الخطبة : 0571 - النفاق 2 - الأيمان الكاذبة من صفات المنافقين. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0571 - النفاق 2 - الأيمان الكاذبة من صفات المنافقين.


1996-05-31

الخطبة الأولى:
 الحمد لله نحمده ، ونستعين به ونسترشده ، ونعوذ به من شرور أنفسنـا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته وإرغامـاً لمن جحد به وكفر ، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر ، ما اتصلت عين بنظر ، أو سمعت أذن بخبر ، اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد ، وعلى آله وأصحابه وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرِنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممــــن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

ظاهرة الأيمان الكاذبة من صفات المنافقين :

 أيها الأخوة الكرام ؛ ذكرت لكم في الخطبة قبل السابقة عن موضوع النفاق الشيء الكثير ، ووعدتكم أن أتابع هذا الموضوع لخطورته ، فإذا كان بعض التابعين يقول : التقيت بأربعين صحابياً من أصحاب رسول الله ما منهم واحد إلا هو يتهم نفسه بالنفاق ، فلأن نتهم نحن أنفسنا بالنفاق ، ونتحرى صفات المنافقين ، لنحذر أن نكون منهم من باب أولى.
 أيها الأخوة الكرام ؛ ظاهرة الأيمان الكاذبة من صفات المنافقين ، فالمنافق يتخذ أيمانه الكاذبة جُنة ، درءاً ، حصناً ، ترساً ، يقي بها نفسه ، ويستر بها نفاقه ، ويظهر خلاف ما يبطن ، قال تعالى :

﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

[سورة المنافقون : 2]

 الجنة هي الترس.. هم يعلمون أن الناس لا يصدقونهم ، يعلمون أنهم كاذبون ؛ لأن الإنسان على نفسه بصيرة ، ولو ألقى معاذيره ، فحينما يعلم المنافق أنه كاذب يتوهم أن الناس لا يصدقونه ، عندئذ يسارع إلى حلف الأيمان الكاذبة ، وكأن الأيمان المغلظة الذي يحلفها الإنسان تشعر بأنه يبطن ما لا يظهر.
 أيها الأخوة الكرام ؛ يؤكد هذا المعنى قول الله تعالى :

﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ ﴾

[سورة التوبة : 56]

 تروي كتب السيرة أنه اجتمع نفر من المنافقين ، فتكلموا في حق رسول الله بما لا ينبغي مما يؤذيه ، فقال بعضهم : لا تفعلوا هذا ، فإنا نخاف أن يبلغ محمداً ما نقول ، فقال بعضهم الآخر : وهو الجلاس بن سويد ، نقول ما شئنا ، ثم نأتيه فننكر ما قلنا ، ونحلف له على ذلك فيصدقنا ، إنما محمد أذن ، أي يبني أحكامه على مقدار ما يسمع ، فنزل قوله تعالى :

﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ * أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِداً فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ ﴾

[سورة التوبة : 61-63]

المنافق يبطن ما لا يظهر ويظهر ما لا يبطن :

 أيها الأخوة الكرام ؛ محور الخطبة أن المنافق يكثر من حلف الأيمان ، وكأنه يشعر أن الناس لا يصدقونه ، وكأنه يعلم أنه كاذب ، فيجعل من هذه الأيمان جنة يتقي بها كشف حقيقته ، فهو يبطن ما لا يظهر ، ويظهر ما لا يبطن.
 أيها الأخوة الكرام ؛ نفر آخر من المنافقين كانوا يوالون اليهود ، وينقلون إليهم أسرار المؤمنين ، فاجتمعوا ذات مرة ، فجعلوا يشتمون رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فعلم النبي بهم عن طريق الوحي ، وكان في حجرة من حجراته ، فَقَالَ :

((إِنَّهُ سَيَأْتِيكُمْ إِنْسَانٌ يَنْظُرُ إِلَيْكُمْ بِعَيْنَيْ شَيْطَانٍ فَإِذَا أَتَاكُمْ فَلَا تُكَلِّمُوهُ ، قَالَ : فَجَاءَ رَجُلٌ أَزْرَقُ فَدَعَاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَلَّمَهُ قَالَ : عَلَامَ تَشْتُمُنِي أَنْتَ وَفُلَانٌ وَفُلَانٌ نَفَرٌ دَعَاهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ : فَذَهَبَ الرَّجُلُ فَدَعَاهُمْ فَحَلَفُوا بِاللَّهِ وَاعْتَذَرُوا إِلَيْهِ ، قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (14) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَاباً شَدِيداً إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (15) اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (16) لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (17) يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ (18) اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (19)﴾((

