الخطبة : 0573 - العمل عبادة2 - كسب الرزق - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0573 - العمل عبادة2 - كسب الرزق


1996-06-14

الخطبة الأولى :

 الحمد لله نحمده ، ونستعين به ونسترشده ، ونعوذ به من شرور أنفسنـا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً .
 وأشهد أن لا إله إلا الله وحده ولا شريك له ، إقراراً بربوبيته وإرغامـاً لمن جحد به وكفر .
 وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر ، ما اتصلت عين بنظر ، أو سمعت أذن بخبر .
 اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد ، وعلى آله وأصحابه وعلى ذريته ، ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين .
 اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علمنا ، وأرِنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممــــن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

الرزق الحلال والدعاء سلاح المؤمن :

 أيها الإخوة الكرام ؛ كان موضوع الخطبة السابقة كيف تعامل النبي صلى الله عليه وسلم مع الدنيا ، وكيف علمنا أن حرفتنا يمكن أن تكون عبادة ، وكيف علمنا من خلال أدعيته الشريفة التي تنطوي على علم عميق بالله عز وجل ، كيف ننجو من أعمالنا من الخطأ ومن الحرام الذي يجر إلى البعد عن الله عز وجل ، ووعدتكم في آخر الخطبة السابقة أن أتابع هذا الموضوع في هذه الخطبة .
 أيها الإخوة الكرام ؛ النبي عليه الصلاة والسلام قدوة لنا , لأن الله سبحانه وتعالى يقول :

﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً ﴾

[ سورة الأحزاب الآية:21]

 ومنهج النبي عليه الصلاة والسلام أي سنته المطهرة القولية , والفعلية , والإقرارية ، هذه سنة تصلح للدنيا والآخرة ، إن طبقنا دقائق سنته وتفاصيل منهجه في كسب أرزاقنا لكنا في حال غير هذه الحال .
 أيها الإخوة الكرام ؛ قد يختلط الطيب بالخبيث ، قد يختلط الحلال بالحرام ، قد يختلط النقي بالمشوب ، والمؤمن يعلم علم اليقين ، ودققوا في هذا القول :
 عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

(( لا يدخل الجنة لحم نبت من سحت (أي من المال الحرام)))

[ أخرجه الطبراني]

 عن أبو هريرة رضي الله عنه قال : قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم :

(( إن الله طيِّب ، لا يقبلُ إلا طيباً ))

[ أخرجه مسلم والترمذي ]

 وقد علمنا النبي صلى الله عليه وسلم من خلال أدعيته الشريفة التي هي زبدة العبادة ، الدعاء ، كما قال عليه الصلاة والسلام مخُّ العبادة الدعاء ، يحقق أعلى مستويات الاتصال بالله عز وجل ، علمنا النبي صلى الله عليه وسلم من خلال أدعيته الشريفة ، أن الحلال هو الذي يبقى ، وأن الحلال هو الذي يبارك الله فيه ، وأن الحلال هو الذي يجعلك أقوى الناس في الأرض .
 مؤمن ضعيف إذا كان معه سلاح الدعاء فهو أقوى قوة في الأرض , لأن الله معك ، وإذا كان معك فمن عليك , بالدعاء يكون الله معك ، ولكن الدعاء لا يُقبل إلا إذا كان كسبك حلالاً .
 عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

(( أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة ))

[أخرجه الطبراني]

 إذاً في أعمالنا الكذب يلغي الدعاء ، ويلغي السلاح ، وتصبح أضعف مخلوق في الأرض ، الكذب ، والغش ، والتدليس ، والإيهام ، والاحتكار , وأي سلوك نهى النبي عنه في كسب المال ، يجعل الرزق حراماً ، وإذا جعله حراماً ، أو مشوباً بالحرام بطل الدعاء ، فمهما رفعت صوتك بالدعاء ، ومهما تفاصحت في الدعاء ، ومهما انتقيت العبارات الرنانة في الدعاء ، ومهما تتبعت أدعية النبي عليه الصلاة والسلام ، يقول الله عز وجل :

