن نفرق في فهم الحديث بين ما كان عاماً مطرداً وبين ما كان خاصاً مؤقتاً.
 أعيد هذه الفقرة مرةً ثانية: يجب أن نفهم الحديث وفق دلالات اللغة، ووفق سياق الحديث، ووفق سبب وروده، وفي ظلال النصوص القرآنية والنبوية الأخرى، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يمكن أن يكذب ربه، ولا يمكن أن يكذب نفسه، وفي إطار المبادئ العامة، والمقاصد الكلية للإسلام، مع ضرورة التمييز بين ما جاء على سبيل تبيلغ الرسالة، وما كان من التشريع له صفة العموم والدوام، وما كان له صفة الخصوص والتأقيت، من أخطر آفات السنة خلط أحد القسمين بالآخر، هذه القاعدة الثانية في فهم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
 ثم هناك شيء ثالث من قواعد التعاون مع السنة أن يسلم النص من نص معارض أقوى منه من القرآن، أو من أحاديث رسول الله، أوفر عدداً، أو أصح ثبوتاً، أو أوثق بالأصول، وأليق بحكمة التشريع، أو أليق بالمقاصد العامة للشريعة التي اكتسبت صفة القطعية.
 إذاً ثلاثة قواعد: أن نتأكد من صحة الحديث، وهذا ميسور جداً لأن في أيدينا كتب الصحاح.

 

أقسام الحديث :

 كتب الصحاح تغنينا عن البحث، كل الكتب التي تعتمد على الحديث الصحيح هذه نقتنيها، وهذه نقرؤها، وهذه نتعلم منها، أما الكتب التي فيها الأحاديث الضعيفة والموضوعة فينبغي أن نبتعد عنها، كما قلت قبل قليل: الحديث كما صنفه علماء الحديث، حديث صحيح اتصل سنده بنقل العدل الضابط عن مثله من أوله إلى منتهاه، وسلم من شذوذ وعلة قادحة، هذا كمال الضبط، والحديث الحسن أيضاً ما اتصل سنده بنقل العدل الضابط ضبطاً أخف من ضبط الصحيح، وسلم أيضاً من شذوذ وعلة قادحة.
 في الحديث الصحيح أخذنا كمال الضبط، في الحديث الحسن أخذنا أصل الضبط، وأما الحديث الضعيف فهو الحديث الذي لم تجتمع فيه صفات القبول، ضبط الرواة، وعدالتهم، وسلامة الحديث من شذوذ أو علة قادحة، إذا اختل أحد هذه الشروط سقط الحديث عن مرتبة الصحيح والحسن، وصار في مرتبة الضعاف.
 أيها الأخوة الكرام: أما الحديث الموضوع فهو الحديث الذي اختلقه وافتراه واحد من الناس ونسبه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، تحرم رواية الحديث الموضوع إلا لتنبيه الناس إلى أنه موضوع، لذلك أيها الأخوة الكرام علينا بالكتب الصحيحة، هذه نعتمد عليها، وهذه نأخذ منها، وهذه نُعنى بها، أما الكتب التي اختلطت فيها الأحاديث الصحيحة مع الموضوعة والضعيفة، فينبغي أن نبتعد عنها لئلا يدخل علينا ما ليس من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
 موضوع دقيق جداً ؛ إن قبول الأحاديث المكذوبة يدخل في الدين ما ليس فيه، ويفرق الأمة، وما من جهة زلت وأضلت جهلاً أو كيداً إلا اعتمدت على الأحاديث الموضوعة، وأحلت الأشخاص محل المبادئ.
 ما من إنسان مهما علت مكانته ممكن أن يؤخذ منه بلا دليل إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكلامه هو الدليل؛ لأن الله أوحى إليه القرآن، وأوحى إليه السنة، وعصمه من أن يخطئ في أقواله وأفعاله وإقراره، فكل إنسان يؤخذ منه ويُرد عليه إلا صاحب هذه القبة الخضراء، كل ما جاءنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلى العين والرأس، وكل ما جاءنا عن صحابته فعلى العين والرأس، وما سوى ذلك فنحن رجال وهم رجال. هذا عن قبيل الأحاديث المكذوبة، يدخل بالدين ما ليس فيه فينحرف الدين.

