الخطبة : 0582 - الوهم والجهل - أسباب شقاء المسلم . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0582 - الوهم والجهل - أسباب شقاء المسلم .


1996-08-30

الخطبة الأولى:
 الحمد لله نحمده ، ونستعين به ونسترشده ، ونعوذ به من شرور أنفسنـا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً . وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته وإرغامـاً لمن جحد به وكفر . وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر ، ما اتصلت عين بنظر أو سمعت أذن بخبر ، اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين . اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرِنا الحــق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممــــن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

العلم وحده طريق السعادة في الدنيا والآخرة :

 أيها الأخوة الكرام ؛ في الآية الكريمة وهي قوله تعالى:

﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴾

[سورة الملك:10]

 لقد جعل الله عدم السمع والعقل سبباً لدخول النار . . دخول النار إلى أبد الآبدين،

﴿ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ﴾

  لا أصغينا ولا أعملنا عقولنا في سبب وجودنا ، وغاية وجودنا ، والبحث عن معرفة ربنا جلّ جلاله . ما دامت الآية قد عزت الشَّقاء الأبدي إلى الجهل ، معنى ذلك أن العلم وحده طريق إلى الله ، وأن العلم وحده طريق إلى سعادة الدنيا والآخرة ، وأن العلم وحده طريقٌ إلى السلام ، ولكن السؤال الخطير لماذا لا يعقل الإنسان الحقيقة ؟ . . ما الذي يحجبه عن الحقيقة ؟ . . ما الذي يبعده عن أن يرى الحقائق ؟ . .

 

الأسباب التي تحجب الإنسان عن رؤية الحقيقة :

 هناك أسباب كثيرة ، سأقتصر في هذه الخطبة على سببين يحجبان الإنسان عن رؤية الحقيقة ؛ لأنه متى رأى الحقيقة بدافع من حبه لذاته ، وحبه لسلامة ذاته ، ولكمال ذاته ، ولاستمرار ذاته ، يسلك طريق الحق ، العقبة بين أن تشقى وأن تسعد ، أن تعلم . الجنوح عن معرفة الحقيقة له سببان ، أو له حالتان ، حالة مقصودة وتكون عند ذوي الأهواء ، والنزغات الشيطانية ، وعند ذوي الشهوات الجامحة ، ولهذه الحالة سبب واحد ، هي النفس الأمَّارة بالسُّوء التي أرادت الشهوة ، وزورت كل شيء من أجل تحقيقها ، وهذه حالات قليلة ، أن تعرف الحقيقة، وأن تحيد عنها ، أن تعرفها ، وأن تطمسها ، إلا أن الحالات الشائعة بين الناس حينما يجنحون عن الحقيقة هم في حالة غير مقصودة لهذه الحالات ، و لحالات الجنوح عن معرفة الحقيقة غير المقصودة أسباب كثيرة ، من هذه الأسباب : الوهم . . الوهم الناشئ عن اضطراب نفسي ، أو عدم توازن فكري ، الوهم يولده الخوف ، والوهم يولده الطمع ، والوهم تولده الشهوة العارمة ، والوهم يولده الغضب ، والوهم تولده حاجة من حاجات النفس ، أو دافع من دوافعها ، أو يولده عدم اتِّزان فكري بخللٍ عارضٍ أو خللٍ دائمٍ .
 إذاً الحالات النفسية الحادة كالخوف الشديد ، والطمع المبالغ فيه ، والشهوة العارمة، والغضب الجموح ، وتحقيق الحاجات الأساسية ، وتلبية الدوافع الفطرية ، وعدم الاتزان الفكري الناشئ عن خلل عارض أو دائم هو الذي يولد الوهم ، والوهم أعدى أعداء الإنسان والوهم أخو الجهل . اللهم أخرجنا من ظلمات الوهم والجهل ، إلى أنوار المعرفة والعلم .
 بالتوهُّم يرى الرائي ما لم تره عيناه ، ويسمع ما لم تسمعه أذناه ، ويلمس ما لم تلمسه يداه ، ويشم ما لم يشمه أنفه ، وقد يذوق ما لم يذق لسانه ، وقد يدرك ما ليس حقيقة في الواقع .
 الوهم خطير جداً ، مثلاً: أن تتوهم أن المال هو كل شيء ، فتسعى إليه ليلاً ونهاراً ، تبيع دينك بعرض من الدنيا قليل ، تبيع آخرتك من أجل المال ، ثم تكتشف فجأةً أنك واهم ، وأن المال ليس هو كل شيء ، وليس هو بعض الشيء ، ولكنه ليس بشيء عند الموت ، لا ينفعك إلا عملك الصالح . بالوهم يصغر الكبير ، قال تعالى:

﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ ﴾

[سورة النور: 15]

 بالوهم يعظم الصغير ، بالوهم تحذف من الحقيقة بعض عناصرها ، بالوهم يضاف إلى الحقيقة بعض ما ليس فيها ، بالوهم ترى الأشجار في الليل أشباحاً مخيفة ، وترى الحبال ثعابين مخيفة ، بالوهم ترى البركة الصغيرة بحراً ، وترى النحاس الأصفر ذهباً ، والزجاج الأبيض ذهباً ، وترى الفرسان المغيرة القليلة جيشاً عرماً ، ترى الصرح الممرد من قوارير لجة ماء ، هذا كله ورد بعضه في كتاب الله وفي سنة رسول الله .

المؤمن الصادق يقذف عن نفسه الوهم ويتمسك بقول الله ويرجو رحمته :

 الوهم أعدى أعداء الإنسان ، أن تتوهم أن المال هو كل شيء ، أن تتوهم أن المرأة هي كل شيء ، أن تتوهم أن المركز القوي هو كل شيء ، عندئذ تبيع كل شيء من أجل هذا الوهم ، ثم يتبدد الوهم سراباً فإذا أنت في خيبة أمل لا تُحتمل . الله جلّ جلاله يقول:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً * إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً ﴾

[سورة الأحزاب: 9-11]

 هذا الظن الباطل سببه الخوف الشديد ، لذلك أيها الأخوة المؤمن الصادق يقذف عن نفسه الوهم ، ويتمسك بقول الله عز وجل ، بوعد الله ، يرجو رحمته ، ويخشى عذابه ، يؤمن بوعده ، ويخاف وعيده .
 أيها الأخوة ؛ الخوف الشديد أحدث الاضطراب النفسي ، وجعل الأبصار تزيغ :

﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا ﴾

[سورة الأحزاب: 10]

 ومتى زاغ البصر فسدت الرؤية ، فرأى الخائف غير الحقيقة ، وجعلت الأفكار تضطرب ، ومع الاضطراب تأتي الأوهام ، يجب أن نعلم علم اليقين أن العدو الأول هو الجهل، والوهم قرين الجهل . إما أن تجهل كل الحقيقة ، أو أن تتوهم بعضها ، وتتوهم غيرها . زاغت الأبصار: الاضطراب النفسي الذي جعل الرؤية غير صحيحة .
 تظنون بالله الظنونا : اضطربت الأفكار ، وأقبلت واردات الأوهام ، وصار المؤمنون يظنون ظنوناً منافيةً لمقتضى إيمانهم ، فلذلك أيها الأخوة ، بالإيمان الحق تتحرر من الخوف ؛ لأن الخوف يولد الوهم ، قال تعالى:

﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا * إِلَّا الْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ * وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ * وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ * وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ ﴾

[ سورة المعارج: 19-35]

 أما النبي عليه الصلاة والسلام الذي عصمه الله ، عصمه من زيغ البصر ، ومن طغيانه ، بسبب شدة صدقه وإخلاصه ، على الرغم من عظم المشهد الذي رآه عند سدرة المنتهى قال تعالى:

﴿وَلَقَدْ رَآَهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى * إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى * مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى * لَقَدْ رَأَى مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى ﴾

[سورة النجم:13-18]

 ما زاغ البصر : أي ما انحرف ولا اضطرب . وما طغى : أي ما زاد في الرؤية عن الحقيقة شيئاً .

 

من صحّ عمله صحت رؤيته :

 أيها الأخوة الكرام ؛ حينما نعتصم بالله ، وحينما نتصل به نقوى على أنفسنا ، يضعف خوفنا ، تخف حدة الشهوة ، يضعف قلقنا ، ومتى تحررنا من الضغوط النفسية ، صحت رؤيتنا ، وإذا صحت رؤيتنا صحّ عملنا ، وإذا صحّ عملنا سعدنا في الدنيا والآخرة .
 الخوف الشديد ، الطمع الشديد ، الشهوة العارمة ، هذه تحدث اضطراباً في الرؤية ، وحينما تضطرب الرؤية نخطئ في الحركة ، فإذا أخطأنا في الحركة ، شقينا في الدنيا والآخرة . هذا أحد عوامل ضعف الرؤية ، أحد عوامل الجنوح عن فهم الحقيقة .
 اتفقنا في بادئ الخطبة أن سبب الشقاء الأبدي:

﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴾

[سورة الملك: 10]

 ما دخلنا جهنم ، ما شقينا هذا الشقاء ، نسمع أو نعقل ، لو أصغينا إلى الحقيقة تُعرض علينا ، إما من على منبر ، أو من وراء كرسي التدريس ، أو من وراء كتاب تقرؤه ، أو من وراء شريط تسمعه . . لو كنا نسمع ، وإن لم نسمع ، أو نعقل ، نتأمل ، نقف قليلاً ، نوقف اللهاث قليلاً وراء الشهوات ، نخلو بأنفسنا ، نتأمل في سرِّ وجودنا ، في غاية وجودنا ، في الذي خلقنا ، في منهج الذي خلقنا ، إلى أين المصير ؟ من أين ؟ وإلى أين ؟ ولماذا ؟ . .

﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ * فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقاً لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾

[سورة الملك: 10-11]

الخطأ الناشئ عن ضعف الإدراك سبب آخر يحرفنا عن الرؤية الصحيحة :

 أيها الأخوة الكرام ؛ هناك سبب آخر يحرفنا عن الرؤية الصحيحة ، إنه الخطأ الناشئ عن ضعف أداة الإدراك عندنا ، مع الغرور بالنفس الذي ينتج عنده التوهم بكمال الإدراك وكمال وسيلته ، ضعف في وسائل الإدراك مع غرور يوهمنا أننا نملك الأدوات الكاملة التي تعرف الحقائق .
 أضرب على هذا بعض الأمثلة : لو نظرت إلى كأس ماء ، ماذا ترى فيه ؟ . . تراه صافياً لا شائبة فيه ، لو أخذت قطرةً من هذا الماء ، وضعتها تحت ميكروسكوب ماذا ترى فيه ؟ ترى فيه مئات الألوف من الكائنات الحية في كأس الماء الصافي الذي تشربه فهل عينك مقياس دقيق لمعرفة مكونات الماء ؟ هل بعينك وحدها أدركت كل الحقيقة ؟ . . ولا بعضها ، ولا بعض بعضها .
 أيها الأخوة الكرام ؛ لو نظرت إلى السماء ، كم نجماً ترى ؟ . . بضعة آلاف ، بينما المراصد العملاقة تشير إلى أن في السماء المرئية قريباً من مليون مليون مجرة ، وفي هذه المجرات قريب من مليون مليون نجم ، فمليون مليون ، ضرب مليون مليون ، هذه الذي تراه المراصد العملاقة ، أما عينك التي في رأسك فلا ترى أكثر من بضعة آلاف من النجوم في السماء ، فهل تُعدُّ العين أداةً كاملة الإدراك ؟ هذه أمثلة مادية .
 أيها الأخوة الكرام ؛ قبل سنة أو أكثر أرسلوا إلى الفضاء الخارجي مركبة بقيت تمشي في الفضاء ست سنوات ، إلى أن وصلت قريباً من المشتري ، وعلى هذه المركبة مرصد عملاق رصد أبعد مجرة اكتُشفت حتى الآن ، تبعد عنا ثلاثمئة ألف بليون سنة ضوئية ، البليون ألف مليون ، ثلاثمئة ألف ألف مليون سنة ضوئية ، هل عيننا تكفي لرؤية هذه المجرة ؟ أضرب هذه الأمثلة لأؤكد لكم أن الإنسان لا ينبغي أن ينكر شيئاً ما رآه بعينه .
 شيء آخر : لو نظرت إلى قطعة خشب ، هل ترى فيها ذرات تتحرك ؟ هل ترى فيها بلايين الذرات وفي كل ذرة نواة والكترونات تتحرك في مدارات متعددة متناسقة ، هذا لا تراه بعينك ، هل بإمكانك أن تنكر أن في الأجسام ذرات تتحرك ؟ هذه حقيقة مُسلَّم بها .
 لو نظرت إلى الشمس ، تراها هي التي تتحرك ، مع أن الحقيقة أن الأرض هي التي تدور حول نفسها ، عينك تريك شيئاً ، والحقيقة شيء آخر ، فكل من اعتد بأدوات إدراكه ، وظنّ أنها مقياس قطعي في الرؤية فقد وقع في الوهم ، لابد من الوحي الذي تستنير به ، العقل والوحي يتكاملان ، والوحي من عند خالق الكون ، الحقيقة المطلقة تأتي من خلال الوحي ، والعقل يتأكد من صحة النقل ، ويفهم النقل دون أن يكون حكماً على النقل . هل ترى بعينك المجردة الموجات الكهرطيسية التي تبثها الإذاعات ؟ لا تراها . . لكنك إذا تملكت جهاز استقبال تكشف أن في الجو أمواجاً تأتينا من الإذاعات . إذاً ضعف أدوات الإدراك توقعنا في الوهم ، ومن اعتد بأدوات إدراكه ، وعلى رأسها العقل ، دون أن يصغي إلى الوحي ، دون أن يصغي إلى النقل ، دون أن يصغي إلى وحي السماء ، فقد ضلّ وأضل . العقل والوحي يتكاملان ، أما أن يكون العقل أداةً وحيدة لمعرفة الحقائق ، فضربت لكم عشرات الأمثلة على أن الإنسان بأدواته المحدودة لا يعرف الحقيقة .

