الخطبة : 0390 - العلم1 ، العلم بالله وقيمته - غشاء الطبل في الأذن. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0390 - العلم1 ، العلم بالله وقيمته - غشاء الطبل في الأذن.


1992-04-17

الخطبة الأولى:
 الحمد لله ثم الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا ، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكّلي إلا على الله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته ، وإرغاماً لمن جحد به وكفر ، وأشهد أنَّ سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلَّم ، رسول الله سيِّد الخلق والبشر ، ما اتصلت عينٌ بنظرٍ ، أو سمعت أذنٌ بخبر ، اللهمَّ صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد ، وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريَّته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

العلم النافع و الممتع هو العلم بالله عز وجل :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ بعد رمضان ، وبعد دخول شوّال بدأنا في مرحلةٍ جديدة ، ما الموضوعات التـي ينبغي أن نعقب عليها ؟ ما القضايا التي ينبغي أن نُثيرها ؟ إنَّ أيّة حركةٍ لم يسبقها العلم هي حركةٌ عشوائية ، حركةٌ فيها خَطَر ، أيَّة حركةٍ لا تُبْنَى على أساسٍ علمي هي حركةٌ غير مُجْدِيَة .
 فيا أيها الأخوة الأكارم ؛ يجب أن نعلم علم اليقين أن العلم بمعناه الواسع ، وبمعناه الشَرْعِيّ هو الطريق الوحيدة إلى الله عزَّ وجل ، فالعلم في القرآن وفي السُنَّة ، ومنزلة طلاب العلم في القرآن والسُنّة ، والعلم عند الناس وعند الله ، في الدنيا والآخرة له مرتبةٌ عَلِيَّة .
 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ بادئ ذي بدء أيُّ علمٍ مُمتعٌ ، هناك علمٌ ممتعٌ ونافع ، وهناك علمٌ نافعٌ ليس بممتع ، وهناك علمٌ ممتعٌ وليس بنافع ، فإذا اجتمع في العلم المُتْعة والنَفْعُ فهذا علمٌ نفيسٌ .
 ولكن يا أيها الأخوة الأكارم العلم الذي تنتهي نتائجه ، وتنقضي آثاره عند الموت هو علمٌ دنيوي ، مهما ارتقى الإنسان فيه ، العلم الذي تنتهي آثاره ، وتنتهي نتائجه عند الموت هو علمٌ دنيوي ، ربما بَرَعَ به الكفار ، ولكن إذا أرادوا أن يَلْقَوْا الواحد الديّان يعلمون - ولات ساعة مندم - أن هذا العلم لم يغنهم من الله شيئاً .
 ولكنَّ العلم المطلوب هو العلم بالله عزَّ وجل ، العلم بحقيقة الإنسان ، العلم بحقيقة الدنيا ، العلم بما بعد الدنيا ، العلم الذي يعرِّفك بربك ، العلم الذي يعرِّفك بعبوديَّتك ، العلم الذي يعرفك بالمنهج الصحيح ، العلم الذي يوصلك إلى ربك ، العلم الذي يجعلك على الخَطِّ الصحيح، العلم الذي ينقلك نقلةً نوعيةً ؛ من الضياع إلى الهُدى ، من الشقاء إلى السعادة ، من ضيق الدنيا إلى سَعة الآخرة ، من عملك الرَتيب إلى آفاق معرفة الله عزَّ وجل ، هذا العلم ممتعٌ ونافعٌ ومُسْعِد لأن آثاره تستمر بعد الموت .
 يا أيها الأخُ الكريم ؛ ابحث عن علمٍ ينفعك إذا جاء ملك الموت ، ابحث عن علمٍ ينفعك وأنت في قَبْرِك ، ابحث عن علمٍ حينما يقفُ الناس لرب العالمين ، ابحث عن علمٍ ينفعك في آخرتك .

 

من هُدي إلى طلب العلم الذي أراده الله فقد ناِل الخير كلَّه :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ علم الدين ؛ الذي يعرِّفك بنفسك ، ويعرفك بربك ، ويوصلك إلى غايتك ، ويكشف لك طريقك ، ويعلِّمك بما لك وما عليك ، ويدرأُ عنك المَفاسد ، ويحقق لك المصالح ، ويقرّبك من الخير ، ويهديك إلى الحق هو : العلم النافع ، والعلم الممتع ، والعلم المُسعد ، وأهم ما فيه أنه مسعدٌ إلى جنةٍ عرضها السموات والأرض .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ ماذا قال عليه الصلاة والسلام في هذا الموضوع ؟ . روى البخاريُّ ومسلم في صحيحيهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم قال :

((مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرَاً يُفَقِّهْهُ فِي الدّين))

[البخاري عن حميد بن عبد الرحمن]

 لو أعطاك الله مالاً ، لو أعطاك قوةً ، لو أعطاك صحةً ، لو أعطاك وسامةً ، لو أعطاك بيْتاً ، لو أعطاك عملاً كبيراً . .

((مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرَاً ...))

[البخاري عن حميد بن عبد الرحمن]

 أيْ إذا أراد الله بك خيراً - وهو يريد الخير لكل عباده - أيْ إذا هُديت إلى طلب العلم الذي أراده الله عزَّ وجل فقد نِلْتَ الخير كلَّه .

 

طريق العلم هو طريق السعادة الأبدية :

 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ يقول عليه الصلاة والسلام في حديثٍ آخر :

((من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً . . .))

[ الترمذي عن زر بن حبيش]

 أي أنك ارتديت ثيابك ، وخرجت من بيتك ، وركبت المركبة العامة في طريقك إلى المسجد ، في طريقك إلى طلب العلم ، في طريقك إلى فهم كلام الله ، في طريقك إلى معرفة سيرة رسول الله ، في طريقك إلى معرفة أحكام الفِقْه :

((من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهَّل الله به طريقاً إلى الجنَّة ))

[ الترمذي عن زر بن حبيش]

 هذا الطريق ؛ مِن بلدتك ، مِن قريتك ، مِن حيِّك ، مِن بيتك ، ركبت مركبتك ، واتجهت إلى بيتٍ من بيوت الله ، هذا الطريق الذي تسلكه هو طريق الجنة ، هو طريق السعادة الأبدية ، بِنَصّ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلّم الذي رواه الإمام مسلم :

((من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهَّل الله به طريقاً إلى الجنَّة ، وما اجتمع قومٌ في بيتٍ من بيوت الله عزَّ وجل - وهذا من بيوت الله عزَّ وجل - يتلون كتاب الله ، ويتدارسونه- التلاوة شيء والتفسير والمُدارسة شيءٌ آخر- بينهم إلا حفَّتهم الملائكة - ما معنى " حفَّتهم الملائكة " ؟ قال العلماء : حفظتهم ، وحمتهم ، وصانتهم . . .- ونزلت عليهم السكينة ))

[ مسلم عن أبي هريرة]

السكينة في قلب المؤمن تبدد القلق و الخوف و الضياع :

 السكينة شرحها طويل ، لكن لا يعرفها إلا من ذاقها ، إذا أنزل الله على قلبك السكينة تبدَّد الخوف ، تبدَّد القلق ، تبدد الحِقد ، تبدد الحسد ، تبددت الضَغينة ، تبدد القلق ، تبدد الضياع ، مشاعر الضياع ، مشاعر القهر ، مشاعر الخوف ، مشاعر الحُزن ، مشاعر القلق .

((ونزلت عليهـم السكينة ))

 قد يعبِّر عنها المُصلي فيقول : ارتحت في المسجد ، وجدت نفسي ، اطمأنت نفسي، ارتاح قلبي ، شعرت براحةٍ نفسيةٍ عجيبة ، تمنَّيت أن يطول بي المجلس ، هذه السكينة ، " إن الله يعطي الصحة ، ويعطي الذكاء ، ويعطي القوة ، ويعطي الجمال للكثيرين من خلقه ، ولكنه يعطي السكينة بقدرٍ لأصفيائه المؤمنين" .
 هذه السكينة التي تحدَّث عنها أبو يزيد البسطامي فقال : " لو يعلم الملوك ما نحن عليه لقاتلونا عليهـا بالسيوف " . في قلب المؤمـن سكينةٍ لو وزِّعت على أهل بلدٍ لكفتهم ولأسعدتهم جميعاً :

((ونزلت عليهم السكينة))

 ألم يقل الله عزَّ وجل في الحديث القدسي :

(( إن بيوت الله في الأرض المساجد ، وإن حقاً على الله أن يكرم الزائر

((

[ من الدر المنثور عن ابن مسعود ]