أية إضافة إلى الدين أو أي حذف منه اتهام ضمني له بالنقص أو التجاوز :

 هناك مشكلة أخرى تقابل هذه المشكلة، هو ردُّ الأحاديث الصحيحة، إن رد الأحاديث الصحيحة لا يقل خطراً عن قبول الأحاديث الموضوعة؛ لأن الأول أخرج من الدين ما هو منه، رد الحديث الصحيح، أخرج من الدين ما هو منه، وقبول الحديث الموضوع أدخل في الدين ما ليس منه، ولكي نحافظ على جوهر الدين كما بدأ يجب ألا ندخل عليه ما ليس فيه، وألا نخرج منه ما هو منه.
 أية إضافة إلى الدين مما ليس منه، أو أي حذف من الدين مما هو فيه، اتهام ضمني للدين بالنقص، أو التجاوز، مع أن الله سبحانه وتعالى يقول:

﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾

[سورة المائدة: 3]

 فالتمام عددي، والكمال نوعي، وعدد القضايا التي عالجها القرآن الكريم عدد تام، ونوع المعالجة معالجة كاملة:

﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾

[سورة المائدة: 3]

 لا ينقذنا أيها الأخوة إلا أن نتمسك بالكتاب والسنة:

(( إني قد تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما؛ كتاب الله وسنتي...))

[الحاكم في مستدركه عن أبي هريرة ]

 يجب أن نضيف إلى السنة الصحيحة: وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم الصحيحة.

 

العقل و النقل :

 أيها الأخوة الكرام: أنصاف المتعلمين يقرؤون حديثاً شريفاً صحيحاً، فيتوهمون له معنىً في نفوسهم هم فسروه بهذا المعنى، وهذا المعنى غير مقبول عندهم، فيتسرعون، ويتعجلون برد الحديث لاشتماله على معنى مرفوض، ولو أنصفوا وتأملوا وبحثوا، لعلم هؤلاء أن معنى الحديث ليس كما فهموه، إن المسارعة بردِّ كل حديث يشكل علينا فهمه وإن كان صحيحاً مجازفة لا يجترئ عليها الراسخون في العلم.
 أن ترد الحديث الصحيح ببساطة، وبسذاجة من دون تحقق، ومن دون تبصر، من دون أن تقف على جلية حقيقته، ولا على ما أراد به النبي عليه الصلاة والسلام، هذا موقف غير ناضج، لا يليق بالراسخين بالعلم. هذا هو الفرق، بين من يجعل عقله حكماً على السنة، فيقبل منها ما يعجب عقله، ويرفض منها ما لا يعجبه عقل، فجعل العقل فوق التشريع، وفوق الوحي الثاني، وحي السنة، وبين من يجعل عقله لفهم السنة، فرق كبير.. يجب أن تكون السنة حكماً على عقولنا لا أن يكون عقلنا حكماً على السنة.
 أيها الأخوة الكرام :من الثابت أن دور العقل مع النقل دور خطير، هذا الدور له شعبتان، شعبة قبل النقل، وشعبة بعد النقل، فالتي قبل النقل التحقق من صحة النقل، والتي بعد النقل فهم النقل، عقلك للتحقق من صحة النقل ولفهم النقل، أما أن تعطيه صلاحية رد النقل لأنه لم يعجب عقلك، فعقلك ليس مطلقاً في خصائصه، عقلك كالعين تماماً مهما كانت دقيقة البصر لا تستطيع أن ترى بلا نور وسيط بينك وبين الأشياء، والنور في العقل هو الوحي، فالوحي هو الأصل.

