الخطبة : 0569 - النفاق1 - تكليف الصحابي المناسب للمهمة المناسبة . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0569 - النفاق1 - تكليف الصحابي المناسب للمهمة المناسبة .


1996-05-17

الخطبة الأولى:
 الحمد لله نحمده ، ونستعين به ونسترشده ، ونعوذ به من شرور أنفسنـا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً . وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته وإرغامـاً لمن جحد به وكفر . وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر ، ما اتصلت عين بنظر ، أو سمعت أذن بخبر .
 اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد ، وعلى آله وأصحابه وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين . اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرِنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممــــن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

النّفاق :

 أيها الأخوة الكرام ؛ موضوع من أخطر الموضوعات ألا وهو موضوع النفاق ، ففي سورة البقرة وصف ربنا جلّ جلاله المؤمنين في ثلاث آيات ، ووصف الكفار في آيتين ، ووصف المنافقين في ثلاث عشرة آية ؛ لأن الكافر واضح للناس كفره ، والمؤمن واضح للناس إيمانه ، إلا أن المنافق يبدي ما لا يخفي ، يبدي شيئاً ويخفي شيئاً ، هو مع المؤمنين في ظاهره، ومع الكفار في باطنه ، فلذلك جاء وصف المنافقين في سورة البقرة في ثلاث عشرة آية، والنفاق كما تعلمون - أيها الأخوة - ينضوي تحت الكذب ، الكذب والنفاق شيء واحد ، إلا أن الكذب - أيها الأخوة - وهذا شيء قد يُستغرب ، ورد في الأحاديث الصحيحة ، في الكتب التسعة ، هناك أكثر من ألف ومئتي حديث ورد فيها الكذب ، وأكثر من مئتين وثمانين آية ورد موضوع الكذب .
 يبدو أن الكذب من أخطر الأمراض التي تصيب الفرد والمجتمع ، فإذا تلبس المجتمع بالكذب انتهى ، وهلك ، وأصبح لا يعي على خير .
 أيها الأخوة الكرام ؛ الحقيقة المرة خير ألف مرة من الوهم المريح ، فعَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ قَالَ:

((إِنِّي لَجَالِسٌ تَحْتَ مِنْبَرِ عُمَرَ رَضِي اللَّه عَنْه وَهُوَ يَخْطُبُ النَّاسَ فَقَالَ فِي خُطْبَتِهِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ كُلُّ مُنَافِقٍ عَلِيمِ اللِّسَانِ ))

[أحمد عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ]

 بعض التابعين يذكر أنه التقى بأربعين من أصحاب رسول الله ، ما منهم واحد إلا وهو يتهم نفسه بالنفاق . . سيدنا عمر ، ثاني الخلفاء الراشدين ، عملاق الإسلام ، سأل سيدنا حذيفة رضي الله عنه قال : بربك أوجد اسمي بين المنافقين ؟ . . كلما ازداد إيمان المؤمن خشي على نفسه من النفاق ، كلما ارتقى إيمانه خشي على نفسه من النفاق ؛ لأن النفاق يسري في الإنسان من دون أن يشعر الإنسان .

 

أنواع النّفاق :

 أيها الأخوة الكرام ؛ قال العلماء : النفاق نوعان ؛ أصلي وطارئ ، فالأصلي ، الإنسان أحياناً لمصلحة دنيوية ، ولمكاسب شخصية ، يظهر شيئاً ويخفي شيئاً ، فإذا كان الإنسان في الأصل كافراً ، وأراد أن يظهر شيئاً من التدين لمصلحة يبحث عنها ، أو لمكسب يريده ، فهذا المنافق الأصلي ، الذي ما سبق نفاقه إسلام ، بدأ بالكفر ، ولكن بشكل نفاقي ، أما النفاق الطارئ فهو الذي يُخشى منه ، الزمرة الأولى قلة قليلة ، ولكن الزمرة الثانية كثرة كثيرة ، فالإنسان يسلم صادقاً ، ويدخل مدخل صدق حقيقة ، وهو وسط الإسلام قد يُمتحن ، قد تنشأ مشكلات ، قد تأتيه بعض الصعوبات ، قد تُطرح عليه بعض الشبهات ، عندئذ يرتد عن الإسلام داخلياً ، باطنياً ، ويبقي على ظاهره مسلماً ورعاً مع المؤمنين ، فهذا الارتداد الباطني ، وهذا الشك في أحقية هذا الدين ، وهذا في مصداقية كلام سيد العالمين ، يدخله في النفاق بعد أن كان مسلماً ، هذا هو النفاق الطارئ ، وهو الذي يخشاه المسلم أشدّ ما يخشاه .
 أيها الأخوة الكرام ؛ قال تعالى:

