الخطبة : 0579 - ذكرى مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0579 - ذكرى مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم.


1996-07-26

الخطبة الأولى:
 الحمد لله نحمده ، ونستعين به ونسترشده ، ونعوذ به من شرور أنفسنـا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً . وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته وإرغامـاً لمن جحد به وكفر . وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر ، ما اتصلت عين بنظر ، أو سمعت أذن بخبر . اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين . اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرِنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممــــن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

معرفة النبي و سنته العمليّة باب من أبواب الدعوة إلى الله :

 أيها الأخوة الكرام ؛ يقول الله عز وجل :

﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ ﴾

[سورة المؤمنون : 69]

 يجب أن نعرف رسولنا ، يجب أن نعرف سنته القولية ، يجب أن نعرف سيرته العملية ، يجب أن نعرف شمائله ، يجب أن نعرف أخلاقه ، يجب أن نعرف خصائصه ؛ لأنه قدوتنا ، ولأنه أسوتنا ، ولأنه المثل الأعلى ، ولأنه المشرع ، ولأنه المعصوم ، ولأنه الذي يُوحى إليه ، ولأن كلامه أصل سامٍ من أصول الدين ، فإذا جمعت الناس ، وعرفتهم برسول الله ، فهذا من صلب الدين ، إذا جمعت الناس وبينت لهم شمائله فهذا من صلب الدين ، إذا جمعت الناس وبينت لهم أخلاقه ، هذا من صلب الدين ، إذا جمعت الناس وتلوت عليهم حديثه الشريف الصحيح المنهج القويم ، فهو من صلب الدين .
 يا أيها الأخوة الكرام ؛ بادئ ذي بدء يقول الله عز وجل :

﴿ وَكُـلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ ﴾

[ سورة هود : 120 ]

 إن قلب النبي وهو سيد الخلق وحبيب الحق يزداد ثبوتاً حينما تتلى عليه قصص أنبياء دونه ، إن قلب النبي في نص هذه الآية :

﴿ وَكُـلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ ﴾

[ سورة هود : 120 ]

 يزداد ثبوتاً حينما تُتلى عليه قصص الأنبياء السابقين ، وما تحملوا من مشاقَّ في سبيل الدعوة إلى الله ، إن قلبه يزداد ثبوتاً حينما تُتلى عليه قصص الأنبياء السابقين ، وهم دونه في المقام ، فكيف بمؤمن في آخر الزمان يستمع إلى سيرة سيد الأنام ؟ يستمع إلى أقواله ، يستمع إلى مواقفه ، إلى أحواله ، إلى أخلاقه ، إلى شمائله . .
 يا أيها الأخوة الكرام ؛ هذه آية دقيقة جداً يجب أن نحفظها ، نبي كريم هو سيد الخلق يزداد قلبه ثبوتاً لسماع قصة نبي دونه ، مؤمن في آخر الزمان ، لو أنه عرف شمائل النبي ، وأخلاق النبي ، وخصائص النبي ، وتشريع النبي ، ومواقف النبي ، إنه باب من أبواب الدعوة إلى الله ، هذه واحدة .

 

محبة الله لا تكون إلا باتباع النبي عليه الصلاة والسلام :

 الثانية : كل إنسان يستطيع أن يدّعي الحب ، الحب يُدعى . .

كلٌ يدعي وصلاً بليلى  وليلى لا تقرُّ لهم بذاك
***

 الله جلّ جلاله في عليائه لن يقبل من أحد أن يدّعي حبه إلا بالدليل ، والدليل هو اتباع النبي عليه الصلاة والسلام :

﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾

[سورة آل عمران : 31]

 دعوى المحبة مرتبطة بتطبيق السنة ، كيف نطبق السنة إن لم نعرفها ؟ كيف نطبق السنة إن لم نجلس على ركبنا نتلقى علم رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ كيف نعرف سنته القولية ؟ كيف نعرف ماذا أحلّ لنا وماذا حرم علينا ؟ بوحي من الله عز وجل .
 أيها الأخوة الكرام ؛ إذاً دعوى محبة الله عز وجل لا تقف على قدميها إلا بالدليل، والدليل اتباع النبي عليه الصلاة والسلام ، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ، مما يقتضي أن نتبع النبي عليه الصلاة والسلام أن نعرف سنته ، هذه ثانية .

