الخطبة : 0578 - حلاوة الإيمان. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0578 - حلاوة الإيمان.


1996-07-19

الخطبة الأولى:
 الحمد لله نحمده ، ونستعين به ونسترشده ، ونعوذ به من شرور أنفسنـا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً . وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته وإرغامـاً لمن جحد به وكفر . وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر ، ما اتصلت عين بنظر ، أو سمعت أذن بخبر . اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين . اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرِنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

حلاوة الإيمان :

 أيها الأخوة الكرام ؛ كثيرون جداً هم الذي يشخصون الداء ، وقلة قليلة هي التي تصف الدواء ، ما من مسلم إلا ويشرح لك طويلاً ما يعانيه المسلمون من مشكلات ، وما يحسونه من أزمات ، إلا أن الذي يصف الدواء هو المعول عليه ، الشيء الذي يلفت النظر أن المسلمين في أكثر أحوالهم متفلتون من منهج ربهم ، لماذا هم متفلتون ؟ لماذا هم لا يقيمون الإسلام في بيوتهم ؟ ولا يقيمون الإسلام في أعمالهم ؟ لماذا لا ينضبطون بمنهج الله ؟ لماذا يخرجون عن شرع الله ؟ لماذا ؟ هذا هو الداء فما هو الدواء ؟ . .
 أيها الأخوة الكرام ؛ بعض هذا المرض يُعزى إلى من يدعو إلى الله ، وبعض هذا المرض يُعزى إلى المدعوين بالذات ، حينما يُدعى الإنسان إلى دين الله بمضمون سطحي ، غير متماسك ، فيه شطحات وخرافات ، حينما يُدعى الإنسان إلى دين الله بمضمون سطحي غير متماسك ، وبأسلوب غير تربوي وغير علمي ، لا يُعد هذا المدعو مبلغاً عند الله ، ويقع إثم تفلته من منهج الله على من دعاه بهذه الطريقة ، أما حينما يتفلت المدعو من منهج الله فلا لأن الدعوة كانت سطحية ، أو غير متماسكة ، بل لأنه لم يطبق ما جاء في بنود هذا المنهج ، عندئذ لا يذوق حلاوة الإيمان ، وحينما لا يذوق الإنسان حلاوة الإيمان يتفلت من منهج الله ، هذا محور الخطبة .
 حلاوة الإيمان إن ذقتها كان الإلقاء في النار أهون على الإنسان من أن يعود إلى ما كان عليه ، حلاوة الإيمان إن ذاقها الإنسان رسخ في الإيمان ، واشتد عوده ، وسعى إلى العلياء ، أما إذا لم يذق حلاوة الإيمان فسريعاً ما يتفلت من منهج الله .
 أيها الأخوة الكرام ؛ لو وضعنا في غرفة الطعام لوحةً فيها ألوان الفاكهة ، رسمت عليها أنواع الفاكهة ، ولم تذق طعم هذه الفاكهة ، بعد حين تملّ هذه اللوحة وتعافها ، ولا تحملك على شيء ، أما حينما تذوق طعم الفاكهة حقيقة فلا تدعها أبداً . فرق بين أن تضع في غرفة الطعام لوحة رُسمت عليها أنواع الفواكه والثمار دون أن تذوقها ، لا تعرف طعمها ، ولا نكهتها ، ولا ريحها ، ولا شكلها ، و بين أن تذوقها .

 

من آثر طاعة الله و رسوله على حظوظ نفسه فقد ذاق طعم الإيمان :

 أيها الأخوة الكرام ؛ يقول عليه الصلاة والسلام في صحيح مسلم عن العباس بن عبد المطلب أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :

((ذَاقَ طَعْمَ الْإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا ، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا ، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا ))

[مسلم والترمذي عن العباس بن عبد المطلب]

 رضي بالله رباً : رضي به معبوداً ، يمحضه كل عمره ، وكل وقته ، وكل طاقاته ، يمحضه شبابه ، يمحضه عمره ، رضي بالله رباً . وبالإسلام ديناً : أي رضي بالإسلام منهجاً محكماً كاملاً مطلقاً يسير عليه . وبمحمد صلى الله عليه وسلم مبلغاً وقدوةً . . إذا رضيت بالله رباً ، لا تعبد إلا إياه ، وبالإسلام ديناً لا تتخذ منهجاً غير منهج الله ، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولاً ، لا تتخذ قدوةً غيره ، ذقت طعم الإيمان ، ومن ذاق طعم الإيمان كان الكفر أصعب عنده من أن يُلقى في النار .
 أيها الأخوة الكرام ؛ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِي اللَّه عَنْه عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ ؛ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا ، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ))