﴿الَّذِينَ آَمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آَمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْراً لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً ﴾

[سورة النساء: 137]

 أراد الله بهذه الآية هؤلاء الزمرة من الناس الذين أسلموا ، ثم دخلت عليهم الشبهات فزاغت قلوبهم ، أسلموا ثم عادوا إلى دينهم ، ثم جاءت الشبهات فارتدوا ثانية:

﴿الَّذِينَ آَمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آَمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْراً لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً ﴾

[سورة النساء: 137]

 أيها الأخوة الكرام ؛ آية أخرى تشير إلى هذا النفاق الطارئ ، قال تعالى:

﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آَتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آَتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ * أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ ﴾

[ سورة التوبة: 75-78]

 آية ثالثة تشير إلى هذا النفاق الطارئ الذي يمكن أن يتلبس به المسلم قال تعالى:

﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آَمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾

[سورة المنافقون: 3]

 أيها الأخوة الكرام ؛ مرةً ثانية: الحقيقة المرة أفضل ألف مرة من الوهم المريح ، إذا كان أصحاب النبي ، وهم من اصطفاهم الله عز وجل ، واختارهم لصحبة نبيه ، يتهمون أنفسهم بالنفاق ، فما لهؤلاء الناس الذين يأتون في آخر الزمان وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً ؟

 

النّفاق حالة نفسية خفية داخلية يكشفها بعض السلوك :

 أيها الأخوة الكرام ؛ النفاق حالة نفسية ، خفية ، داخلية ، مكنونة ، إلا أن بعض السلوك يكشفها .
 أيها الأخوة ؛ حقيقة أساسية ؛ أنه ما من خُلق نفسي إلا وفي السلوك ما يكشفه ، ويفضحه مهما حاول الإنسان إخفاءه ، لذلك ورد في الحديث الصحيح :

(( من أسرَّ سريرة ألبسه الله رداءها ))

[ابن أبي الدنيا في الإخلاص عن عثمان]

 وقال تعالى:

﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾

[سورة محمد : 30]

 وقال عليه الصلاة والسلام:

(( الناس معادن . . ))

[البخاري عن أبي هريرة]

 هناك الذهب الخالص ، وهناك الذهب المطلي ، وهناك الذهب ذي العيار القليل ، وهناك النحاس المطلي ، وهناك المعدن الخسيس الذي يشبه الذهب في لمعانه ، فإذا استعملته ظهرت حقيقته ، قال عليه الصلاة والسلام:

(( الناس معادن . . ))

[البخاري عن أبي هريرة]

 ففي معركة الخندق ، قال أحدهم : أيعدنا صاحبكم أن تُفتح علينا بلاد قيصر وكسرى وأحدنا لا يأمن أن يقضي حاجته ؟ وقال تعالى:

﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً ﴾

[سورة الأحزاب: 23]

صفات المنافقين :

1 ـ ازدواج الشّخصية :

 أيها الأخوة الكرام ؛ إن تحدثنا عن صفات المنافقين فلكي نحذرها ، لأن الإنسان يبطن شيئاً ويظهر شيئاً ، لابد من أن الذي يظهره يكشف عن باطنه ، من أسر سريرة ألبسه الله رداءها ، فماذا حدثنا ربنا عن المنافقين ؟ أول صفة - أيها الأخوة - يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم ، شخصية مزدوجة ، له شيء مُعلن ، وشيء مبطن ، موقف علني ، وموقف باطني، ذو وجهين ، يلقى هؤلاء بوجه ، وهؤلاء بوجه ، هذه من أخطر صفات النافقين ، يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم ، وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا : آمنا ، وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا : إنا معكم ، إنا نحن مستهزؤون ، يقول الله سبحانه وتعالى عنهم:

﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ﴾

[سورة البقرة: 8]