 نحن هنا في ضيافة الله عزَّ وجل ، ماذا قُدِّم لكم ؟ هل قُدِّمت لكم كؤوس الشاي ؟ هل قُدِّمت لكم أطباق الحلويات ؟ لاشكَّ أن الذي يأتي بيت الله عزَّ وجل مخلصاً لا يبتغي إلا رضوان الله عزَّ وجل ، يُلْقي الله في قلبه السَكينة ، وهذه السكينة تعيشها طوال الأسبوع ، ربما ضعف تأثيرها في النِصف الثاني من الأسبوع ، تأتي الجمعة التالية لتأخذ شحنةً من هذه السكينة ، تعينك على متاعب الحياة ، تجعلك إنساناً آخر ، لا ينسحق كما ينسحق الناس ، لا يحسُّ بالقهر كما يحس به الناس ، لا يأكل الحسدُ قلبه كما يأكل الحسد قلوب الناس ، لا يشعر بالضياع كما يشعر به الناس ، هذه السكينة . .

((ما اجتمع قومٌ في بيتٍ من بيوت الله عزَّ وجل يتلون كتاب الله ، ويتدارسونه بينهم إلا حفَّتهم الملائكة ، ونزلت عليهم السكينة . . .))

﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾

[ سورة الفتح : 26 ]

 هذه السكينة هي العطاء الرباني الذي تتغلغل بين جوانحك ، فإذا أنت أسعد الناس،

(( . . وغشيتهم الرحمة ، وذكرهم الله فيمن عنده ))

[مسلم وأصحاب السنن]

 هذا الحديث الصحيح رواه الإمام مسلم وأصحاب السنن .

 

العلم هو الطريق الوحيد إلى الله عزَّ وجل :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ حديثٌ ثالث رواه الإمام أحمد ، وأبو داود ، والترمذي ، وابن ماجه ، وابن حبّان ، يقول عليه الصلاة والسلام :

((وَإنَّ المَلاَئِكَةَ لَتَضَعُ أجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ العِلْمِ))

[أبو داود والترمذي عن أبي الدرداء ]

 وقال علماء الحديث :

((لَتَضَعُ أجْنِحَتَهَا))

 أي تتواضع ، وتوقِّر ، وتبجِّل طالب العلم . الملائكة ؛ المخلوقات النورانيَّة ، الذي يسبِّحون الله دائماً ، هؤلاء الملائكة يضعون أجنحتهم تواضعهاً ، وتوقيراً ، وتبجيلاً لطالب العلم، قال :

((رِضاً بِمَا يَصْنَعُ))

 و :

((.....إنَّ العَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّماوَاتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ حَتَّى الحيتَانُ في المَاءِ ، وَفضْلُ العَالِمِ عَلَى العَابِدِ كَفَضْلِ القَمَرِ عَلَى سَائِرِ الكَوَاكِبِ ، وَإنَّ العُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأنْبِيَاءِ، وَإنَّ الأنْبِيَاءَ لَمْ يَوَرِّثُوا دِينَاراً وَلا دِرْهَماً وَإنَّمَا وَرَّثُوا العِلْمَ ، فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بحَظٍّ وَافِرٍ ))

[أبو داود والترمذي عن أبي الدرداء ]

 ألا تقول فيما بينك وبين نفسك : فلان اشترى هذا البيت بعشرين ألفاً قبل كذا سنة، إذا هو الآن ثمنه عشرون مليوناً أترى له حظٌ وافر؟ فلان اشترى هذه الأرض فتضاعف ثمنها مئة مرَّة ، فلان أخذ هذه الوكالة فجنى أرباحاً طائلة ، هذا مِقياس الناس ، لكن من أخذ بهذا العِلم أخذ بحظٍ وافر .
 لا تنسوا أيها الأخوة قول سيدنا سعد بن أبي وقَّاص ، قال : " ثلاثةٌ أنا فيهن رجلٌ وفيما سوى ذلك فأنا واحدٌ من الناس ، ما صليت صلاةً فشُغِلت نفسي بغيرها حتى أقضيها ، ولا سرت في جنازةٍ فشغلت نفسي بغير ما تقول حتى أنصرف منها - الشاهد هنا - ولا سمعت حديثاً من رسول الله صلى الله عليه وسلَّم إلا علمت أنه حقٌ من الله تعالى" ، هذا هو الحق .