طاعة النبي عين طاعة الله :

 وثالثة : يقول الله عز وجل :

﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾

[سورة القصص : 50]

 كلام فيصل ، كلام واضح كالشمس ، كلام رب العالمين ، إن لم يستجب المؤمنون لك ، لسنتك ، لأمرك ونهيك ، لما آتيتهم ، ولما نهيتهم ، إن لم يستجيبوا لك فيقتفوا آثرك ، إن لم يستجيبوا لك فيتبعوا سنتك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ، ماذا يُستنبط من هذه الآية ؟ . . أن اتباع النبي عين اتباع الله ، أن طاعة النبي عين طاعة الله ، أن الاستجابة للنبي عين الاستجابة لله ، ولا زلت أقول وأكرر وأؤكد أن الاستجابة إلى النبي ، وأن طاعة النبي ، وأن تطبيق سنة النبي ، وأن اتخاذ النبي قدوةً يحتاج إلى معرفة سنته ، وسيرته ، سيرته العملية والقولية .
 يا أيها الأخوة الكرام ؛ فإن لم يستجيبوا لك يا محمد ، إن لم يطبقوا سنتك ، فاعلم أنما يتبعون أهواءهم :

﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً ﴾

[سورة النساء : 65]

 يحكموك في حياتك بأن يتصلوا بك ، يأتوا بيتك ، يأتوا مسجدك ، فكيف يحكموك بعد مماتك ؟ يحتكمون إلى سنتك ، يحتكمون إلى منهجك ، يحتكمون إلى ما آتيتهم ، يحتكمون إلى ما نهيتهم عنه ، يحتكمون إلى الوحي غير المتلو الذي جاء على لسانك صلى الله عليك ، هكذا .
 أيها الأخوة الكرام :

﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً ﴾

[سورة النساء : 65]

 هذه الآية قائمة إلى يوم القيامة ، إن اختلف مسلمان ، واحتكما إلى سنة النبي عليه الصلاة والسلام ، ورفضها أحدهما فلا وربك ليس مؤمناً برسول الله ، وليس مؤمناً بالله عز وجل.

 

ردّ التنازع بين المسلمين إلى الله و رسوله و أولي الأمر :

 أيها الأخوة الكرام :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ﴾

[سورة النساء : 59]

 قال الإمام الشافعي : أولو الأمر هم العلماء والأمراء معاً ؛ لأن العلماء يعرفون أمر الله ورسوله ، ولأن الأمراء يطبقون أمر الله ورسوله ، جهة تعلم ، وجهة تنفذ ، جهة تبين الشرع ، وجهة تنفذ الشرع ، يقول الله عز وجل :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ﴾

[سورة النساء : 59]

 إن تنازعتم مع أمرائكم : أي مع علمائكم ، أو أمرائكم ، من هو الحكم ؟ هو القرآن والسنة ، فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله ورسوله . .

 

معرفة النبي الكريم من صلب الدين :

 أيها الأخوة الكرام ؛ لا زلت مع الآيات التي تحضنا على معرفة سيرة رسول الله ، على معرفة سنة رسول الله ، على معرفة أحاديث رسول الله ، على معرفة شمائل رسول الله ، على معرفة أحوال النبي عليه الصلاة والسلام ، هذا شيء ينبغي أن نعلمه على مدى العام ، لا في يوم أو يومين ، ولا في شهر أو شهرين ، شغل المؤمنين الشاغل أن يتعرفوا إلى النبي على مدى العام ، هذا يجعل تذكرنا للنبي عليه الصلاة والسلام من صلب الدين .
 أيها الأخوة ؛ قد نحتفل ، وقد نلقي كلاماً غير صحيح ، وقد نشطح شطحات لا ترضي الله ولا رسوله ، وقد نرفع ما ينبغي أن يقف عند حدّ معين ، هذا منكر يجب أن ننكره ، وقد يجري في احتفال المولد في بعض البلدان الإسلامية المنكرات ، واختلاط النساء والرجال ، والتدجيل ، وما إلى ذلك ، هذا منكر يجب أن ننكره ، ولكن لا ينبغي أن يحملنا إنكار منكر على إلغاء الخير كله ، لو أن أستاذاً في كلية الطب تكلم كلاماً غير صحيح ، أنلغي كلية الطب أم نلغي وظيفة هذا المدرس ؟ أن نصحح كلامه ، أن ننصحه ، أو أن نلغي وجوده في الكلية ، أما أن نلغي الكلية كلها فهذا تطرف أيضاً .

