الخطبة : 0584 - الصحة والفراغ. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0584 - الصحة والفراغ.


1996-09-13

الخطبة الأولى:
 الحمد لله نحمده ، ونستعين به ونسترشده ، ونعوذ به من شرور أنفسنـا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً . وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته وإرغامـاً لمن جحد به وكفر . وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر ، ما اتصلت عين بنظر أو سمعت أذن بخبر . اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين . اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرِنا الحــق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممــــن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

الغبن يؤلم النفس ويورث الندامة :

 أيها الأخوة الكرام ؛ في صحيح البخاري وهو من أصح كتب الحديث ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي اللَّه عَنْهمَا قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

((نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ ))

[البخاري عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ]

 هذا الحديث ورد في باب سماه البخاري باب الرقاق ، والرقاق جمع رقيقة ، والرقيقة تحدث في القلب الرقة ، أي أن النبي عليه الصلاة والسلام توجه مرةً إلى عقلنا فأقنعنا ، وتوجه مرةً إلى قلبنا فحركه ، وقد صنف الإمام البخاري هذا الحديث في باب الرقاق ، والرقة أيضاً هي الرحمة .
 النعمة أيها الأخوة حالة حسنة ترضي الإنسان ، منفعة مفعولة على جهة الإحسان إلى الغير .

((نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ ))

[البخاري عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ]

 ما الغبن ؟ الغبن في البيع والشراء أن تشتري سلعة بثمن فاحش لا تساوي هذا الثمن ، فأنت قد غُبنت ، وقد ظُلمت ، أي اشتريت سلعة خسيسة بثمن كبير ، أو إذا غُبنت في البيع ، بعت شيئاً ثميناً بثمن بخس ، والغبن أيها الأخوة يؤلم النفس أشدّ الإيلام ، يورث الندامة التي لا توصف ، يقول عليه الصلاة والسلام :

((نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ ))

[البخاري عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ]

 الغبن في البيع أن تبيع سلعة ثمينة بثمن بخس ، تندم أشدّ الندم ، تتألم أشدّ الألم ، والغبن في الشراء أن تشتري سلعةً خسيسة بثمن كبير . هذا هو الغَبنُ في البيع والشراء ، أما الغَبنُ في الرأي فأن تعتقد شيئاً غير صحيح ، أن تعيش في الوهم ، أن يمتلئ العقل بأفكار كلها مغلوطة ، هذا هو الغَبنُ ، الغَبن في البيع والشراء ، والغَبنُ في الفكر والرأي والعقيدة ، فهذا الذي يعتقد خطأً عقيدة فاسدة ، يتحرك حركة فاسدة ، هذا الذي يعتقد عقيدة منحرفة ، يتحرك حركة منحرفة ، ومتى ساء العمل ساءت الحياة الدنيا وساءت الآخرة ، صحة العمل أساسها صحة الاعتقاد .
 أخطر شيء أيها الأخوة أن تعتقد وهماً ، أن تعتقد غلطاً ، أن تعتقد خطأ ، أن تعتقد عقيدة فاسدة ، أخطر شيء أن يكون الخطأ لا في الوزن بل في الميزان ، الخطأ في الميزان لا يُصحح ، لو وزنت بهذا الميزان الذي في بنيته خطأ ألف وزنة ووزنة ، كل هذا الوزن خطأ أما إذا أخطأت في الوزنة الواحدة فالخطأ لا يتكرر . . الخطأ في الوزنة لا يتكرر ، والخطأ في الميزان لا يُصحح .

 

الغبن قبول شيء بدون دليل أو تدقيق و تمحيص :

 أيها الأخوة الكرام ؛ الغَبن في البيع والشراء كما قال عليه الصلاة والسلام :

(( غَبن المسترسل ربا ، غبن المسترسل حرام ))

[ الجامع الصغير عن جابر وعلي]

 أن تلقى إنساناً جاهلاً بنوعية السلعة ، جاهلاً بسعرها ، فتبيعه أسوأ سلعة بأغلى ثمن ، هذا عند النبي عليه الصلاة والسلام ربا ، بل هو من أشدّ أنواع الربا . .

(( غَبن المسترسل ربا ، غبن المسترسل حرام ))

[ الجامع الصغير عن جابر وعلي]

 أما الغَبن فأن تعتقد خطأ ، أن يمتلئ العقل بمعلومات مغلوطة تلقيتها لا من مصدر موثوق ، تلقيتها من أفواه الناس ، من المنحرفين . .

