الخطبة : 0391 - العلم2 ، العلاقة بين العلم والإيمان - الكبد منطقة صناعية كاملة. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0391 - العلم2 ، العلاقة بين العلم والإيمان - الكبد منطقة صناعية كاملة.


1992-05-01

الخطبة الأولى:
 الحمد لله ثم الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا ، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكّلي إلا على الله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته وإرغاماً لمن جحد به وكفر ، وأشهد أنَّ سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلَّم ، رسول الله سيِّد الخلق والبشر ، ما اتصلت عينٌ بنظرٍ أو سمعت أذنٌ بخبر ، اللهمَّ صل وسلم وبارك على سيدنا محمد ، وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريَّته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين، اللهم ارحمنا فإنك بنا راحم ، ولا تعذبنا فإنك علينا قادر ، والطف بنا فيما جرت به المقادير ، إنك على كل شيءٍ قدير ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

العلم :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ مُتابعةً لموضوعٍ بدأته قبل الأسبوع الماضي - قبل خطبة الحَج - موضوع العِلْم ، لأن الطريق إلى الله عزَّ وجل هي من خلال العلم ، والعلم وحده .
 فالعلم أيها الأخوة ليس مقابلاً للإيمان ، فهذا الذي يتوهم أن العلم شيء ، والإيمان شيءٌ آخر وقع في وهمٍ كبير ، ليس العلم مقابلاً للإيمان ، هذا رجلٌ مؤمنٌ ، وهذا رجل عِلْم ، وكأن العلم شيء ، والإيمان شيءٌ آخر ، هذا وهمٌ كبير .
 بل أيها الأخوة المؤمنون ؛ لأن هناك شرائع تَدين بها بعض الشعوب ، هذه الشرائع أيَّدت الخُرافة وحاربت العلم ، ناصَرَت الجمود والتقليد ، وقاومت التفكير الحر ، دافعت عن قُوى البغيّ ، ووقفت في وجه المظلومين ، هذه الشرائع حاربت العِلم ، لذلك نشأ تناقضٌ حاد ، ومفارقةٌ كبيرة بين الدين وبين العِلم ، بعض الجُهلاء من المسلمين نقلوا هذا التناقض إلى العالم الإسلامي ، وكأن العلم شيء ، والإيمان شيءٌ آخر ، كأن الإيمان لا يلتقي مع العلم ، كأن العلم له مجاله والإيمان له مجاله ، هذا وهمٌ كبير لا ينطلي إلا على السُذَّج من الناس .

 

تطابق العلم مع الإيمان تطابقاً تاماً :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ الإسلام في حقيقته لم يعْرف هذا الصراع أبداً في كل تاريخه بين العِلم والإيمان ، لا نصاً ولا روحاً ، لا من قريبٍ ولا من بعيد ، العلم يتطابق مع الإيمان في إسلامنا تطابقاً تاماً ، ما يقرُّ به العقل جاء به الدين ، ما جاء به الدين أقرَّه العقل ، هذا التطابق العجيب بين مُعْطيات العِلم الحقيقي وبين حقائق الدين هو حقيقةٌ بديهيةٌ في إسلامنا . إذاً لا معنى لهذا التناقض المَزْعوم ، ولا لهذا الوهم المُضْحِك مِنْ أنّ العلم شيء والدين شيءٌ آخر . إليكم بعض المقولات التي قيلت في بعض الشرائع ، التي نشأ فيها هذا التناقض ، يقولون : الإيمان قضيةٌ لا علاقة لها بالفِكر . الإيمان لا يدخل في دائرة العقل والعلم . ليس من شرائط العقائد أن تكون مقبولةً عقلاً بل هي شيءٌ فوق العقل . آمن ثم اعلم . اعتقد وأنت أعمى . أغمض عينيك ثم اتبعني .
 هذا كلامٌ مرفوضٌ في الدين الإسلامي رَفْضَاً كُلِّيَاً ، إنما الدين هو العقل ، وإنما العقل هو الدين ، ومن لا عقل له لا دين له ، ومن لا دين له لا عقل له .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ من أجل أن تعلموا هذه الحقيقة إليكم بعض الحقائق النابعة من كلام الله عزَّ وجل ، ومن حديث النبي صلى الله عليه وسلَّم تؤكِّد تطابق الإيمان الحَق مع العِلم الصَريح .