من طبق سنة النبي فهو في مأمن من عذاب الله :

 أيها الأخوة الكرام ؛ الآية التي ينبغي أن نفهمها فهماً عميقاً هي قول الله عز وجل:

﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾

[سورة الأنفال : 33]

 المسلمون في بحبوحة من عذاب الله ، المسلمون في أمن من عذاب الله ، مادام النبي عليه الصلاة والسلام بين ظهرانيهم ؛ لأنه إذا كان بين ظهرانيهم فهو يبلغهم ، أما إذا توفاه الله عز وجل ، فكيف نفهم هذه الآية ؟ قال علماء التفسير : نفهمها على الشكل التالي :

﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾

  أي أن سنتك قائمة في حياتهم ، في بيوتهم ، في أعمالهم ، في تجارتهم ، في زراعتهم ، في صناعتهم ، في كسب أرزاقهم ، في حلِّهم ، في ترحالهم ، في نشاطهم ، في أفراحهم ، في أتراحهم ، في كل شؤون حياتهم ، إذا كانت سنة النبي عليه الصلاة والسلام قائمة مطبقةً موجودةً صارخة في حياتهم ، فالمسلمون في أمان من عذاب الله ، هذه بشارة .
 يا أيها الأخوة الكرام ؛ يتألم المسلم أحياناً حينما يرى قوى لا يملك أن يصرفها عنه تتحكم فيه ، لو أنه أقام الإسلام فيما يملك لكفاه الله ما لا يملك ، لو أنه أقام الإسلام فيما يقدر لكفاه الله ما لا يقدر ، لو أنه أصلح نفسه لكفاه الله ما هو خاضع له ، الله عز وجل يقول :

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ ﴾

[سورة الرعد : 11]

 لا يغير ما بهم ، محاطون بقوى كبيرة :

﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ ﴾

[سورة إبراهيم : 46]

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ ﴾

[سورة الرعد : 11]

 الآية الكريمة :

﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾

[سورة الأنفال : 33]

 لذلك نحن في أمن ، وفي بحبوحة ، وفي بشارة من الله عز وجل أننا إذا طبقنا سيرة النبي ، طبقنا سنة النبي ، واقتفينا أثره ، واتبعنا سيرته ، فنحن في مأمن من عذاب الله ، ولو أراد أعداء المسلمين ما أرادوا إن الله يمنعهم ، أما إن لم نطبق سنة نبينا ، فالله سبحانه وتعالى يسلطهم إذا أهملنا .

 

ما من شخص أخطر في حياة المسلم من رسول الله :

 أيها الأخوة الكرام ؛ لازلنا في الآيات التي تحضنا على معرفة رسول الله ، لا في يوم أو يومين ، ولا في شهر أو شهرين ، ولكن على مدى العام ، وعلى مدى الأعوام ، وعلى مدى الحياة كلها .
 ما من شخص أخطر في حياة المسلم من رسول الله ، إنه الإنسان الكامل ، إنه الإنسان الذي لا ينطق عن الهوى ، إنه المعصوم بمفرده ، إنه المشرع ، لست كمسلم مضطراً أن تتبع أحداً إلا النبي عليه الصلاة والسلام ، المسلم الحق شغله الشاغل أن يعرف أمر النبي ونهيه ، فيلتزم الأمر وينتهي عن النهي .
 أيها الأخوة الكرام ؛ شيء آخر ، ربنا عز وجل يقول :

﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً ﴾

[سورة النساء : 80]

 أي أن طاعة رسول الله هي عين طاعة الله ، لا فرق بينهما أبداً ، لمجرد أن تطيع النبي فأنت مطيع لله عز وجل ؛ لأن ذات النبي فانية في محبة الله ، وفي نقل الحق إلى الخلق.
 أيها الأخوة الكرام : آية أخرى تشير إلى المعنى نفسه من زاوية أخرى :

﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ ﴾

[سورة التوبة : 62]

 بضمير المفرد ، أي أن إرضاء النبي عين إرضاء الله ، وأن إرضاء الله عين إرضاء النبي ، إن طاعة رسول الله عين طاعة الله ، وإن طاعة الله عين طاعة رسول الله ، والله ورسوله أحق أن يرضوه . .

﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً﴾

[سورة النساء : 69]

الله عز وجل لا يعذب أحبابه :

 أيها الأخوة الكرام ؛ عودة إلى قوله تعالى :

﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾

[سورة الأنفال : 33]

 يؤكد هذا المعنى قوله تعالى :

﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً ﴾

[سورة النساء :147]

 أي إذا طبقتم المنهج الذي جاءكم من عند رسوله لمَ العذاب ؟

﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً ﴾

[سورة النساء :147]

 والله عز وجل لا يعذب أحبابه ، كما استنبط الإمام الشافعي من قوله تعالى :

﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾

[سورة المائدة : 18]

 أي لو أنه رضي منهم دعواهم لما عذبهم ، لأنه رفض دعواهم لذلك هو يعذبهم ، فمن أحب الله وأحب رسوله فهو في بحبوحة ثالثة من أن يُعذب .

 

من طبق منهج الله فلن يعذب أبداً :

 إلا أن الشيء الذي يبشر قوله تعالى :

﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾

[سورة الأنفال : 33]

 ما دمت مطبقاً للمنهج لن تُعذب ، فإذا زلت القدم ، إذا أخطأت ، إذا سهوت ، إذا خالفت السنة ، ماذا تفعل ؟ استغفر ، فإن استغفرت فلن تُعذب أيضاً . قيل إن رجلاً سارقاً جيء به إلى سيدنا عمر بن الخطاب ، فأقسم له أنها أول مرة يفعلها ، فقال عمر رضي الله عنه: - ولا أدري من أي شيء استنبط ذلك - كذبت إن الله لا يعذب من أول مرة ، فلما ضيق عليه اعترف أنها المرة الثامنة ، متى يأتي العقاب ؟ . . حينما تبرم قراراً . .

﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ ﴾

[سورة الزخرف : 79]

 حينما تفعل خطأ وتقول : ماذا فعلت ؟ أما حينما تفعل وتندم ، حينما تفعل وتستغفر، حينما تفعل حسنة لتمحو بها السيئة ، حينما تفعل وتتصدق ، حينما تفعل وتتوب ، حينما تفعل وتصلي فيغفر الله لك :

﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾

[سورة الأنفال : 33]

 والآية التي تقول :

﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ ﴾

[سورة سبأ : 46]

 أي كأن الله سبحانه وتعالى يدعونا أن نضع سنة النبي ، أن ندرسها ، أن نتفحصها، أن نعقلها ، أن نفهمها ، أن نستوعبها ، أن نناقشها ، أن نقلبها على وجوهها ، أن نعرف ماذا أمر ، وماذا نهى ، ماذا يحب ، وماذا لا يحب ، هذا أيضاً من دعوة الله لنا .

﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ ﴾

[سورة سبأ : 46]

طلب العلم لمعرفة منهج النبي و أقواله الصحيحة :

 شيء آخر حينما قال الله عز وجل :

﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ﴾

[سورة الأنبياء : 107]

 إنه الرحمة المهداة ، والنعمة المجزاة . . وفي آية أخرى :

﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴾

[سورة يونس : 58]

 ينبغي أن يفرح المؤمن إذا عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إذا عرف أمره ونهيه ، إذا عرف أخلاقه ، إذا عرف شمائله ، مادامت أيها الأخوة قد أطلت علينا ذكرى مولد النبي صلى الله عليه وسلم فليكن منهجنا على مدى العام أن نطلب العلم ، لنعرف أقواله الصحيحة ، أن نطلب العلم لنعرف أحواله ، لنعرف أخلاقه ، لنعرف شمائله ، لنعرف أحواله ، ليكون معلماً لنا ، ومشرعاً وقدوة لنا ، ومثلاً .