[متفق عليه عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ]

 ما معنى أن يكون الله ورسوله أحبّ إليه مما سواهما : أي يؤثر طاعة الله ، وطاعة رسوله على حظوظ نفسه ، من آثر طاعة الله وطاعة رسوله ، من آثر طاعة الله التي في القرآن الكريم ، وطاعة رسوله التي في السنة المطهرة ، على حظوظه نفسه ، ومصالحه ، ونزواته ، وغرائزه ، فقد ذاق حلاوة الإيمان .

((أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا . .))

 وأن يحب في الله ، وأن يبغض في الله ، علاقاته مبنية على مبدأ الإيمان ، يحب المؤمنين ، ويكره الكافرين ، يحب أهل الإحسان ، ويكره أهل الإساءة والعدوان ، يحب أهل العفاف ، ويكره أهل الفجور ، يحب المستقيمين ، ولا يحب المنحرفين ، يحب الأطهار ، ولا يحب الأغيار .
 أيها الأخوة الكرام ؛ علاقات الإنسان الاجتماعية خطيرة جداً على إيمانه ، فلو لم يتقيد بمعاملة المؤمنين ، ما كان مع المؤمنين ، والله عز وجل يقول :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾

[سورة التوبة : 119]

 فربما المجتمع غير المؤمن يجره إلى الانحراف والتفلت . وأن يحب في الله ، وأن يبغض في الله ، وأن توقد نارٌ عظيمة أحبّ إليه من أن يشكر الله . تصوروا إنساناً يسكن في بيت ، مساحته خمسون متراً ، تحت الأرض ، شمالي ، في حيّ متعب جداً في مواصلاته ومرافقه وخدماته ثم انتقل إلى بيت في أرقى أحياء المدينة ، بمساحة واسعة ، وإطلالة رائعة ، أيحب من يسكن هذا البيت الثاني أن يعود إلى الأول ؟ ! . . نقلة المؤمن إلى الإيمان أكبر من هذه النقلة بكثيرة .

(( وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ ))

 يا أيها الأخوة الكرام ؛ إذا كان هناك احتمال أن ترجع إلى ما كنت عليه في الجاهلية فلم تذق طعم الإيمان ، إذا كان هناك احتمال بالألف واحد ، أن تعود إلى ما كنت عليه من التفلت ، صدق نفسك يقيناً أنك لم تذق طعم الإيمان ، الذي ذاق طعم الإيمان يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يُلقى في النار ، فإذا آثرت طاعة الله ، وطاعة رسوله ، على حظوظ نفسك ، وغرائزها ، وعلى مصالحك ، فقد ذقت طعم الإيمان ، وإذا بنيت كل علاقاتك الاجتماعية على أساس الإيمان ، كنت مع المؤمنين ولم تكن مع الكافرين ، كنت مع المحسنين ولم تكن مع المسيئين ، كنت مع المنضبطين ولم تكن مع المتفلتين ، كنت مع الأعفّة ولم تكن مع الفجَّار ، فقد ذقت حلاوة الإيمان ، ولعل المجتمع المؤمن هو الذي يصون أفراده عن التفلت ويدفعهم إلى مزيد من الطاعة .
 أيها الأخوة الكرام ؛ أما ما ورد في صحيح البخاري عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِي اللَّه عَنْه قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( لَا يَجِدُ أَحَدٌ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ حَتَّى يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ ، وَحَتَّى أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ ، وَحَتَّى يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا))

[ البخاري عن أنس بن مالك]

من عبد الله و أدى زكاة ماله فقد ذاق طعم الإيمان :

 أيها الأخوة الكرام ؛ مرةً ثانية : مشكلة المسلمين في تفلتهم من منهج ربهم ، ربما كان سبب التفلت لأنهم لم يذوقوا طعم الإيمان ، ومن ذاق طعم الإيمان لزمه ملازمةً أبدية . يقول عليه الصلاة والسلام :