(( ابن عمر دينك دينك ، إنه لحمك ودمك ، خذ عن الذين استقاموا . . ))

[ كنز العمال عن ابن عمر ]

 الغَبن : أن تقبل شيئاً بلا دليل ، لا من كتاب الله ، ولا من سنة رسول الله ، أن تكون الأفكار التي هي مطروحة في الطريق أن تعتقدها دون تمحيص ، دون تدقيق ، دون مراجعة ، دون تريث ، دون تأمل ، دون دليل ، هذا هو الغَبن .

 

الصحة و الفراغ نعم عظيمة أنعمها الله على الإنسان :

 كيف يُغبن الإنسان في الصحة والفراغ ؟ . . إن أكبر نعمة أنعمها الله علينا هي الصحة ، وإن أكبر نعمة أنعمها الله علينا هي الفراغ ، عندك وقت كي تطلب العلم ، عندك وقت كي تتلو القرآن ، عندك وقت كي تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ، عندك وقت كي تفعل أعمالاً صالحة ، فكيف يُغبن الإنسان في الصحة ؟ وكيف يغبن في الفراغ ؟ . . أي أن هاتين النعمتين لم يستعملهما الإنسان وفق ما أراد الله ، استمتع بالصحة فاسترخى وأطال النوم ، واستمتع بالفراغ فأمضاه باللهو ، يوم القيامة يُصعق ، نعمة الصحة لم يستفد منها في الأعمال الصالحة ، نعمة الفراغ لم يستفد منها في طلب العلم ، فقد غُبن فيهما ، وقد قال عليه الصلاة والسلام ، نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس .

﴿ وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾

[سورة سبأ : 13]

 الصحة والفراغ . قال بعض العلماء : المرء لا يكون فارغاً حتى يكون مكفياً ، وحتى يكون صحيح البدن ، متى يفرغ ذهنه ؟ حينما يجد كفايته ، وحينما يجد صحته ، فإذا وجد كفايته ، ووجد صحته . . ماذا فعلت بهذا الوقت الذي أنعم الله به عليك ؟ . . ماذا فعلت بهذه الصحة التي متعك الله بها؟ . . ماذا فعلت بقوة تملكها ؟ . . هناك من لا يتحرك ، هناك من يُخدم في فراشه ، هناك من يُنظف ، هناك من يلقم الطعام ، أنت تتمتع بصحتك وبفراغك ، ماذا فعلت فيهما ؟

 

المغبوط من يستخدم الصحة و الفراغ في الطاعات و القربات و معرفة الله :

 أيها الأخوة الكرام ؛ قال بعض العلماء : لا يكون الإنسان فارغاً حتى يكون مكفياً صحيح البدن ، ومتى توافرت له الصحة و الفراغ فليحرص ألا يُغبن بهما ، وكيف لا يُغبن بهما؟ . . إذا استخدم نعمة الصحة والفراغ في الطاعات أولاً . . وفي القربات ثانياً . . وفي معرفة الله ثالثاً . .
 في المعرفة ، وفي الطاعة ، وفي الأعمال الصالحة ، إذا استخدمت وقتك وقوتك في معرفة الله ؛ حضرت مجالس العلم ، تتبعت منابع العلم ، إذا استخدمت قوتك ووقتك في طاعة الله ؛ أديت الصلوات الخمس بإتقان ، صمت رمضان ، حججت البيت الحرام ، أديت زكاة مالك ، أمرت بالمعروف ، ونهيت عن المنكر ، إذا استخدمت وقتك وقوتك في خدمة الخلق لأنهم عيال الله ، وأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله ، عندئذ لا تُغبن في نعمة الوقت والفراغ . أي إذا كان معك مبلغ ضخم ، وهناك من يعطيك على كل ليرة مليون ليرة ، فإذا أبقيت هذا المبلغ في البيت ، ولم تضعه في هذه الجهة التي تعطيك أضعافاً مضاعفة ألست مغبوناً في امتلاك هذا المبلغ ؟ لم تستغله الاستغلال الصحيح .
 أيها الأخوة الكرام ؛ يقول أحد العلماء : قد يكون الإنسان صحيحاً ولا يكون متفرغاً بل مشغولاً بطلب الرزق ، وقد يكون متفرغاً وليس صحيحاً ، وقد يكون فارغاً إلا أنه مشغول بأمراضه ، بأوجاعه ، بآلامه ، بتعطل أعضائه . .
 قد يكون صحيحاً غير فارغ ، وقد يكون فارغاً غير صحيح .
 أما إذا توافرت الصحة والفراغ ؛ عندك في اليوم ساعات عديدة يمكن أن تحضر بها مجالس العلم ، عندك ساعات مديدة ، يمكن أن تجلس فيها مع أهلك ، تعلمهم الكتاب والسنة ، وسيرة النبي عليه الصلاة والسلام ، عندك ساعات مديدة بعد الظهر ، يمكن أن تزور أخاً في الله ، يمكن أن تعود مريضاً ، يمكن أن تصل رحماً ، يمكن أن تفعل خيراً ، عندك ساعات مديدة ، يمكن أن تتابع موضوعاً في كتب العلم ، عندك ساعات مديدة ، ماذا يفعل الناس بوقت الفراغ ؟ يتابعون قصصاً سخيفة ، يشاهدون أعمالاً فنية ساقطة ، يمضون بها سهرتهم كلها ، هذا الذي سوف يتألم الناس عليه أشدّ الألم ، هذا هو المغبون الذي يمضي وقت شبابه ، صحته ، كفايته، فراغه في غير ما خُلق له ، لذلك سمّى الله جلّ جلاله يوم القيامة بيوم التغابن .
 مهما انطلقت إلى الله مسرعاً ، يوم القيامة لا تندم إلا على ساعة مضت لم تذكر الله فيها .