بطولة المسلم أن يجمع التائهين المقصرين و يعرفهم برسول الله :

 أيها الأخوة الكرام ؛ لكن لي ملاحظة ، هذه الملاحظة أننا جميعاً في هذا المسجد وفي كل المساجد ، وأن المسلمين جميعاً المؤمنين بالله ورسوله وكتابه والملائكة واليوم الآخر والقدر خير وشره ، أن المسلمين جميعاً طرف واحدة ، لكن بطولة المسلم لا أن يتحدث إلى هذا الطرف الواحد ، بل أن يجلب من الطرف الآخر إلى صف المسلمين ، فلذلك أعجبني من بعض الأخوة الكرام أنه يجمع أقرباءه الشاردين ، التائهين ، المقصرين الذين لم يطلبوا العلم ، ولم يلجؤوا إلى ركن وثيق ، الذين لا تنقلهم أقدامهم إلى بيوت الله أبداً ، هؤلاء الشاردون ، هؤلاء البعيدون ، هؤلاء التائهون ، لهم حق عليك وأنت قريب لهم ، زملاؤك ، أصدقاؤك ، جيرانك ، زملاء العمل ، أقرباؤك الأقربون ، الشاردون ، التائهون ، البعيدون الذين لا يرتادون المساجد ، ولا يطلبون العلم ، مناسبة لطيفة أن تجمعهم ، أن تعرفهم برسول الله ، إما أنت أو من تثق بعلمه ، أن تطعمهم الطعام ، وإطعام الطعام من السنة .

((عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِي اللَّه عَنْهمَا أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّ الْإِسْلَامِ خَيْرٌ ؟ قَالَ : تُطْعِمُ الطَّعَامَ وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ ))

[متفق عليه عن عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو]

 ولقاء السلام ، والصلاة بالليل والناس نيام ، هذا من أفضل الإسلام فإذا جمعت الناس وأطعمتهم الطعام ، وعرفتهم بسيد الأنام ، فقد طبقت أكثر من مئة آية وأنت لا تشعر ، ومع ذلك لا تسمِّ هذا عبادة ، سمّه نشاطاً إسلامياً ، سمّه تطبيقاً لآيات القرآن الكريم ، سمّه تطبيقاً لأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم ، سمّه دعوةً إلى الله ، سمّه إحقاقاً للحق ، سمّه إزهاقاً للباطل ، سمّه إطعاماً للطعام ، سمّه تأليف القلوب .

((المؤمنون بعضهم لبعض نصحة متوادون ولو ابتعدت منازلهم ، والمنافقون بعضهم لبعض غششة متحاسدون ولو اقتربت منازلهم ))

[ الديلمي وابن عساكر عن علي]

الدعوة إلى الله فرض عين :

 أيها الأخوة الكرام ؛ يجب أن نعلم علم اليقين - وهذا غائب عن بعض المسلمين - أن الدعوة إلى الله فرض عين ، طالبوني بالدليل :

﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾

[سورة يوسف : 108]

 إن لم تتبع رسول الله من أنت إذاً ؟ . . إن لم تكن متبعاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم من أنت ؟ هل أنت مسلم ؟ هل هناك مسلم لا يتبع رسول الله ؟ رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو إلى الله على بصيرة هو ومن اتبعه ، إذاً إذا كنت متبعاً لرسول الله حقاً فادع إلى الله على بصيرة ، ومعنى على بصيرة بالدليل والتعليل .
 شيء آخر : ألم يقل الله عز وجل :

﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾

[ سورة العصر : 1-3]

