الخطبة : 0378 - علامة الله فيمن يريدُه - قصة سفّانة. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0378 - علامة الله فيمن يريدُه - قصة سفّانة.


1992-01-24

الخطبة الأولى:
 الحمد لله ، ثمّ الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا ، وما كنّا لِنَهْتَدِيَ لولا أن هدانا الله ، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكّلي إلا على الله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقرارًا لرُبوبيَّته ، وإرغامًا لمن جحد به وكفر ، وأشهد أنّ سيّدنا محمّدًا صلى الله عليه وسلّم رسول الله سيّد الخلق والبشر ما اتَّصَلَت عين بنظر ، أو سمعت أذنٌ بِخَبر ، اللَّهمّ صلّ وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد ، وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريّته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدّين ، اللَّهمّ ارْحمنا فإنّك بنا راحِم ، ولا تعذّبنا فإنّك علينا قادر ، والْطُف بنا فيما جرَتْ به المقادير ، إنَّك على كلّ شيءٍ قدير ، اللّهمّ علّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علّمتنا وزدْنا علمًا ، وأرنا الحقّ حقًّا وارزقنا اتّباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممَّن يستمعون القول فيتّبعون أحْسنه ، وأدْخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

علامة الله فيمن يريده :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ عن زيد الخير ، وهو من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام ، فعن عبد الله بن مسعود قال : كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبل راكب حتى أناخ بالنبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله إني أتيتك من مسيرة تسع أنصبت بدني ، وأسهرت ليلي ، وأظمأت نهاري ، لأسألك عن خلتين أسهرتاني ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم :

((كيف أصبحت ؟ قـال : أصبحت أحـب الخير وأهله ومن يعمل به ، وإن عملت به أيقنت بثوابه ، وإن فاتني منه شيء حننت إليه؛ فقال له صلى الله عليه وسلم : هذه علامة الله فيمن يريده ، وعلامته فيمن لا يريد ، ولو أرادك بالأخرى هيأك لها ثم لا يبالي في أي واد هلكت - وفي لفظ : سلكت ))

[رواه الطبراني عن ابن مسعود]

 أي هذا الذي أراده الله ، هذا الذي أحبَّه الله ، وهذا الذي قرّبه الله ، ما علامتهُ ؟ ما صفته ؟ ما شأنه ؟ ما الدليل على أنّ الله يحبّه ؟ ما علامة الله فيمن يريد ؟ وما علامته فيمن لا يريد ؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم :

((كيف أصبحت؟ قال : أصبحت أحب الخير وأهله ومن يعمل به ، وإن عملت به أيقنت بثوابه ، وإن فاتني منه شيء حننت إليه؛ فقال له صلى الله عليه وسلم : هذه علامة الله فيمن يريده ))

[رواه الطبراني]

 أصبحْتُ أحبّ الحق وأهله ، أحبّ الإحسان ، وأحبّ أهل الإحسان ، أحِبّ العلم، وأحبّ أهل العلم ، أحبّ مكارم الأخلاق ، وأحبّ أصحاب مكارم الأخلاق ، أحبّ الخير وأهله ، وإن قدِرْت عليه بادرتُ إليه ، وإن فاتني حزنتُ عليه ، وحننْتُ إليه ، فقال له صلى الله عليه وسلم :

((هذه علامة الله فيمن يريده ))

 هذه علامةٌ دقيقة ، ولْنَقِسْ بها أنفسنا ؛ هل نحبّ الخير ؟ هل نحبّ أهل الخير؟ هل نحبّ الإحسان ؟ هل نحبّ أهل الإحسان ؟ هل نحبّ العلم ؟ هل نحبّ أهل العلم ؟ هل نحبّ الطُّهْر ؟ هل نحبّ أماكن الطّهر ؟

 

ضرورة التعرف إلى الله في مقتبل العمر :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ في آخر سورة التغابن آياتٌ دقيقة جدًّا ، يقول الله عز وجل:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوّاً لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ * فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْراً لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾

[ سورة التغابن : 14-16]

 إلى آخر الآيات .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ قد يفهم الناس هذه الآيات فهمًا مغلوطًا ، يقول الله عز وجل : إنّ من أزواجكم ؛ مِنْ هذه تفيد التبعيض ، ليْسَت كلّ زوجةٍ عدوّة لِزَوجها ، الأصْل في العلاقات الزوجيّة أنّ الله سبحانه وتعالى يقول :

﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾

[ سورة الروم : 21]

 الأصل في العلاقات الزوجيّة ، والأصل الذي بُنِيَت عليه العلاقة الزوجيّة كما أرادها الله جلّ وعلا الموَدَّةُ والرحمة ، فالمودّة لها معنى ، والرحمة لها معنى ، إذا أصابَ الزوجة شيءٌ بِحَيـث ضعَّفَ مما يُنتظر منها تأتي الرحمة ، فإن كانت في المستوى الذي يرْضى عنه زوجها تأتي المودَّة ، قال تعالى :

﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾

[ سورة الروم : 21]

 هذا هو الأصْل ، فإن لم تكن الموَدَّة والرحمة كانت الحالة المرَضِيّة ، والحالة المرضيّة لها عِلاجها ، الآيات التي جاءت في آخر سورة التغابن تُشير إلى بعض هذه الحالات المرَضِيّة ، قال تعالى :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوّاً لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾

[ سورة التغابن : 14]

 يُشير المفسّرون إلى أنّ الرجل في عهْد النبي كان إذا آمَنَ منَعَتْهُ زوجتهُ أحيانًا، ومنعَه أهله وأقاربُه ، ومن يلوذ به ، فكأنّ أهل الرجل عقبةٌ كؤود في طريق الخير .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ نقطة دقيقة جدًّا أضعها بين أيديكم ، لو أنّ الإنسان عرفَ ربَّه في وقتٍ مبكِّرٍ ، في شبابه ، في مُقْتبل عمره ، في وقتٍ لم يُشَكِّل حياته بعد ، فإنّ في هذا راحةً له كبيرة ، لماذا ؟ ما دام أنَّه قد عرف الله في سِنٍّ مُبكّرة ، وفي مقتبل حياته ، وفي وقتٍ يستطيعُ أن يشكّل بيتَهُ ، أو أن يختار زوجته ، أو أن يربّيَ أولاده ، أو أن يختار حِرْفتهُ وفْق الشّرع ، ووفْق منهج الله ، ووفْق ما يرضي الله تعالى ، فإنّ متاعبَ كثيرةً جدًّا هو في غِنًى عنها حينما تتقدَّم به السّنّ ، لكنّ المشكلة أنَّ الإنسان إذا شكَّل حياتهُ على خِلاف منهج الله ، واختار حرفتَهُ على خِلاف منهج الله ، واختار زوجتهُ على خلاف منهج الله ، وربّى أولاده على خِلاف منهج الله تعالى ، فإذا اهْتدى إلى الله ، وإذا عرف منهج الله في وقتٍ متأخِّر ، فإنّه سيُعاني من مُشكلاتٍ لا حصْر لها ، لأنَّ هؤلاء الذين حوْلهُ لم ْيهْتدوا بعْدُ ، لأنّ هؤلاء الذين حوله لهم قِيَم غير قِيَمِهِ ، وأهدافٌ غير أهدافه ، ولهم تطلُّعاتٍ غير تطَلُّعاته ، فلذلك أيّها الشباب تعرّفوا إلى الله تعالى في سِنّ مُبَكِّرةٍ حتى تختاروا أعمالكم ، وحتى تختاروا زوْجاتكم ، وحتى تُربُّوا أولادكم على نحْوٍ مِمَّا يرْضي الله عز وجل ، فإذا تقدَّمَتْ بكم السّن وجدْتُم الأمور في البيت تجري بشكل صحيح ، رأيتُم راحةً ، ورأيْتُم انْسِجامًا ، ورأيتُم ثمرةً تقطفونها ، هذه النّقطة الأولى أيْ أنّ الإنسان عليه أن يتعرّف إلى الله في مقتبل العمْر ، كي يستفيد من هذه المعرفة ، وكي يشكّل - بالتعبير الدقيق - حياته ، إنْ في حِرْفته ، وإن في اختيار زوجته ، وإن في تربيَة أولاده ، وإن في طبيعة علاقته ، وإن في تَمْضِيَة أوقات فراغِهِ ، وإن في لَهْوِهِ ، وإن في نُزْهتِهِ ، إذا تعرَّفْت إلى الله في سنّ مُبكِّرة شكَّلْتَ كلّ حياتك وفْق منهج الله ، فجاء الوقت الذي تضعف فيه كلّ من حوْلَكَ يُعينُك على أمر دينك ، أما إذا شكَّلْتَ حياتك على خلاف منهج الله ، اخْتَرْتَ زوجتكَ بِمَقاييس لا ترضي الله عز وجل ، واخْتَرْتَ عملاً فيه انْحِرافٌ عن جادَّة الصّواب ، ربَّيْتَ أولادك وفْقَ قِيَمٍ معاصرة ، وليس وفْق قِيَمٍ إسلامية صحيحة ، حينما يكْبرُ هؤلاء ، وحينما تكْبُر معهم أنت تجدُ بينك وبينهم تناقضًا كبيرًا ، تجدُ نفسكَ في وادٍ وهم في واد ، ترى أنّ من الصّعوبة بِمَكان أن تُغَيّر هؤلاء الذين حولك ، وأن تغيِّر عقولهم ، وأن تغيِّر نفوسهم ، وأن تحْمِلَهم على طاعة الله عز وجل ، لذلك تنشأ العداوَة بين الزَّوجَيْن ، لأنّ الزوْج يريد الله ، والزّوجة تريد الدنيا ، لأنّ الزوج يريد طاعة الله ، والزوجة تريد طاعة الشيطان .
 فيا أيها الأخوة الأكارم ؛ هذه مِمَّا تعنيه هذه الآية في قوله تعالى :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوّاً لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾

[ سورة التغابن : 14]

لا طاعةَ لِمَخلوقٍ في معْصِيَة الخالق :

 معنًى آخرَ أشار إليه بعض المفسّرين ، فقالوا : هذه العداوة التي ذكرها الله في هذه الآية ، ليْسَت عداوَة حال ، ولكنّها عداوَةُ مآل ، ومعنى أنَّها عداوَة مآل ، أيْ أنّ الزوج إذا صار في رِكاب زوجته ، واسْتَمَعَ إلى توجيهاتها ، وحملتْهُ توجيهاتها على معصِيَة الله ، إذا ضَغَطَتْ عليه حتى يؤمِّنَ لها بعض الحاجات الثانوِيَّة ، فاضْطُرّ إلى أن يأكل المال الحرام ، أو إلى أن يعْتَدِيَ على الأنام ، أو إلى أن يأخذ ما ليس له ، أو إلى أن يسْلكَ الطريقة المُلْتَوِيَةَ غير الصحيحة ، من أجل أن يُرْضِيَ زوجته ، وقد ترضى عنه ، وقد تمضي الحياة سعيدةً ، ولكنّ يوم القيامة يرى أنّ كلّ شقائِهِ ، وكلّ خسارته ، وكلّ ما يُعانيه من عذابٍ أليم إنَّما كان بِسَبَبِها ، لذلك تنشأ هذه العداوَة ، عداوَةُ المآل لا عداوَة الحال ، كما لو أنَّ شريكَيْن أشار أحدهما أن يخالفَ في حركته القوانين النافذة ، ضُبِطَا ، وصودرَت أموالهما ، وأودِعَا في السّجن ، عندئذٍ ينشأ بين الشريكين عداوَة ، لأنّ الأوّل من أجل اقْتِراحِهِ ، من أجل فكرته ، من أجل اتِّجاهه جرّ لهذه الشركة خرابًا ، ودمارًا ، وخسارةً ، فإمّا أن تكون العداوَة عداوة حال ، وإما أن تكون العداوة عداوة مآل ، لذلك من القواعِد الأصوليّة في الحياة ، من أولى مبادئ منهج الله عز وجل أنَّه لا طاعةَ لِمَخلوقٍ في معْصِيَة الخالق . طلبَتْ امرأة من زوجها الصحابي شيئًا من حُطام الدنيا ، وشيئًا من الدنيا ، فقال : اعلَمي أيّها المرأة أنَّ في الجنّة من الحور العِين ما لو أطلَّتْ إحداهنّ على الأرض لغَلَبَ نورُ وجهها ضوء الشمس والقمر ، فلأنْ أُضحِّي بك من أجلهنّ أهْوَنُ من أن أُضحِّي بهنّ من أجلك .
 سيّدنا سعد بن أبي وقاص حينما حملْتهُ أمُّه أن يكفر بِمُحمَّد ، وحملتْهُ على ذلك، شدَّدَتْ عليه ، ضَغَطَت عليه ، قالتْ : والله يا سعْدُ لا أذوقُ طعامًا إلى أن تكفر بِمُحَمّد ‍‍!! فقال رضي الله عنه : يا أمّي لو أنّ لك مئة نفْسٍ فخَرَجَتْ واحدةً واحدةً ما كفرْتُ بِمُحمّد ، فكُلي إن شئْت أو لا تأكلي ، لئلاّ تجرَّك الزوجة أيها الأخ الكريم إلى الشّقاء الأبدي ، لئلاّ يجرّك ابنُك إلى الشّقاء الأبدي ، لئلاّ تُرضيهم ، وتعصي ربّك ، لئلاّ تُدْخلَ على قلبهم ما يتوهَّمون أنَّه السّرور على حِساب دينك ، تذكّر أنّ هذه المودّة ، وتلك المحبّة التي تتأتَّى عن طريق تلْبِيَة رغباتهم المنحرفة ، وعن طريق تأمين حاجاتهم الثانوِيّة التي تعصي الله من أجل تأمينها ، تذكَّر قَول الله عز وجل :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوّاً لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾

[ سورة التغابن : 14]

 الأصْلُ أن تكون المودَّة والرحمة إلا إذا دُعِيتَ إلى معصِيَة الله تعالى ، الأصْلُ أن تكون المودَّة والرحمة إلا إذا دَعَتْك إلى حفلةٍ فيها اختِلاط .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ قال تعالى :

﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾

[ سورة لقمان : 15]

 وقد يكون العكس هو الصحيح ، قد يحْمِلُ الأب ابنهُ على معصِيَة الله لِيَرْقى في سلّم الدرجات الدنيَوِيّة ، قد يحْمِلُ الأب ابنهُ على أن يكْسِبَ مالاً حرامًا لِيُحَقِّقَ رغباته ، هذا الابن بالذات يأتي يوم القيامة فيقول لِرَبّ العِزّة : يا ربّ لا أدخُل النار حتى أُدْخِلَ أبي قبلي !!

 

أيُّ زواجٍ بُنِيَ على طاعة الله تولّى الله التوفيق بين الزّوْجين :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ حينما يُعْصى الله في البيت ، فقد خرجَ هذا البيت عن ظلّ الله ، خرج هذا البيت عن حِفْظ الله ، خرج هذا البيت عن رِعايَة الله ، المجتمعُ الإسلاميّ لَبِناتُهُ البيوت الإسلاميّة ، فإذا كان في البيت معصِيَة ، وإذا كان في البيت لهْوٌ ، إذا كان في البيت اختلاطٌ ، إذا كان في البيت انحرافٌ ، إذا كان في البيت مخالفةٌ لِمَنهج الله عز وجل ، فهذا البيت لا يحبّه الله ، ولكنّ البيت المسلم الذي يُطبَّقُ فيه منهج الله عز وجل هو البيت الذي يرْضى الله عنه .
 ويا أيها الأخوة الأكارم ؛ دقِّقُوا في هذه الكلمات ، أيُّ زواجٍ بُنِيَ على طاعة الله تولّى الله التوفيق بين الزّوْجين ، وأيُّ زواجٍ بُنِيَ على معصيَة الله تولّى الشيطان التفريق بينهما ، فقال تعالى :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوّاً لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾

[ سورة التغابن : 14]

كرهُ المؤمن للكفر والمعصيَة والانحراف :