 ليراقب كل منا نفسه ، أله موقف يعلنه وموقف يخفيه ؟ أله فكرة يلقيها على الناس وليس قانعاً بها وله فكرة يقنع بها ولا يلقيها ؟ هذا شيء خطير ، ألك شخصية ازدواجية ؟ ألك شخصية للخارج وشخصية للداخل ؟ أولى صفات النافقين ازدواج الشخصية ، يقولون : آمنا بالله :

﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ﴾

[سورة البقرة: 8]

2 ـ حبّ الدنيا :

 الصفة الثانية ، وهي صفة دقيقة أيضاً:

﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ﴾

[سورة البقرة: 8]

 هم يعلمون علم اليقين أن الله لا يُخدع ، إلا أنهم حينما يخدعون رسوله ويخدعون المؤمنين ، يتوهمون أن هؤلاء يرضون عنهم بخداعهم ، وغاب عنهم أن الله يكشفهم على حقيقتهم ، يؤكد هذا المعنى الدقيق الصحابي الجليل كعب بن مالك ، حينما تخلف عن غزوة تبوك ، وحينما أمر النبي بمقاطعته خمسين يوماً ، وحين قال للنبي عليه الصلاة والسلام :" يا رسول الله ، إني أوتيت لساناً طلقاً ، ولو أردت أن أكذب عليك لكذبت ، ولكنني علمت أني إن كذبت عليك ليوشكن الله أن يفضحني ، وإن صدقتك ليوشكن الله أن يغفر لي "أدرك هذا الصحابي الجليل أن علاقته برسول الله بيد الله ، فلو أنه كذب عليه لفضحه الله ، لذلك أزمع أن يصدقه ، فهؤلاء المنافقون يخادعون الله والذين آمنوا ، يخدعونهم بإظهار ما لا يبطنون ، بإعلان ما لا يقنعون:

﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ﴾

[سورة البقرة: 9]

 هؤلاء الذين أوهموا الناس أنهم مؤمنون وهم ليسوا كذلك هم الخاسرون .
 أيها الأخوة الكرام ؛ في قلوبهم مرض ، حب الدنيا ، أرادوا الدنيا عن طريق الدين ، ولو أرادوها عن طريق الدنيا لما كان عليهم من غبار ، اشتروا بعهد الله وبأيمانه ثمناً قليلاً ، أولئك لا خلاق لهم عند الله .

3 ـ الإفساد في الأرض :

 شيء آخر - أيها الأخوة الكرام - هؤلاء المنافقون يفسدون في الأرض وإذا قيل لهم: لا تفسدوا في الأرض قالوا : إنما نحن مصلحون ، هم يفسدون حقاً وحقيقة ، إلا أنهم يفلسفون إفسادهم بأنه إصلاح ، فهذا الذي يفسد في الأرض ، هذا الذي يغري الناس بالشهوات ، هذا الذي يضع الناس في حمأة الرذيلة ، هذا الذي يثير في الإنسان جزأه السفلي ، هذا الذي يجعل الدين شيئاً قابلاً للمناقشة وكأنه مذهب وضعي ، هؤلاء يفسدون في الأرض ولا يصلحون، وإذا وصفتهم بأنهم مفسدون قالوا : إنما نحن مصلحون ، يقول الله عز وجل:

﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ ﴾

[سورة البقرة:12]

 أن يقع الإنسان في الفساد ، المفسد في الأرض هو يهلك الحرث والنسل ، يفرق بين المرء وزوجه ، بين الأخ وأخيه ، بين الصديق وصديقه ، بين الجار وجاره ، يرغب الناس في المعاصي ، يلفتهم إلى الدنيا ، يبعدهم عن الآخرة ، يروي لهم قصصاً تثبط من عزائمهم ، تضعف من معنوياتهم ، تشكك في عقائدهم ، هؤلاء الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون ، قال تعالى:

﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ ﴾

[سورة البقرة:11-12]

 أيها الأخوة الكرام ؛ يظن هؤلاء المنافقون أنهم أذكياء ، وأنهم عقلاء ، وأنهم حكماء، وأنهم في الوقت المناسب يخلصون من الإحراج ، قال تعالى:

﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آَمِنُوا كَمَا آَمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آَمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾

[سورة البقرة:13]

 هؤلاء المنافقون يرون المؤمنين سفهاء ، حينما خافوا من الله عز وجل ، وحينما أعرضوا عن الدنيا ، وحينما أقبلوا على الآخرة ، إذا كانت الدنيا هي كل شيء يبدو للجاهل أن الكافر والمنافق أذكى من المؤمن ، إذا كانت الدنيا هي كل شيء ، أما إذا كانت الحياة الدنيا ، حياةً دنيا إعدادية لحياة عليا أبدية ، ومن أجل الحياة الدنيا الإعدادية ضيعوا الحياة العليا الأبدية فهم ليسوا بأذكياء ولا عقلاء ، والمؤمن وحده هو العاقل .