 

رفض التقليد في العقيدة الإسلامية رفضاً كُلِّياً :

 بادئ ذي بدء الإسلام أيها الأخوة - وأتمنى أن تكونوا معي تماماً في كل قِواكم- الإسلام يرفض التقليد في العقيدة ، أو التَبَعِيَّة ، فلا تُبْنى العقيدة لا على تقليدٍ ولا على تبعية ، فالتقليد في أصله مرفوضٌ في العقيدة ، ولو رجعتم إلى كُتب التوحيد ، لوجدتم أن الحقيقة الأولى هي أن العقيدة الصحيحة لا يمكن أن تقلِّدها ، ولا يمكن أن تأخذها اتباعاً ، ولا يمكن أن تقتبسها اقتباساً أعمى ، لابدَّ في العقيدة من التحقيق ، لابدَّ في العقيدة من البُرْهان ، لابدَّ في العقيدة من التأمُّل ، لابدَّ في العقيدة من التمحيص ، لأن عقيدة الإنسان ربَّما ترديه إلى أبد الآبدين ، وربما تسعده إلى أبد الآبدين ، أيعقل أن تؤخذ تقليداً ؟ أيعقل أن يكون رجلٌ ضال يَتْبَعه أناسٌ كثيرون على سبيل أنهم قلَّدوه ، التقليد في العقيدة مرفوضٌ رفضاً كُلِّياً في الدين الإسلامي .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ الدليل على ذلك أن الله عزَّ وجل في القرآن الكريم حينما أراد أن يُقَرِّعَ الكفار ، بماذا قرَّعهم ؟

﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا﴾

[ سورة المائدة : 104 ]

 إذاً الله عزَّ وجل نَعَى عليهم تقليدَهم لآبائهم ، رفض منهم هذه المَقولة ، لم يقبل أن يقولوا :

﴿ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا﴾

[ سورة المائدة : 104 ]

 في آيةٍ أخرى يقول الله عزَّ وجل :

﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا * رَبَّنَا آَتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً﴾

[ سورة الأحزاب : 67-68]

 ماذا يعني هذا ؟ يعني هذا أن حُجَّةَ الكُفار يوم القيامة أنهم أطاعوا سادتهم وكُبراءهم ، إذاً من خلال هاتَيْن الآيتين يتضح أن الإنسان لا ينجو عند الله عزَّ وجل إذا قلَّد الآخرين من دون وَعْيٍ ، من دون تفهمٍ ، من دون تبصرةٍ ، من دون إدراكٍ ، من دون حُجَّةٍ ، من دون برهانٍ .
 ولا يخفى عليكم أيها الأخوة أن النبي عليه الصلاة والسلام في بعض أحاديثه الصحيحة يقول :

((لا يكن أحدكم إمَّعة . . .))

[الجامع الصغير عن حذيفة ]

 حديثٌ واضحٌ جداً :

((لا يكن أحدكم إمَّعة . . .))

[الجامع الصغير عن حذيفة ]

 من هو الإمعة ؟ شرح لك النبي ، يقول هذا الإمعة : أنا مع الناس إن أحسنوا أحسنت وإن أساؤوا أسأت .
 هذا هو الإمعة ، فالله سبحانه وتعالى لا في القرآن الكريم ولا في السنة المُطَهَّرة يقبل منك أن تقلِّد تقليداً أعمى ، لا يقبل منك أن تنحاز انحيازاً أعمى ، لا يقبل منك أن تقول :

﴿إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾

[ سورة الزخرف : 22]

العقيدة الإسلامية لا تقبل الظن بل تحتاج إلى اليَقين :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ شيءٌ آخر وخطير في العقيدة الإسلامية : أن العقيدة الإسلامية لا تقبل الظّن ، تحتاج إلى اليَقين . .

﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾

[ سورة الحجرات : 15 ]

﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾

[ سورة التكاثر : 5-6]

 آياتٌ كثيرة لا مجال إلى استقصائها تؤكِّد أنه لا يكفيك أن تعتقد ظاناً ، لا يكفيك أن تُرَجِّح ، تقول : يترجَحُ عندي ، في العقيدة يجب أن توقن يقيناً قَطْعياً ، لذلك يرفض الإسلام الظن ، حيث لا يغني الظن في شأن العقيدة شيئاً ، بل لا يفيد العقيدة إلا اليقين والعِلْم الصحيح، إليكم هذه الآيات التي تؤكِّد هذه الحقيقة الثانية :

﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾

[ سورة النساء : 157 ]

 اتباع الظن ذنبٌ كبير ، أن تبني عقيدتك على الظن . .

زعم المُنَجِّم والطبيب كلاهمـــا  لا تُبـعَث الأموات قلت : إليكما
إن صحَّ قولكما فلست بخاسرٍ  أو صحَّ قولي فالخسار عليكـما
* * *

 هذه عقيدةٌ أساسها الظَن ، ولا يمكن لعقيدةٍ أن تُبنى على الظن . .

﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾

[ سورة النساء : 157 ]

﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ﴾

[ سورة النجم : 23 ]

 إذاً اتبـاع الظن لا يُنَجِّي من عذاب الله عزَّ وجل .

 

حاجة العقيدة الإسلامية إلى الحُجَّة والبُرْهان :

 التقليد لا ينجي واتباع الظن لا ينجي ، لابدَّ من يقينٍ ، ولابدَّ من بحثٍ ذاتيٍ ، وتدقيقٍ ، وتمحيصٍ ، وتأمُّلٍ ، وطلبٍ للدليل ، وطلبٍ للحُجَّةِ إلى أن تتيقَّن أن هذا هو الحق . آياتٌ أخرى تؤيِّد ما أذهب إليه :

﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾

[ سورة النمل : 64]

 أين برهانكم ؟ أين يقينكم ؟ . .

﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾

[ سورة النمل : 64]

 وإذا أردت أن تَسْتَقْصي الآيات التي تتحدَّث عن دور العِلم ، وعن دور العَقل ، وعن الدعوة إلى التفكُّر ، وعن الدعوة إلى التدبُّر ، وعن الدعوة إلى التأمُّل ، وعن الدعوة إلى النَظَر وجدت أن هذه الآيات لا تعدُّ ولا تُحصى ، حاولت مرةً أن أجمع الآيات المتعلِّقة بالعلم فوجدتها تقترب من ألف آية ، وحسبنا هذه التعقيبات التي تأتي في نهاية الآيات :

﴿أَفَلَا يَعْقِلُونَ﴾

[ سورة يس : 68]

 أفلا يتفكرون . .

﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ﴾

[ سورة الغاشية : 17 ]

﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا﴾

[ سورة الأعراف : 185 ]

﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا﴾

[ سورة الأعراف : 184 ]

﴿ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾

[ سورة الرعد : 4]

﴿ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾

[ سورة الأعراف : 32]

﴿ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴾

[ سورة الجاثية : 4]

﴿ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾

[ سورة الجاثية : 13]

 إذاً لا يُقبَل التقليد ، ولا يُقبل الظن ، بل لابدَّ من الحُجَّة والبُرْهان ، ولابدَّ من الدليل لأن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم . .

((ابن عمر دينك دينك ، إنه لحمك ودمك ، خذ عن الذين استقاموا ، ولا تأخذ عن الذين مالوا))

[ من كنز العمال عن ابن عمر ]

الدعوة إلى فَحْص هذا الدين و تَقْليب أفكاره :

 شيءٌ آخر واضحٌ وضوحَ الشمس : إنها آيةٌ قرآنية تدعو الناس إلى التفكُّر ، يقول الله عزَّ وجل :

﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ﴾

[ سورة سبأ : 46 ]

 أعظكم هذه المَوْعِظَة ، أعظكم بهذه النَصيحة . .

