الخطبة : 0560 - صلاة الجمعة 2- اتخاذ الله وليا وثمار الولاء لله. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0560 - صلاة الجمعة 2- اتخاذ الله وليا وثمار الولاء لله.


1996-03-08

الخطبة الأولى:
 الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنـا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغامـاً لمن جحد به وكفر. وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر، أو سمعت أذن بخبر. اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه وعلى ذريته، ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين. اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرِنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممــــن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

الولاء :

 أيها الأخوة الكرام: موضوع الخطبة اليوم الولاء، وهو من أدق الموضوعات، ومن ألصقها بالإيمان، فالله سبحانه وتعالى يقول:

﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾

[سورة البقرة: 257]

 معنى الولي.. الله ولي الذين آمنوا: جاء في المعجم أن ولي بمعنى قرُب، ودنا، واستمر، وأحبّ، وصادق، ونصر. الولي هو المالك، والمملوك، من ألفاظ التضاد، والرب والناصر، والمنعم والمحب. تولاه: اتخذه ولياً. الله ولي الذين آمنوا: الله مرجعهم، يرجعون إليه في كل أحكامهم، يستنصرونه، يستهدونه، يطيعونه، هو ينصرهم، يحفظهم، ينصرهم على عدوهم..

﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾

[سورة البقرة: 257]

 آية أخرى أيها الأخوة:

﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ﴾

[سورة آل عمران :28]

الولاء من ألصق الموضوعات بالإيمان :

 قلت لكم: إن من ألصق الموضوعات بالإيمان أن يكون الله ورسوله وليك، أن ترجع إلى كتاب الله، وإلى سنة رسول الله.

﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً﴾

[سورة النساء: 139]

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مُبِيناً ﴾

[سورة النساء: 144]

 أيها الأخوة الكرام: آية فاصلة:

﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ﴾

[سورة المائدة: 81]

 الولاء ألا تتخذ غير الله ولياً، ألا ترجع إلا إليه، ألا تهتدي إلا بهديه، ألا تحتكم إلا لشرعه، ألا تستنصر إلا به، ألا تقبل إلا عليه.

﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾

[سورة الأنفال: 72]

 هذه الآية رقمها اثنان وسبعون من سورة الأنفال، الآية التي تليها:

﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ ﴾

[سورة الأنفال: 73]

 أي يتعاونون، يتناصرون عليكم، يخططون لتدميركم. والذين كفروا بعضهم أولياء بعض، إلا تفعلوه.. هذه الهاء على من تعود؟ أو على أي شيء تعود؟ قال علماء التفسير: تعود على الآية التي قبلها.

﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ﴾

[سورة الأنفال: 73]

 أي يجب أن تؤمن، ويجب أن تهجر ما نهى الله عنه، ويجب أن تجاهد نفسك وهواك، ويجب أن تؤوي المؤمنين، وأن تنصرهم، إن فعلتم ذلك نجوتم، وإلا..

﴿إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ ﴾

[سورة الأنفال: 73]

من لم يتخذ الله ولياً فليس بمؤمن :

 أيها الأخوة الكرام: إن كنت مؤمناً حقاً تتولى الله ورسوله، تحكّم كتاب الله وسنة رسوله في حياتك، حتى في خصوماتك، حتى في نشاطاتك، حتى في أعمالك، إن لم تتخذ الله ولياً فلست مؤمناً.

﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ﴾

[سورة الأنعام: 14]

 أيعقل ذلك؟ أنت مسلم أن تلجأ لغير الله؟ أن تستنصر بغير الله؟ أن تتجه لغير الله؟ أن تعتمد على غير الله؟ أن تستضيء بنار المشركين؟ أن تهتدي بما يعطونك؟
 أيها الأخوة الكرام:

﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾

[سورة النساء: 115]

 بل إن الله سبحانه وتعالى يحذرنا أن نتخذ أقرب الناس إلينا أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان.
 أيها الأخوة الكرام: لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان، ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون.
 يا إخوة الإيمان وصف رائع للمؤمنين في سورة التوبة:

﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾

[سورة التوبة : 71]

 يتعاونون، يتناصرون، يتناصحون، ينصر بعضهم بعضاً، يقوي بعضهم بعضاً، ينصح بعضهم بعضاً.

﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾

[سورة التوبة : 71]

 أيها الأخ الكريم حينما تعاني من مشكلة، إن كنت مؤمناً حقاً أول شيء يخطر في بالك ما حكم الشرع في هذا الموضوع؟ ما الذي يرضي الله في هذا الموضوع؟ هذا معنى أن تتخذ الله ولياً لك، إن اتخذته ولياً لك أخرجك من الظلمات، من ظلمات الضلال، من ظلمات الشهوات، ومن ظلمات الضياع إلى النور، والنور جاء مفرداً، والظلمات جاءت جمعاً، لأن الباطل يتعدد، لكن الحق لا يتعدد، الحق واحد، قال تعالى:

﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾

[سورة الأنعام: 153]

 ولا تتبعوا السبل جمع..

 

ثمار الولاء :

 أيها الأخوة الكرام: إن أكبر ثمرة ينالها من تولى الله ورسوله، من جعل الله وليه، من رجع إلى كتاب الله وسنة رسوله، من سلك سبيل المؤمنين، من انتمى إلى المؤمنين.. إنما المؤمنين إخوة. من ابتعد عن غير المؤمنين، إن أولى ثمار هذا الولاء، ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. هذه بشارة من الله، وضمانة من الله، لا خوف عليهم، أي لا يخافون شيئاً في المستقبل، ولا يحزنون على ما مضى. آية قصيرة مؤلفة من كلمات تغطي الماضي والمستقبل في وقت معاً.

﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾

[سورة يونس: 62]

 من هم أولياء الله؟ ربنا أجابنا عن هذا السؤال:

﴿الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ﴾

[سورة يونس: 63]

 آمنوا بالله وأطاعوه، فأنت من أولياء الله. ثم إن الله سبحانه وتعالى يحذرنا أن نركن إلى الذين ظلموا، أن نهتدي بطريقتهم في الحياة، أن نكبرهم، قال عليه السلام:

(( من هوي الكفرة حُشر معهم ولا ينفعه عمله شيئاً ))

[الطبراني عن جابر بن عبد الله ]

 من أقام مع المشركين إقامة دائمة، أحبهم، أحبّ بلادهم، أحبّ نمط حياتهم، أحبّ طلاقتهم، من أقام مع المشركين برئت منه ذمة الله، قال تعالى:

﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ ﴾

[سورة هود: 113]

 أما هذا الذي يتخذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين إنه كمثل الذي يلتجئ إلى بيت العنكبوت، قال تعالى:

﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾

[سورة العنكبوت: 41]

 ما من مخلوق يعتصم بي من دون خلقي، أعرف ذلك من نيته فتكيده أهل السموات والأرض، إلا جعلت له من بين ذلك مخرجاً، وما من مخلوق يعتصم بمخلوق دوني، أعرف ذلك من نيته، إلا جعلت الأرض هوياً تحت قدميه، وقطعت أسباب السماء بين يديه .

 

الله عز وجل هو الولي يخرج الناس من الظلمات إلى النور :

 يا أيها الأخوة الكرام: ما من وقت يحتاج المسلمون إلى هذه الآيات، وتلك المعاني كهذا الوقت العصيب:

﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾

[سورة العنكبوت: 41]

 أم اتخذوا من دونه أولياء، فالله هو الولي، هو المحيي، هو المميت، هو الرازق، هو الناصر، هو القابض، هو الباسط، هو المعز، هو المذل، هو المعطي، هو المانع، هو الخافض، هو الرافع..

﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾

[سورة الشورى: 9]

 أن تتخذ الله ولياً أن تقترب منه، أن تقبل عليه، أن تستمر على طاعته، التتابع.. أن تحبه، أن تستنصره، أن توليه أمورك، أن يكون الله وليك، أن يحفظك، أن يرزقك، أن ينصرك، أن ينعم عليك، أن يخرجك من الظلمات إلى النور.