 

 

أمثلة عن دور العقل و النقل :

 أعطيكم بعض الأمثلة: قرأ بعضهم الحديث الذي رواه ابن ماجة، في صحيح الجامع الصغير، هذا الحديث عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ:

(( أَحِبُّوا الْمَسَاكِينَ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ: اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مِسْكِينًا وَأَمِتْنِي مِسْكِينًا وَاحْشُرْنِي فِي زُمْرَةِ الْمَسَاكِينِ ))

[ابن ماجة عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ]

(( اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مِسْكِينًا وَأَمِتْنِي مِسْكِينًا وَاحْشُرْنِي فِي زُمْرَةِ الْمَسَاكِينِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَقَالَتْ عَائِشَةُ لِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ إِنَّهُمْ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ قَبْلَ أَغْنِيَائِهِمْ بِأَرْبَعِينَ خَرِيفًا يَا عَائِشَةُ لَا تَرُدِّي الْمِسْكِينَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ يَا عَائِشَةُ أَحِبِّي الْمَسَاكِينَ وَقَرِّبِيهِمْ فَإِنَّ اللَّهَ يُقَرِّبُكِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ))

[أحمد عَنْ أَنَسٍ]

 بعضهم فهم المسكنة أنها الفقر من المال، والحاجة إلى الناس، وهذا يتنافى مع استعاذة النبي عليه الصلاة والسلام من فتنة الفقر، وسؤاله من الله تعالى العفاف والغنى، وقوله لسيدنا سعد بن أبي وقاص: إن الله يحب العبد التقي الخفي الغني، ولعمر بن العاص: نعم المال الصالح للمرء الصالح، من أجل هذا يرى أن هذا الحديث يتناقض مع كل هذه الأدعية والأحاديث فرد هذا الحديث مع أنه صحيح.. والحقيقة أن المسكنة التي أرادها النبي عليه الصلاة والسلام ليست هي الفقر، لأن النبي استعاذ بالله منه، وقرنه بالكفر، فقال:

(( اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر ...))

[صحيح البخاري عن أبي بكرة]

 وامتنَّ عليه بالغنى:

﴿وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى ﴾

[سورة الضحى: 8]

 إنما المراد بالمسكنة التواضع، وخفض الجناح، قال ابن كثير: " التواضع والإخبات وألا يكون من الجبارين المستكبرين" لذلك عاش النبي صلى الله عليه وسلم بعيداً عن حياة المستكبرين، كان يجلس كما يجلس العبد، ويأكل كما يأكل العبد، ويأتي الغريب فلا يميزه من بين أصحابه، يقول: أيكم محمد؟ وفي رواية أخرى يقول له بعض أصحابه: ذاك الوضيء هو محمد، أيكم محمد ؟.. كان يجلس كما يجلس أصحابه، لم يتكبر عليهم، لم يعلو عليهم، كان كواحد منهم: كان في بيته كما يروى عنه يخصف نعله، ويرقع ثوبه، ويحلب شاته: ويطحن بالرحى مع الغلام، ولما دخل عليه رجل أصابته رعدة فقال: هون عليك:

((هون عليك فإني ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد بمكة))

[ ابن ماجه عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ]

 دخل عليه عمر رضي الله عنه رآه مضطجعاً على حصير وقد أثّر الحصير في خده الشريف، فبكى عمر، قال: ما يبكيك يا عمر ؟ قال عمر رضي الله عنه: رسول الله ينام على الحصير، وكسرى ملك الفرس ينام على الحرير، فقال: يا عمر إنما هي نبوة وليست ملكاً أفي شك أنت يا عمر ؟.. أما ترضى أن تكون الدنيا لهم والآخرة لنا ؟ هذا معنى قول النبي:

(( اللهم أحييني مسكيناً، وأمتني مسكيناً، واحشرني في زمرة المساكين ))

[كنز العمال عن أبي سعيد ]

 أن أكون متواضعاً، أن أكون لين الجانب، أن أكون مصغياً لكل قول، وألا أعلو على الناس، وألا أستكبر عليهم، فنبغي أن نفهم الحديث كما أراده النبي عليه الصلاة والسلام، كما ينبغي أن يفهم، لذلك التسرع بقبول الأحاديث المكذوبة، والتسرع بردّ الأحاديث الصحيحة، كلاهما يشوهان الدين، قبول المكذوب يدخل على الدين ما ليس منه، فإذا نحن أمام تصرفات، وأفكار بعيدة بعد الأرض عن السماء عن سنة النبي صلى الله عليه وسلم، أما إذا رددنا الأحاديث الصحيحة، أنقصنا من الدين ما هو فيه.
 أيها الأخوة الكرام: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا، الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني، والحمد لله رب العالمين.