﴿أَنْ تَقُومُوا لِلَّه﴾

[ سورة سبأ : 46 ]

 قام للأمر أيْ شَمَّرَ له ، قام للأمر أيْ استعدَّ له ، قام للأمر أي رآه أمراً خطيراً جداً ، فوقف لشدة خطورته . .

﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾

[ سورة سبأ : 46 ]

 دعوةٌ إلى فَحْص هذا الدين ، دعوةٌ إلى تَقْليب أفكاره ، دعوةٌ إلى مُتابعة أفكاره ، دعوةٌ إلى اليقين ، دعوةٌ إلى التأمُّل . .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ من أجل هذه الآية الكريمة ، أحد المُفَكِّرين المُسلمين ألفَّ كتاباً سمَّاه " التفكُّرُ فريضةٌ إسلاميـة " ، كما أنك مأمورٌ أن تصلي ، كما أنك مأمورٌ أن تصوم ، كما أنك مأمورٌ أن تحج البيت ، كما أنك مأمورٌ أن تؤدّي زكاة مالك ، كما أنك مأمورٌ أن تكون صادقاً ، إنك مأمورٌ أن تتفكَّر في خلق السموات والأرض ، وأن تتدبَّر في هذا القرآن الكريم ، وأن تنظر في أفعال الله جلَّ وعلا .

 

العقيدة الإسلامية تقوم على العِلم لا على التَسْليم الأعْمى :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ العقيدة الإسلامية تقوم على العِلم ، ولا تقوم على التَسْليم الأعْمى ، والدليل على ذلك آياتٌ كثيرة من أبرزها . .

﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾

[ سورة محمد : 19 ]

 ما قال الله : قل لا إله إلا الله . ما قال الله : ردِّد لا إله إلا الله . ما قال الله : اكتب لا إله إلا الله ، بل قال :

﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾

[ سورة محمد : 19 ]

 وقال أيضاً :

﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

[ سورة المائدة : 98]

 وقال أيضاً :

﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾

[ سورة البقرة : 235]

 مأمورٌ أن تعلم ، والعِلم أن تتعرَّف إلى مقولةٍ مُطابقة للواقع بالدليل ، تعريف العلم " مقولةٌ مطابقةٌ للواقع عليها دليل " ، فإذا خالفت الواقع فهذا هو الجهل ، إذا افتقرت الحقيقة إلى دليل فهذا هو التقليد ، من هو المُقَلِّد ؟ لو قَلَّدت إنساناً مؤمناً ، ولقَّنك الحق ، ولم تأخذ عنه الدليل فأنت مقلِّد ، إذا افتقرت المقولة إلى الدليل فهذا هو التقليد ، وإذا افتقرت المقولة إلى مطابقة الواقع فهذا هو الجهل ، وإن افتقرت المقولة إلى اليقين فهذا هو الظن ، أو الشك ، أو الوهم .
 أنت بين شكٍ ، ووهمٍ ، وظنٍّ ، وتقليدٍ ، وجهلٍ ، لم يبقَ إلا العلم مقولةٌ مطابقةٌ للواقع عليها دليل ، إن لم يكن الدليل فأنت في دائرة التقليد ، وإن لم يكن الواقع فأنت في دائرة الجهل ، وإن لم يكن اليقين فأنت في دائرة الشَك والوهم والظن .