 

من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم :

 أيها الأخوة الكرام: هذا من كتاب الله، فماذا عن سنة رسول الله؟ ورد في كتب الحديث الصحيحة أن المنذر بن جرير يحدث عن أبيه قال:

(( كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صَدْرِ النَّهَارِ قَالَ: فَجَاءَهُ قَوْمٌ حُفَاةٌ عُرَاةٌ مُجْتَابِي النِّمَارِ أَوِ الْعَبَاءِ مُتَقَلِّدِي السُّيُوفِ عَامَّتُهُمْ مِنْ مُضَرَ بَلْ كُلُّهُمْ مِنْ مُضَرَ، فَتَمَعَّرَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَا رَأَى بِهِمْ مِنَ الْفَاقَةِ، فَدَخَلَ ثُمَّ خَرَجَ فَأَمَرَ بِلَالًا فَأَذَّنَ وَأَقَامَ فَصَلَّى ثُمَّ خَطَبَ فَقَالَ ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمِ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساءً واتقوا الله الذين تساءلون به والأرحام إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾وَالْآيَةَ الَّتِي فِي الْحَشْرِ ﴿ اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ ﴾))

[ مسلم عَنِ الْمُنْذِرِ بْنِ جَرِيرٍ عَنْ أَبِيهِ]

 ما الذي حدث لرسول الله صلى الله عليه وسلم؟ رأى هؤلاء المسلمين الحفاة العراة الفقراء، تغير وجهه. فالذي يحقق مآربه الشخصية، ويسعى لدنياه العريضة، ولا يأبه، ولا يهتم لفقراء المسلمين فليس مؤمناً. من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم .

((….. تصدق رجل من ديناره - هكذا قال عليه الصلاة والسلام - من درهمه، من ثوبه، من صاع بره، من صاع تمره، حتى قال: ولو بشق تمرة.. فجاء رجل من الأنصار بصرة كادت كفه تعجز عنها بل قد عجزت، ثم تتابع الناس حتى رأيت كومين من طعام وثياب، حتى رأيت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يتهلل كأنه مذهبة، فقال عليه الصلاة والسلام: من سنّ في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من غير أن ينقص من أجورهم شيئاً، ومن سنّ في الإسلام سنةً سيئة فعليه وزرها، ووزر من عمل بها من غير أن ينقص من أوزارهم شيئاً ))

[مسلم عن جرير بن عبد الله]

 أيها الأخوة الكرام: إن لم تشعر بما يشعر به المسلمون، إن لم تتألم لآلامهم، إن لم تحزن لأحزانهم، إن لم تفرح لأفراحهم، إن لم تشعر بما يعانون فهذا نقص في الإيمان، ونقص في الدين.

 

أحاديث تتعلق بالحرص على مصالح المؤمنين :

 أيها الأخوة الكرام: يقول عليه الصلاة والسلام:

(( اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا ))

[ النسائي وأبو داود عن أبي موسى الأشعري]

 أي إذا كنت قادراً على أن تكون وسيطاً بينك وبين أخ ضعيف، وبين أخ مظلوم، إذا كان بإمكانك أن تنفع أخاك، بأن تذهب معه إلى من بيده الأمر.

(( اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا ))

[ النسائي وأبو داود عن أبي موسى الأشعري]

 هكذا قال عليه الصلاة والسلام. نحن في أحاديث تتعلق بالولاء للمؤمنين، بالانتماء إليهم، بالحرص على مصالحهم.

((عنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ قَالَ: انْطَلَقْتُ أَنَا وَالْأَشْتَرُ إِلَى عَلِيٍّ رَضِي اللَّهم عَنْهم فَقُلْنَا هَلْ عَهِدَ إِلَيْكَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا لَمْ يَعْهَدْهُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً قَالَ لَا إِلَّا مَا كَانَ فِي كِتَابِي هَذَا فَأَخْرَجَ كِتَابًا مِنْ قِرَابِ سَيْفِهِ فَإِذَا فِيهِ الْمُؤْمِنُونَ تَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ أَلَا لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ وَلَا ذُو عَهْدٍ بِعَهْدِهِ مَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا فَعَلَى نَفْسِهِ أَوْ آوَى مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ))

[ النسائي عنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ ]

عِظم حقوق العباد :

 أيها الأخوة الكرام: ورد في الحديث الصحيح:

(( أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بجنازة ليصلي عليها، فقال: صلوا على صاحبكم فإن عليه ديناً، فقال أبو قتادة: أنا أتكفل به، قال: بالوفاء؟ قلت: بالوفاء، وكان الذي عليه ثمانية عشر أو تسعة عشر درهماً ))

[ ابن ماجه عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه ]

 أرأيتم إلى هذا التعاون؟ قال له: أنا أتكفل به صلِّ عليه يا رسول الله..
 أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يعلمنا عظم حقوق العباد، فالدين من الحقوق التي لا تُترك، هناك ذنب يُغفر؛ ما كان بينك وبين الله، وذنب لا يُترك؛ ما كان بينك وبين العباد، وذنب لا يُغفر؛ هو الشرك بالله عز وجل، طبعاً إن لم يتب صاحبه.

((عَنْ قَيْسِ ابْنِ رُومِيٍّ قَالَ: كَانَ سُلَيْمَانُ بْنُ أُذُنَانٍ يُقْرِضُ عَلْقَمَةَ أَلْفَ دِرْهَمٍ إِلَى عَطَائِهِ فَلَمَّا خَرَجَ عَطَاؤُهُ تَقَاضَاهَا مِنْهُ وَاشْتَدَّ عَلَيْهِ فَقَضَاهُ فَكَأَنَّ عَلْقَمَةَ غَضِبَ فَمَكَثَ أَشْهُرًا ثُمَّ أَتَاهُ فَقَالَ: أَقْرِضْنِي أَلْفَ دِرْهَمٍ إِلَى عَطَائِي قَالَ: نَعَمْ وَكَرَامَةً يَا أُمَّ عُتْبَةَ هَلُمِّي تِلْكَ الْخَرِيطَةَ الْمَخْتُومَةَ الَّتِي عِنْدَكِ فَجَاءَتْ بِهَا فَقَالَ أَمَا وَاللَّهِ إِنَّهَا لَدَرَاهِمُكَ الَّتِي قَضَيْتَنِي مَا حَرَّكْتُ مِنْهَا دِرْهَمًا وَاحِدًا قَالَ: فَلِلَّهِ أَبُوكَ مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا فَعَلْتَ بِي قَالَ: مَا سَمِعْتُ مِنْكَ قَالَ: مَا سَمِعْتَ مِنِّي؟ قَالَ: سَمِعْتُكَ تَذْكُرُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُقْرِضُ مُسْلِمًا قَرْضًا مَرَّتَيْنِ إِلَّا كَانَ كَصَدَقَتِهَا مَرَّةً قَالَ كَذَلِكَ أَنْبَأَنِي ابْنُ مَسْعُودٍ ))

[ابن ماجه عَنْ قَيْسِ بْنِ رُومِيٍّ]

 المرة الأولى كصدقة تماماً، ينال أجر الصدقة، والثاني أجر القرض.

 

الحرص على تنفيذ أوامر النبي الكريم :

 أيها الأخوة الكرام: أرأيتم كيف أن أصحاب النبي، ومن بعده التابعين كانوا يقتدون برسول الله، ويأتمرون بأمره، ويحرصون على تنفيذ أوامره وسنته؟

((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الْمُسْلِمُونَ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ فِي الْمَاءِ وَالْكَلَإِ وَالنَّارِ وَثَمَنُهُ حَرَامٌ، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ يَعْنِي الْمَاءَ الْجَارِيَ ))

[ ابن ماجه عن ابن عباس ]

 الماء الجاري، هناك موضوع آخر، الماء المستخرج بوسائل حديثة يحتاج إلى نفقات موضوع ثان، أما الماء الجاري فالماء والكلأ والنار.