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

العدالة و الضبط :

 أيها الأخوة الكرام: ذكرت لكم مثلاً عن رد الحديث الصحيح دون أن نفهمه فهماً دقيقاً، وفاتني أن أذكر لكم مثلاً عن حديث موضوع. وضع الوضاعون: كل الناس هلكى إلا العالمون، والعالمون هلكى إلا العاملون، والعاملون هلكى إلا المخلصون، والمخلصون على خطر عظيم..
 قال: هذا الحديث وضعه الواضعون لتيئيس الناس، لو كنت عالماً لا تنجو، لو كنت عالماً عاملا مخلصاً لا تنجو، لو كنت عالماً عاملاً مخلصاً أنت على خطر عظيم، هذا الحديث وضعه الوضاعون للتيئيس، لذلك حسبنا بما قاله النبي عليه الصلاة والسلام.
 شيء آخر: من عامل الناس فلم يظلمهم، وحدثهم فلم يكذبهم، ووعدهم فلم يخلفهم، فهو ممن كملت مروءته، وظهرت عدالته، ووجبت أخوته، وحرمت غيبته .
 أقف عند كلمة عدالة، العدالة: صفة نفسية أساسها الورع والاستقامة والخوف من الله عز وجل .
 والضبط: صفة عقلية أساسها دقة الفهم، وقوة الذاكرة، فلابد في الراوي من صفتين، العدل والضبط، العدل.. تسقط العدالة بالكذب، تسقط العدالة بالظلم، تسقط العدالة بالخيانة، لكن هناك أشياء تجرح العدالة..
 ما الذي يجرح العدالة؟ الأكل في الطريق، أكل لقمة من حرام، تطفيف بتمرة بالميزان، إذا طففت مقدار تمرة جُرحت عدالتك، سقوط العدالة شيء والجرح شيء آخر، المشي حافياً في الطريق يجرح العدالة، البول في الطريق يجرح العدالة، التنزه في الطرقات؛ لأن في الطرقات غاديات رائحات، مائلات مميلات يجرح العدالة، الحديث عن النساء يجرح العدالة، من علا صياحه في البيت تجرح عدالة، من أطلق لفرسه العنان، السرعة العالية في قيادة السيارات الآن، تجرح العدالة، من قاد برذوناً، اقتنى حيواناً مخيفاً أرعب به الجيران، ككلب كبير تجرح عدالة، من قاد برذوناً، من تنزه في الطرقات ليمتع بصره في الغاديات الرائحات، من تحدث عن النساء وعن أشكالهن وعن طباعهن إلى آخره. أكل لقمة من حرام، لا تنوي أن تشتري هذه الحاجة، أكلت قطعة منها لإيهام البائع أنك تتذوقها، وأنت لا تنوي الشراء، أكلت لقمة من حرام. عدَّ الفقهاء ثلاثاً وثلاثين صفة في الإنسان تجرح العدالة.
 إن صاحبت من هو ذو مزاح رخيص، إن صاحبته تجرح عدالتك، العدالة صفة راقية جداً.. تسقط بالكذب، تسقط بالظلم، تسقط بالخيانة، وتجرح بان تمشي حافياً، بان تبول في الطريق، بأن تطفف بتمرة، بأن تأكل لقمة من حرام، بأن تقود برذوناً، بأن تقود لفرسك العنان، بأن تتحدث عن النساء، بأن تتنزه في الطرقات، تُجرح العدالة بأن يعلو الصياح في البيت، تجرح العدالة بصحبة الأراذل، هذه كلها تجرح العدالة، فالمسلم عدل ضابط، يتحقق مما يسمع ويروي بدقة، حتى إن بعض العلماء يقول: إن كنت ناقلاً فالصحة:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ﴾

[سورة الحجرات: 6]

 إن كنت ناقلاً فالصحة، إن كنت مدعياً فالدليل، ائت بالدليل ولولا الدليل لقال من شاء ما شاء، ولولا الدليل لانتهى الدين، فلذلك المؤمن الصادق لا يقبل إلا بالدليل، الدليل والتعليل، وهذا معنى قول الله عز وجل:

﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾

[سورة يوسف: 108]

 ما معنى البصيرة ؟ البصيرة أن تطالب بالدليل والتعليل..