 

الحق لا يخشى البحث ولا يتهيَّب التدقيق و التأمُّل :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ الإسلام لا يخشى البحث ؛ لأنه حقٌ من الله تعالى ، والحق من طبيعته أنه لا يخشى البحث ، دقِّق ، وحقق ، وفكِّر ، وتأمَّل ، وفي النهاية لا تجد إلا أن كل شيءٍ يؤيِّد الحق الذي جاء به القرآن ، لا تزيد الأيام الحق إلا نصاعةً ، لا تزيده إلا تألُّقاً ، لا تزيده إلا إشراقاً ، إذا كنت مع الحق فلا تخشَ المفاجآت ، لن تأتي الأيام بوقائع تناقض ما أنت عليه ، لن يزداد الحق مع ازدياد الأيام إلا ثباتاً ورسوخاً ، بعكس الباطل ، الزمن ليس في صالح الباطل ولو امتد الزمن ، ربما يأتي يوم تتهاوى أفكار الباطل ، تتهافت مبادئه ، تتهافت مُنْطَلقاته ، لكن الحق قديمٌ وأبدي ، فإذا كنت مع الحق فلا تخشَ أن تفاجأ في أحد الأيام بأن ما تعتقده كان باطلاً ، لأن الحق له ثبوتٌ وله رسوخٌ ، لا تقوى قوى الأرض مجتمعةً على أن تُزَعْزِعَهُ .
 فيا أيها الأخوة الأكارم ؛ الإسلام لا يخشى عواقب التفكّر ، والتأمّل ، والنظر ، لأن الإسلام حق والحق لا يخشى البحث .
 دليلٌ بسيط : لو أعطيت إلى الشاري حقائق ثابتة عن هذه البضاعة ، إذا كنت واثقاً من صِحَّة هذه الحقائق تقول له : اذهب وتجول في الأسواق كلها ، واسأل من شئت ، واعرضها على من شئت . واثق . أما إذا أعطيته معلوماتٍ ليست صحيحة ، فتخشى أن يذهب إلى مكانٍ آخر ، تخشى أن يتصل بإنسانٍ آخر ، عندئذٍ تنكشف الادعاءات المزعومة ، ويتهاوى ما ذكرته له .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ هذه الحقيقةٌ ، الحق لا يخشى البحث ، ولا يتهيَّب التدقيق ، ولا التأمُّل ، والحق لا يحتاج لا إلى كذبٍ ، ولا إلى مبالغةٍ ، ولا إلى إغفالٍ . لا إغفال ، ولا مبالغة ، ولا كذب ، الحق حق ، والله هو الحق .

العلم و الدين وجهان لشيء واحد :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ مرةً ثانية : الحق هو ما أيَّده النقل ، وأقرَّه العقل ، وأكَّده الواقع ، واطمأنت إليه الفطرة ، لا يمكن للعلم أن يناقض الدين ، ولا يمكن للدين أن يناقض العلم، بل هما وجهان لشيءٍ واحد ، صحيح المنقول لا يمكن أن يناقض صريح المعقول ، إلا أن التناقض قد يقع مما يأتي ، قد يظن أناسٌ ما ليس من الدين ديناً ، وقد يظن أناسٌ ما ليس من العِلم علماً ، ليس كل ما يعتقده أهل الدين ديناً ، وليس كل نَظريات العلماء التي يتناقَلونها علماً ، الشيء الفصل والدقيق أن صحيح المنقول لا يمكن أن يناقض صريح المعقول ، الحقيقة العلمية الثابتة لا يمكن أن تناقض نصاً قطعيَّ الثبوت ، قطعيَّ الدلالة في الإسلام ، لا في الكتاب ولا في السُنَّة ، لهذا تأتي الطمأنينة ، لهذا يستقر الإنسان إلى أن ما يعتقده هو حقٌ مئةً في المئة .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ ما قولكم في أن الدين من خلال القرآن بيَّن أن العلم وحده هو طريق الإيمان ، لذلك يقول الله عزَّ وجل :

﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ﴾

[ سورة الحج : 54 ]

 تسلسلٌ دقيـق ، تتعلَّم ، تؤمن ، يطمئن قلبك . فالحقيقة تبدأ بذهنك ، وتصل بها إلى الإيمان اليَقيني ، وبعدها تنعكس على قلبك طمأنينةً ، وراحةً ، وسكينةً ، وتوازناً ، وسعادةً . إذاً الإيمان يبدأ بالعلم وينتهي بالسعادة . .

﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ﴾

[ سورة الحج : 54 ]

العلم المادي :

 أيها الأخوة الأكارم :

﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ﴾

[ سورة الروم : 56 ]

 ولكن وقفة قليلة عند العلم المادي الذي شاع في هذه الأيام . هذا العلم المادي المُتَعَلِّق بالمادة ، والذي يبحث عن العلاقات الثابتة بين المتغيِّرات المادية ، والذي يَهْدِف أول ما يهدف إلى استغلال الثروات ، وإلى التمكن من ثروات الطبيعة ، هذا العلم المادي على أنه قدَّم للإنسانية - في دنياها - خدماتٍ عدة ، على أنه سهَّل الحياة ، قصَّر المسافات ، ألان الحديد ، نقل الصوت إلى أرجاء المعمورة ، نقل معها الصورة ، ركب الإنسان مَتْن الريح ، وصل إلى الفضاء ، غاص في أعماق الماء ، أيْ أنَّ كل المنجزات العلمية من خلال العلوم المادية تنتهي عند الموت .
 فالعلوم الماديَّة على عِظَمِ ما قدَّمته للإنسانية لا يمكن أن تقف ، أو أن تقاوم أنانية الإنسان ، ولا يمكن أن تضبط سَيْر البشر ، ولا يمكن أن تُسعد البشر . لا تقاوم أنانية الإنسان ، ولا تستطيع أن تضبط سيرهم ، ولا أن تسعدهم ، لابدَّ من العلم الدينيّ ، لابدَّ من علمٍ يسمو بالنفس ويسعدها ، ولابدَّ من علمٍ يُسْهِم في صلاح الحياة وفي رخائها .
 فالعِلم المادي إذا سلَّمنا بأن له مُنْجَزاتٍ تتعلَّق بحياتنا الدنيا ، لكن العلم الديني هو الذي يقينا الزلل والخطأ ، ويقينا الشقاء ، وهو الذي ينفعنا بعد الموت . إذا كان العلم المادي ينفعنا قبل الموت ، فالعلم الديني ينفعنا قبل الموت وبعد الموت ، إذا كان العلم المادي يهيِّئ لنا راحةً ماديةً ، فإن العلم الديني يهيّئ لنا سعادةً نفسية .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ قال الله عزَّ وجل متحدثاً عن سيدنا سليمان :

﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي﴾

[ سورة النمل : 40 ]

 أعطاه الله فهم لُغَة الطير ، سخَّر الله له الريح ، أعطاه أشياء كثيرة تُعَدُّ من الخوارق ، فهذا الإنجاز المادي الذي جعله الله في يد سيدنا سليمان قال :

﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾

[ سورة النمل : 40 ]

 في هذه الآية إشارة إلى أن المُنْجَزات المادية إن لم يرافقها علمٌ بالله ، إن لم يرافقها سياجٌ من القيَم ، تغدو سلاحاً خطيراً يُهْلِكُ الحرث والنسل ، وهذا بين أيدينا واضحٌ جداً ، التقدُّم في العلوم المادية من دون تقدم موازنٍ له في العلوم الإنسانية ؛ في علوم الدين ، في علوم تزكية النفس ، يغدو هذا العلم المادي سلاحاً خطيراً في يد الإنسان ، يدمِّر نفسه ، ويدمِّر غيره .
 أحد المُفَكِّرين الغَرْبيين سُئل مرةً عن الحرب العالمية الثالثة : ما رأيك فيها هل تقع أم لا تقع ؟ وإذا وقعت ماذا سيكون ؟ فأجاب إجابةً ساخرة قال : لا أعلم عنها شيئاً ، ولكن الحرب العالمية الرابعة فيما أظن بالحجارة فقط ، معنى ذلك أن الحرب العالمية الثالثة في حد رأي هذا المفكِّر ربما دمَّرت الحياة .
 أيْ أنَّ العقل وحده من دون سياجٍ من القيَم ، العلم المادي من دون علمٍ ديني ، العلم بالدنيا من دون علمٍ بالآخرة ، العلم بالمادة من دون علمٍ بالنفس يختلُّ التوازن ، وتَطْغَى قٍوى الشر ، وتدمَّر الحياة ، إذاً لابدَّ من أن تجمع بين العلم بالله ، والعلم بأمر الله ، والعلم بخلق الله .