(( ثَلَاثٌ مَنْ فَعَلَهُنَّ فَقَدْ طَعِمَ طَعْمَ الْإِيمَانِ ؛ مَنْ عَبَدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَأَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَعْطَى زَكَاةَ مَالِهِ طَيِّبَةً بِهَا نَفْسُهُ رَافِدَةً عَلَيْهِ كُلَّ عَامٍ ، وَلَا يُعْطِي الْهَرِمَةَ وَلَا الدَّرِنَةَ وَلَا الْمَرِيضَةَ وَلَا الشَّرَطَ اللَّئِيمَةَ وَلَكِنْ مِنْ وَسَطِ أَمْوَالِكُمْ ، فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَسْأَلْكُمْ خَيْرَهُ ، وَلَمْ يَأْمُرْكُمْ بِشَرِّهِ ))

[أبو داود عن عبد الله بن معاوية]

 أن يعبد الله ولا يعبد مع الله أحداً ، أن يعبد الله ولا يشرك به ، وأن يؤدي زكاة ماله عن طيب نفس ، فمن فعل هذا ذاق طعم الإيمان .

 

الإيمان بالله العظيم قبل قراءة القرآن :

 أيها الأخوة الكرام ؛ عنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ :

(( جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَقْرَأُ الْقُرْآنَ فَلَا أَجِدُ قَلْبِي يَعْقِلُ عَلَيْهِ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ قَلْبَكَ حُشِيَ الْإِيمَانَ وَإِنَّ الْإِيمَانَ يُعْطَى الْعَبْدَ قَبْلَ الْقُرْآن))

[أحمد عنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو]

 أي القرآن يأتي بعد الإيمان ، تؤمن بالله ، تؤمن بوجوده ، تؤمن بعدالته ، تؤمن بكماله ، تؤمن بوحدانيته ، تنصاع لأمره ، فإذا قرأت القرآن وجدت نفسك في القرآن الكريم ، قال أحد أصحاب رسول الله :" أوتينا الإيمان قبل القرآن " فمن أجل أن تجد طعم حلاوة الإيمان في القرآن الكريم ، يجب أن تؤمن بالله العظيم قبل أن تقرأ القرآن الكريم ، القرآن الكريم يصف حالات المؤمنين ، فإذا كنت من المؤمنين تفاعلت نفسك مع آياته .

 

من أحبّ الرجل لا يحبه إلا لله فقد ذاق طعم الإيمان :

 أيها الأخوة الكرام :

(( مَنْ أَحَبَّ وَقَالَ هَاشِمٌ مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَجِدَ طَعْمَ الْإِيمَانِ فَلْيُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ))

[أحمد عنْ أبي هريرة]

 مرةً ثانية : من بنى علاقاته على المصالح ، وعلى المكاسب ، اتجه نحو الأقوياء والأغنياء ، ليصل إلى الدنيا من خلالهم ، من بنى علاقاته الاجتماعية لا عن أساس ديني ، لا على أساس من إيمانه بالله عز وجل ولكن على أساس من مصالحه ، لم يذق طعم الإيمان ، أما من أحبّ الرجل لا يحبه إلا لله ، فقد ذاق طعم الإيمان .

 

ثمن الإيمان :

 أيها الأخوة الكرام ؛

(( عن زُهْرَةَ بْنِ مَعْبَدٍ عَنْ جَدِّهِ قَالَ : كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ آخِذٌ بِيَدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِي اللَّهم تَعَالَى عَنْهم فَقَالَ : وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا نَفْسِي ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ نَفْسِهِ ، قَالَ : فَأَنْتَ الْآنَ وَاللَّهِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْآنَ يَا عُمَرُ))

[أحمد عن زُهْرَةَ بْنِ مَعْبَدٍ عَنْ جَدِّهِ]

 أيها الأخوة الكرام ؛ أتظنون أن هذه الجنة التي وعد الله بها المؤمنين يمكن أن يأخذها المؤمن بثمن بخس ؟ بثمن قليل ؟ بلا جهد جهيد ؟ بلا جهاد في سبيل الله ؟ بلا بذل للغالي والرخيص والنفس والنفيس ؟ إن الشيء الثمين له ثمن مكافئ ، وما لم تدفع هذا الثمن المكافئ لن تصل إلى الشيء الثمين ، حتى تحب الله ورسوله أكثر من أهلك ، ومالك ، وولدك ، والناس أجمعين حتى نفسك التي بين جنبيك . هذا هو ثمن الإيمان ، ومعنى أن تحب الله ورسوله ، أي تحب طاعة الله ، وطاعة رسوله على كل شيء ، عندئذ تصل إلى كل شيء .