 

الغرور و ضعف الإدراك من أخطر الآفات التي تصيب الإنسان :

 أيها الأخوة الكرام ؛ هؤلاء الأشخاص الذين اعتمدوا على عقولهم وحدها دون أن يصغوا إلى الوحي ، ودون أن يستمعوا إلى كلام الله عز وجل ، وإلى سنة نبيه صلى الله عليه وسلم المعصوم ، هؤلاء الذين اعتمدوا على عقولهم وحدها ، وإن كانوا صادقين مع أنفسهم ، لكنهم ضلوا سواء السبيل ، وأضلوا أتباعهم كثيراً . كيف يكون هذا الحال إذا ضُمّ إلى ضعف الإدراك الغرور ؟ أن تشعر أن عقلك وحده يدرك كل شيء ، الغرور آفة من أخطر الآفات ، هناك قاعدة تقول : إن عدم إيجاد صاحب الإدراك الناقص للشيء لا يدل على عدم وجود ذلك الشيء .
 لو كان في أرض الغرفة إبرة ، ومعك مصباح ضئيل الضوء ، فلم تر الإبرة ، عدم رؤيتك لهذه الإبرة هل يعني أنها غير موجودة ؟ لو أنك تملك مصباحاً متألقاً لرأيتها ، إذاً لا يمكن أن تنكر كل شيء بمجرد أنك لم تره بعينك ، أو لم تدركه بعقلك ، العين والعقل أدوات محدودة ، خلقها الله عز وجل ، لأداء مهمات محدودة ، أما أنت حينما أعطيت العقل القدرات اللامحدودة ، واعتمدت عليه في كل شيء :

﴿ إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ * فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ * سَأُصْلِيهِ سَقَرَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ * لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ * لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ * عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ ﴾

[ سورة المدثر : 18-30]

 لابد من تعليمات السماء ، لا بد من تعليمات الصانع ، قال تعالى:

﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾

[سورة فاطر: 14]

 أيها الأخوة الكرام ؛ مثل يوضح هذه الفكرة ؛ لو نظر أحد من ثقب باب ، فرأى في الغرفة خمسة أشخاص ، فقال : ليس في الغرفة إلا خمسة أشخاص هو أصاب بعض الحقيقة ، فعلاً فيها خمسة أشخاص ، لكن أشخاصاً آخرين ، لم يكونوا على امتداد رؤية الناظر ، في زاوية مهملة ، أما لو قال : رأيت خمسة أشخاص لكان مصيباً في قوله ، أما إذا قال : ليس في الغرفة إلا خمسة أشخاص كان مخطئاً في قوله . فالمغرور يتوهم أن رؤيته صحيحة مئة بالمئة فينفي ما سواها ، والذي ينفي ما سوى رؤيته الضعيفة يقع في الوهم ، وينتقل به إلى الجهل .
 مع الأسف الشديد أن هذا الغرور يصيب الأشخاص الذين حالفهم النجاح في الحياة ، في شتى مجالات الحياة ، هذا الغرور عدو الناجحين في الحياة ، هذا الغرور يصيب الأمم كما يصيب الأفراد ، فالصعود إلى القمة طريق صعب وعر ، تكتنفه الأكمات والحفر ، والتراب والمشقة ، فإذا وصل الإنسان إلى مستوى جيد من النجاح ، وأصابه الغرور ، سقط إلى الحضيض في لمح البصر . فلذلك دخل النبي عليه الصلاة والسلام مكة فاتحاً ، وقد حنى رأسه تواضعاً لله عز وجل ، حتى لا مست ذؤابة عمامته عنق بعيره ، دخلها متواضعاً ، ما أصابه الغرور . أناس كثيرون ينجحون في مجالات الحياة كلها ، في العمل التجاري ، في العمل الصناعي ، في العمل الزراعي ، في تسلم المناصب ، في الدرجات العلمية ، حينما ينجحون المرض الذي ينتظرهم ، والمزلق الذي ربما انزلقوا فيه ، هو الغرور ، يتوهمون أن أدوات الإدراك عندهم سليمة ، وأنها جيدة ، وأنها تستغرق كل الحقائق ، عندئذ يقعون في وهم كبير ، السعيد من بحث عن الحقيقة طوال حياته ، السعيد من عرف حده فوقف عنده ، ولم يتعد طوره .