((إن الأنبياء لم يورِّثوا ديناراً ولا درهماً ، إنما ورَّثوا العلم ، فمن أخذه أخذ بحظٍ وافر))

[أبو داود والترمذي عن أبي الدرداء ]

 أخذ مِن ميراث النبوَّة ، أيْ أعلى شيءٍ تصل إليه أن يهبك الله علماً ، أعلى شيءٍ تصل إليه أن يُفَقِّهك الله في الدين ، لماذا ؟ لأن هذا العلم وهذا الفِقه يستمرّان معك إلى أبد الآبدين ، وإن أيَّ شيءٍ في الدنيا ينتهي عند شَفير القبر ، بعض مالك يبقى في البيت ، وبعض أهلك يودِّعك إلى شَفير القبر ، ولكن لا ينزل معك في القبر إلا عملك الصالح الذي بُنِيَ على العلم ، عملٌ من دون علم لا قيمة له ، العلم هو الطريق الوحيدة إلى الله عزَّ وجل .

 

قيمة العلم هي القيمة المرجحة بين خلق الله عز وجل :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ هذا الحديث :

((وَإنَّ المَلاَئِكَةَ لَتَضَعُ أجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ العِلْمِ رِضاً بِمَا يَصْنَعُ ، وَإنَّ العَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّماوَاتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ حَتَّى الحيتَانُ في المَاءِ ، وَفضْلُ العَالِمِ عَلَى العَابِدِ كَفَضْلِ القَمَرِ عَلَى سَائِرِ الكَوَاكِبِ ، وَإنَّ العُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأنْبِيَاءِ ، وَإنَّ الأنْبِيَاءَ لَمْ يَوَرِّثُوا دِينَاراً وَلا دِرْهَماً وَإنَّمَا وَرَّثُوا العِلْمَ ، فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بحَظٍّ وَافِرٍ))

[أبو داود والترمذي عن أبي الدرداء ]

 أيها الأخوة الأكارم ؛ هذه الأحاديث بعد الآيات الكثيرة ، القرآن الكريم لم يعتمد أي حظٍ من حظوظ الناس ، الناس يتفاضلون بالمال ، بالقوة ، بالجمال ، بالذكاء ، بمتاعِهم ، بشرفهم ، بنسَبهم ، كل هذه الحظوظ لم يعترف بها القرآن أبداً ، إلا قيمةً واحدةً رعاها ، إلا قيمةً واحدةً اعتمدها ، إلا قيمةً واحدةً جعلها المُرَجِّح بين خلقه ، قال :

﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾

[ سورة الزمر : 9 ]

 وقال :

﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾

[ سورة طه : 114]

 أيها الأخوة الأكارم ؛ بين قَوْسَيْن ، الخُطْبَةُ مُحَرِّضةٌ ليس غير ، من اكتفى بحضور الخُطبة ، الخطبة تحرِّضك إلى طلب العلم ، تدفعك إلى الفِقه ، لكنها بحد ذاتها ، بطبيعتها ، وقصر وقتها ، وشمولها لا تتسع إلا إلى التَحْريض ، إلا إلى إحداث موقفٍ عندك ، إلا إلى دفعك إلى العلم ، العلم يحتاج إلى مجالس العلم ، وطلب العلم شيءٌ ثمينٌ جداً .

 

الفرق بين العلم و الفقه :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ هذه الأحاديث التي تدلُّ على فضل العلم ، بل على فضل العلم بالدين ، تدلُّ أيضاً على فضل الفِقه ، ويجب أن نقف قليلاً بين الفِقه والعلم . .

((مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرَاً يُفَقِّهْهُ فِي الدّين))

[البخاري عن حميد بن عبد الرحمن]

 مصطلح الخلف للفقه معرفة الأحكام الفقهيَّة ، لكن النبي عليه الصلاة والسلام حينما قال :

((مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرَاً يُفَقِّهْهُ فِي الدّين))

[البخاري عن حميد بن عبد الرحمن]

 الفقه أن تعرف الظاهر والباطن ، الفقه أن تعرف الشكل والمَضْمون ، الفقه أن يَصْلُح عقلك ، وأن يصلح قلبك ، الفقه أن تَصْلُح دنياك ، وأن تصلح آخرتك ، أما العلم فقد تعرف حقيقةً ، وقد تعرف حكماً فقهياً ليس غير . لذلك النبي عليه الصلاة والسلام حينما جاءه أعرابيٌ وقال : ـ يا رسول الله عظني ؟ قال :

﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾

[ سورة الزلزلة : 7-8]

 فقال : كفيت . فقال عليه الصلاة والسلام : فقُهَ الرجل .