((عَنْ أَبِي الْيَسَرِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا أَوْ وَضَعَ عَنْهُ أَظَلَّهُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ ))

[مسلم عَنْ أَبِي الْيَسَرِ]

 وقال أيضاً:

(( عَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: مَنْ نَفَّسَ عَنْ غَرِيمِهِ أَوْ مَحَا عَنْهُ كَانَ فِي ظِلِّ الْعَرْشِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ))

[مسلم عَنْ أَبِي قَتَادَةَ]

 وعَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( لِيَنْصُرِ الرَّجُلُ أَخَاهُ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا، فَإِنْ كَانَ ظَالِمًا فَلْيَنْهَهُ فَإِنَّهُ لَهُ نُصْرَةٌ وَإِنْ كَانَ مَظْلُومًا فَلْيَنْصُرْهُ ))

[مسلم عَنْ جَابِرٍ]

ولاء المؤمن لله ولرسوله وللمؤمنين :

 أيها الأخوة الكرام: من التعاريف الجامعة المانعة للدين، ذاك التعريف الموجز الذي ينطوي على كلمتين: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((الدِّينُ النَّصِيحَةُ، قَالُوا: لِمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ ))

[متفق عليه عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 أن تنصح الناس أن يرجعوا إلى كتاب الله، أن يحكموه فيما بينهم، أن يطبقوه، أن يقرؤوه، أن يحفظوه، أن يجودوه، أن يكون ربيع قلوبهم، أن يكون عصمة أمرهم. ولرسوله: أن تنصح الناس أن يعودوا إلى سنة رسول الله. ولكتابه، ولأئمة المسلمين وعامتهم..
 أيها الأخوة الكرام: هذا هو الولاء، ولاؤك لله ولرسوله وللمؤمنين؛ إقبالك على الله، ثقتك بالله، توكلك على الله، يقينك بما عند الله، من أراد أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله، من أراد أن يكون أغنى الناس فليكن بما في يدي الله أوثق منه بما في يديه، من أراد أن يكون أكرم الناس فليتق الله.
 أيها الأخوة الكرام: ولاء المؤمن لله ولرسوله وللمؤمنين، يبتغي العزة عند الله ورسوله، ابتغوا العزة عند الله، الولاء من ألصق خصائص الإيمان، فإن كان الولاء لغير الله، ولقوم بعيدين عن الله، ولأناس لا يؤمنون بالله، فهذا الولاء ينفي عن صاحبه الإيمان.
 أيها الأخوة الكرام: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا لغيرنا، وسيتخطى غيرنا إلينا، الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني..

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

الولاء لله و لرسوله من أخصّ خصائص الإيمان :

 أيها الأخوة الكرام: عَنِ ابْنِ شِمَاسَةَ الْمَهْرِيِّ قَالَ:

(( حَضَرْنَا عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ وَهُوَ فِي سِيَاقَةِ الْمَوْتِ فَبَكَى طَوِيلًا وَحَوَّلَ وَجْهَهُ إِلَى الْجِدَارِ فَجَعَلَ ابْنُهُ يَقُولُ: يَا أَبَتَاهُ أَمَا بَشَّرَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَذَ؟ أَمَا بَشَّرَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَذَا؟ قَالَ: فَأَقْبَلَ بِوَجْهِهِ فَقَالَ: إِنَّ أَفْضَلَ مَا نُعِدُّ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ إِنِّي كُنْتُ عَلَى أَطْبَاقٍ ثَلَاثٍ - على ثلاث مراحل- لَقَدْ رَأَيْتُنِي وَمَا أَحَدٌ أَشَدَّ بُغْضًا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنِّي - أول مرحلة- وَلَا أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ أَكُونَ قَدِ اسْتَمْكَنْتُ مِنْهُ فَقَتَلْتُهُ فَلَوْ مُتُّ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ لَكُنْتُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ -هذه أول حالة- فَلَمَّا جَعَلَ اللَّهُ الْإِسْلَامَ فِي قَلْبِي أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ: ابْسُطْ يَمِينَكَ فَلْأُبَايِعْكَ فَبَسَطَ يَمِينَهُ قَالَ: فَقَبَضْتُ يَدِي قَالَ: مَا لَكَ يَا عَمْرُو؟ قَالَ: قُلْتُ: أَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِطَ؟ قَالَ: تَشْتَرِطُ بِمَاذَا؟ قُلْتُ: أَنْ يُغْفَرَ لِي قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ وَأَنَّ الْهِجْرَةَ تَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلِهَا وَأَنَّ الْحَجَّ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ وَمَا كَانَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (هذا هو الولاء) وَلَا أَجَلَّ فِي عَيْنِي مِنْهُ وَمَا كُنْتُ أُطِيقُ أَنْ أَمْلَأَ عَيْنَيَّ مِنْهُ إِجْلَالًا لَهُ وَلَوْ سُئِلْتُ أَنْ أَصِفَهُ مَا أَطَقْتُ لِأَنِّي لَمْ أَكُنْ أَمْلَأُ عَيْنَيَّ مِنْهُ، وَلَوْ مُتُّ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ لَرَجَوْتُ أَنْ أَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ - هذه الحالة الثانية- ثُمَّ وَلِينَا أَشْيَاءَ مَا أَدْرِي مَا حَالِي فِيهَا فَإِذَا أَنَا مُتُّ فَلَا تَصْحَبْنِي نَائِحَةٌ وَلَا نَارٌ، فَإِذَا دَفَنْتُمُونِي فَشُنُّوا عَلَيَّ التُّرَابَ شَنًّا ثُمَّ أَقِيمُوا حَوْلَ قَبْرِي قَدْرَ مَا تُنْحَرُ جَزُورٌ وَيُقْسَمُ لَحْمُهَا حَتَّى أَسْتَأْنِسَ بِكُمْ وَأَنْظُرَ مَاذَا أُرَاجِعُ بِهِ رُسُلَ رَبِّي ))

[ مسلم عَنِ ابْنِ شِمَاسَةَ الْمَهْرِيِّ]

 هذا هو الولاء، المرحلة الثانية في أعلى درجات الولاء لله ولرسوله.
 أما سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه فعَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ الْأَوْدِيِّ قَالَ:

(( رَأَيْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِي اللَّه عَنْهم قَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ اذْهَبْ إِلَى أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ رَضِي اللَّه عَنْهَا فَقُلْ: يَقْرَأُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَلَيْكِ السَّلَامَ ثُمَّ سَلْهَا أَنْ أُدْفَنَ مَعَ صَاحِبَيَّ قَالَتْ كُنْتُ أُرِيدُهُ لِنَفْسِي فَلَأُوثِرَنَّهُ الْيَوْمَ عَلَى نَفْسِي فَلَمَّا أَقْبَلَ قَالَ لَهُ مَا لَدَيْكَ قَالَ أَذِنَتْ لَكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ: مَا كَانَ شَيْءٌ أَهَمَّ إِلَيَّ مِنْ ذَلِكَ الْمَضْجَعِ فَإِذَا قُبِضْتُ فَاحْمِلُونِي ثُمَّ سَلِّمُوا ثُمَّ قُلْ يَسْتَأْذِنُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَإِنْ أَذِنَتْ لِي فَادْفِنُونِي وَإِلَّا فَرُدُّونِي إِلَى مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ إِنِّي لَا أَعْلَمُ أَحَدًا أَحَقَّ بِهَذَا الْأَمْرِ مِنْ هَؤُلَاءِ النَّفَرِ الَّذِينَ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ عَنْهُمْ رَاضٍ فَمَنِ اسْتَخْلَفُوا بَعْدِي فَهُوَ الْخَلِيفَةُ فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا فَسَمَّى عُثْمَانَ وَعَلِيًّا وَطَلْحَةَ وَالزُّبَيْرَ وَعَبْدَالرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ وَسَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ وَوَلَجَ عَلَيْهِ شَابٌّ مِنَ الْأَنْصَارِ فَقَالَ أَبْشِرْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بِبُشْرَى اللَّهِ كَانَ لَكَ مِنَ الْقَدَمِ فِي الْإِسْلَامِ مَا قَدْ عَلِمْتَ ثُمَّ اسْتُخْلِفْتَ فَعَدَلْتَ ثُمَّ الشَّهَادَةُ بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ فَقَالَ لَيْتَنِي يَا ابْنَ أَخِي وَذَلِكَ كَفَافًا لَا عَلَيَّ - ماذا رأى هذا الخليفة العظيم؟ رأى مسؤولية الخلافة، ماذا رأى من جلال قدر الله عز وجل؟ لعله قصر.. والله لو تعثرت بغلة في العراق لحاسبني الله عنها، لمَ لم تصلح لها الطريق ياعمر؟- فَقَالَ لَيْتَنِي يَا ابْنَ أَخِي وَذَلِكَ كَفَافًا لَا عَلَيَّ وَلَا لِي أُوصِي الْخَلِيفَةَ مِنْ بَعْدِي بِالْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ خَيْرًا أَنْ يَعْرِفَ لَهُمْ حَقَّهُمْ وَأَنْ يَحْفَظَ لَهُمْ حُرْمَتَهُمْ وَأُوصِيهِ بِالْأَنْصَارِ خَيْرًا - الَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ - أَنْ يُقْبَلَ مِنْ مُحْسِنِهِمْ وَيُعْفَى عَنْ مُسِيئِهِمْ وَأُوصِيهِ بِذِمَّةِ اللَّهِ وَذِمَّةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُوفَى لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ وَأَنْ يُقَاتَلَ مِنْ وَرَائِهِمْ وَأَنْ لَا يُكَلَّفُوا فَوْقَ طَاقَتِهِمْ))

[ البخاري عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ الْأَوْدِيِّ]

 هذه وصية عمر رضي الله عنه حينما وافاه الأجل.
 أيها الأخوة الكرام: من علامة الإيمان الصادق أن تكون ولياً لله ولرسوله وللمؤمنين، أن تشعر بما يشعرون، أن تتألم لما يتألمون، أن تحب ما يحبون، أن تسهم في تخفيف آلامهم، أن تسهم في حل مشكلاتهم، أن تسهم في قضاء حوائجهم، هذا هو الإيمان أيها الأخوة، لو كنا كذلك لكنا في حال غير هذا الحال، ولو كنا كذلك لكنا في حال أرقى من هذا الحال.
 أيها الأخوة الكرام: عود على بدء: موضوع الولاء من أخص خصائص الإيمان، فمن لم يكن الله ورسوله ولياً له فهو بعيد عن الإيمان بعد الأرض عن السماء.

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك. اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، ومتعنا اللهم بأسماعنا، وأبصارنا، وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا، مولانا رب العالمين. اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، ودنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين. اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك. اللهم لا تؤمنا مكرك، ولا تهتك عنا سترك، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين. اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا، وآمنا في أوطاننا، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً، وسائر بلاد المسلمين. اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك، ومن الفقر إلا إليك، ومن الذل إلا لك، نعوذ بك من عضال الداء، ومن شماتة الأعداء، ومن السلب بعد العطاء. اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب، اللهم صن وجوهنا باليسار، ولا تبذلها بالإقتار، فنسأل شر خلقك ونبتلى بحمد من أعطى، وذم من منع، وأنت من فوقهم ولي العطاء، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء.
 اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين.
 اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى، إنك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018