 

صحة العمل أساس سعادة الدنيا والآخرة :

 موضوع انحراف الرؤية بسبب الاضطراب النفسي ، والاضطراب بسبب الضغوط ، الشهوات الجامحة ، والخوف الشديد ، والطمع الكثير ، هذا يُضعف الرؤية ، فنقع في الوهم ، ومع الوهم نشقى في الدنيا والآخرة .
 أساس سعادة الدنيا والآخرة صحة العمل ، وصحة العمل أساسها سلامة الرؤية ، ورؤية الإنسان لا تصح إلا إذا كان بعيداً عن الضغوط النفسية ، مدركاً بأدواته المعرفية حجومها، مستعداً لفهم الحقيقة من أي إنسان ، خذ الحكمة ولا يهمك من أي مكان خرجت ، إن كنت بهذه النفسية ، وتلك العقلية ، عرفت الحقيقة ، وسعدت بها ، وأسعدت الناس بها .
 أيها الأخوة الكرام ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، وتخطى غيرنا إلينا ، فلنتخذ حذرنا ، الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها ، وتمنى على الله الأماني ، والحمد لله رب العالمين .

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

أسباب شقاء المسلم :

 أيها الأخوة الكرام ؛ أحد أسباب شقاء المسلم في الزمن الأخير اختلاطه بأهل الدنيا الفسقة والفجار ، وأهل الدنيا العصاة ، هؤلاء ملوثون بحب الدنيا ، هؤلاء ملوثون بالمعاصي ، هؤلاء ملوثون بضعف الرؤية ، فلو اختلطنا بهم ، وأقمنا معهم علاقات حميمة ، هم لم يتضرروا إطلاقاً ، إلا أن النقي الصافي هو الذي يتضرر وحده من هذه العلاقة ، لذلك قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾

[سورة التوبة: 28]

 لم يقل نجسون ، لأن الشيء النجس يطهر ، إلا أن الله سبحانه وتعالى وصفهم بأنهم عين النجاسة ، النجِس شيء ، والنجَس شيء آخر . .

﴿ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾

[سورة التوبة: 28]

نموذج عن حرص الصحابة الكرام على نقائهم واستقامة أعمالهم :