 من أخلاق المؤمن أنَّه لا يكره العاصي ، ولكنّه يكرهُ معصِيَتهُ ، من أخلاق المؤمن أنَّه لا يكره المنحرف ، ولكنّه يكرهُ انحرافه ، من أخلاق المؤمن أنَّه لا يكره الكافر ، ولكن يكرهُ كفرهُ ، فلذلك سيّدنا عمر رضي الله عنه حينما دخَلَ على النبي عُمَير بن وهْبٍ ، وقد جاء لِيَقتُل النبي عليه الصلاة والسلام ، فقيَّدَهُ عمر بِحَمّالة سيْفِهِ ، وساقهُ إلى النبي ، وقال : يا رسول الله هذا عدوّ الله عُمَير جاء يريد شرًا - قال عمر : دخل عمَير على رسول الله والخنزير أحبّ إليّ منه - قال له النبي : تقدّم يا عُمَير ، وفكّ أسْرهُ يا عمر ، ما الذي جاء بك إلينا ؟ لماذا هذا السيف على عاتقك ؟ قال : قاتلها الله من سُيوفٍ وهل نفعتنا يوم بدر ؟ قال له النبي عليه الصلاة والسلام : ألَمْ تقُل لِصَفوان كذا وكذا ؟ لولا دُيونٌ ركِبتني وأولادٌ صغارٌ لذهَبْتُ وقتلتُ محمَّدًا ، وأرحْتُكم منه !! فوقَفَ عُمَير وقال : أشهدُ أنَّك رسول الله ، لأنّ هذا الذي قلتُه لا يعلمهُ أحدٌ إلا الله ، وأنت رسولهُ ، مَوْطِنُ الشاهد أنّ سيّدنا عمر قال : دخل عمَير على رسول الله والخنزير أحبّ إليّ منه ، وخرج من عنده وهو أحبّ إليّ من بعض أولادي ، فليس في الإسلام عداوَة ، المسلم لا يبْغض الكافر ، ولا العاصي ، ولا المنحرف ، يبْغضُ الكفر والمعصيَة والانحراف ، أما هذا الإنسان فهو عبدٌ لله عز وجل ، تمامًا كما لو كنتَ طبيبًا ، وجاءَ مريضٌ يشْكو مرضًا جلديًّا مزعجًا ، الطبيب هل يحقدُ على هذا المريض ؟! لا ، هل يكرهه ؟ لا ، يشفق عليه ، وأنت كمُؤمن لا تحقدُ على أحد ، ولا تبغضُ أحدًا ، ولا تكرهُ أحدًا ، ولكنّك تكرهُ الكفْر ، وتكرهُ المعصِيَة ، وتكرهُ الجحود ، وتكره الخروج عن أمر الله عز وجل .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ قال تعالى :

﴿ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾

[ سورة التغابن : 14]

امتحان كل إنسان بما أعطاه الله و بما منع عنه :

 آيةٌ ثانيَة ، يقول الله عز وجل :

﴿ إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾

[ سورة التغابن : 15]

 الفتنة في هذه الآية كاشفٌ يكشِفُك ، الأهل يكشفون الرّجل ، إن كان يرْجو الله واليوم الآخر ، فلا طاعة لِمَخلوقٍ في معصيَة الخالق ، وإن كان يرجو الدنيا وزينتها فعندئذٍ يستجيبُ ويُضحّي بِطاعة الله عز وجل ، فالأهل فتنة ، وإذا تزوّج الإنسان إما أن يزيدهُ الزواج إيمانًا ، ورُقِيًّا ، وقربًا من الله عز وجل ، وإما أن يصرفَهُ عن طريق الحقّ ، وأن يتَّبِعَ شهوته ، وشهوة زوجته ، فتسْقُط به ، ويسقط بها إلى أسفل سافلين ، لذلك ربّنا سبحانه وتعال يحذّر ، وينذر ، ويقول :

﴿ إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾

[ سورة التغابن : 15]

 تمْتَحَنون بهم ، أنت مُمْتحنٌ بالعُزوبية ، ومُمْتحنٌ بالزواج ، أنت ممْتحنٌ بالفقر ، وممْتحنٌ بالغنى ، أنت ممْتحنٌ بالضّعف ، وممتحنٌ بالقوّة ، أنت ممْتحنٌ بالمرض ، وممتحنٌ بالصّحة ، أنت ممتحنٌ بالجاه ، وممتحنٌ بِضَعف الجاه ، كلّ شيءٍ يُصيبكَ هو في الحقيقة امتحان ، أو في الحقيقة مادَّة امتحانك مع الله ، الشيءُ الذي أعطاك الله إيّاه مادّة امتِحانك مع الله تعالى ، والشيء الذي صرفهُ الله عنك هو مادّة امتحانك مع الله ، لهذا يقول عليه الصلاة والسلام في دعائه الشريف : " اللهمّ ما رزقتني فيما أحبّ فاجعلهُ عونًا لي فيما تحبّ ، وما زَوَيْتَ عنِّي ما أحبّ فاجْعلْهُ فراغًا لي فيما تحبّ " وعَجِبْتُ لأمر المؤمن إنّ أمره كلّه خير ، وليس ذك لأحد إلا للمؤمن ، إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له ، وإن أصابتهُ ضرّاء صبَر فكان خيرًا له ، وليس ذلك لغير المؤمن . إذا أقبلَت الدنيا تُمْتحنُ بها ، وإذا أدْبرَت تمتحن بها ، والصّحة إذا أدبرَت تُمْتحن بها ، وإذا أدْبرَت تمتحن بها ، والفراغ تُمتحنُ به ، ونعمة الأمْن تمتحن بها ، ونعمة المال تُمتَحَنُ به ، لذلك قال الله عز وجل :

﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ * كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ * ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾

[ سورة التكاثر : 1-8]

 نعيمُ الصّحة تُسأل عنه ، نعيمُ المال تُسأل عنه ، نعيمُ الفراغ تُسأل عنه ، نعيمُ القوة تُسأل عنه ، نعيمُ العقل تُسأل عنها ، نعيمُ الأمن تُسأل عنه ، نعيمُ الزوجة تُسأل عنه ، نعيمُ الأولاد تُسأل عنهم ، ونعمة المأوى ، فأيّةُ نعمة أنْعَمَ الله بها عليك لا بدّ من أن يسألك كيف اسْتخدمْتها ؟ وبِم وظَّفْتها ؟ ماذا فعلْت بها ؟ هل شكرتني عليها ؟ عَنْ أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

((لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ ؟ وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ ؟ وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ ؟ وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ ؟ ))

[الترمذي عَنْ أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ]

 يقول الله عز وجل :

﴿ إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾

[ سورة التغابن : 15]

 دقِّقوا في كلمة إنَّما ، إنَّما أداة حصْر ، أي الأولاد والأموال حصْرًا سيقَتْ إليك من أجل أن تُمْتَحَنَ بهم ، إذاً إنّما خُلق المال ، وخُلق الأهل كي تُمْتحنَ بهم .

 

استنفاذ كل الجهد في طاعة الله و الحرص على الأعمال الصالحة :

 لذلك يقول الله عز وجل في سورة أخرى :

﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾

[ سورة العنكبوت : 2]

 لا بدّ من أن يفْتنوا ، والفتنة لا تحْمِلُ معنًى سلبيًّا ، فقد تحملُ معنًى إيجابيًّا فُتنَ فلانٌ بالمال فنَجَح ، فُتنَ فلان بالأهل فنَجَح ، أي امْتُحِنَ فنَجَحَ ، قال تعالى :

﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾

[ سورة التغابن : 16]

 وهذه ما استطعتم لا لِبَذل بعض الجهْد ، بل لاستنفاذ كلّ الجُهد ، فاتّقوا الله ما استطعتم ، باستنفاذ كلّ الجهْد ، أي بِقَدْر كلّ طاعتك ، قال تعالى :

﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا﴾

[ سورة التغابن : 16]

 وقد أشار بعض المفسّرين إلى أنّ معنى واسْمَعوا ؛ أيْ افْهَموا ما يُتلى عليكم من أجل أن تُطيعوا ، أي حاوِل أن تفهمَ من هذا الأمْر حُدوده ، أبعادهُ ، حِكمتهُ ، حُكمهُ الشّرعي ، قال تعالى :

﴿وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْراً لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾

[ سورة التغابن : 16]

 كأنّ الشّح مرض ، قال : يوقى ! مرضٌ خطير ، من وُقِيَ هذا المرض الخطير فقد أفلح ونجح ، لأنّ الجنّة كما جاء في بعض الآيات تحتاج إلى عمل صالح ، والمال قوام العمل ، فالذي خاف أن ينفق المال ضيَّعَ الجنَّة وما فيها من نعيمٍ مقيم ، قال تعالى :

﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾

[ سورة التغابن : 16]

 وأخيرًا ربّنا عز وجــل يقول : إنّ الأعمال الصالحة التي تفعلونها في الدنيا ، إنَّما هي قرْضٌ حسَن سيُضاعفُ لكم أضعافًا كثيرة ، الإنسان حينما ينفقُ مالهُ إعطاءً شيء ، وحينما ينفقهُ إقراضًا شيءٌ آخر ، إذا أنفقهُ إقراضًا يطمئنّ على أنّ أصْل المال محفوظ ، وأنّهُ سيُرَدّ إليه فكيف إذا ردّ إليه أضعافًا مضاعفة ؟ كأنّ الله سبحانه وتعالى يخاطب عُقولاً تحرصُ على المال:

﴿ إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾

[ سورة التغابن : 17]

 أي كلّ أعمالكم الصالحة هي في حقيقتها قرْضٌ حسنٌ لله عز وجل ، سيُؤَدَّى لكم أضعافًا مضاعفة ، قال تعالى :

﴿إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ * عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾

[ سورة التغابن :17-18]

 حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزِنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أنّ ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، وسيتخطّى غيرنا إلينا فلْنَتَّخِذ حذرنا ، الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتْبعَ نفسه هواها وتمنّى على الله الأماني ، والحمد لله رب العالمين .