 

حقّ الله على العباد و حقّ العباد على الله :

 و:

((عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رَضِي اللَّه عَنْه قَالَ : بَيْنَا أَنَا رَدِيفُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ إِلَّا أَخِرَةُ الرَّحْلِ فَقَالَ : يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ ! قُلْتُ : لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ ، ثُمَّ سَارَ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ : يَا مُعَاذُ ! قُلْتُ : لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ ، ثُمَّ سَارَ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ : يَا مُعَاذُ ! قُلْتُ : لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ ، قَالَ : هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ؟ قُلْتُ : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ ، قَالَ : حَقُّ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ثُمَّ سَارَ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ : يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ ! قُلْتُ : لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ ، فَقَالَ : هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ إِذَا فَعَلُوهُ ؟ قُلْتُ : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ ؟ قَالَ : حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ أَلَا يُعَذِّبَهُمْ))

[متفق عليه عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ]

 ما معنى ذلك ؟ معنى ذلك أن طاعتك لله عز وجل تنشئ لك حقاً عليه ، من منا يحب العذاب ؟ من منا يحب الفقر المدقع ؟ من منا يحب الذل ؟ من منا يحب المرض ؟ من منا يحب أن يهان ؟ من منا يحب أن يُظلم ؟ حينما تعبد الله ولا تشرك به شيئاً ينشأ لك من هذا العمل حق على الله ، قَالَ : يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ ! قُلْتُ : لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ ، فَقَالَ : هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ إِذَا فَعَلُوهُ ؟ قُلْتُ : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ ، قَالَ : حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ أَلَا يُعَذِّبَهُمْ . . مطلقاً ، لا في الدنيا ولا في الآخرة . الإمام الشافعي استنبط من قوله تعالى :

﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾

[سورة المائدة: 18]

 استنبط الإمام الشافعي أن الله لو قبل زعمهم ودعواهم لما عذبهم .

 

الأزمة بين المؤمن و الكافر أزمة رؤية :

 أيها الأخوة الكرام ؛ وفي حديث آخر رواه أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم :

((عن أَنَس بْنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمُعاذٌ رَدِيفُهُ عَلَى الرَّحْلِ قَالَ: يَا مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ ! قَالَ : لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ ، قَالَ : يَا مُعَاذُ ! قَالَ : لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ ثَلَاثًا ، قَالَ : مَا مِنْ أَحَدٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ صِدْقًا مِنْ قَلْبِهِ إِلَّا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ ، قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا أُخْبِرُ بِهِ النَّاسَ فَيَسْتَبْشِرُوا ؟ قَالَ إِذًا يَتَّكِلُوا وَأَخْبَرَ بِهَا مُعَاذٌ عِنْدَ مَوْتِهِ تَأَثُّمًا))

[متفق عليه عن أنس بن مالك]

 ما معنى ذلك ؟ . . قد تسمع ، وقد تستنبط ، وقد تتأمل ، وقد تقرأ ، وقد يُنمى إليك، أما حينما تشاهد ، فأعلى درجات المعرفة الشهود ، من شهد أنه لا إله إلا الله ، ومن شهد أن محمداً رسول الله فقد حُرم جسده على النار ، لماذا ؟ لأنه استناداً إلى حبه لذاته ، وحبه لسلامة ذاته ، ولكمال ذاته ، ولاستمرار ذاته يعبد الله ، إذاً أزمة رؤية بين المؤمن والكفار .

 

مجتمع المؤمنين أساسه الحبّ و الصفح و العفو :

 أيها الأخوة الكرام :

(( لَا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا ، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا ، أَوَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ))

[مسلم عن أبي هريرة]

 ما معنى ذلك ؟ معنى ذلك أن مجتمع الكفار فيه تصنع ، وفيه تكلف ، وفيه خوف، وفيه حذر ، وفيه غيبة ، وفيه نميمة ، وفيه قنص ، وفيه مؤاخذة ، مجتمع لا يُطاق ، دائماً أعصابك مشدودة معهم ، لكن مجتمع المؤمنين أساسه الحب ، أساسه عدم التكلف ، أساسه التماس الأعذار ، أساسه الصفح ، أساسه العفو ، أساسه الحب .
 أيها الأخوة الكرام :

(( لَا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا ، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا ، أَوَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ ...))