4 ـ استهزاؤهم بالمؤمنين :

 أية موازنة - أيها الأخوة - بين مؤمن يخاف الله عز وجل ، بين مؤمن وقاف عند حدود الله ، وبين منافق كافر أو منافق متفلت من منهج الله إذا أردت أن تقيم موازنة بين هذين النموذجين في حيز الدنيا فالموازنة ليست في صالح المؤمن ؛ لأن حرية الحركة التي يتمتع بها الكافر والمنافق ، وأن ليس هناك شيء محرم عنده ، يفعل كل شيء من أجل أهدافه ، ترى المؤمن مقيداً ألف قيد وقيد ، ومقيداً بحدود الشرع ، ومقيداً بآداب الإسلام ، ومقيداً بخوفه من الله عز وجل ، والإيمان قيد ، أما إذا ضممت الآخرة إلى الدنيا ، ووازنت بين النموذجين ، وجدت المؤمن أذكى الأذكياء ، وأعقل العقلاء ؛ لأنه آثر ما يبقى على ما يفنى ، لأنه آثر آخرته على دنياه فربحهما معاً .
 أيها الأخوة الكرام ؛

﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آَمِنُوا كَمَا آَمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آَمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ * وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ ﴾

[سورة البقرة:13-14]

 يبدو أن استهزاءهم ليس في وجه المؤمنين ، في غيبتهم ، لعل المنافقين يبدون من التبجيل ، والترحيب ، والتعظيم ، والتوقير للمؤمنين في حضرتهم الشيء الكثير ، ولكنهم منافقون وقد فضحهم الله عز وجل ، استهزاؤهم للمؤمنين ليس في حضرتهم ، في غيبتهم :

﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ* اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ ﴾

[سورة البقرة:14-16]

 أيها الأخوة الكرام ؛ ثلاث عشرة آية في سورة البقرة تصف المنافقين ، تصف أنهم يعلنون ما لا يعتقدون ، وتصف أنهم يخادعون الله ورسوله ، وتصف أنهم يفسدون في الأرض بعد إصلاحها ، وهم يستهزؤون بالمؤمنين ، ولهم شخصية ازدواجية .

 

من استطاع أن يرضي الناس كلهم فهو منافق :

 أيها الأخوة الكرام ؛ ورد في الحديث الصحيح : عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ ؛ إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ ))

[متفق عليه عن أبي هريرة]

(( يُطْبَعُ الْمُؤْمِنُ عَلَى الْخِلَالِ كُلِّهَا إِلَّا الْخِيَانَةَ وَالْكَذِبَ ))

[أحمد عن أبي أمامة]

 لمجرد أن يكذب الإنسان خرج من إيمانه ، وصار منافقاً :

(( يُطْبَعُ الْمُؤْمِنُ عَلَى الْخِلَالِ كُلِّهَا إِلَّا الْخِيَانَةَ وَالْكَذِبَ ))

[أحمد عن أبي أمامة]

 إذا تصورنا أن الكذب ألغي في حياتنا ، لكنا في حال آخر غير هذا الحال ، إن أكثر ما نقول : لا نعني ما نقول ، ترحيبنا مزور ، أعمالنا ، نشاطاتنا ، ما نقول ، هذا كله ينطوي على شيء آخر لا نرضاه .
 أيها الأخوة الكرام ؛ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا ، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا ، إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ ، وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ))

[متفق عليه عن عبد الله بن عمرو]

(( لَا إِيمَانَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ ، وَلَا دِينَ لِمَنْ لَا عَهْدَ لَهُ ))

[أحمد عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ]