[ أحمد عن ابن عباس]

ضرورة حفظ الأيمان :

 أيها الأخوة الكرام ؛ بادئ ذي بدء كثرة حلف الأيمان الكاذبة علامة كبيرة من علامات النفاق ، فليحذر الإنسان أن يكثر من الحلف ، هذا ينقلنا إلى موضوع الأيمان ، قال تعالى :

﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾

[سورة المائدة : 89]

 فكفارته أي كفارة هذا اليمين.. الإمام أبو حنيفة النعمان كان يدفع ديناراً ذهبياً لكل يمين صادقة يحلفها ، لأن الله عز وجل يقول :

﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ ﴾

.

 

الحنث باليمين إن حرم الإنسان من الخير :

 أيها الأخوة الكرام ؛ وهذا ينقلنا إلى موضوع آخر ، الموضوع الآخر هو أن الإنسان أحياناً يحلف يميناً ألا يفعل كذا وكذا ، ثم يرى أن الخير بخلاف هذا اليمين فماذا يفعل ؟..
 ما أروع السنة النبوية المطهرة ، قال عليه الصلاة والسلام فيما أورده الإمام البخاري :

(( عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِي اللَّه عَنْهم لَمْ يَكُنْ يَحْنَثُ فِي يَمِينٍ قَطُّ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ كَفَّارَةَ الْيَمِينِ وَقَالَ : لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيْتُ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَكَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي ))

[ البخاري عن عائشة]

 الأصل أن تفعل الخير ، الأصل أن تكسب الخيرات ، الأصل أن تنفذ أمر الله عز وجل ، فإذا حلفت يميناً يحرمك من الخير ، أو يؤخرك عن إخوانك السابقين ، أو يمنعك من معروف ، أو يمنعك من صدقة تعينك على آخرتك ، فاحنث بيمينك ، وكفِّر عن يمينك ، فهذا ما فعله الصديق رضي الله عنه.
 أيها الأخوة الكرام ؛ الأصل أنك في الدنيا من أجل أن تفعل الخيرات ، لذلك :

((عن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَمُرَةَ لَا تَسْأَلِ الْإِمَارَةَ فَإِنَّكَ إِنْ أُوتِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إِلَيْهَا ، وَإِنْ أُوتِيتَهَا مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا وَإِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ وَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ))

[متفق عليه عن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ]

 ما بال أقوام كثيرين يحلفون ألا يزوروا أخواتهم ، أو أقرباءهم يقطعون رحمهم ، وكلما طالبتهم بصلة الرحم ، قالوا لك : لقد حلفنا يميناً مغلظة ، يقول عليه الصلاة والسلام :

((إِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ وَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ..))

.
 أيها الأخوة الكرام ؛ وفي حديث ثالث في الموضوع نفسه :

((عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ : أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رَهْطٍ مِنَ الْأَشْعَرِيِّينَ أَسْتَحْمِلُهُ فَقَالَ : وَاللَّهِ لَا أَحْمِلُكُمْ مَا عِنْدِي مَا أَحْمِلُكُمْ ثُمَّ لَبِثْنَا مَا شَاءَ اللَّهُ فَأُتِيَ بِإِبِلٍ فَأَمَرَ لَنَا بِثَلَاثَةِ ذَوْدٍ فَلَمَّا انْطَلَقْنَا قَالَ بَعْضُنَا لِبَعْضٍ لَا يُبَارِكُ اللَّهُ لَنَا أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَسْتَحْمِلُهُ فَحَلَفَ أَنْ لَا يَحْمِلَنَا فَحَمَلَنَا فَقَالَ أَبُو مُوسَى فَأَتَيْنَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرْنَا ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ مَا أَنَا حَمَلْتُكُمْ بَلِ اللَّهُ حَمَلَكُمْ إِنِّي وَاللَّهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا كَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي وَأَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ أو َأَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ أَوْ أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَكَفَّرْتُ ))