(( صاحب هذا القبر إلى ركعتين مما تحقرون من تنفلكم خير له من كل دنياكم))

[ابن المبارك عن أبي هريرة ]

 الإنسان حينما يأتيه ملك الموت يقول له : أمهلني ساعة ؟ لو أن الدنيا كلها بيديه يفتدي بها ليضم إلى عمره ساعة واحدة يستغفر الله فيها ، ليضم إلى عمره ساعة واحدة يؤدي فيها ركعتين لله عز وجل .

المغبوط و المغبون :

 أيها الأخوة الكرام ؛ من تمتع بنعمة الصحة والفراغ عليه أن يبادر إلى طاعة الله ، وإلى التقرب إليه لئلا يُغبن في هاتين النعمتين ، لئلا يُصعق يوم القيامة كيف أمضيت السنوات الطويلة ، والأشهر العديدة ، والأيام المديدة في كلام فارغ ، في سهرات لا تجدي ، وفي حديث سخيف ، وفي أعمال لا ترضي الله .
 من استعمل صحته وفراغه في طاعة الله فهو المغبوط ، ومن استعملها في معصية الله فهو المغبون ؛ لأن كل فراغ يعقبه انشغال ، وكل صحة يعقبها مرض ، فالإنسان إلى نهاية ، كيف تنتهي حياته ؟ في الأعمّ الأغلب يسبق موته مرض ، فالآن في صحة . لا بد من مغادرة الدنيا ، وقبل أن نغادرها قد يأتي المرض ، أما إذا استعد الإنسان للقاء الله عز وجل استغل صحته أعظم استغلال ، وأروع استغلال ، في الوقت الثمين . .
 الإنسان أيها الأخوة وقت ، بضعة أيام ، كلما انقضى يوم انقضى بضع منه . ما من يوم ينشق فجره إلا وينادي يا بن آدم أنا خلق جديد وعلى عملك شهيد ، فتزود مني فإني لا أعود إلى يوم القيامة . نعمة أنك تعيش . . كان عليه الصلاة والسلام إذا استيقظ من منامه قال : " الحمد لله الذي ردّ إليَّ روحي ، وعافاني في بدني وأذن لي بذكره " هذا اليوم الذي تعيشه جزء منك ، فإما أن تستغله فيما ينبغي وإلا فأنت مغبون .