(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَيْسَ صَلَاةٌ أَثْقَلَ عَلَى الْمُنَافِقِينَ مِنَ الْفَجْرِ وَالْعِشَاءِ ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا ، لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ الْمُؤَذِّنَ فَيُقِيمَ ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا يَؤُمُّ النَّاسَ ثُمَّ آخُذَ شُعَلًا مِنْ نَارٍ فَأُحَرِّقَ عَلَى مَنْ لَا يَخْرُجُ إِلَى الصَّلَاةِ بَعْدُ ))

[متفق عليه عن أبي هريرة]

 أيها الأخوة الكرام ؛ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْه عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( تَجِدُونَ النَّاسَ مَعَادِنَ خِيَارُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِي الْإِسْلَامِ إِذَا فَقِهُوا، وَتَجِدُونَ خَيْرَ النَّاسِ فِي هَذَا الشَّأْنِ أَشَدَّهُمْ لَهُ كَرَاهِيَةً ، وَتَجِدُونَ شَرَّ النَّاسِ ذَا الْوَجْهَيْنِ الَّذِي يَأْتِي هَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ وَيَأْتِي هَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ ))

[متفق عليه عن أبي هريرة]

 ينبغي أن تكون لك شخصية واحدة ، وفكر واحد ، ومبادئ واحدة ، وقيم واحدة ، وموقف موحد ، هذا هو المؤمن ، أما الذي يستطيع أن يرضي الناس كلهم ، على حساب عقيدته ، وعلى حساب مبادئه ، وعلى حساب دينه فهو منافق ، من استطاع أن يرضي الناس كلهم فهو منافق .

﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ﴾

[سورة الأنعام: 112]

 قل الحق ولا تأخذك في الله لومة لائم ، قال تعالى:

﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً ﴾

[سورة الأحزاب: 39]

تخلي الناس عن بعضهم في كل أمر يحتاج إلى تعب و مشقة :

 أيها الأخوة الكرام ؛ عن عَلِيٌّ رَضِي اللَّه عَنْه قال :

((إِذَا حَدَّثْتُكُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَأَنْ أَخِرَّ مِنَ السَّمَاءِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَكْذِبَ عَلَيْهِ ، وَإِذَا حَدَّثْتُكُمْ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ فَإِنَّ الْحَرْبَ خَدْعَةٌ ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : يَأْتِي فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ حُدَثَاءُ الْأَسْنَانِ ، سُفَهَاءُ الْأَحْلَامِ، يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ الْبَرِيَّةِ ، يَمْرُقُونَ مِنَ الْإِسْلَامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ ، لَا يُجَاوِزُ إِيمَانُهُمْ حَنَاجِرَهُمْ ، فَأَيْنَمَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ ، فَإِنَّ قَتْلَهُمْ أَجْرٌ لِمَنْ قَتَلَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ))

[متفق عليه عن علي]

 وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِي الله عَنْه:

(( أَنَّ رِجَالًا مِنَ الْمُنَافِقِينَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْغَزْوِ تَخَلَّفُوا عَنْهُ وَفَرِحُوا بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَإِذَا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اعْتَذَرُوا إِلَيْهِ وَحَلَفُوا وَأَحَبُّوا أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَنَزَلَتْ ﴿ لَا يَحْسِبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا ﴾))

[البخاري عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ]

 معنى ذلك أن الأمر إذا كان فيه وجاهة ، وتكريم ، ودعوة إلى وليمة ، ودعوة إلى عقد قران ، وشيء يدخل على القلب السرور ، رأيت الناس كلهم مؤمنهم ومنافقهم معك ، أما إذا كان الأمر يحتاج إلى بذل ، وجهد ، وتعب ، ومشقة ، وتكليف ، نظرت حولك فلا تجد أحداً إلا قلة من المؤمنين .
 أيها الأخوة الكرام ؛ ما ذكرت هذا الموضوع إلا لأن الصحابة الكرام خافوا على أنفسهم من النفاق ، وإلا لأن الحقيقة المرَّة أفضل مرة من الوهم المريح ، وأن أصحاب النبي هم قدوتنا ، والإنسان إذا اطمأن طمأنينة ساذجة ربما هلك .
 عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَتَخَوَّفُ عَلَى أُمَّتِي الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ ، أَمَا إِنِّي لَسْتُ أَقُولُ يَعْبُدُونَ شَمْسًا وَلَا قَمَرًا وَلَا وَثَنًا وَلَكِنْ أَعْمَالًا لِغَيْرِ اللَّهِ وَشَهْوَةً خَفِيَّةً ))

[ابن ماجه عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْس]

 أيها الأخوة الكرام ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا لغيرنا ، وسيتخطى غيرنا إلينا ، الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها ، وتمنى على الله الأماني . .