[متفق عليه عن أبي موسى الأشعري]

 إن أتيت الذي هو خير أولاً تكفِّر عن يمينك ، وإن كفَّرت عن يمينك تحللت من يمينك ثم أتيت الذي هو خير ، هذا توجيه نبوي ورد في أحاديث كثيرة.
 أيها الأخوة الكرام ؛ الأصل أن تكسب حياتك الدنيا بفعل الخيرات ، ولا يكن اليمين حاجزاً بينك وبين الخير، يقول رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( وَاللَّهِ لَأَنْ يَلِجَّ أَحَدُكُمْ بِيَمِينِهِ فِي أَهْلِهِ آثَمُ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ أَنْ يُعْطِيَ كَفَّارَتَهُ الَّتِي افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِ ))

[متفق عليه عن محمد بن رافع عن عبد الرزاق]

 أحياناً يحلف الإنسان يميناً على أهل بيته ، هذا اليمين يمنعه من الخير :

((لَأَنْ يَلِجَّ أَحَدُكُمْ بِيَمِينِهِ - يلجّ بمعنى يصر- فِي أَهْلِهِ آثَمُ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ أَنْ يُعْطِيَ كَفَّارَتَهُ الَّتِي افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِ ))

 دائماً وأبداً ابحث عن الخير ، ولا تجعل يمينك حاجزاً بينك وبين الخير ، هذا حديث رابع يؤكد هذه الحقيقة.

النهي عن الحلف بغير الله :

 أيها الأخوة الكرام ؛ عن عبد الله بن هشام قَالَ :

((كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ آخِذٌ بِيَدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا مِنْ نَفْسِي ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكَ ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : فَإِنَّهُ الْآنَ وَاللَّهِ لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْآنَ يَا عُمَرُ ))

[ البخاري عن عبد الله بن هشام ]

 كان عليه الصلاة والسلام إذا حلف يقول : والذي نفس محمد بيده ، والذي نفسي بيده ، وقد نهانا النبي صلى الله عليه وسلم عن أن نحلف بغير الله :

(( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِي اللَّه عَنْهمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَدْرَكَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَهُوَ يَسِيرُ فِي رَكْبٍ يَحْلِفُ بِأَبِيهِ فَقَالَ : أَلَا إِنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ ))

[متفق عليه عن عبد الله بن عمر]

 إن حلفت فاحلف بالله ، أما أن تحلف بغير الله فهذا مما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم.

 

القلب الرحيم قلب متصل بالله :

 هناك معنى آخر في موضوع اليمين ، لو أن إنساناً حلف عليك ، أو أقسم عليك ، أو أكّد عليك بيمين ، وبإمكانك أن تنفذ يمينه عليك أن تنفذ يمينه ، وإلا تحمله على أن يحنث.

((عَنْ أُسَامَةَ أَنَّ بِنْتًا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِ وَمَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ وَسَعْدٌ وَأُبَيٌّ أَنَّ ابْنِي قَدِ احْتُضِرَ فَاشْهَدْنَا فَأَرْسَلَ يَقْرَأُ السَّلَامَ وَيَقُولُ إِنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ وَمَا أَعْطَى وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ مُسَمًّى فَلْتَصْبِرْ وَتَحْتَسِبْ فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ تُقْسِمُ عَلَيْهِ فَقَامَ وَقُمْنَا مَعَهُ فَلَمَّا قَعَدَ رُفِعَ إِلَيْهِ فَأَقْعَدَهُ فِي حَجْرِهِ وَنَفْسُ الصَّبِيِّ جُئِّثُ فَفَاضَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ سَعْدٌ مَا هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ هَذِهِ رَحْمَةٌ يَضَعُهَا اللَّهُ فِي قُلُوبِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ ))

[متفق عليه عن أسامة]

 يمكن أن تكون الرحمة مؤشراً على مدى إيمانك ، بحجم إيمانك حجم رحمتك ، فالقلب الذي لا يرحم قلب بعيد عن الله ، قلب مقطوع عن الله :

﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾

[سورة الزمر : 22]

 قلوبهم كما وصفها الله عز وجل كالحجارة ، بل أشد قسوة ، القلب الرحيم قلب متصل بالله ، والآية الكريمة :

﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾

[سورة آل عمران : 159]

اليمين الغموس :

 أيها الأخوة الكرام ؛ هذه كلها أيمان ، لكن اليمين التي تخرجك من الإسلام ، وتحتاج بعدها أن تجدد إسلامك ، اليمين التي تغمسك في النار - لا سمح الله ولا قدر- وتحتاج بعدها إلى أن تدخل من جديد في الإسلام هي اليمين الغموس ، اليمين التي تحلف بها لتقتطع حق امرئ مسلم ، هذه التي يسميها القضاة اليمين الحاسمة ، حينما نفتقد الوثائق ، والأدلة ، والبينات ، نلجأ إلى تحليف اليمين الحاسمة ، فمن حلف على يمين ليقتطع حق امرئ مسلم فقد غُمس في الإثم وفي النار.
 أيها الأخوة الكرام ؛ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِي اللَّه عَنْه عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ كَاذِبَةٍ يَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ رَجُلٍ مُسْلِمٍ أَوْ قَالَ أَخِيهِ لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَصْدِيقَهُ : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾))

[متفق عليه عن عبد الله ]

مشهد من مشاهد سيدنا الصديق :

 أيها الأخوة الكرام ؛ مشهد من مشاهد سيدنا الصديق ، تحدث مسطح عن ابنة سيدنا الصديق حديث الإفك ، ولا يعلم أحد إلا الآباء ما معنى أن يتحدث إنسان زوراً وبهتاناً عن ابنتك العفيفة الطاهرة بأنها زانية ، يقول من حديث عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم : حين قال لها أهل الإفك ما قالوا فبرأها الله مما قالوا ، كلٌ حدثني طائفة من الحديث فأنزل الله :

﴿ إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ ﴾

[ سورة النور : 11 ]

 العشر آيات كلها في براءتي ، فقال أبو بكر الصديق وكان ينفق على مسطح لقرابته منه - كان أبو بكر ينفق على مسطح الذي روَّج هذا الإفك ، والذي أرجف في المدينة ، والذي اتهم السيدة عائشة زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم - والله لا أنفق على مسطح شيئاً أبداً بعد الذي قال لعائشة ، ومعه الحق ، فأنزل الله :

﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾

[ سورة النور : 22]

 فقال أبو بكر رضي الله عنه : بلى والله إني لأحب أن يغفر الله لي فرجع إلى مسطح وأنفق عليه النفقة التي كان يعطيه إياها ، وقال : والله لا أنزعها عنه أبداً ، هكذا كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم .

 

النهي عن حلف اليمين على البيع و الشراء :

 أيها الأخوة الكرام ؛ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ :

(( خَطَبَنَا عُمَرُ بِالْجَابِيَةِ فَقَالَ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قُمْتُ فِيكُمْ كَمَقَامِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِينَا فَقَالَ أُوصِيكُمْ بِأَصْحَابِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ يَفْشُو الْكَذِبُ حَتَّى يَحْلِفَ الرَّجُلُ وَلَا يُسْتَحْلَفُ وَيَشْهَدَ الشَّاهِدُ وَلَا يُسْتَشْهَدُ أَلَا لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا كَانَ ثَالِثَهُمَا الشَّيْطَانُ عَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ وَإِيَّاكُمْ وَالْفُرْقَةَ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الْوَاحِدِ وَهُوَ مِنَ الِاثْنَيْنِ أَبْعَدُ مَنْ أَرَادَ بُحْبُوحَةَ الْجَنَّةِ فَلْيَلْزَمِ الْجَمَاعَةَ مَنْ سَرَّتْهُ حَسَنَتُهُ وَسَاءَتْهُ سَيِّئَتُهُ فَذَلِكُمُ الْمُؤْمِن ))

[ أحمد عَنِ ابْنِ عُمَرَ]

(( ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ ؛ رَجُلٌ حَلَفَ عَلَى سِلْعَةٍ لَقَدْ أَعْطَى بِهَا أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَى وَهُوَ كَاذِبٌ ، وَرَجُلٌ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ كَاذِبَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ رَجُلٍ مُسْلِمٍ ، وَرَجُلٌ مَنَعَ فَضْلَ مَاءٍ فَيَقُولُ اللَّهُ الْيَوْمَ أَمْنَعُكَ فَضْلِي كَمَا مَنَعْتَ فَضْلَ مَا لَمْ تَعْمَلْ يَدَاكَ ))

[متفق عليه عن عبد الله ]

 هذا الشيء كم يتكرر في أسواق المسلمين ؟؟

(( ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم ؛ أشيمط زان ، وعائل مستكبر ، ورجل جعل الله بضاعته ؛ لا يشتري إلا بيمينه ولا يبيع إلا بيمينه ))

[ الطبراني في الكبير والبيهقي في شعب الإيمان عن سلمان]

((.. الْحَلِفُ مُنَفِّقَةٌ لِلسِّلْعَةِ مُمْحِقَةٌ لِلْبَرَكَةِ ))

[متفق عليه عن أبي هريرة]

 أيها الأخوة البائعون ، أيها الأخوة التجار ، لا تحلفوا الأيمان على بيعكم وشرائكم، فالموضوع أتفه من أن يستأهل أيمانكم ، احفظوا أيمانكم.

 

كل يمين يحلف بها المرء دون الله فهي شرك :

 ثم قال رسول الله صلى الله عليه و سلم :

(( خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ، ثُمَّ يَجِيءُ مِنْ بَعْدِهِمْ قَوْمٌ تَسْبِقُ شَهَادَتُهُمْ أَيْمَانَهُمْ وَأَيْمَانُهُمْ شَهَادَتَهُمْ ))

[متفق عليه عن عبد الله]

 وكل يمين يحلف بها المرء دون الله فهي شرك ، وكان عليه الصلاة والسلام يحلف ويقول : لا ومقلب القلوب ، و : لا والذي نفس محمد بيده ، لا والذي نفسي بيده.

(( من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه))

[ مسلم عن أبي هريرة]

 أما :

(( من حلف على يمين فقال : إن شاء الله ، فقد استثنى- هذا لا يحنث في يمينه-))

[الترمذي عن ابن عمر]

 إن شاء الله تُعد استثناءً ، وله أن يفعل ما يشاء بعدها.
 أيها الأخوة الكرام ؛ من حلف يميناً فقطع بها رحمه :

(( من قطع رحماً أو حلف على يمين فاجرة رأى وباله قبل أن يموت ))

[كنز العمال عن القاسم بن عبد الرحمن]

(( وَمَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ ))

[متفق عليه عن ابن عمر]

النذر في حكم اليمين :

 ويَقُولُ عليه الصلاة والسلام :

((إِنَّمَا النَّذْرُ يَمِينٌ ، كَفَّارَتُهَا كَفَّارَةُ الْيَمِينِ ))

[ أحمد عن عقبة بن عامر]

 من نذر أن يفعل كذا وكذا ، فالنذر في حكم اليمين..

(( لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ ))

[متفق عليه عن عائشة]

 أيها الأخوة الكرام ؛ في الحديث الصحيح المتفق عليه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :

((أَلَا إِنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ فَمَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ وَإِلَّا فَلْيَصْمُتْ))

[متفق عليه عن ابن عمر]

 وفي رواية أخرى :

(( فمن كان حالفاً فلا يحلف إلا بالله أو ليسكت ))

 أيها الأخوة الكرام ؛

((.. وَإِنِّي وَاللَّهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَتَحَلَّلْتُهَا ))

[متفق عليه عن أبي موسى الأشعري]

قصة عمير بن سعد و عمه الجلاس مع النبي الكريم :