﴿ ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾

[ سورة الأعراف الآية:55]

 أي أن المعتدين لا يستجيب لهم .
 من أدعية النبي عليه الصلاة والسلام ، حينما يختلط الحلال بالحرام والغش بالثمين ، والطيب بالخبيث ، والنقي بالمشوب ، حينما تختلط الأمور ، كان عليه الصلاة والسلام يدعو ويقول :

(( اللهم اكفني بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك ))

[ أخرجه الترمذي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه]

 ومن أدعيته صلى الله عليه وسلم أنه كان يدعو ويقول :

(( اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ عِلْمًا نَافِعًا ، وَرِزْقًا طَيِّبًا ، وَعَمَلًا مُتَقَبَّلًا ))

[ أخرجه ابن ماجة وأحمد عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ]

 رزقاً طيباً لا شائبة فيه ، لا شبهة فيه ، البضاعة حلال بيعها وشراؤها طريقة البيع والشراء وفق منهج الله عز وجل ، حينما يكون الكسب حلالاً ، تكن مستجاب الدعوة ، ومن أدعيته صلى الله عليه وسلم أنه كان يدعو ويقول :

(( اللهم ارزقني طيباً ، واستعملني صالحاً ))

 إذاً إذا كنت في زمن اختلطت فيه الأمور ، تداخل الحلال بالحرام والخبيث بالطيب ، والنقي بالمشوب ، فعليك بتحري الحلال ، إنَّك إن تحريت الحلال كنت مستجاب الدعوة ، وإذا كنت مستجاب الدعوة فأنت أقوى قوة في الأرض ؛ لأن الله معك ، وإذا كان الله معك فمن عليك وإذا كان الله عليك فمن معك

 

الصفات التي يجب على المؤمن التخلق بها :

 هذه فكرة ، الفكرة الثانية : في زحام الدنيا ربما تعرَّض المرء إلى ما يسوؤه ، ربما استفزه السفهاء ليجهل عليهم ، ليثأر لنفسه منهم ، وخير له إذا خرج من بيته أن يضمر التجاوز والتسامح .
 روى أنس ابن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :

(( أيعجز أحدكم أن يكون مثل أبي ضمضم ، فقال أصحابه الكرام : يا رسول الله ومن أبو ضمضم ، فقال عليه الصلاة والسلام : كان إذا أصبح قال : اللهم إني قد وهبت نفسي وعرضي لك ، فكان لا يشتم من شتمه ، ولا يظلم من ظلمه ، ولا يضرب من ضربه ))

[حديث أبي ضمضم رواه أبو داود مرسلاً ]

 يعني إذا خرجت من بيتك كن على نفسية سموحة ، كن على نفسية عفويَّة ؛ لأن الإنسان الذي يسمح ويعفوا الله سبحانه وتعالى يكون إلى جانبه .
 هذا توجيه آخر من توجيهات النبي ، الخطبة السابقة وهذه الخطبة لا يعنينا من عبادة النبي إلا وهو خارج المنزل ، إلا وهو في السوق ، إلا وهو يكسب رزقه ، إلا وهو يحتك بالناس ، إلا وهو يعمل ليأكل .

 

خصائص الأنبياء وإيمانهم التام بالله :

 أيها الإخوة الكرام ؛ النبي عليه الصلاة والسلام له تعليقات لطيفة على بعض قصص الأنبياء ، ومن خلال هذه التعليقات يشفُّ عن نفس في أعلى درجات التواضع ، وفي أعلى درجات الثقة بالله عز وجل ، فالأنبياء الكرام الذين هم صفوة الله ، هم قمم البشرية ، قال تعالى :

﴿ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آَدَمَ وَنُوحاً وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴾

[ سورة آل عمران الآية : 33 ]