((عَنْ مُعَاذِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خُبَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَمِّهِ قَالَ : كُنَّا فِي مَجْلِسٍ فَجَاءَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَى رَأْسِهِ أَثَرُ مَاءٍ فَقَالَ لَهُ بَعْضُنَا : نَرَاكَ الْيَوْمَ طَيِّبَ النَّفْسِ ؟ فَقَالَ : أَجَلْ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ ، ثُمَّ أَفَاضَ الْقَوْمُ فِي ذِكْرِ الْغِنَى فَقَالَ : لَا بَأْسَ بِالْغِنَى لِمَنِ اتَّقَى وَالصِّحَّةُ لِمَنِ اتَّقَى خَيْرٌ مِنَ الْغِنَى وَطِيبُ النَّفْسِ مِنَ النَّعِيمِ ))

[ ابن ماجه عَنْ مُعَاذِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خُبَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَمِّهِ ]

 أي لا يوجد خبر مزعج في حياتك ، لا مشكلة كبيرة ليس لها حل ، لك بيت يؤويك، ولك زوجة ترضيك ، ولك أولاد بين يديك يتمتعون بصحة وعافية ، ولك دخل يغطي نفقاتك ، أنت الآن تتمتع بأثمن نعمتين على الإطلاق ، نعمة الصحة ونعمة الفراغ . . ماذا فعلت بنعمة الصحة ؟ أين أمضيت الوقت ؟ ماذا فعلت في الأيام والليالي ؟ كيف أمضيت السهرات ؟ كيف أمضيت النهارات ؟ ماذا فعلت فيهم ؟ . .
 أيها الأخوة الكرام :

((لا بأس بالغنى لمن اتقى ، والصحة لمن اتقى خير من الغنى وطيب النفس من النعيم . .))

 وقد قال عليه الصلاة والسلام :

(( مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا ))

[البخاري عن عبد الله بن محصن ]

 أصبحت بنعمة أمن الإيمان ، لك عند الله حاجة ، لك عند الله حق أن تعبده ، وهذا من حق الله عليك ، فإذا عبدته أنشأ الله لك حقاً عليه ، ألا يعذبك في الدنيا ، فمن تمتع بنعمة الصحة وبنعمة الفراغ عليه أن يسارع إلى شكر هاتين النعمتين بامتثال أمر الله ، التقرب إليه وطلب معرفته ، فهذا من أثمن الأعمال .

 

الصحة والفراغ رأس مال المؤمن :

 شيء آخر : تاجر له رأس مال ، يبتغي الربح مع سلامة رأس المال ، هذا هو التكثير التجاري ، يريد أن يضيف إلى رأس ماله ربحاً ، والصحة والفراغ رأس مال المؤمن ، فإذا آمن بالله عرفه وأطاعه وعمل الأعمال الصالحة ، وجاهد نفسه وهواه ، هذا هو الربح الذي يُضاف إلى رأس المال ، صحيح ، وفارغ القلب ، هذا هو رأس مالك ، تستغل هذا الرأسمال في معرفة الله وطاعته ، والعمل الصالح ، ومجاهدة النفس والهوى ، هذا هو الربح . . من هذا المعنى قال الله عز وجل :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

[سورة الصف : 10-13]

 تجارة ، فيها رأس مال وفيها ربح .

التجارة الرابحة هي التجارة مع الله عز وجل :

 أنت أيها الأخ الكريم حينما تتاجر مع الخلق يعطونك عشرة بالمئة ، خمسة عشر بالمئة ، عشرين بالمئة ، ثلاثين بالمئة أما سبعين بالمئة فمعنى ذلك أن هناك فخاً لرأس مالك ، أما إذا تاجرت مع الله عز وجل فتعطي لقمةً في سبيل الله تراها يوم القيامة كجبل أحد ، قال تعالى :

﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

[سورة السجدة : 17]

 لذلك أيها الأخوة الكرام ينبغي أن نتاجر مع الله ، الله جلّ جلاله يحب أن نربح عليه، أعطه شيئاً قليلاً وخذ جنة عرضها السموات والأرض فيها ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر .
 من أدعية النبي عليه الصلاة والسلام أنه كان يدعو ويقول :

((اللهم ما رزقتني فيما أحب فاجعله عوناً لي فيما تحب ، وما زويت عني ما أحب فاجعله فراغاً لي فيما تحب))

[ الترمذي عن عبد الله بن يزيد الخطميّ الأنصاري]

 أحياناً تطلب من الله شيئاً ، لحكمة عالية عالية لا يسمح الله لك بهذا الشيء ، ينشأ عندك فراغ ، هذا الفراغ ينبغي أن تملأه بمعرفة الله ، وحضور مجالس العلم ، والأعمال الصالحة ، ونشر الحق ، فلعل هذا الشيء الذي لم تنله لحكمة أرادها الله كان سبب سعادتك الأبدية فالمؤمن دائماً مستسلم لأمر الله .