 أيها الأخوة الكرام ؛ عود على بدء ، بدأت الخطبة بأن من صفات المنافقين كثرة حلف الأيمان ، ففي السيرة قصة مؤثرة وهي أن شاباً صغيراً اسمه عمير بن سعد ، هذا الفتى الصغير توفي أبوه في بعض الغزوات ، فتزوجت أمه ثرياً من أثرياء الأوس اسمه الجلاَّس بن سويد ، هذا الثري أكرم ابن زوجته أيما إكرام ، وهذا الفتى الصغير عمير بن سعد أحبّ زوج أمه أيما حب ، وسارت الأمور على خير ما يرام إلى أن جاءت غزوة تبوك ، ولأن هذا السفر بعيد ، والوقت صيف حار ، عيّن النبي صلى الله عليه وسلم وجهته ، ليستعد أصحابه لهذا السفر الطويل ، ثم بدأ أصحاب النبي رضوان الله عليهم ينفقون من أموالهم من أجل هذه الغزوة ؛ عبد الرحمن بن عوف ، عثمان بن عفان ، نساء الأنصار ، رأى أصحاب النبي من البذل والعطاء الشيء الكثير ، وهذا الطفل الصغير ، الغلام الصغير ، الفتى الصغير يرى عمه زوج أمه لا يتحرك ، ولا ينفق ، ولا يستعد ، فكان يذر له كل القصص لعله يستثير حماسه الديني ، فما إن ذكر له بعض هذه القصص ، إلا أن قال هذا الجلاس بن سويد : إن كان محمداً صادقاً فيما يدعيه من النبوة فنحن شرٌّ من الحمير !..
 الفتى الصغير شده مما سمع ، كان يظن أن عمَّه رجل له عقل ، و لكنه نطق أمامه من فمه كلمة الكفر ، فقال له كلاماً واضحاً دقيقاً ، قال : والله يا جلاس ما كان على ظهر الأرض أحد بعد محمد بن عبد الله أحبّ إليّ منك ، فأنت أفضل الناس عندي ، وأجلّهم يداً عليّ ، ولقد قلت مقالةً إن ذكرتها فضحتك ، وإن أخفيتها خنت أمانتي ، وأهلكت نفسي وديني، ولقد عزمت على أن أمضي إلى النبي الكريم وأخبره بما قلت ، فكن على بينة من أمرك..
 مضى هذا الفتى الصغير عمير بن سعد إلى المسجد وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بما سمع من الجلاس بن سويد ، فاستبقاه النبي عنده ، وأرسل أحد أصحابه ليدعو له الجلاس ، وما هو إلا قليل حتى جاء الجلاس فحيّا رسول الله وجلس بين يديه ، فقال له البني الكريم : مقالة سمعها منك عمير بن سعد وذكرها له ، فقال : كذب عليّ يا رسول الله وافترى فما تفوهت بشيء من ذلك ، وأخذ الصحابة ينقلون أبصارهم بين الجلاس وفتاه عمير ، كأنهم يريدون أن يقرؤوا على صفحتي وجهيهما ما يكنه صداهما ، وجعلوا يتهامسون ، فقال واحد من الذين في قلوبهم مرض : فتى عاقٌ أبى إلا أن يسيء إلى من أحسن إليه ، وقال آخرون : إنه غلام نشأ في طاعة الله ، وإن قسمات وجهه لتنطق بصدقه ، والتفت النبي صلى الله عليه وسلم إلى عمير فرأى وجهه قد احتقن بالدم ، والدموع تنحدر من عينيه مدراراً ، وتتساقط على خديه وصدره وهو يقول : اللهم أنزل على نبيك بيان ما تكلمت به.. فانبرى الجلاَّس إنما ذكرته لك يا رسول الله هو الحق ، وإن شئت تحالفنا بين يديك ، وإني أحلف بالله أني ما قلت شيئاً مما نقله لك عمير ، فما إن انتهى من حلفه ، وأخذت عيون الناس تنتقل بين عمير والجلاس ، حتى غشيت رسول الله صلى الله عليه وسلم السكينة ، فعرف الصحابة أنه الوحي ، وبدا التلهف والشوق على عمير ، وظلّ الجميع كذلك حتى سري عن رسول الله ، ونزل قوله تعالى

﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْراً لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَاباً أَلِيماً فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ ﴾

[سورة التوبة : 74]