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

قصة سفانة بنت حاتم مع النبي عليه الصلاة و السلام :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ امرأة اسمها سفّانة وقَعَت أسيرة في عهْد النبي صلى الله عليه وسلّم ، فلمّا مرّ النبي عليه الصلاة والسلام لِيَتَفَقّد أحوال الأسرى ، وقفَتْ بأدبٍ جمّ ، وقالَتْ: يا محمّد هلك الوالد ، وغاب الوافد ، فإنْ رأيْتَ أن تُخَلِّي عنّي ، ولا تُشْمِت بيَ الأعداء ، ولا تُشْمِتْ بيَ أحياء العرَب فإنّ أبي سيّد قومه ، كان يفكّ العاني ، ويعفو عن الجاني ، ويحفظ الجار ، ويحمي الذّمار ، ويفرّج عن المكروب ، ويطعم الطّعام ، ويفشي السلام ، ويحْملُ الكلّ ، ويُعينُ على نوائب الدّهر ، وما أتاهُ أحدٌ بِحاجةٍ فردَّهُ خائبًا أنا بنتُ حاتِم طيّئ .
 تأثّر النبي عليه الصلاة والسلام لهذه المكارم الأخلاقيّة التي ذكرتها هذه الأسيرة، قال : هذه صفات المؤمن حقًّا ، لو كان أبوك إسلاميًّا لترحَّمْنا عليه ، خلُّوا عنها فإنّ أباها كان يحبّ مكارم الأخلاق .
 هناك تعليق صغير ، وهو أنّ الإنسان أحيانًا إذا ما عرف الله أبدًا ، وكان ذكيًّا فربّما سلكَ مسْلكًا راقيًا في علاقاته بِنِيّة أن يجلبَ سُمعةً طيّبة ، وجاهًا عريضًا ، هذا شيءٌ، والإيمان شيءٌ آخر ، هذه أخلاق الأذكياء ، برعَ بها الأذكياء جدًّا ، ولكنّ أخلاق المؤمنين شيءٌ آخر ، إنّها أخلاق أصيلة تنْبعُ من اتِّصالهم بالله عز وجل ، لا يبْتغون بها دنيا ، ولا مكْسبًا ، ولا عرضًا قريبًا ، إنَّما يبْتغون بها وجه الله عز وجل ، على كلٍّ قال عليه الصلاة والسلام : " خلُّوا عنها فإنّ أباها كان يحبّ مكارم الأخلاق " ثمّ قال عليه الصلاة والسلام : " ارْحموا عزيز قوْمٍ ذلّ ، وغنيًّا افْتقـرَ ، وعالمًا ضاعَ بين الجّهال " وامْتَنَّ عليها وعلـى قومها فأطْلقهم تكريمًا لها ، فاسْتأذنَتْهُ بالدَّعاء ، وهنا الموطن ، فقال عليه الصلاة والسلام - وقد بدا من عقلها وحصافتها الشيء الكثير- : اسْمعوا ، وعُوا ، قالتْ : أصابَ الله بِبِرّك مواقعَهُ - فأحيانًا تصنعُ معروفًا ، وتبذلُ جهدًا ، وتنفقُ مالاً مع إنسانٍ لا يستحقّ هذا المعروف ، مع إنسانٍ لئيم ، ومع إنسانٍ يسيء إليك ، على الرّغم من أنَّك أحْسنْتَ إليه ، فإذا أحبّ الله عبدًا جعَلَ معروفه في أهل المعروف ، جعل معروفه في أهل الحِفاظ ، جعل معروفهُ في أهل الشُّكْر - قالتْ : أصابَ الله بِبِرّك مواقعَهُ ، ولا جَعَلَ لك إلى لئيمٍ حاجة - لأنّ منتهى الذّل أن يقف الكريم ببَاب اللّئيم ثمّ يردّه - ولا سلَبَ نعمةً عن كريم قومٍ إلا جعلك سببًا في ردّها عليهم .
 ثلاثة أدْعِيَةٍ دَعَت بها هذه الأسيرة للنبي عليه الصلاة والسلام ، قالتْ : أصابَ الله بِبِرّك مواقعَهُ - أن يجعل الله معروفك عند أهل المعروف ، عند أهل الخير ، عند أهل الإحسان ، عند أهل الشّكر ، عند أهل الحِفاظ - ولا جَعَلَ لك إلى لئيمٍ حاجة ، ولا سلَبَ نعمةً عن كريم قومٍ إلا جعلك سببًا في ردّها عليهم .