 

الكبر يفسد الدين :

 أيها الأخوة الكرام :

(( . .ومن عادى أولياء الله فقد بارز الله بالمحاربة ))

[ أخرجه الحاكم عن معاذ بن جبل ]

 من هو الولي ؟

﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾

[سورة يونس : 62-64]

 أي مؤمن يطيع الله عز وجل فهو أحد أولياء الله .

(( مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا ، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا ، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ يَكْرَهُ الْمَوْتَ ، وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ ولابد له منه ، وإن من عبادي المؤمنين - هنا الشاهد- لمن يشتهي الباب من العبادة ، فأكفه عنه لئلا يدخله العجب فيفسد دينه ))

[ البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 الكبر إذاً يفسد الدين . .

(( لو لم تذنبوا لخفت عليكم ما هو أشدّ من ذلك العجب ))

[ البيهقي عن أنس]

 العجب أكبر من الذنب .

 

الأخذ بالأسباب ثم التوكل على الله و الرضا بما يكون :

 رب معصية أورثت ذلاً وانكساراً خير من طاعة أورثت عزاً واستكباراً . . وإن من عبادي المؤمنين من لا يصلح إيمانه إلا بالغنى ، فإن أفقرته أفسدت عليه دينه ، وإن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا بالفقر فلو بسط له لأفسدت عليه دينه ، وإن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا بالصحة ، ولو أسقمته لأفسدت عليه دينه ، وإن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا بالسقم ، ولو أصححته لأفسدت عليه دينه ، إني أدبر عبادي بعلمي بقلوبهم " .
 هذا الحديث موضوع جديد ، أي إذا قدر الله علينا ألا نكون في صحة كما نريد ، فهذه حكمة بالغة ، وإذا قدر الله علينا ألا نكون في بحبوحة كما نريد فهذه حكمة بالغة ، لكن لا ينبغي أن نقعد وأن نقول : هذه مشيئة الله .

(( إن الله يلوم على العجز ، ولكن عليكم بالكيس ، فإذا غلبك أمر فقل : حسبي الله ونعم الوكيل . .))

[ أبو داود وأحمد عن عوف بن مالك]

 عليك أن تستنفذ كل جهدك ، وكل طاقتك ، وكل الأسباب ، عليك أن تأخذ بها ، فإذا قهرك القدر عندئذ قل : حسبي الله ونعم الوكيل . . ليس في الإمكان أبدع مما كان . . هذا من نعم الله عليك ، وهذا أفضل شيء إليك . . هذا الحديث موضوع جديد في الخطبة ، أي إذا الإنسان سعى ولم يُتح له إلا أن يكون ذا دخل محدود ، هذا لعلم الله به ، ولعلم الله بخصيصة قلبه ، وسوف يذوب لله شكراً يوم القيامة على نعمة خفية أنعم الله بها عليه .
 كان النبي عليه الصلاة والسلام يقول : " اللهم إني أسألك الصحة والعفة ، والأمانة وحسن الخلق ، والرضا بالقدر " :

(( وعن عبد الله بن عمرو أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر الدعاء بهذه الكلمات : اللهم إني أسألك الصحة والعفة والأمانة وحسن الخلق والرضا بالقدر ))

[ ابن عساكر عن عبد الله بن عمرو]

الصحة و الفراغ داءان قاتلان إن استغلا فيما لا يرضي الله :

 أما إذا تمتع الإنسان بالصحة والفراغ ؛ كان في بحبوحة ، وكان في صحة ، فاستغل الصحة والفراغ لا فيما يرضي الله ، بل فيما يرضي شهواته ونزواته ، لكانا له داء قاتلاً، ماذا بعد الصحة ؟ . . الموت ، ماذا بعد الفراغ ؟ . . القبر . . ثم ماذا ؟ . . إلى أي شيء ينتهي كل شيء ؟ . . إلى العدم ، إلى الزوال ، ثم إلى جنة يدوم نعيمها ، أو إلى نار لا ينفد عذابها .
 أيها الأخوة الكرام ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، وتخطى غيرنا إلينا فلنتخذ حذرنا ، الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها ، وتمنى على الله الأماني ، والحمد لله رب العالمين .