[مسلم عن أبي هريرة]

تناقض الكبر مع العبودية لله :

 لا زلنا في حلاوة الإيمان وطعم الإيمان .

(( لَا يَدْخُلُ النَّارَ أَحَدٌ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ ، وَلَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ أَحَدٌ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ كِبْرِيَاءَ))

[مسلم عَنْ عَبْدِ اللَّهِ]

 لأن الكبر يتناقض مع العبودية لله ، فإذا تناقض الكبر مع العبودية لله حُجبت عنك حلاوة الإيمان ، وحُجب عنك طعم الإيمان .
 أيها الأخوة الكرام ؛ مرةً ثانية : يتفلت الناس من منهج الله إذا لم يذوقوا طعم الإيمان ولم يذوقوا حلاوته .

 

الجنة هدف حقيقي لكل مؤمن :

 شيء آخر في سنة النبي عليه الصلاة والسلام أن الله عز وجل من خلال أحاديث رسول الله بشرنا بما ينتظر المؤمن من جنة ورضوان من الله عز وجل :

(( قَالَ اللَّهُ : أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ ، فَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ ﴿ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ ﴾))

[متفق عليه عن أبي هريرة]

 أيها الأخوة الكرام ؛ هذه الجنة التي عرضها السموات والأرض والتي وعدنا الله بها .

﴿ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ ﴾

[ سورة التوبة: 111 ]

 والتي حدثنا الله عنها ، والله سبحانه وتعالى أصدق القائلين ، هذه الجنة يجب أن تكون هدفاً لنا حقيقياً ، لكن الناس يبحثون عن أهداف أرضية ، وينسون الجنة ، وما فيها من نعيم مقيم . .

(( أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ . .))

[متفق عليه عن أبي هريرة]

التحاسد والتباغض بين المؤمنين يفسد حلاوة الإيمان :

 أيها الأخوة الكرام ؛ لا شيء يفسد حلاوة الإيمان وطعمه كالتحاسد والتباغض بين المؤمنين :

((عن الزُّبَيْر بْن الْعَوَّامِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : دَبَّ إِلَيْكُمْ دَاءُ الْأُمَمِ قَبْلَكُمُ الْحَسَدُ وَالْبَغْضَاءُ هِيَ الْحَالِقَةُ لَا أَقُولُ تَحْلِقُ الشَّعَرَ وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ . . .))

[الترمذي عن الزُّبَيْر بْن الْعَوَّامِ]

النظر إلى وجه الله الكريم شيء يفوق الجنة نفسها :

 ثم إن في الجنة شيئاً يفوق الجنة نفسها ، هذا الشيء هو النظر إلى وجه الله الكريم.

((عَنْ صُهَيْبٍ قَالَ : تَلَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذِهِ الْآيَةَ ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾وَقَالَ : إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ وَأَهْلُ النَّارِ النَّارَ نَادَى مُنَادٍ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ إِنَّ لَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ مَوْعِدًا يُرِيدُ أَنْ يُنْجِزَكُمُوهُ فَيَقُولُونَ : وَمَا هُوَ أَلَمْ يُثَقِّلِ اللَّهُ مَوَازِينَنَا وَيُبَيِّضْ وُجُوهَنَا وَيُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ وَيُنْجِنَا مِنَ النَّارِ ؟ قَالَ : فَيَكْشِفُ الْحِجَابَ فَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ فَوَاللَّهِ مَا أَعَطَاهُمُ اللَّهُ شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ يَعْنِي إِلَيْهِ وَلَا أَقَرَّ لِأَعْيُنِهِمْ ))

[مسلم عَنْ صُهَيْبٍ]

التهنئة الحقيقية الوصول إلى الله و السعادة بطاعته :

 أيها الأخوة الكرام ؛ عن أبي مالك الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :

((يَا أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا وَاعْقِلُوا ، وَاعْلَمُوا أَنَّ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عِبَادًا لَيْسُوا بِأَنْبِيَاءَ وَلَا شُهَدَاءَ ، يَغْبِطُهُمُ الْأَنْبِيَاءُ وَالشُّهَدَاءُ عَلَى مَجَالِسِهِمْ وَقُرْبِهِمْ مِنَ اللَّهِ ، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْأَعْرَابِ مِنْ قَاصِيَةِ النَّاسِ وَأَلْوَى بِيَدِهِ إِلَى نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ نَاسٌ مِنَ النَّاسِ لَيْسُوا بِأَنْبِيَاءَ وَلَا شُهَدَاءَ يَغْبِطُهُمُ الْأَنْبِيَاءُ وَالشُّهَدَاءُ عَلَى مَجَالِسِهِمْ وَقُرْبِهِمْ مِنَ اللَّهِ انْعَتْهُمْ لَنَا يَعْنِي صِفْهُمْ لَنَا ؟ فَسُرَّ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِسُؤَالِ الْأَعْرَابِيِّ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هُمْ نَاسٌ مِنْ أَفْنَاءِ النَّاسِ وَنَوَازِعِ الْقَبَائِلِ لَمْ تَصِلْ بَيْنَهُمْ أَرْحَامٌ مُتَقَارِبَةٌ ، تَحَابُّوا فِي اللَّهِ ، وَتَصَافَوْا ، يَضَعُ اللَّهُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ فَيُجْلِسُهُمْ عَلَيْهَا ، فَيَجْعَلُ وُجُوهَهُمْ نُورًا ، وَثِيَابَهُمْ نُورًا ، يَفْزَعُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يَفْزَعُونَ، وَهُمْ أَوْلِيَاءُ اللَّهِ الَّذِينَ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ))

[أحمد عن أبي مالك الأشعري]

 أي مؤمن أطاع ربه ، وانضم إلى إخوانه ، وأخلص لهم ، انطبق عليه هذا الحديث الشريف .
 وقبل نهاية المطاف يقول عليه الصلاة والسلام :

(( طُوبَى لِمَنْ هُدِيَ إِلَى الْإِسْلَامِ وَكَانَ عَيْشُهُ كَفَافًا وَقَنَعَ ))

[الترمذي وأحمد عن فضالة بن عبيد]

 هنيئاً له ، وهذه هي التهنئة الحقيقية ، أن تصل إلى الله عز وجل ، وأن تركن إلى قربه ، وأن تسعد بطاعته .

 

الإيمان بالقدر خيره و شره يعين الإنسان على تذوق حلاوة الإيمان :

((قَالَ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ لِابْنِهِ : يَا بُنَيَّ إِنَّكَ لَنْ تَجِدَ طَعْمَ حَقِيقَةِ الْإِيمَانِ حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ ، وَمَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمَ فَقَالَ لَهُ : اكْتُبْ ، قَالَ : رَبِّ وَمَاذَا أَكْتُبُ ؟ قَالَ: اكْتُبْ مَقَادِيرَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ ، يَا بُنَيَّ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : مَنْ مَاتَ عَلَى غَيْرِ هَذَا فَلَيْسَ مِنِّي))

[أبو داود والترمذي عن عبادة بن الصامت]

 أي أن تؤمن بالقدر خيره وشره من الله تعالى ، هذا يعينك على أن تذوق حلاوة الإيمان ، وعلى أن تتلقى الأحداث ببرد ، وطمأنينة ، واستسلام لله عز وجل .

((عن الوليد بن عبادة بن الصامت قَالَ : دَخَلْتُ عَلَى عُبَادَةَ وَهُوَ مَرِيضٌ أَتَخَايَلُ فِيهِ الْمَوْتَ فَقُلْتُ يَا أَبَتَاهُ أَوْصِنِي وَاجْتَهِدْ لِي فَقَالَ : أَجْلِسُونِي ، قَالَ : يَا بُنَيَّ إِنَّكَ لَنْ تَطْعَمَ طَعْمَ الْإِيمَانِ وَلَنْ تَبْلُغْ حَقَّ حَقِيقَةِ الْعِلْمِ بِاللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى حَتَّى تُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ قَالَ قُلْتُ يَا أَبَتَاهُ فَكَيْفَ لِي أَنْ أَعْلَمَ مَا خَيْرُ الْقَدَرِ وَشَرُّهُ قَالَ تَعْلَمُ أَنَّ مَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ وَمَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ يَا بُنَيَّ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى الْقَلَمُ ثُمَّ قَالَ اكْتُبْ فَجَرَى فِي تِلْكَ السَّاعَةِ بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ يَا بُنَيَّ إِنْ مِتَّ وَلَسْتَ عَلَى ذَلِكَ دَخَلْتَ النَّارَ))