 ألم يجعل الله عز وجل التواصي بالحق ربع أركان النجاة ؟ أحد أربعة أركان النجاة التواصي بالحق ، هذه لمن ؟ لكل مسلم ، ولكن لا يحمّل الإسلام المسلم ما لا يطيق ، أنت مكلف أن تدعو إلى الله في حدود ما تعلم ، ومع من تعرف ، لا يوجد مؤمن إلى و حوله أشخاص من قرابته ، من زملاء عمله ، من جيرانه ، ممن يلتقي بهم ، هؤلاء الأشخاص يُعد هو نافذتهم الوحيدة إلى الله ، هؤلاء الذين حولك ، أقرب الناس إليك ، أهلك ، أولادك ، إخوتك ، أخواتك ، أولاد إخوتك ، أولاد أخواتك ، جيرانك ، زملاؤك في العمل ، أصحابك ، هؤلاء أنت نافذتهم الوحيدة إلى الله ، إذاً أنت مكلف أن تدعوهم إلى الله في حدود ما تعلم ومع من تعرف .
 هذا فرض عين على كل مسلم ، لذلك أيها الأخوة الكرام من أولى ما ينبغي أن يعرفه الناس عن رسول الله أقواله الصحيحة ، وشمائله الكريمة ، وأخلاقه الرضية ، وأحواله الصافية ، هذا أيضاً فرض عين على كل مسلم .

 

الدين نقل و أخطر ما في النقل صحته :

 أيها الأخوة الكرام ؛ شيء آخر ينبغي أن يُقال في هذا الموضوع : نحن نعلم علم اليقين أن القرآن الكريم قطعي الثبوت ، إلا أن الحديث الشريف ليس قطعي الثبوت هو ظني الثبوت ، بعضه صحيح ، بعضه حسن ، بعضه ضعيف ، بعضه موضوع ، بما أن الدين في الأصل نقل ، وبما أن أخطر ما في النقل صحته ، لذلك ينبغي أن تبتعد قدر ما تستطيع عن كل حديث ضعيف أو موضوع ؛ لأنه يخلق بلبلة في عقيدة المسلم ؛ ولأن الأحاديث الضعيفة هي التي تفرقنا ، فإذا دعوتكم إلى معرفة سيرة النبي ، ومعرفة سنته القولية ، فالمقصود ما ورد عن النبي في الصحاح ، دقق في صحة الحديث ، دقق في تخريج الحديث ، لأن هذا العلم دين، فلينظر أحدكم عمن يأخذ دينه ، هناك وضاعون ، هناك كتب كثيرة اشتملت على الأحاديث الموضوعة التي ما أنزل الله بها من سلطان ، يكفينا أن نقول :

((مَن كذب عليَّ مُتعمِّدا فليتبوأ مقعدَهُ من النار ))

[الترمذي عن علي بن أبي طالب ]

 يكفينا أن نقول :

(( مَنّ حدّث عنِّي بحديث يُرى أنه كذِب ، فهو أحد الكاذبين ))

[متفق عليه عن المغيرة بن شعبة ]

 لا تقل : لا أعلم ، لا أعلم تُحاسب عليها ، لمَ لم تحقق ؟ لمَ لم تدقق ؟ لمَ لم تسأل أهل الذكر إن كنت لا تعلم ؟ قال تعالى :

﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾

[سورة النحل : 43]

 لمَ تسأل ألف إنسان وإنسان من أجل أن تبيع بيتاً أو من أجل أن تشتري مركبةً ودينك الشيء المصيري الخطير لا تسأل عنه أحداً ؟ لمَ تسأل الخبراء في كل موضوع وشأن الآخرة وشأن الدين لا تسأل أحداً ؟

 

معرفة سنة النبي القوليّة والعمليّة فرض عين على كل مسلم :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ إن شاء الله تعالى ستكون هناك بعض الخطب القادمة متعلقة بأخلاق النبي وبشمائله ، أردت أن تكون هذه الخطبة في أساسيات الموضوع ، نحن في أمسِّ الحاجة إلى معرفة سيرة النبي ، ومعرفة سنة النبي ، وأختم الخطبة بالآيتين التاليتين ، حينما قال الله عز وجل :

﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾

[سورة الحشر : 7]

 القاعدة الفقهية الثابتة : ما لا يتم الفرض إلا به فهو فرض ، ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ، ما لا تتم السنة إلا به فهو سنة .
 خذوه : فعل أمر يقتضي الوجوب ، وما نهاكم عنه فانتهوا : نهي يقتضي النهي ، من لوازم هذا الأمر أن تعرف الأمر والنهي ، إذاً فرض عليك أن تعرف سنة النبي القولية ، فرض عليك ، فرض عين ، ما ينبغي أن يُؤخذ بالضرورة .
 الشيء الثاني حينما قال الله عز وجل :

﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً ﴾

[سورة الأحزاب : 21]

 كيف يكون النبي أسوة حسنة إن لم تعرف سيرته ؟ إذاً معرفة سنته القولية والعملية فرض عين على كل مسلم ، والعام أمامك ، ينبغي أن تحتفل بالمصطلح الشائع ، أو أن تذكر النبي عليه الصلاة والسلام بأقواله وأفعاله طوال العام .
 أيها الأخوة الكرام ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا لغيرنا ، وسيتخطى غيرنا إلينا ، الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها ، وتمنى على الله الأماني . .

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

حديث رسول الله يفتح قلوبنا و يصحح ألسنتنا لنصل إلى كلمة التوحيد :

 أيها الأخوة الكرام ؛ النبي عليه الصلاة والسلام جاءنا كما ورد في سنن الدارمي :

(( جاءنا ليختن قلوباً غُلفاً ...))

[الدارمي عن جبير بن نضير الحضرمي]

 معنى يختن : أي ليزيل ما غطاها من غشاوة حجبت عنها أنوار الحق ، النبي عليه الصلاة والسلام :

(( جاءنا ليختن قلوباً غلفاً ، ويفتح أعيناً عمياً ، ويسمع آذاناً صماً ، ويقيم ألسنةً عوجاً ، حتى يُقال : لا إله إلا الله وحده))

[الدارمي عن جبير بن نضير الحضرمي]

 إذاً ماذا يفعل حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ يفتح قلوبنا ، يجلو عن قلوبنا الغشاوة ، يفتح عيوننا ، يفتح آذاننا ، يصحح ألسنتنا إلى أن نصل إلى كلمة التوحيد ، إلى أن نصل إلى حقيقة الدين ، قال تعالى :

﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾

[سورة الأنبياء : 25]

 من وصل إلى التوحيد وصل إلى الدين كله ، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد.
 أيها الأخوة الكرام :

(( عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ : كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنَّمَا وَجْهُنَا وَاحِدٌ فَلَمَّا قُبِضَ نَظَرْنَا هَكَذَا وَهَكَذَا ))

[ابن ماجة عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ]

 وجهنا واحد : كل أصحاب النبي يتجهون إلى جهة واحدة . .

(( فَلَمَّا قُبِضَ نَظَرْنَا هَكَذَا وَهَكَذَا ))

[ابن ماجة عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ]

 فلو أن صحابياً اطلع علينا لرآنا ممزقين ، متفرقين ، مشرذمين ، يعادي بعضنا بعضاً ، يطعن بعضنا ببعض ، هناك جماعات كثيرة تدّعي أنها على حق ، كل فرقة تطعن بالأخرى ، هذا ما آل إليه المسلمون ، نحن في أمسِّ الحاجة إلى أن نتوحد ، إلى أن نتعاون فيما اتفقنا ، إلى أن يعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا ، نحتاج إلى أن ننتمي إلى مجموع المؤمنين، نحتاج إلى أن نكون أقوياء متحدين .

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك ، إنه لا يذل من واليت ، ولا يعز من عاديت ، تباركت ربنا وتعاليت ، ولك الحمد على ما قضيت ، نستغفرك ونتوب إليك ، اللهم هب لنا عولاً صالحاً يقربنا إليك . اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ، ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين . اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، ودنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر ، مولانا رب العالمين . اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك . اللهم لا تؤمنا مكرك ، ولا تهتك عنا سترك ، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين . اللهم استر عوراتنا ، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً ، وسائر بلاد المسلمين . اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك ، ومن الفقر إلا إليك ، ومن الذل إلا لك ، نعوذ بك من عضال الداء ، ومن شماتة الأعداء ، ومن السلب بعد العطاء . اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب ، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب . اللهم صن وجوهنا باليسار ، ولا تبذلها بالإقتار ، فنسأل شر خلقك ، ونبتلى بحمد من أعطى وذم من منع ، وأنت من فوقهم ولي العطاء ، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء . اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين . اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018