 ومع ذلك فهم بشر ، ودققوا في هذه الكلمة ، لولا أنهم بشر وتجري عليهم كل خصائص البشر لما كان سادة البشر ، قال تعالى :

﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً ﴾

[ سورة الكهف الآية : 110 ]

 فالأنبياء بشر مثلنا ، إلا أن مناصبهم العالية لا تسقط عنهم مشاق التكاليف ، ولا تريحهم من أعباء الواجبات المفروضة عليهم ، فبالأصح أنهم من أشد الناس بلاءً ، وأكثرهم عناءً ، والعصمة لا تمنع المحنة .
 أيها الإخوة الكرام ؛ كان يوسف عليه السلام بشراً ، يضيق ذرعاً بالسجن ، يتشوَّق إلى الحرية ، قال مرةً للسجين الذي يُتوقع الإفراج عنه اذكرني عند ربك ، وشاء الله أن ينسى هذا المكلف بالتكليف وأن يبقى في السجن بضع سنين .
 سيدنا موسى عليه وعلى نبينا أفضل السلام ، كان بشراً ، وقد أحسَّ بلدغ الغربة ، في أرض مدين , فلما سقى للفتاتين أوى إلى الظل وناجى ربَّه وقال :

﴿ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ﴾

[ سورة القصص الآية : 24 ]

 وجاء الغوث إذ وجد المأمن المنشود عند سيد مدين ، سيدنا شعيب الذي قال له لا تخف نجوت من القوم الظالمين ، ثم تزوج ابنته وعاش في صحبته ، وتهيَّأ للرسالة العليا .
 وكان لوط عليه السلام بشراً ، عندما داخله الحرج الشديد لما رأى سفهاء قومه ينظرون بخسة ، وشره إلى ضيوفه الملائكة ، لقد تمنى لو كان ذا عصبية ، يؤدب بها هؤلاء السفلة ، قال :

﴿ قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آَوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ ﴾

[ سورة هود الآية:80]

 تعليق النبي عليه الصلاة والسلام ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( يَرْحَمُ اللَّهُ لُوطًا لَقَدْ كَانَ يَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ وَلَوْ لَبِثْتُ فِي السِّجْنِ مَا لَبِثَ يُوسُفُ ثُمَّ أَتَانِي الدَّاعِي لَأَجَبْتُهُ ))

[ أخرجه البخاري ومسلم]

 وقد عنى النبي صلى الله عليه وسلم أن الله عز وجل هو ركنه الشديد ولن يضيعه ، ولن يسلمه ، ولن يخزيه ، أرأيتم إلى هذا التعليق كيف يرفع به النبي معنويات المؤمن إلى أعلى درجة أنت تأوي إلى ركن شديد ، أنت مع الله ، الله لا يتخلى عنك ، لا يسلمك ، لا يظلمك ، لا يبخسك حقك ، لن يضيعك ، لن يترك عملك .

(( يَرْحَمُ اللَّهُ لُوطًا لَقَدْ كَانَ يَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ ))

 أي أن النبي عليه الصلاة والسلام يبين أن الله جل جلاله ما كان له أن يتركه ، إحساس النبي عليه الصلاة والسلام ، وشعوره بتأييد الله لا نظير له ، حتى أنه سُمِّي المتوكل .
 أيها الإخوة الكرام ؛ هذا الاعتماد الفذ على الله هو الذي أمده بالقوة على نشر دعوته ونظراً لشدة المعارضة ، ما كان هناك أمل أن تنتشر دعوته لولا أن الله أعانه ويسر له السبل ، وسهَّل له الطريق .
 أما تعليق النبي عليه الصلاة والسلام على كلمة يوسف عليه السلام يوحي بالتواضع ، يقول عليه الصلاة والسلام :

(( وَلَوْ لَبِثْتُ فِي السِّجْنِ مَا لَبِثَ يُوسُفُ ثُمَّ أَتَانِي الدَّاعِي لَأَجَبْتُهُ ))

 لخرجت فوراً ولم أطلب مزيداً من التحقيق .
 أيها الإخوة الكرام ؛ نخلص من هذا أن الأنبياء بشر ، تهزهم مشاعر البشر ، تهزهم أحاسيس البشر ، إنهم حينما يقدمون في مواطن الوغى لا يأخذون أمناً من الموت ، وأنهم حينما يبذلون المال لا يأخذون ضماناً من الفقر .