 

القراءة مفتاح العلم :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ يكفينا أن الله عزَّ وجل في أول سورةٍ أنزلها على النبي صلى الله عليه وسلم قال :

﴿اقْرَأْ﴾

[ سورة العلق : 1 ]

 واقرأ مفهومٌ منها أن تَعَلَّم ، لأن القراءة مفتاح العلم ، أيْ أمرٌ من الله عزَّ وجل بطلب العلم ، ولكن ليس العلم المُطْلَق ؛ اقرأ أيّ شيء ، تعلَّم أيّ شيء ، تعلَّم لتكون غنياً ، تعلم لتتمكن من السيطرة على قوى البشر ، لا . .

﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾

[ سورة العلق : 1 ]

 اقرأ من أجل أن تهتدي إلى ربك ، اقرأ من أجل أن تسمو نفسك إلى ربك ، اقرأ من أجل أن تتعرَّف إلى ربك ، اقرأ من أجل أن تصل إلى ربك . .

﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾

[ سورة العلق : 1-2]

 أيها الأخوة الأكارم ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن مَلَك الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا ، وسيتخطَّى غيرنا إلينا ، فلنتخذ حذرنا ، الكيّس من دان نفسه ، وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها ، وتمنّى على الله الأماني .

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

الكبد منطقة صناعية كاملة :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ لماذا نذهب بعيداً ؟ بين أيدينا جسدٌ فيه آياتٌ لا تنقضي ، فيه حقائق لا تنتهي ، فيه أدلةٌ قاطعةٌ على وجود الله ، وعلى عظمته ، وعلى وحدانيته ليس لها حدود ، أردت أن أضع بين أيديكم حقائق بسيطة يدرسها طلاب الطب في سنواتهم الأولى .
 هذا الكبد الذي هو في جسد كل منا ، هذا العضو الذي لا يعلم الإنسان خطورته ، لو أنه تعطَّل ، أي أصابه تَشَمُّعٌ - كما يقولون - وكفَّ عن إنجاز وظائفه ثلاث ساعاتٍ فقط لانتهت حياة الإنسان .
 الكبد أيها الأخوة ، قد تشتري من السوق الكبد ، الكبد أيها الأخوة يقوم بخمسمئة وظيفة في جسم الإنسان ، قال بعض العلماء : نحتاج إلى إنجاز هذه الوظائف في حياتنا المادية إلى منطقةٍ صناعية ، لا إلـى معملٍ واحد ، بل إلى منطقة صناعية ، إن منطقة صناعية لا تكفي للقيام بما ينجزه الكبد .
 هل تصدقون أيها الأخوة أن في كبد الإنسان ما يزيد عن ثلاثمئة مليار خلية ؟ هذا الكبد الذي في جوفنا جميعاً ، فيه من الخلايا ما يزيد عن ثلاثمئة مليار خلية ، خلايا الدماغ مئة وأربعون مليارًا ، أما خلايا الكيد فثلاثمئة مليار ، وأن وزنه لا يزيد عن ألفٍ وخمسمئة غرام، أيْ كيلو ونصف .
 هل تصدقون أيها الأخوة أن الكبد يتجدد تَجَدُّداً تاماً كل أربعة أشهر؟ كل أربعة أشهر كبدك جديد ، طوال العمر المديد ، وذلك لخطورته ، إن أسرع نموٍ للخلايا في جسم الإنسان خلايا الكبد ، لو جاء طبيبٌ جراح ، واستأصل بمبضعه أربعة أخماس الكبد ، لأعاد الكبد بناء نفسه في ستة عشر أسبوعاً ، بالمِبْضَع لو استأصلنا أربعة أخماس الكبد ، ثم فتحنا البطن بعد ستة عشرَ أسبوعاً لوجدنا الكبد قد أعاد بناء ذاته .
 والشيء الذي لا يصدَّق أن خُمس الكبد وحده يكفي لأداء الوظائف ، لأنه ليس في خلايا الكبد تخصّص ، كل خليةٍ من خلايا الكبد تقوم بخمسمئة وظيفة ، هناك تجانس في الوظائف ، وليس هناك تَخَصُّص ، إذاً خُمس الكبد يكفي لأداء وظائفه ، وأربعة أخماس الكبد من قبيل الاحتياط ، وهذا من فضل الله علينا .