[أحمد عن الوليد ابن عبادة بن الصامت]

 أيها الأخوة الكرام ؛ حلاوة الإيمان تحتاج إلى طاعة الرحمن ، وإن ذقتها لن تتفلت من منهج الله .
 أيها الأخوة الكرام ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا لغيرنا وسيتخطى غيرنا إلينا ، الكيس من دان نفسه ، وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها ، وتمنى على الله الأماني . .

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

مثل واقعي من حلاوة الإيمان التي يحياها المؤمن :

 أيها الأخوة الكرام ؛ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ :

(( تَزَوَّجَ أَبُو طَلْحَةَ أُمَّ سُلَيْمٍ وَهِيَ أُمُّ أَنَسٍ وَالْبَرَاءِ قَالَ : فَوَلَدَتْ لَهُ ابْنًا قَالَ فَكَانَ يُحِبُّهُ حُبًّا شَدِيدًا ، قَالَ : فَمَرِضَ الصَّبِيُّ مَرَضًا شَدِيدًا فَكَانَ أَبُو طَلْحَةَ يَقُومُ صَلَاةَ الْغَدَاةِ يَتَوَضَّأُ وَيَأْتِي النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيُصَلِّي مَعَهُ ، وَيَكُونُ مَعَهُ إِلَى قَرِيبٍ مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ وَيَجِيءُ يَقِيلُ وَيَأْكُلُ ، فَإِذَا صَلَّى الظُّهْرَ تَهَيَّأَ وَذَهَبَ فَلَمْ يَجِئْ إِلَى صَلَاةِ الْعَتَمَةِ قَالَ فَرَاحَ عَشِيَّةً وَمَاتَ الصَّبِيُّ ، قَالَ : وَجَاءَ أَبُو طَلْحَةَ قَالَ : نَسَجَتْ عَلَيْهِ ثَوْبًا وَتَرَكَتْهُ ، قَالَ : فَقَالَ لَهَا أَبُو طَلْحَةَ يَا أُمَّ سُلَيْمٍ كَيْفَ بَاتَ بُنَيَّ اللَّيْلَةَ ؟ قَالَتْ : يَا أَبَا طَلْحَةَ مَا كَانَ ابْنُكَ مُنْذُ اشْتَكَى أَسْكَنَ مِنْهُ اللَّيْلَةَ ، قَالَ : ثُمَّ جَاءَتْهُ بِالطَّعَامِ فَأَكَلَ وَطَابَتْ نَفْسُهُ قَالَ فَقَامَ إِلَى فِرَاشِهِ فَوَضَعَ رَأْسَهُ قَالَتْ: وَقُمْتُ أَنَا فَمَسِسْتُ شَيْئًا مِنْ طِيبٍ ثُمَّ جِئْتُ حَتَّى دَخَلْتُ مَعَهُ الْفِرَاشَ فَمَا هُوَ إِلَّا أَنْ وَجَدَ رِيحَ الطِّيبِ كَانَ مِنْهُ مَا يَكُونُ مِنَ الرَّجُلِ إِلَى أَهْلِهِ ، قَالَ : ثُمَّ أَصْبَحَ أَبُو طَلْحَةَ يَتَهَيَّأُ كَمَا كَانَ يَتَهَيَّأُ كُلَّ يَوْمٍ قَالَ : فَقَالَتْ لَهُ : يَا أَبَا طَلْحَةَ أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا اسْتَوْدَعَكَ وَدِيعَةً فَاسْتَمْتَعْتَ بِهَا ثُمَّ طَلَبَهَا فَأَخَذَهَا مِنْكَ تَجْزَعُ مِنْ ذَلِكَ ؟ قَالَ : لَا ، قَالَتْ : فَإِنَّ ابْنَكَ قَدْ مَاتَ ، قَالَ أَنَسٌ : فَجَزِعَ عَلَيْهِ جَزَعًا شَدِيدًا وَحَدَّثَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا كَانَ مِنْ أَمْرِهَا فِي الطَّعَامِ وَالطِّيبِ وَمَا كَانَ مِنْهُ إِلَيْهَا ، قَالَ : فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَبِتُّمَا عَرُوسَيْنِ وَهُوَ إِلَى جَنْبِكُمَا قَالَ : نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : بَارَكَ اللَّهُ لَكُمَا فِي لَيْلَتِكُمَا ، قَالَ : فَحَمَلَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ تِلْكَ اللَّيْلَةَ قَالَ فَتَلِدُ غُلَامًا قَالَ : فَحِينَ أَصْبَحْنَا قَالَ لِي أَبُو طَلْحَةَ : احْمِلْهُ فِي خِرْقَةٍ حَتَّى تَأْتِيَ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاحْمِلْ مَعَكَ تَمْرَ عَجْوَةٍ ، قَالَ : فَحَمَلْتُهُ فِي خِرْقَةٍ ، قَالَ : وَلَمْ يُحَنَّكْ وَلَمْ يَذُقْ طَعَامًا وَلَا شَيْئًا قَالَ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَدَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ قَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ مَا وَلَدَتْ قُلْتُ غُلَامًا قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ فَقَالَ هَاتِهِ إِلَيَّ فَدَفَعْتُهُ إِلَيْهِ فَحَنَّكَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ لَهُ : مَعَكَ تَمْرُ عَجْوَةٍ ؟ قُلْتُ : نَعَمْ فَأَخْرَجْتُ تَمَرَاتٍ فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَمْرَةً وَأَلْقَاهَا فِي فِيهِ فَمَا زَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَلُوكُهَا حَتَّى اخْتَلَطَتْ بِرِيقِهِ ثُمَّ دَفَعَ الصَّبِيَّ فَمَا هُوَ إِلَّا أَنْ وَجَدَ الصَّبِيُّ حَلَاوَةَ التَّمْرِ جَعَلَ يَمُصُّ بَعْضَ حَلَاوَةِ التَّمْرِ وَرِيقَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَكَانَ أَوَّلُ مَنْ فَتَحَ أَمْعَاءَ ذَلِكَ الصَّبِيِّ عَلَى رِيقِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : حِبُّ الْأَنْصَارِ التَّمْرُ فَسُمِّيَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي طَلْحَةَ قَالَ : فَخَرَجَ مِنْهُ رَجُلٌ كَثِيرٌ قَالَ : وَاسْتُشْهِدَ عَبْدُ اللَّهِ بِفَارِسَ))