 فلمَّا أطلقَ أسْرها رَجَعَتْ إلى أخيها عديّ بن حاتم ، وله قصّة معروفة بِدَوْمة الجَندل ، قالتْ يا أخي : ائتِ هذا الرّجل قبل أن تعْلَقَكَ حبائلُهُ ، فإنِّي رأيْتُ هدْيًا ، ورؤيةً ، سيَغْلبُ أهل الغَلَبَة ، ورأيْتُ فيه خِصالاً تعجبني ، رأيْتُهُ يحبّ الفقير ، ويفكّ الأسير ، ويرْحم الصغير ، ويعرفُ قدْر الكبير ، وما رأيتُ أجْوَدَ ولا أكْرم منه ، فإن يكُ نبيًّا فللسابق فضلهُ ، وإن يك ملكًا فلا تزال في عزّ مُلكِهِ ، وبناءً على هذه النصيحة توجَّه عديّ بن حاتم إلى المدينة المنوّرة ، ودخل على النبي عليه الصلاة والسلام ، وقال : كنتُ أظنّ أنِّي سألقَى ملكًا ، فلمَّا دخلْتُ عليه ، قال : من الرّجل ؟ فقلتُ : عديّ بن حاتِم ، فرحَّب بي ، وانْطَلَقَ بي إلى بيته ، وفي الطريق اسْتَوْقَفَتْه امرأة ضعيفةٌ مسكينة فكلَّمتهُ كثيرًا ، فوقفَ معها يُصغي إليها ويُكلّمها في حاجتها ، فقلتُ في نفسي : والله ما هذا بأمْرِ ملكٍ ، إنَّه نبيّ ، فلمّا دخلتُ بيتهُ ألقى إليّ وِسادةً من أدمٍ مَحْشوَّةً ليفًا ، قال : اجْلِسْ عليها ، قلتُ : بل أنت ؟ قال : بل أنت ، فجلسْتُ عليها وجلس هو على الأرض تَكريمًا لِضَيفِهِ ، فقلـتُ : والله ما هذا بأمْرِ ملك ، دَخَل عليه عمر رضي الله عنه فرآهُ مضطجعًا على حصير ، وقد أثّر الحصير على خدّه الشريف فبكى عمر ، وقال : يا رسول الله ، كِسرى ملك الفرس ينام على الحرير وأنت رسول الله تنام على الحصير ؟ فأجابهُ إجابةً تكتبُ بِماء الذَّهَب قال : يا عمر ، إنَّما هي نبوّة وليْسَت ملكًا ، هذه النبوّة هكذا ، النبوّة تواضع ، النبوّة تقشّفٌ وزهدٌ ، النبوّة حبّ للخير ، إنَّما هي نبوّة وليْسَت ملكًا .الدعاء

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شرّ ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك ، إنه لا يذل من واليت ، ولا يعز من عاديت ، تباركت ربنا وتعاليت ، ولك الحمد على ما قضيت ، نستغفرك ونتوب إليك ، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك . اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين . اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، ودنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر ، مولانا رب العالمين . اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك . اللهم لا تؤمنا مكرك ، ولا تهتك عنا سترك ، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين . اللهم استر عوراتنا ، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين . اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك ، ومن الفقر إلا إليك ، ومن الذل إلا لك ، نعوذ بك من عضال الداء ، ومن شماتة الأعداء ، ومن السلب بعد العطاء . اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب ، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب . اللهم صن وجوهنا باليسار ، ولا تبذلها بالإقتار ، فنسأل شرّ خلقك ، ونبتلى بحمد من أعطى ، وذم من منع ، وأنت من فوقهم ولي العطاء ، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء . اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين . اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018