[ من شرح الجامع الصغير ]

 كان النبي عليه الصلاة والسلام سيّد البُلَغَاء ، لم يقل : (فَقِهَ) ، بل قال : (فَقُه) ، لأن فَقِه تعني عرف الحُكم الفقهي ، أما فَقُه أي أصبح فقيهاً .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ العلم قد ينصرف إلى العقل وحده ، لكن الفِقْهَ ينصرف إلى العقل والقلب معاً ، العلم قد يبقى في الجُزْئِيّات ، ولكن الفقه قد يصل إلى الكُلّيات ، العلم قد يبقى في الدنيا ، لكن الفقه يشمل الدنيا والآخرة .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ شيءٌ آخر في هذا الموضوع : سيدنا عمر عملاق الإسلام، رضي الله عن عمر قال : " عليكم بطلب العلم ، فإن لله رداء مَحَبَّةٍ ، من طلب باباً من العلم ردَّاه الله بهذا الرداء" ، أي إذا أحبّ عبداً ألبسه هذا الرداء ، إذا أحبّ عبداً منحه علماً ينتفع به، إذا أحبّ عبداً رفعه عن مستوى الناس الجُهلاء ، وخصَّه بعلمٍ غزيرٍ يقيه المَفْسَدَة ويدفعه إلى كل خير .
 ابن عباس رضي الله عن ابن عباس سُئل عن الجهاد فقال : " ألا أدلك على ما هو خيرٌ لك من الجهاد ؟ أن تبني لله مسجداً تعلِّم فيه القرآن ، وسُنَن النبي ، والفقه في الدين"، لأن الجهاد في مؤدَّاه البعيد أن ينتشر الحقُّ بين الناس ، فإذا علَّمت العلم ، وتدارست القرآن ، وبيَّنت السُنَن ، وفقَّهت الناس في الدين فهذا هو الهدف البعيد من الجهاد .
 ابن مسعود قال : " نعم المجلس مجلسٌ تنشر فيه الحكمة ، وتنشر فيه الرحمة " أنت إذا دخلت إلى بيتٍ من بيوت الله تقول :

((...اللهمَّ افتح لي أبواب رحمتك ...))

[مسلم عن أبي حميد]

 وإذا خرجت منه تقول : " اللهمَّ افتح لي أبواب فضلك" أيْ أنك في بيت الله تتلقى الرحمات ، وفي غير بيت الله تفعل الخيرات ، هذه مهمتك في الحياة ، أن تتلقى وأن تُلْقي ، أن تأخذ وأن تعطي ، أن تتصل بالله عزَّ وجل فتُشحن ، وأن تفيض على الناس بما عندك من خير، إذاً : نعم المجلس مجلسٌ تنشر فيه الحكمة ، وتنشر فيه الرحمة .
 وأما معاذ بن جبل رضي الله عنه فقال : " تعلموا العلم - دققوا في هذا الحديث الطويل - تعلموا العلم فإن تعلُّمه لله - أي مخلصاً به - خشية ، وطلبه عبادة ، ومدارسته تسبيح ، والبحث عنه جهاد ، وتعليمه صدقة ، وبذله لأهله قربة - أثمن هدية - وهو الأنيس في الوحدة ، والصاحب في الخلوة ، والدليل على الدين ، والنصير في السرَّاء والضراء ، والوزير عند الأخِلاء الله ، والقريـب عند القرباء ، هو منـار سبيل الجنة ، يرفـع الله به أقواماً يجعلهم في الخير قادة وسادة ، يُقتدى بهم ، يدل على الخير ، وتقتفى به آثاره ، يجعلك مع الملائكة والمُقَرَّبين ، يسبِّح لك كل رَطْبٍ ويابس ، تستغفر لك حتى الحيتان في البحر ، وهوامُّ السِباع في البَر ، به يطاع الله عزَّ وجل - بالعلم يطاع الله عز وجل ، كيف تطيعه إن لم تعلم ما أمره وما نهيه ؟ - وبه يُعْبَد الله عزَّ وجل ، وبه يوحَّد الله عزَّ وجل ، وبه يُمَجَّد الله عزَّ وجل ، وبه يتورَّع الإنسان - يكون ورعاً - وبه توصل الأرحام ، وبه يُعرف الحلال والحرام . هو إمام العمل يلهمه السُعداء ويحرم منه الأشقياء" .
 مرةً ثانية : به يطاع ، لن تستطيع أن تطيع الله إلا بالعلم ، لن تستطيع أن توحِّده إلا بالعلم ، لن تستطيع أن تسبّحه إلا بالعلم ، لن تستطيع أن تمجّده إلا بالعلم ، لن تستطيع أن تكون ورعاً إلا بالعلم ، لن تستطيع أن تصل رحمك إلا بالعلم . هو إمام العمل .