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

تكليف النبي الكريم الصحابي المناسب للمهمة المناسبة :

 أيها الأخوة الكرام ؛ سيدنا حذيفة بن اليمان ، صحابي جليل ، كان يحمل سرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد أعطاه النبي أسماء المنافقين ، حتى إن عمر عملاق الإسلام ، سأله مطمئناً على نفسه ، بربك هل وجدت اسمي بين المنافقين ؟
 هذا الصحابي الجليل تجلت فيه ثلاث صفات ، ذكاء فذ يسعفه في حلّ المعضلات، وبديهة مطاوعة تلبيه كلما دعاها ، وكتمان للسر فلا ينفذ إلى غوره أحد ، وكان عليه الصلاة والسلام يعرف مزايا أصحابه ، وكيف يستفيد من طاقاتهم الكامنة ، لذلك كان عليه الصلاة والسلام يكلف الصحابي المناسب للمهمة المناسبة .
 أيها الأخوة الكرام ؛ في موقعة الخندق اشتد البلاء على المسلمين ، وأحاطهم العدو من فوقهم ، ومن تحتهم ، وطال عليهم الحصار ، واشتد عليهم البلاء ، وبلغ منهم الجهد والضنك كل مبلغ ، حتى زاغت الأبصار ، وبلغت القلوب الحناجر ، وأخذ بعض المسلمين يظنون بالله الظنون ، قال بعضهم : ما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً ، ولم تكن قريش وأحلافها من المشركين في هذه الساعات بأحسن حالاً من المسلمين .
 أيها الأخوة الكرام ؛ أعان الله المسلمين ، بأن صبّ على المشركين غضبه ، أرسل عليهم ريحاً صرصراً ، قلبت خيامهم ، وكفأت قدورهم ، وأطفأت نيرانهم ، وقذفت الحصباء في وجوههم ، وسدت أعينهم بالتراب .
 احتاج النبي صلى الله عليه وسلم لطاقات حذيفة ، في هذا الموقف العصيب ، وهذا البلاء الشديد ، فعزم على أن يبعث به إلى قلب جيش العدو ، تحت جنح الظلام ، ليأتيه بأخباره قبل أن يبرم أمراً ، سيدنا حذيفة بن اليمان يحدثنا عن هذه الواقعة: " قال كنا في تلك الليل صافين قعوداً ، وأبو سفيان ومعه من معه من مشركي مكة فوقنا ، وبنو قريظة من اليهود أسفل منا ، نخافهم على نسائنا وذرارينا ، وما أتت علينا ليلة قط أشدّ ظلمة ولا أقوى ريحاً، فأصوات ريحها مثل الصواعق ، وشدة ظلامها تجعل أحدنا لا يرى أصبعه ، فأخذ المنافقون يستأذنون النبي صلى الله عليه وسلم ، ويقولون : إن بيوتنا مكشوفة للعدو ، وما هي بمكشوفة ، فما يستأذنه أحد منهم إلا أذن له ، وهم يتسللون حتى بقينا ثلاثمئة من أصحاب رسول الله الصادقين نقابل عشرة آلاف مشرك ، واليهود من ورائنا ، عند ذلك يقول حذيفة بن اليمان ، قام النبي صلى الله عليه وسلم وجعل يمر بنا واحداً واحداً ، حتى أتى إليّ وما عليّ شيء يقيني من البرد إلا مرط لم يجاوز ركبتي . برد وجوع وخوف . . فاقترب مني عليه الصلاة والسلام وأنا جاثٍ على الأرض وقال : من هذا ؟ فقلت : حذيفة ، قال : حذيفة ؟ فتقاصرت إلى الأرض كراهية أن أقوم من شدة الجوع والبرد ، وقلت : نعم يا رسول الله ، قال : إنه كائن في القوم خبر، فتسلل إلى عسكرهم وائتني بخبرهم . . جوع شديد ، وخوف شديد ، وبرد شديد ، ومهمة شاقة . . هؤلاء المؤمنون ، فخرجت وأنا من أشدّ الناس فزعاً ، وأكثرهم برداً ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " اللهم احفظه من بين يديه ، ومن خلفه ، وعن يمينه ، وعن شماله ، ومن فوقه ، ومن تحته " فوالله ما تمت دعوة النبي عليه الصلاة والسلام حتى انتزع الله من جوفي كل ما أودعه فيه من خوف ، وأزال عن جسدي كل ما أصابه من برد ، فلما وليت ناداني عليه الصلاة والسلام وقال : يا حذيفة ، لا تحدثن في القوم شيئاً حتى تأتيني ، فقلت : نعم . . ومضيت أتسلل في جنح الظلام حتى دخلت في جند المشركين ، وصرت كأني واحد منهم ، وما هو إلا قليل حتى قام أبو سفيان فيهم خطيباً وقال : يا معشر قريش ، إني قائل لكم قولاً أخشى أن يبلغ محمداً ، فلينظر كل رجل منكم من جليسه . . ببداهته ، وفطنته ، وذكائه ، وتوفيق الله له نجا من الموت . . فما كان مني إلا أن أخذت بيد الرجل الذي كان إلى جنبي وقلت له : من أنت ؟ قال : أنا فلان بن فلان ، فقال أبو سفيان : يا معشر قريش إنكم والله ما أصبحتم بدار قرار ، لقد هلكت رواحلنا ، وتخلت عنا بنو قريظة ، ولقينا من شدة الريح ما ترون ، فارتحلوا فإني مرتحل ، ثم قام إلى جمله ففك عقاله ، وجلس عليه ، ثم ضربه فوثب قائماً ، ولولا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرني ألا أحدث شيئاً حتى آتيه لقتلته بسهم ، عند ذلك رجعت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فوجدته قائماً يصلي في مرط لبعض أصحابه ، فلما رآني أدناني إلى رجليه وطرح عليّ طرف المرط ، فأخبرته الخبر ، فسرَّ به سروراً شديداً ، وحمد الله ، وأثنى عليه .
 النبي عليه الصلاة والسلام ، وهو سيد الخلق وحبيب الحق عانى من المنافقين ، لم يبق معه من أصحابه الصادقين إلا ثلاثمئة ، واجهوا عشرة آلاف مشرك . .
 أيها الأخوة الكرام ؛

﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ﴾

[سورة آل عمران: 142]

﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾

[سورة آل عمران: 92]

 هناك مواقف فيها وجاهة ، ندعى إلى حفل ، نجلس في مسجد ، لكن الإسلام يحتاج إلى بذل ، يحتاج أن ترعى المسلمين ، أن تدعو إلى الله ، أن تأمر بالمعروف ، أن تنهى عن المنكر ، أن تقيم أمر الله في بيتك ، وفي عملك ، أن ترعى الأيتام ، أن ترعى الأرامل ، أن تعين الفقراء ، الله عز وجل لا ينظر إلى صورتك ، ولكن ينظر إلى قلبك وعملك ، فيا أيها الأخوة الكرام موضوع النفاق موضوع خطير ، ولهذا الموضوع تتمة إن شاء الله في الأسبوع القادم .

: الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك ، إنه لا يذل من واليت ، ولا يعز من عاديت ، تباركت ربنا وتعاليت ، ولك الحمد على ما قضيت ، نستغفرك ونتوب إليك ، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك . اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ، ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين . اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، ودنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر ، مولانا رب العالمين . اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك . اللهم لا تؤمنا مكرك ، ولا تهتك عنا سترك ، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين . اللهم استر عوراتنا ، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً ، وسائر بلاد المسلمين . اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك ، ومن الفقر إلا إليك ، ومن الذل إلا لك ، نعوذ بك من عضال الداء ، ومن شماتة الأعداء ، ومن السلب بعد العطاء . اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب ، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب . اللهم صن وجوهنا باليسار ، ولا تبذلها بالإقتار ، فنسأل شر خلقك ، ونبتلى بحمد من أعطى وذم من منع ، وأنت من فوقهم ولي العطاء ، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء . اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين . اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018