 أضع بين أيديكم نموذجاً من حرص الصحابة الكرام على نقائهم ، وعلى نقاء سرائرهم ، وعلى استقامة أعمالهم ، وعلى مطلب رضا ربهم . قال : حينما نقض بنو بكر حلفاء المشركين في مكة شروط صلح الحديبية باعتدائهم على بني خزاعة حلفاء المسلمين في المدينة، أيقنت قريش بأن محمداً صلى الله عليه وسلم وصحبه لن يسكتوا حيال هذا النقض ، ولن يتركوا هذا الاعتداء يمرُّ عابراً . أجمعت قريش على انتداب زعيمها أبي سفيان للذهاب إلى المدينة للاعتذار عما فعل بنو بكر ، وتهدئة الأحوال ، وتطييب الخواطر .
 الآن أبو سفيان زعيم قريش ، سيدها يذهب إلى المدينة ليلتقي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ليعتذر له عن نقض هذا العهد . توجه أبو سفيان إلى المدينة ، وظن أن أقرب طريق إلى رسول الله هو ابنته ، أم حبيبة ، التي هي زوج رسول الله ، فذهب إليها وفوجئت أم حبيبة بأبي سفيان أبيها في بيتها ، وقد افترقا منذ أكثر من عشر سنوات ، فارتبكت في نفسها ، واحتارت في أمرها ، ثم جلس أبو سفيان من تلقاء نفسه على فراش ممدود على الأرض ، وإذا أم حبيبة تهتز وتنتفض ، بعد أن تماسكت وهدأ روعها ، واستعادت رباطة جأشها سارعت إلى سحب الفراش من تحت أبيها ، وطوته وأبعدته عنه . فقال لها : هل رغبت بي عن الفراش أم رغبت بالفراش عني ؟ أي خفت عليّ من الفراش أم خفت على الفراش مني ، فتجيبه ابنته بحزم شديد ، ودون تردد : بل هو فراش رسول الله ، وأنت امرؤ مشركٌ نَجس ، فلم أحب أن تجلس عليه ، وكان جوابها الحازم الجازم كالنازلة تنزل على عقله وقلبه ، فيقول لها : يا بنيتي لقد أصابك بعدي شر كبير ، فتجيبه بحزم وجزم آخر : بل أصابني كل الخير ، إني هُديت إلى الإيمان ونعمة الإسلام ، وكانت أم حبيبة قارئة وكاتبة ، وواعية ، وحافظة ، وعالمة ، وقد روت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر من ستين حديثاً صحيحاً .
 أردت من هذه القصة أن إنساناً متفلتاً منحرفاً ، لا يعبأ بأوامر الله إن صادقته ، إن صاحبته ، إن سافرت معه ، إن خالطته ، إن شاركته ، جرك إلى المعاصي شيئاً فشيئاً ، هو لم يتضرر أبداً ، لأنه هكذا ، أما أنت الذي تضررت وحدك ، فلذلك حينما ترى أن المجتمع قد يجرك إلى معصية ، ابتعد ، أما حينما ترى نفسك قادراً على أن تجرَّ الآخرين إلى طاعة الله فكن معهم ، هذا هو المقياس ، إن أمكنك أن تجرهم إلى طاعة الله فكن معهم كيفما شئت ، أما إذا جروك فابتعد عنهم ؛ لأن الهلاك في الصحبة أحياناً ، قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾

[سورة التوبة: 28]

 طبعاً بعض العلماء قالوا : هذه نجاسة حكمية ، إنك إن شاركته أكلت الربا شئت أم أبيت ، إنك إن زوجته أخرج ابنتك كما يريد ، وعرفها بأصدقائه ، وجعلها تفسد ، إنك إن سافرت معه أحرجك ، وأدخلك مداخل لا ترضى عنها ، إذاً نجاسة حكمية ، حينما لا تعبأ بدينك يهون عليك أن تخالط الآخرين ، من هنا قال عليه الصلاة والسلام:

((لَا تُصَاحِبْ إِلَّا مُؤْمِنًا ، وَلَا يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلَّا تَقِيٌّ ))

[الترمذي عن أبي سعيد]

(( وَالْجَمَاعَةُ رَحْمَةٌ وَالْفُرْقَةُ عَذَابٌ ))

[ أحمد عن عمر]

(( . . عَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ وَإِيَّاكُمْ وَالْفُرْقَةَ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الْوَاحِدِ وَهُوَ مِنَ الِاثْنَيْنِ أَبْعَدُ مَنْ أَرَادَ بُحْبُوحَةَ الْجَنَّةِ فَلْيَلْزَمِ الْجَمَاعَةَ مَنْ سَرَّتْهُ حَسَنَتُهُ وَسَاءَتْهُ سَيِّئَتُهُ فَذَلِكُمُ الْمُؤْمِنُ ))

[أحمد والترمذي والحاكم عن عمر ]

 وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية .

 

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شرّ ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك ، إنه لا يذل من واليت ، ولا يعز من عاديت ، تباركت ربنا وتعاليت ، ولك الحمد على ما قضيت ، نستغفرك ونتوب إليك ، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك ، اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ، ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين . اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، ودنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر ، مولانا رب العالمين ، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك . اللهم لا تؤمنا مكرك ، ولا تهتك عنا سترك ، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين . اللهم استر عوراتنا ، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً ، وسائر بلاد المسلمين . اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك ، ومن الفقر إلا إليك ، ومن الذل إلا لك ، نعوذ بك من عضال الداء ، ومن شماتة الأعداء ، ومن السلب بعد العطاء . اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب ، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب ، اللهم صن وجوهنا باليسار ، ولا تبذلها بالإقتار ، فنسأل شر خلقك ، ونبتلى بحمد من أعطى وذم من منع ، وأنت من فوقهم ولي العطاء ، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء . اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين . اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام والمسلمين ، وأعز المسلمين ، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018