* * *

الخطبة الثانية :

 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

الاتكال على حسن اختيار الله للإنسان :

 أيها الأخوة الكرام ؛ أخرج ابن المبارك ، وابن أبي الدنيا ، والعسكري في المواعظ عن عمر ، قال : " ما أبالي على أي حال أصبحت على ما أحب أو على ما أكره ، لأني لا أدري الخير فيما أحب أو فيما أكره . . . " الله هو الذي يعلم ، أنت لا تعلم ، قال تعالى :

﴿وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾

[ سورة البقرة : 216]

 ما أبالي على أي حال أصبحت على ما أحب أو على ما أكره لأني لا أدري الخير فيما أحب أو فيما أكره . . . ربما كان المنع عين العطاء ، وربما كان العطاء عين المنع ، إلا أنه قيل للحسن بن علي رضي الله عنهما : إن أبا ذر يقول : الفقر أحبّ إليّ من الغنى ، والسقم أحبّ إليّ من الصحة . . هذا القول عزي إلى أبي ذر الغفاري ، وقد نُقل إلى الإمام الحسن بن علي رضي الله عنهما ، فماذا أجاب الإمام الحسن ؟ . . قال : من اتكل على حسن اختيار الله له لم يتمن أنه في غير الحالة التي اختاره الله لها ، وهذا حدّ الوقوف على الرضا بما تصرف فيه القضاء . .
 أي كما قلت قبل قليل : ليس في الإمكان أبدع مما كان . . وفي شكل معين ، وفي إمكانات معينة ، وفي بيئة معينة ، هذا الذي لا اختيار لك فيه ، هو خير لك بعلم الله ، لذلك المؤمن يرضى بما اختاره الله له ، ولا يتمنى المؤمن الصادق بعد أن يستنفذ كل الوسائل - إذا انتهى بك السعي إلى هذا الوضع عندئذ تقول : حسبي الله ونعم الوكيل - خلاف ذلك .
 وقال :" من رضي بقضاء الله جرى عليه ، وكان له أجر ، ومن لم يرض بقضاء الله ، جرى عليه وحبط عمله" ، وفي آخر قول عن عبد الله بن مسعود ، أنه قال :" لئن يعض أحدكم على جمرة حتى تُطفأ في فمه خير له من أن يقول لأمر قضاه الله له : ليت هذا لم يكن" لذلك لا تقل : لو أني فعلت كذا لكان كذا ، ولكن قل : قدر الله وما شاء فعل ، فإن كلمة لو تفتح عمل الشيطان . .
 أيها الأخوة الكرام ؛ مرةً ثانية ، عود على بدء .

((نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ ))

[البخاري عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ]

 فمن كان صحيح الجسم ، عنده وقت فراغ فليبادر وليسارع لطلب العلم أولاً ، هذه الخطبة هي عينة ، أما لابد من التفاصيل ، لابد من أن تقف على سنة رسول الله ، لابد من أن تعرف سيرة رسول الله ، لابد من أن تعرف تفسير القرآن ، أنت في الخطبة من أجل أن ترغب في مجالس العلم ، كأن يقول بعضهم : البضاعة للعرض والأسعار في الداخل . . لابد من مجلس علم تفصيلي ، فإذا كنت صحيح الجسم ، عندك بعض وقت فراغ ، فبادر إلى طلب العلم ، وبادر إلى طاعة الله ، وبادر إلى القربات له ، عندئذ لا تُغبن في هاتين النعمتين .

 

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك ، إنه لا يذل من واليت ، ولا يعز من عاديت ، تباركت ربنا وتعاليت ، ولك الحمد على ما قضيت ، نستغفرك ونتوب إليك ، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك . اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ، ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين . اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، ودنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر ، مولانا رب العالمين . اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك . اللهم لا تؤمنا مكرك ، ولا تهتك عنا سترك ، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين . اللهم استر عوراتنا ، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً ، وسائر بلاد المسلمين . اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك ، ومن الفقر إلا إليك ، ومن الذل إلا لك ، نعوذ بك من عضال الداء ، ومن شماتة الأعداء ، ومن السلب بعد العطاء . اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب ، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب . اللهم صن وجوهنا باليسار ، ولا تبذلها بالإقتار ، فنسأل شر خلقك ، ونبتلى بحمد من أعطى وذم من منع ، وأنت من فوقهم ولي العطاء ، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء . اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين . اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام والمسلمين ، وأعز المسلمين ، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018