 

العمل يقود الإنسان إلى كل خير إذا كان العلم رائده :

 لماذا بدأت بهذا الموضوع بعد رمضان ؟ لأنه فاتحة عامٍ بأكمله ، إمام العمل ، العمل قبل العلم حركةٌ عشوائية ، حركةٌ غير مجدية ؛ قد تنفع وتضر ، قد تؤذي أكثر مما تصلح ، لكن العمل إذا كان العلم إمامه ، وكان العلم رائده قادك إلى كل خير ، ودرأ عنك كل شر .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ الإمام الحسن رضي الله عنه يقول : " لولا العلم لصار الناس مثل البهائـم " ، كلكم يعلم أن كل شيءٍ ماديٍ يشغل حيزاً في الفراغ ، له وزن ، له طول ، له عرض ، له ارتفاع ، لكن النبات هو شيءٌ ماديٌ يشغل حيِّزاً وينمو ، والحيوان شيءٌ ماديٌ يشغل حيزاً وينمو ويتحرك ، ولكن الإنسان شيءٌ ماديٌ يشغل حيزاً ويتحرَّك ، ويدرك ، ويفكر، ويعقل ، فحينما يُعَطِّل الإنسان عقله ، حينما يُلْغي عقله ، حينما يحتقر عقله ، حينما يستخدم عقله في غير ما خُلِق له هبط إلى مستوى البهائم ؛ كتلةٌ من لحمٍ ودم ، تبحث عن طعامٍ وشراب ، تقتنص اللّذات ، تريد أن تأخذ كل شيء بجهلٍ كبير ، فالإمام الحسن يقول : " لولا العلم لصار الناس مثل البهائم " ، أي أن طلاب العلم يخرجون الناس من حدّ البهيمية إلى حدّ الإنسانية .
 يقول يحيى بن معاذ - أحد العارفين بالله - : " العلماء أرحم بأمة محمدٍ من آبائهم وأمهاتهم ، قالوا : كيف ذلك ؟ قال : إليكم الجواب ، الآباء والأمهات يحفظون أولادهم من نار الدنيا - يخافون عليهم المرض ، يخافون عليهم الحريق ، يخافون عليهم الفقر - ولكن العلماء يحفظون أتباعهم من نار الآخرة . تنتهي فضائل الأبوة في الدنيا ، لكن فضائل طلب العلم تستمر إلى أبد الآبدين " .
 سُئل ابن المبارك هذا السؤال : من هُم الناس ؟ قال : العلماء . قالوا : وكيف ؟ قال : الإنسان إذا ألغي العلم هبط إلى مستوى البهيميّة ، فلا يسمى الإنسان من الناس إلا إذا كان متعلماً ، إلا إذا عرف الله عزَّ وجل ، إلا إذا عرف أين كان وإلى أين المصير ، وما جدوى حياته الدنيا . قيل له : من الناس ؟ قال : العلماء . قيل : فمن الملوك؟
 قال : الزهَّاد الذين طمعوا فيما عند ربهم . ألم يدخل أحد خلفاء بني أمية بيت الله الحرام ، فالتقى بعالمِ جليل أظنه أبا حزم ، قال له : سلني حاجتك ؟ قال : والله إنني أستحيي أن أسال غير الله في بيت الله . فالتقى به خارج المسجد فقال : سلني حاجتك ؟ قال : والله ما سألتها من يملكها أفأسألها من لا يملكها ؟ فلما ألحَّ عليه قال : سلني حاجتك ؟ قال : أنقذني من النار . قال : هذه ليست لي . قال : إذاً ليس لي عندك حاجة . قيل له : من الناس ؟ قال : هم العلماء . قال : فمن الملوك ؟ قال : هم الزهَّاد .
 الإمام الغزالي يقول كلمةً دقيقة ، قال : " الإنسان شريفٌ بما هو شريفٌ لأجله "، حينما نوقِّر طالب العلم ، نوقِّره لأجل العلم ، فإذا تخلَّى طالب العلم عن العلم زال عنه التَوْقير ، الإنسان شريف لما هو شريفٌ لأجله ، وحينما خُلِقَ الإنسان ليَعْرِفَ الله عزَّ وجل ، فإذا تخلَّى عن هذا الهدف سقطت عنه مكانته ، وسقطت عنه فَرْدِيَّتَهُ ، وشرفه .
 الإمام الغزالي يقول : " لو أن الإنسان اكتسب شرفه من قوة جسمه لقُلنا له : الجمل أقوى منك ، ولو اكتسب شرفه بقوة عظامه لقلنا له : الفيل أعظم منك - هذا كلام الإمام الغزالي - ولو قيل إن الإنسان اكتسب شرفه بشجاعته . لقلنا له : السبع أشجع منك ، ولو قيل إنه يكتسب الشرف بكثرة أكله ، لقيل له : الثور أشدّ منك أكلاً ، حتى أن أخسّ العصافير أشد قوةً على السِفاد من الإنسان " .
 الإنسان لم يُخْلَق إلا للعلم . .
 " خلقت لك السموات والأرض ولم أعي بخلقهن ، خلقتك من أجلي فلا تلعب ، وخلقت لك ما في الكون من أجلك فلا تتعب ، فبحقي عليك لا تتشاغل بما ضمنته لك عما افترضته عليك " .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ ما أردت من هذه الخطبة إلا أن أدفعكم إلى طلب العلم ، إلا أن أدفعكم إلى معرفة الله عزَّ وجل من خلال الكون ، ومن خلال كلامه ، ومن خلال أفعاله ، إلا أن أدفعكم إلى منهجه ، لأن منهج الله عزَّ وجل ، أو أحكام الفقه هي طريق عبادته ، فالخطبة لا تزيد عن أن تحرِّض المؤمنين إلى فعل الخيرات وترك المُنكرات .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن مَلَك الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا ، وسيتخطَّى غيرنا إلينا فلنتخذ حذرنا ، الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها ، وتمنّى على الله الأماني .