﴿ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ ﴾

[ سورة الصافات الآية:106]

 حينما أمر الله إبراهيم عليه السلام أن يذبح ابنه ما كان يخطر له أنه سيُفدى بذبح عظيم ، وأقدم على تنفيذ أمر الله عز وجل .
 مرةً ثانية أيها الإخوة ؛ لولا أن الأنبياء بشر ، وتجري عليهم كل خصائص البشر ، لما كانوا سادة البشر ، أنت مطلوب منك أن تنتصر على بشريتك ، قال تعالى :

﴿ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى ﴾

[ سورة النازعات ]

النبي الكريم وإيمانه بالحياة الآخرة :

 أيها الإخوة الكرام ؛ سؤال يقفز إلى ساحة الموضوع ، ما علاقة النبي بالدنيا ، هل كان يحب الدنيا أم كان يعافها ؟
 قال العلماء : لقد كان يعرفها معرفة الخبير ، كان يتذوقها تذوق المعافى السليم ، بيد أنه كان مشغولاً عنها بغيرها ، من عرف الله زهد فيما سواه ، فطرته سليمة ، أحاسيسه رقيقة ، شعوره بالجمال في أعلى درجة ، كان يعرفها معرفة الخبير ، كان يتذوقها تذوق السليم المعافى بيد أنه كان مشغولاً عنها بغيرها ، مشغولاً عنها بما هو أعظم وأشرف منها إن المجد الإلهي هو الذي استغرق النبي عليه الصلاة والسلام ، كانت الصلاة قرةَ عينه ، وكان الصيام مسرح فؤاده ، وكانت المكانة عند الله تشغله عن كل جاه يسعى إليه طلاب الجاه ، حتى إنه أمر أن يقول لزوجاته الطاهرة :

﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً ﴾

[ سورة الأحزاب الآية:28]

 يقول عليه الصلاة والسلام :

(( لَأَنْ أَقُولَ سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ ))

[ أخرجه البخاري ومسلم عن أبو هريرة رضي الله عنه]

 ولا يعني أنه يقول بلسانه ، يعني لئن يسبح الله ، لئن يسبح في عظيم مجد الله .

(( لَأَنْ أَقُولَ سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ ))

 أي لئن يسبح النبي ربه ، فينزهه عن كل نقص ، ويسبح في كلماته العليا ، لئن يحمد النبي ربه ، فيعرف نعمه عليه , الظاهرة والباطنة ، لئن يوحد النبي ربه ، فيعلم أنه لا إله إلا الله ، لا معطي ولا مانع ، ولا خافض ولا رافع ، ولا معز ولا مذل ، ولا قابض ولا باسط , لئن يحمد النبي ، وأن يسبح النبي ، وأن يوحد النبي ، وأن يكبر النبي ، قال :

(( أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ ))

 لأن الله سبحانه وتعالى ما لرجل من قلبين في جوفه ، لكن قلب واحد وينبغي أن يحب شيئاً واحداً , فإذا أحببت الله زهدت فيما سواه ، عندئذ تنتقل الدنيا من قلبك إلى يديك ، عندئذ لك أن تتعامل معها ، لكن بيديك قلبك مع الله ، هذا الحال أن تنتقل الدنيا من القلب إلى اليدين ، هو حال المؤمنين الصادقين المخلصين المنيبين المقبلين .
 أيها الإخوة الكرام ؛ يحدثنا عليه الصلاة والسلام ، أنه لو كان يملك مثل أحد ذهباً ما مرت عليه ثلاث ليال وعنده شيء منه ، معنى ذلك يتمنى النبي أن يكون غنياً ليكون هذا الغنى موظفاً في العمل الصالح ، من هنا قال أحد أصحاب النبي ، وأظنه أبو ذر الغفاري ، قال : حبذا المال أصون به عرضي وأتقرب به إلى ربي .
 لو كان للنبي مثل أحد ذهباً ما مرت عليه ليالٍ ثلاث وعنده شيء منه كان سينفقه في حاجات الفقراء والمساكين ، ما الذي كان يشغل النبي؟ إلى أين يتطلع النبي ؟ ما الذي كان يهز قلب النبي عليه الصلاة والسلام ؟ كان يدعو ويقول :

(( اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ وَابْنُ عَبْدِكَ وَابْنُ أَمَتِكَ نَاصِيَتِي بِيَدِكَ مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي وَنُورَ صَدْرِي وَجِلَاءَ حُزْنِي وَذَهَابَ هَمِّي ))

[أخرجه ابن حبان عن عبد الله بن مسعود رضي الله]

 يملأ قلبه القرآن ، قراءة ، وتلاوة ، وفهماً ، وتدبراً ، وشرحاً وتعليماً هو ربيع قلب النبي .
 لذلك أيها الإخوة ؛ تزوج النبي ، وتاجر النبي ، وسافر النبي ، لكن قلبه مع الله ، فهذه الدنيا غشَّاشة ، تغر وتضر وتمر الدنيا جيفة ، طلابها كلابها ، الدنيا دار من لا دار له ، ولها يسعى من لا عقل له ، المؤمن مُكلف أن يعمل في الدنيا ، أن يؤسس عملاً ، أن يترقى إلى منصب ، أن ينال شهادة ، أن يكون عمله في خدمة المسلمين أن يكسب رزقاً فيكفي أولاده ، أن يكفي نفسه ، أن يتقرب إلى ربه لكن ينبغي أن تبقى الدنيا بين يديه ، وأن يبقى قلبه معلقاً بالله ، وهذا يبدو في صلاته ، إذا كان في صلاته مع الله ، إذا أغمض عينيه فعرجت نفسه إلى الله ، فهذا دليل طيب على أن الدنيا ليست في قلبك ، إنما هي في يديك .
 أيها الإخوة الكرام ؛ طلب النبي مرةً من عبد الله بن مسعود أن يقرأ عليه القرآن فقال :

(( اقْرَأْ عَلَيَّ الْقُرْآنَ قُلْتُ آقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ قَالَ إِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي ))

[ أخرجه البخاري ومسلم]

 ويقرأ عبد الله بن مسعود القرآن أمام النبي عليه الصلاة والسلام قرأ في سورة النساء ، فلما وصل إلى قوله تعالى :

﴿ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيداً ﴾

[ سورة النساء الآية:41]