﴿أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾

 لذلك النبي عليه الصلاة والسلام أمّر أنصارياً على سرية، هكذا تروي كتب الصحاح، أن هذا الأنصاري كان ذا دعابة، فأمر أصحابه أن يوقدوا ناراً عظيمة، وقال: اقتحموها، فاحتار الصحابة، من جهة طاعة الأمير طاعة رسول الله - من أطاع أميري فقد أطاعني- ومن جهة.

﴿ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ﴾

[سورة البقرة: 195]

 ماذا يفعلون؟ اختلفوا، فلما عرضوا الأمر على النبي عليه الصلاة والسلام قال: والله لو اقتحمتموها لا زلتم فيها، إنما الطاعة في معروف..

﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾

[سورة يوسف: 108]

كل إنسان أمام ثلاثة نصوص :

 أيها الأخوة الكرام: هذا بعض ما في منهج القرآن والسنة، هذه بعض القواعد التي ينبغي أن نتعامل معها مع السنة، ملخص الخطبتين نحن أمام ثلاثة نصوص، نص قرآني، ونص نبوي، ونص لأي إنسان آخر، النص القرآني قطعي الثبوت، مهمتنا أن نفهمه، وفق دلالات اللغة، ووفق علم أصول الفقه، مهمتنا مع القرآن واحدة، لكن لأن سنة النبي بعضها قطعية الثبوت وبعضها ظنية الثبوت، مهمتنا معها مهمتان، الأولى التحقق من صحة الحديث، والمهمة الثاني: فهم الحديث وفق دلالات اللغة، وورود الحديث، وسياق الحديث وما إلى ذلك، أما إذا قرأت نصاً آخر غير القرآن والسنة، لك معه ثلاث مهمات، الأولى: التحقق من نسبة هذا النص إلى قائله، الثاني: أن تفهمه وفق ما أراد قائله، لا أن تزود عليه فهماً ما أراده، أما الثالثة فأن تقيسه بالكتاب والسنة، فإن وافق الكتاب والسنة فعلى العين والرأس وإن لم يوافقهما فاركله بقدمك.
 أيها الأخوة الكرام: أما هؤلاء الذين يقولون كلاماً كالألغاز هؤلاء خالفوا السنة؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

((حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ))

[ البخاري عن علي]

 فكلمات كالألغاز نلقيها على الناس، ظاهرها شرك، وظاهرها كفر، ونعني معنىً آخر، نحن ما أردنا المعنى الظاهري، هذه متاهة نحن في غنى عنها، يجب أن نخاطب الناس بكلام واضح كالشمس، بكلام لا يحتمل وجهين، بكلام فصل.
 هذه بعض القواعد في فهم الأحاديث الصحيحة.

 

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، لك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك. اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك. اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، اقسم لنا من خشيتك، ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك، ومن اليقين ما تهون علينا مصائب الدنيا، ومتعنا اللهم بأسماعنا، وأبصارنا، وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا، مولانا رب العالمين، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، ودنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، اللهم لا تؤمنا مكرك، ولا تهتك عنا سترك، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين، اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا، وآمنا في أوطاننا، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً، وسائر بلاد المسلمين، اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك، ومن الفقر إلا إليك، ومن الذل إلا لك، نعوذ بك من عضال الداء، ومن شماتة الأعداء، ومن السلب بعد العطاء، اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب، اللهم صن وجوهنا باليسار، ولا تبذلها بالإقتار، فنسأل شر خلقك ونبتلى بحمد من أعطى وذم من منع، وأنت من فوقهم ولي العطاء، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء، اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين، اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام، وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى، إنك على ما تشاء قدير وبالإجابة جدير.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018