 الحديث عن الكبد يطول ، أولاً : إنه مصنعٌ يُنْتِجُ مواداً كثيرة ، إنه مصنع ينتج هرمونات تحافظ على ضغط الدم في مستوى معين ، فإذا اختل الكبد ، أو تشمع اختل معه ضغط الدم . إنه يصنع بروتينات التجلُّط ، وبروتينات التميُّع ، ومن توازن التميُّع مع التجلُّط يبقى الدم سائلاً في الأوعية والشرايين ، لو زاد هرمون التجلط لأصبح الدم وحلاً ، ولمات الإنسان ، ولو زاد هرمون التميُّع لفقد الإنسان كل دمه من جرحٍ بسيط ، فمن خلال التوازن بين التميّع والتجلّط يبقى الدم بهذا الوضع الراهن .
 الكبد يصنع كريات الدم الحمراء للجنين قبل أن تبدأ معامل نقي العظام .
 الكبد يحول السكر الزائد إلى نشاء تمهيداً لتخزينه في الجسم . الكبد يصنع السكر الذي هو في حاجةٍ إليه من المواد الدهنية . الكبد يصنع الكولسترول ، مصنع من أعلى درجة .
 والكبد يفرز في اليوم الواحد لتراً ونصف من الصفراء ، تعين على هضم المواد الدهنية وامتصاصها .
 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ والكبد مستودع ، يولِّد الحديد للجنين ما يكفيه مدة ستة أشهر إلى أن يأكل من الطعام الخارجي . والكبد يخزن الحديد والنحاس والفيتامينات ومصادر الطاقة . والكبد يتولَّى طرح السموم ، والتخلُّص من نتائج التمثيل الغذائي ، إذ يحوّل نتائج التمثيل الغذائي إلى حمضٍ للبول تمهيداً لطرحه في الكليتين .
 والكبد يتخلَّص من زوائد الهرمونات ، هو خط دفاعٍ ضدَّ السموم ومستودعٌ ، ومصنعٌ ، ويؤدي خمسمئة وظيفة بهذه الطريقة المعجزة ، وفي كل منا كبد تحت جُنْحِهِ الأيمن .
 فيا أيها الأخوة المؤمنون ؛ حينما يقول الله عزَّ وجل :

﴿ وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ﴾

[ سورة الذاريات: 21 ]

 لو أننا أمضينا وقتاً طويلاً في درس خصائص الجسد ، وعظمة الأعضاء والأجهزة، لأخذتنا الدهشة أمام عظمة الله عزَّ وجل .

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شرّ ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك ، إنه لا يذل من واليت ، ولا يعز من عاديت ، تباركت ربنا وتعاليت ، ولك الحمد على ما قضيت ، نستغفرك ونتوب إليك ، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك . اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين . اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، ودنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر ، مولانا رب العالمين . اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك . اللهم لا تؤمنا مكرك ، ولا تهتك عنا سترك ، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين . اللهم استر عوراتنا ، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين . اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك ، ومن الفقر إلا إليك ، ومن الذل إلا لك ، نعوذ بك من عضال الداء ، ومن شماتة الأعداء ، ومن السلب بعد العطاء . اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب ، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب . اللهم صن وجوهنا باليسار ، ولا تبذلها بالإقتار ، فنسأل شرّ خلقك ، ونبتلى بحمد من أعطى ، وذم من منع ، وأنت من فوقهم ولي العطاء ، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء . اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين . اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018