 والتفت إلى النبي عليه الصلاة والسلام فإذا عيناه تذرفان بالدموع فقال حسبك حسبك يا بن مسعود , هذا حال النبي ، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين , هل تشغلك الآخرة ؟ هل يشغلك هذا الكتاب العظيم ؟ هل تسعى إلى تعلمه وتعليمه ؟ والدنيا تأتي راغمة .
 أيها الإخوة الكرام :
 من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته فوق ما أعطي السائلين .
 عبدي كن لي كما أريد ولا تعلمني بما يصلحك " .
 أنا أعرف ما يصلحك ، كن لي كما أريد أكن لك كما تريد .
 أنت تريد وأنا أريد ، فإذا سلمت لي فيما أريد كفيتك ما تريد وإن لم تسلم لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد ، ثم لا يكون إلا ما أريد .
 خلقت لك السماوات والأرض فلم أعيَّ بخلقهن ، أفيعييني رغيف أسوقه لك كل حين .
 لي عليك فريضة ، ولك علي رزق ، فإذا خالفتني في فريضتي لم أخالفك في رزقك ، وعزتي وجلالي ، إن لم ترض بما قسمته لك فلأسلطن عليك الدنيا ، تركض فيها ركض الوحش في البرية ، ثم لا ينالك منها إلا ما قسمته لك ولا أبالي ، وكنت عندي مذموماً .
 أيها الإخوة الكرام ؛ نام عليه الصلاة والسلام على الحصير ، فأثر على خده الشريف دخل عليه عمر فبكى ، قال : يا عمر ما يبكيك ؟ قال : رسول الله ينام على الحصير ، وكسرى ملك الفرس ينام على الحرير ، قال : يا عمر أما ترضى أن تكون الدنيا لهم والآخرة لنا ، وفي رواية أخرى قال : يا عمر أفي شك أنت من هذا ، قال : لا ، قال : إنها نبوة وليست ملكاً .
 أيها الإخوة الكرام ؛ لا بد من أن تملأ الآخرة قلوبنا ، لا بد من أن يملأ حب الله قلوبنا وأجنحته ، لابد من أن نتجه إليه وتأتي الدنيا وهي راغمة .
 أوحى ربك إلى الدنيا أنه من خدمك فاستخدميه ، ومن خدمني فاخدميه .
 من آثر الآخرة على الدنيا ربحمها معاً ، ومن آثر الدنيا على الآخرة خسرهما معاً .

﴿ مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ * صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ ﴾

[ سورة البقرة الآيات:17-18]

الرحمة والعطف والإنفاق هذا ما امرنا به الله :

 لازلنا في علاقة ديننا بالدنيا ..
 قارون كان له دنيا عريضة ، وكان له ثراء يشد العيون إليه ، قال تعالى :

﴿ إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآَتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ ﴾

[ سورة القصص ]

 وكان عشاق الحياة ينظرون إليه ويرمقون دنياه ويقولون :

﴿ فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ﴾

[ سورة القصص الآية:79]

 ماذا طلب الله من قارون ، لم يطلب منه أن يتخلى عن ماله ، لم يطلب منه أن يطلق الدنيا ، إنما طلب منه أشياء تُعد على أصابع اليد ، من جعلك غنياً يا قارون ، وكان من الممكن أن تكون صعلوكاً تتكفف قوت يومك ، الإنسان الغني من جعله غنياً ، كان من الممكن أن ينقب في الحوايا ، ليأكل كسرة خبز ، من جعله غنياً ؟ إنه الله ، إذاً انظر إلى مالك وقل ما شاء الله كان ، لا قوة إلا بالله ، وما لم يشأ لم يكن ، قل هذا فضل الله علي ، هذا من توفيق الله لي ، هذا من إكرام الله لي لا تقل إنما أوتيته على علم عندي ، خبرات متراكمة ، ذكاء نادر ، صحوة دقيقة ، يقظة مدهشة ..لا ، قل هذا من فضل ربي ، لا تقل إنما أوتيته على علم عندي ، هذه كلمة مهلكة ، لا تقل عبقريتي سرُّ غناي ، من الذي منحك العبقرية والذكاء ، إنه الله ، لكن الغافل لا يشعر ولا يحس .
 ثم إن الله سبحانه وتعالى طلب من قارون أن يعترف بأن هذا الفضل والعطاء من الله عز وجل ، وهو يطلب من آخر أن يرحم ولا يقسو .
 إذا أردتم رحمتي فارحموا خلقي .
 ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء .
 طالبه أن يرحم ولا يقسو ، أن يعتدل ولا يطغى ، أن يصلح ولا يفسد قال تعالى :

﴿ وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ﴾

[ سورة القصص الآية:77]

 هؤلاء الأغنياء بماذا طُولبوا ؟ أن يعترفوا لله بالفضل ، وأن يرحموا عباده ، وأن لا يفسدوا في الأرض ، وأن لا يبغوا ويطغوا بمالهم الذي منحهم الله إياه .
 أيها الإخوة الكرام ؛ أناس كثيرون يمنحهم الله الدنيا ، سيذكرون أنفسهم وينسون الله ، يضاعفون متعهم ولذائذهم على حساب الفقراء ، يعصف الغرور بأحلامهم فينظرون إلى الناس من فوق ، ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون ، قال تعالى :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ * وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾

[ سورة المنافقون ]

 أيها الإخوة الكرام ؛ في السنة المطهرة حثٌّ شديد على الصدقة ، وزجر شديد من الشحِّ :
 فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْه أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ الْعِبَادُ فِيهِ إِلَّا مَلَكَانِ يَنْزِلَانِ فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا وَيَقُولُ الْآخَرُ اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا ))

[ أخرجه البخاري ومسلم ]

 ألف طريق وطريق يتلف المال به ..
 فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْه عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ وَمَنْ أَخَذَ يُرِيدُ إِتْلَافَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ ))

[ أخرجه البخاري]

 ما تلف مال في برٍّ أو بحر إلا بحبس الزكاة .
 أنفق بلالا ولا تخشى من ذي العرش إقلالا .
 أنفق أنفق عليك .
 الصدقة تقع في يد الله قبل أن تقع في يد الفقير .
 باكروا بالصدقة فإن البلاء لا يتخطاها .
 صدقة السرِّ تطفئ غضب الرب .
 فلذلك أيها الإخوة ؛ في ختام هذه الخطبة ، يقول الله سبحانه وتعالى مؤكداً أن النفقة لا تُقبل إلا من كسب طيب ، وأن الله كلف الرسل خاصة والناس عامة أن يتحروا الحلال في كسبهم :

﴿ يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴾

[ سورة المؤمنون الآية:51]

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ﴾

[ سورة البقرة الآية:172]

 وعلامة فقهك ، وعلامة معرفتك بالله ، أن توظف الدين للدنيا ، من أجل أن تتحرى الحلال ، من أجل أن تكون ورعاً ، من أجل أن تعرف ماذا ينبغي أن تفعل ؟ .. ماذا ينبغي أن تأخذ ؟ وما الذي ينبغي أن لا تأخذه ، دينك يظهر في عملك ، في دكانك ، في مكتبك ، في عيادتك ، في حقلك ، في مصنعك ، في التعامل اليومي ، لا كذب ، ولا غش ، ولا تدليس ، ولا إيهام ، ولا احتكار ، ولا إخفاء عيب ، ولا بضاعة محرمة ولا طريقة في البيع محرمة ، إنك إن نجوت من الكسب الحرام كنت ذا دعاء مستجاب ، وإذا كنت ذا دعاء مستجاب كنت أقوى الناس إطلاقاً .
 إذا أردت أن تكون أقوى الناس فتوكل على الله ، وإذا أردت أن تكون أغنى الناس فكن بما في يدي الله أوثق منك بما في يديك ، وإذا أردت أن تكون أكرم الناس فاتق الله .
 أيها الإخوة الكرام ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا لغيرنا ، وسيتخطى غيرنا إلينا ، الكيس من دان نفسه ، وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها ، وتمنى على الله الأماني .
الخطبة الثانية :

حقيقة الدين وتفصيلاته :