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

غشاء الطبل في الأذن :

 يا أيها الأخوة الأكارم ؛

﴿ وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ﴾

[ سورة الذاريات: 21 ]

 بين جوانحك آياتٌ لا تعدُّ ولا تحصى . غشاء الطبـل ؛ كل واحدٍ منكـم لأنه يستمع لهذه الخطبة ، فغشاء طبله يعمل بانتظام ، غشاء الطبل غشاءٌ رقيق ، لا تزيد سماكته عن نصف ميليمتر ، ولا يزيد قطره عن تسعة ميليمترات - أقل من سنتيمتر - متينٌ كالصلب ، مرنٌ كالمطاط ، حيويٌ جداً لنقل الأصوات ، لو تعطَّل هذا الغشاء فقد الإنسان سمعه ، لذلك جهَّزه الله عزَّ وجل بما يحفظه من التَلَف ، جعله في آخر قناةٍ منحنيةٍ أضيق من خَنْصَر الإنسان ، لئلا يعبث به الصغير فيخرقه .
 جعل الأذن الوسطى- وهذا من حكمة الله عزَّ وجل- موصولةً بقناةٍ إلى البلعوم ، فإذا جاء ضغطٌ كبيرٌ كافٍ لخرقه ، جاء الضغط المقابل من الفم ، فتوازن الضَغْطان، وسَلِمَ غشاء الطبل من التمزّق ، الأصوات الشديدة من شأنها أن تمزِّق غشاء الطبل .
 طريقة صيانته طريقةٌ عجيبة ، هو أن هذا الغشاء مفتوحٌ على الأذن ، ومفتوحٌ من الطرف المقابل على البلعوم ، فإذا جاء الضغط فالهواء من الجهتين ضغط على الغشاء ضغطاً متكافئاً فَسَلَّمه مِن العَطَب . هناك أشياءٌ معقدةٌ جداً لا تتسع لها الخطبة . هذا الغشاء مربوطٌ بأربع عُظَيْمات ، الأربع عظيمات لا يزيد وزنها عن خمسة وخمسين ميلي غرام - أربع عظيمات - ولا يزيد طولها مجتمعةً عن تسعة عشرَ ميليمتر ، هذه العظيمات لها وظيفةٌ رائعةٌ جداً ، إنها تكبّر الأصوات الضعيفة إلى عشرين مثلاً ، وإنها تخفِّض الأصوات الضخمة المؤذية ، فجهازٌ واحد يعمل على تكبير الصوت وعلى خفض الصوت هذا فوق طاقة البشر ، جهازٌ واحد يعمل على رَفْع مستوى الصوت وعلى خفضه ، هذا من الآيات الدالة على عظمته .
 بل إن الأصوات - وحدتها ديسيبل - التي تزيد عن مئة ديسيبل ، والتي من شأنها أن تؤذي الأذن ، هناك آليةٌ عصبيةٌ معقدةٌ جداً تخفضها ، بل إن الصوت الضعيف جداً حينما تقول له : أعد ، ما سمعت . بعض حركات الوجه تؤثِّر على عصبٍ مشتركٍ بين الوجه وبين عضلةٍ مُتَعَلِّقَة بعظم الرِكاب من شأنها أن تزيد حساسية الأذن ، أي حينما تتغيَّر ملامح وجهك ، حينما لا تفهم الكلام ، هناك آليةٌ معقدةٌ جداً تنتقل عَبْر العَصب السمعي إلى عضلةٍ تُضاعف حساسية الأذن ، حينما تفعل هكذا ، أو تحرِّك عضلات وجهك حركةً تدل على أنك لم تسمع ، عندئذٍ تزداد حساسية الأذن .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ الصوت اهتزازٌ ينتقل عبر وسطٍ مَرِن ، والوسط المَرِن هو الهواء ، لكن الوسط المرن القاسي الصُلب ينقل الصوت بسرعةٍ أشد ، والوسط السائل ينقلها بسرعةٍ أشد ، لذلك الصوت ينتقل إلى غشاء الطبل عَبْرَ الهواء ، وغشاء الطبل ينتقل به الصوت عبر أربع عظام ، ثم في قناةٍ قوامها سائل ، فالصوت ينتقل عبر الهواء تارةً ، وبعد غشاء الطبل عبر أجسامٍ صلبة ، وبعد الأجسام الصلبة عبر قناةٍ فيها سائل .