 فارتعد الجلاس من هول ما سمع ، وكاد ينعقد لسانه من هول ما سمع ، وكاد ينعقد لسانه من الجزع ، ثم التفت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال : بل أتوب يا رسول الله ، صدق عمير يا رسول الله وكنت من الكاذبين ، اسأل الله أن يقبل توبتي ، جُعلت فداك يا رسول الله ، وهنا توجه النبي إلى الفتى عمير ، فإذا دموع الفرح تبلل وجهه ، فمدَّ النبي يده الشريفة إلى أذنه ، وأمسكها برفق وقال : وفت أذنك يا غلام ما سمعت وصدقك ربك ، عاد الجلاَّس إلى حظيرة الإسلام ، وقد عرف الصحابة صلاح أمره مما كان يغدقه على عمير بن سعد من برِّ وكان يقول كلما ذُكر عمير : جزاه الله عني خيراً ، فقد أنقذني من الكفر ، وأعتق رقبتي من النار.

 

علاج النفاق :

 أيها الأخوة الكرام ؛ ذكرت قبل أسبوعين أن النفاق الطارئ له علاج ، علاجه أن تتوب إلى الله ، النفاق الطارئ.. النفاق الأصلي هو نفاق الكفر ، أما النفاق الطارئ فنفاق المعصية ، ونفاق المعصية قد ينتهي بصاحبه إلى الإيمان.
 أيها الأخوة الكرام ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا لغيرنا ، وسيتخطى غيرنا إلينا ، الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها ، وتمنى على الله الأماني..

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

طريقة صناعة الدخان :

 أيها الأخوة الكرام ؛ كتاب اشتريته من معرض الكتاب الذي افتتح في العام الماضي ولم يتح لي أن أقرأه إلا في هذا الأسبوع ، الكتاب عن التدخين ، قرأته فإذا فيه فقرة يجب أن أضعها بين أيديكم عن طريقة صناعة الدخان.
 قال : معامل الدخان يأخذون التبغ ويضعونه في أوعية محكمة ثم يصبون عليه من عصير العنب ، أو عصير التفاح ، أو أي شيء من العصائر السكرية ، ثم يضعون عليه الخمائر ، ثم يغلقونه ، ويحكمون الغلق ثلاث سنوات ، حتى يُعتق ، وحتى يتشبع التبغ بالخمر والكحول ، وهذا يحول نبات التبغ إلى ألياف هشة استوت ونضجت في الكحول ، الناس يدخنون نقيع الخمر وهم لا يعلمون ، وهذا ما يجعل الدخينة تستمر مشتعلة حتى آخرها ؛ لأن هناك كحولاً متحداً بمادة الدخان ، وهو الذي يجعل الاشتعال مستمراً.
 هذه الحقيقة - أيها الأخوة - موجودة في كتاب ألّفه صاحبه بعد زيارة لمعامل التبغ في أمريكا.
 شيء آخر : ماكلارين شخصية جذابة جداً ، تستخدمها شركات الدخان في الدعاية للدخان ، غالباً ما يلبسون هذه الشخصية ثياب رعاة البقر ، ويتكلمون الكلام الذي يشجع الناس على الدخان ، هذا الإنسان فقد حياته في ريعانها ، إذ أصيب بمرض عضال في رئته ، سرطان في الرئة بسبب التدخين ، وكانت آخر كلماته : لا تصدقونني ، السجائر تقتلكم ، وأنا الدليل على ذلك ، وكنت أكذب عليكم.

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك ، إنه لا يذل من واليت ، ولا يعز من عاديت ، تباركت ربنا وتعاليت ، ولك الحمد على ما قضيت ، نستغفرك ونتوب إليك ، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك ، اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ، ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين ، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، ودنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر ، مولانا رب العالمين ، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك ، اللهم لا تؤمنا مكرك ، ولا تهتك عنا سترك ، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين ، اللهم استر عوراتنا ، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً ، وسائر بلاد المسلمين ، اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك ، ومن الفقر إلا إليك ، ومن الذل إلا لك ، نعوذ بك من عضال الداء ، ومن شماتة الأعداء ، ومن السلب بعد العطاء ، اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب ، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب ، اللهم صن وجوهنا باليسار ، ولا تبذلها بالإقتار ، فنسأل شر خلقك ، ونبتلى بحمد من أعطى ، وذم من منع ، وأنت من فوقهم ولي العطاء ، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء ، اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين ، اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018