 أيها الإخوة الكرام ؛ تعقيب سريع على موضوع الخطبة الأول : في عصور تأخر المسلمين تقلص الدين عند معظم الناس إلى عبادات خمس ، صلاة تؤدى ، وصيام يؤدى ، وحج يؤدى ، وزكاة تؤدى ، بينما الدين في حقيقته منهج كامل للإنسان ، منهج تفصيلي ، هناك ألف بند وبند في الدين متعلق بكسب الرزق ، هناك تفصيلات مدهشة في كسب المال وفي إنفاق المال ، وفي البيع ، وفي الشراء ، وفي الزواج ، كل نشاطات الإنسان محكومة بمنهج دقيق ، فالإنسان الدين لا الذي يؤدي العبادات الخمس وكفى ، وسوى فيما هذه العبادات يتفلت ، الإنسان المؤمن الصادق يطبق منهج الله في كل تفصيلات حياته ، فعمله عبادة ، أريد أن أعقب هذا التعقيب الذي أذكره كثيراً ، عملك ، مكتبك ، تجارتك ، عيادتك ، مصنعك ، حقلك ، دكانك إن كان في الأصل مشروعاً ، وسلكت به الطرق المشروعة ، وأردت منه كفاية نفسك وأهلك ، وأردت منه خدمة المسلمين ، ولم يشغلك عن فريضة ، ولا عن طاعة ، ولا عن طلب علم ، انقلب إلى عبادة ، فما قولك ؟ ..
 هؤلاء الناس ، خمسة مليارات إنسان في الأرض ينطلقون إلى أعمالهم المسلم وحده ، المؤمن الصادق عمله عبادة ، هو يؤدي علمه وكأنه يصلي ، هكذا ؛ لأن سيدنا ابن عباس كان معتكفاً في المسجد ، رأى رجلاً كئيباً ، قال : ما لي أراك كئيباً ؟ قال : ديون ركبتني ، قال : قال لفلان ، قال : أتحب أن أكلمه لك ، قال : إن شئت ، فقام ابن عباس من معتكفه ، فقال أحد الفضوليين : يا ابن عباس أنسيت أنك معتكف ، قال : لا ولكني سمعت صاحب هذا القبر والعهد به قريب ، فدمعت عيناه ، لأن أمشي مع أخٍ في حاجته خير لي من صيام شهر واعتكافه في مسجدي هذا " .
 الدين عملي ، الدين تعاون ، الدين انفتاح ، الدين عطاء ، الدين إخلاص ، أنت إذا كنت لله كما يريد كان لك كما تريد .
 من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته فوق ما أعطي السائلين ، هناك قوانين تحكم الحياة مرئية ، وهناك قوانين خفية غير مرئية ، القوانين الخفية غير المرئية هي عناية الله ، أحياناً تقرض المال قرضاً حسناً فإذا رُد إليك بعد عام تناقصت قيمته لتضخم النقد ، ولكن الله يبارك لك في هذا المال ، ويضاعفه لك أضعافاً كثيرة ، بالقوانين المرئية أنت خسرت أما بالعناية الإلهية أنت ربحت ، أما المؤمن يعتمد على رحمة الله ، قال تعالى :

﴿ وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴾

[ سورة الزخرف الآية:32]

 إذا كان الله معك فمن عليك ، وإذا كان عليك فمن معك ..

 

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك ، إنه لا يذل من واليت ، ولا يعز من عاديت تباركت ربنا وتعاليت ، لك الحمد على ما قضيت ، نستغفرك ونتوب إليك اللهم هب لنا علاً صالحاً يقربنا إليك .
 اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا أرضنا وارض عنا ، اقسم لنا من خشيتك ، ما تحول به بيننا وبين معصيتك ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين .
 اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، ودنيانا التي فيها معاشنا وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير واجعل الموت راحة لنا من كل شر ، مولانا رب العالمين .
 اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك .
 اللهم لا تؤمنا مكرك ، ولا تهتك عنا سترك ، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين .
 اللهم استر عوراتنا ، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً ، وسائر بلاد المسلمين .
 اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك ، ومن الفقر إلا إليك ، ومن الذل إلا لك ، نعوذ بك من عضال الداء ، ومن شماتة الأعداء ، ومن السلب بعد العطاء .
 اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب ، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب .
 اللهم صن وجوهنا باليسار ، ولا تبذلها بالإقتار ، فنسأل شر خلقك ونبتلى بحمد من أعطى وذم من منع ، وأنت من فوقهم ولي العطاء وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء .
 اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين .
 اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين ، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى إنه على ما تشاء قدير وبالإجابة جدير .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018