[متفق عليه عن أنس بن مالك]

 فكان من ذرية هذا الغلام عشرة من حفاظ القرآن الكريم . . هذا مثل واقعي من حلاوة الإيمان التي يحياها المؤمن ، ابنه مات وهو يحبه حباً شديداً ، كيف تلقى هذا الخبر ؟ بصبر جميل ، واستسلام لله عز وجل ، وكيف كنت امرأته على عقل راجح ، كيف أخبرته الخبر بشكل لطيف دون أن يجزع ، وبعد أن بات ليلته .
 أيها الأخوة الكرام :

﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

[سورة النحل: 97]

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شرّ ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك ، إنه لا يذل من واليت ، ولا يعز من عاديت ، تباركت ربنا وتعاليت ، ولك الحمد على ما قضيت ، نستغفرك ونتوب إليك ، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك . اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين . اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، ودنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر ، مولانا رب العالمين . اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك . اللهم لا تؤمنا مكرك ، ولا تهتك عنا سترك ، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين . اللهم استر عوراتنا ، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين . اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك ، ومن الفقر إلا إليك ، ومن الذل إلا لك ، نعوذ بك من عضال الداء ، ومن شماتة الأعداء ، ومن السلب بعد العطاء . اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب ، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب . اللهم صن وجوهنا باليسار ، ولا تبذلها بالإقتار ، فنسأل شرّ خلقك ، ونبتلى بحمد من أعطى ، وذم من منع ، وأنت من فوقهم ولي العطاء ، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء . اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين . اللهم ارزقنا التأدب ونحن في بيوتك يا رب العالمين . اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين ، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018