 وهناك خمسةٌ وعشرون ألف خليَّة سمعيَّة تلتقط السمع إلى الدماغ كي تدرك ، وحتى هذه الساعة لا يستطيع العلماء أن يكتشفوا كيف أن الأذن تُفَرِّق بين النَغَمِ وبين الضَجيج . لماذا حينما تنسحق قطعة زجاج تحت الباب تشعر أنك تحب أن تخرج من جِلْدِك ؟ ولماذا إذا وقفت أمام شلالٍ ذي صوتٍ صاخب تأنس به ؟ هذا ضجيج وهذا نَغَم ، كيف تفرِّق بين النغم والضجيج ؟ وكيف أن هذه الأذن تلتقط مئات ألوف الأصوات ، ولكل صوتٍ نبرةٌ خاصة تسجَّل في الذاكرة ؟ كيف تقول لفلان عبر الهاتف : أنت فلان ؟ كيف تقول ؟ ما هذه الحساسية في الأذن التي تخزِّن لك في الذاكرة مئات بل ألوف الأصوات الخاصة ؟ لازالت الأذن سراً من أسرار الله عزَّ وجل ، لازالت الأذن آيةً دالةً على عظمة الله عزَّ وجل .
 الذي أقولـه من على هذا المنبر أشياء بسيطة جداً ، مختصرة ، مبسطَّة إلى درجة التشويه ، لأن المنبر لا يحتمل تفصيلات دقيقة ، لكن لو اطلعتم على ما في هذه الأذن من عجائب ، لسجدتم لله عزَّ وجل تعظيماً له .

 

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شرّ ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك ، إنه لا يذل من واليت ، ولا يعز من عاديت ، تباركت ربنا وتعاليت ، ولك الحمد على ما قضيت ، نستغفرك ونتوب إليك ، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك . اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين . اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، ودنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر ، مولانا رب العالمين . اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك . اللهم لا تؤمنا مكرك ، ولا تهتك عنا سترك ، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين . اللهم استر عوراتنا ، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين . اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك ، ومن الفقر إلا إليك ، ومن الذل إلا لك ، نعوذ بك من عضال الداء ، ومن شماتة الأعداء ، ومن السلب بعد العطاء . اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب ، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب . اللهم صن وجوهنا باليسار ، ولا تبذلها بالإقتار ، فنسأل شرّ خلقك ، ونبتلى بحمد من أعطى ، وذم من منع ، وأنت من فوقهم ولي العطاء ، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء . اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين . اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018